الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دليل أصحاب القول الرابع: أنه ليس في قراءة القرآن في الخطبة على المنبر شيء موقت، فما شاء الخطيب قرأ، ولو كان دون الآية (1) .
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن أقل مقدار لقراءة القرآن في خطبة الجمعة هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل؛ لقوة ما استدلوا به، ولعدم ورود دليل على التجديد، وقد تقدم في المطلب السابق ترجيح السنية، فيكون المقصود في هذا الترجيح أقل مقدار للإتيان بالسنة.
[المطلب الثالث قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له]
المطلب الثالث
قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة والسجود له اختلف الفقهاء في حكم قراءة الخطيب في خطبة الجمعة لآية فيها سجود تلاوة، والسجود إذا قرأ، وذلك على قولين:
(1) ينظر: المغني 3 / 176.
القول الأول: يباح قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له.
وبهذا قال الحنفية (1) والإمام الشافعي وأصحابه (2) والحنابلة (3) وابن حزم (4) .
القول الثاني: يكره قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، ويكره السجود له.
وبهذا قال الإمام مالك، وأصحابه (5) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
(1) ينظر: الحجة على أهل المدينة 1 / 218، وبدائع الصنائع 1 / 192 - 193، وفتح القدير 2 / 27.
(2)
ينظر: الأم 1 / 231، والمجموع 4 / 520، وروضة الطالبين 2 / 26، ومغني المحتاج 1 / 216.
(3)
ينظر: المغني 3 / 180، والفروع 2 / 112.
(4)
ينظر: المحلى 5 / 60.
(5)
ينظر: الموطأ 1 / 206، والمنتقى شرح الموطأ 1 / 351، الشرح الكبير للدردير 1 / 301، وحاشية العدوي 1 / 320.
أولا: من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا» (1) .
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم واضح ومتكرر.
ثانيا: من آثار الصحابة رضي الله عنه: 1 - ما رواه ربيعة بن عبد الله بن الهدير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال:" يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه "، ولم يسجد عمر رضي الله عنه (2) .
(1) سبق تخريجه ص (147) .
(2)
سبق تخريجه ص (147) .
وجه الدلالة: أن عمر رضي الله عنه قرأ السجدة في خطبة الجمعة ونزل فسجد، وفعله هذا كان مع حضور الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فدل ذلك على إباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة والسجود لذلك (1) .
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن ذلك مما لم يتبع عليه عمر رضي الله عنه، ولا عمله أحد من بعده (2) .
والإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بأن دليل الإباحة ليس مقصورا على فعل عمر رضي الله عنه، بل ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث أبي سعيد.
كما أنه لا يسلم بأنه لم يعمله أحد بعده، بل فعله غيره من الصحابة والتابعين كما سيأتي.
2 -
ما روي أن النعمان بن بشير رضي الله عنه قرأ سجدة (ص) وهو على المنبر فنزل فسجد، ثم عاد إلى مجلسه (3) .
(1) ينظر: فتح الباري 2 / 559.
(2)
ينظر: المنتقى شرح موطأ مالك 1 / 351.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب السجدة تقرأ على المنبر ما يفعله صاحبها 2 / 18.
3 -
ما رواه صفوان (1) بن محرز قال: " بينا الأشعري (2) يخطب يوم الجمعة إذ قرأ السجدة الآخرة من سورة الحج، قال: نزل عن المنبر فسجد، ثم عاد إلى مجلسه "(3) .
4 -
ما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1](4) ثم نزل إلى القرار فسجد بها (5) .
(1) هو صفوان بن محرز بن زياد المازني، وقيل: الباهلي، قال أبو حاتم: جليل، ووثقه العجلي، وابن سعد وغيرهما، وقال ابن حجر: ثقة عابد، توفي سنة 74 هـ.
(ينظر: طبقات ابن سعد 7 / 147، وتهذيب التهذيب 4 / 430، وتقريب التهذيب 1 / 368) .
(2)
ظاهره أن المقصود به الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين 2 / 18.
(4)
سورة الانشقاق، الآية رقم (1) .
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين 2 / 18، وفي باب من كان يسجد في المفصَّل 2 / 8، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب فضائل القرآن - باب كم في القرآن من سجدة 2 / 340، وفي كتاب الجمعة - باب القراءة على المنبر 3 / 193، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الصلاة - باب السجدة في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) 2 / 316.
5 -
ما روي عن عقبة (1) بن عامر رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر السجدة فنزل (2) .
وهذه الآثار واضحة الدلالة.
ثالثا: من المعقول: أن سجود التلاوة حال خطبة الجمعة سنة وجد سببها، ولا يطول الفصل بها، فاستُحِبَّ فعلها كحمد الله سبحانه وتعالى إذا عطس، وتشميت العاطس (3) .
أدلة أصحاب القول الثاني: 1 - أن الخطيب إذا قرأ في الخطبة ما فيه سجود تلاوة فإنه بين أمرين إما أن يسجد، وفي هذا إخلال بنظام الخطبة، وإما ألا يسجد، فيدخل في الوعيد الوارد في قول الله - تعالى -:{وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21](4) فلذا يكره له قراءتها، والسجود
(1) عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، يكنى بأبي حماد، من المهاجرين قديما، وهو أحد من جمع القرآن، ولي إمرة مصر لمعاوية، وتوفي سنة 58 هـ، وقيل غير ذلك.
(ينظر: طبقات ابن سعد 4 / 343، وتهذيب التهذيب 7 / 242) .
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب السجدة تقرأ على المنبر ما يفعله صاحبها 2 / 19.
(3)
ينظر: المغني 3 / 181.
(4)
سورة الانشقاق، الآية رقم (21) .
لها (1) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه اجتهاد في مقابل نص، وهو ما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مردود.
الوجه الثاني: عدم التسليم بإخلاله بنظام الخطبة؛ لأنه عمل يسير متعلق بها، كما أنه أولى من تكليم المأموم للخطيب وتكليم الخطيب للمأموم الذي ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه - أي التكليم - لأمر لا علاقة له بالخطبة.
2 -
أن السجود حال الخطبة يسبب التخليط على الناس، وذلك بأن يتوهموا أن الإمام قد فرغ من الخطبة وقام إلى الصلاة، فيكره (2) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: ما تقدم في مناقشة الدليل السابق أنه اجتهاد في مقابل النص، فهو مردود.
(1) ينظر: حاشية الدسوقي 1 / 301.
(2)
ينظر: المنتقى شرح موطأ مالك 1 / 351.
الوجه الثاني: عدم التسليم بتسببه في التخليط؛ لأن الناس مأمورون بالإنصات واستماع الخطبة، فإذا قرأ الخطيب ما فيه سجود علموا إن نزوله للسجود وليس لفراغه.
3 -
أن سجود التلاوة صلاة تطوع، فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة، كصلاة ركعتين (1) .
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن صلاة ركعتين لم يوجد سببها، ويطول الفصل بها، بخلاف السجود (2) .
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بإباحة قراءة ما فيه سجود تلاوة في خطبة الجمعة، والسجود لذلك؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على خلافه.
ولكن ينبغي للإمام أن ينبه المأمومين إذا أراد السجود ويتأكد ذلك إذا كان هناك من لا يراه لبعد أو حائل حتى لا يحصل تشويش على الناس.
(1) ذكر هذا الدليل لهم ابن قدامة في المغني 3 / 181.
(2)
ينظر: المغني 3 / 181.