الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثاني عشر رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة]
المبحث الثاني عشر
رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة تقدم الكلام على الدعاء في خطبة الجمعة، وأن أقل الأقوال فيه السنية، وهو ما ظهر رجحانه (1) .
وقد اختلف الفقهاء في حكم رفع اليدين أثناء هذا الدعاء، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه مكروه في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.
وهذا هو الصحيح من الوجهين عند الحنابلة (2) .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث جاء في الاختيارات: " ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا "(3) .
القول الثاني: أنه بدعة في غير دعاء الاستسقاء، والمشروع الإشارة بالإصبع.
(1) ص (357) وما بعدها.
(2)
ينظر: الفروع 2 / 119، والإنصاف 2 / 398، وكشاف القناع 2 / 37، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ص (80) .
(3)
الاختيارات ص (80) .
وهذا منسوب إلى أكثر المالكية، والشافعية (1) وبه قال بعض الحنابلة (2) .
القول الثالث: أنه مباح مطلقا.
وهذا منسوب إلى بعض المالكية (3) وبه قال بعض الحنابلة (4) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: أولا: استدلوا على الكراهة في غير دعاء الاستسقاء ومشروعية الإشارة بالإصبع بما يلي:
1 -
ما روي عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه «أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد
(1) نسبه إليهم - أي إلى أكثر المالكية، والشافعية - ابن مفلح في الفروع 2 / 119، والبهوتي في الكشاف 2 / 37، ونسب إليهم النووي في شرح صحيح مسلم 6 / 162 القول بأن السنة ألا يرفع اليد، ولم يصرح بالبدعة.
(2)
ومن أشهر من قال بذلك منهم المجد كما في الفروع 2 / 119، والإنصاف 2 / 398.
(3)
نسبه إليهم النووي في شرح صحيح مسلم 6 / 162.
(4)
ينظر: الفروع 2 / 119، والإنصاف 2 / 398.
على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة» (1) .
2 -
ما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهرا يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد الوسطى والإبهام» (2) .
قال في نيل الأوطار: " والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء. . . "(3) وقال ابن القيم رحمه الله عن الإشارة بالإصبع: " وكان يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه "(4) .
ثانيا: واستدلوا على عدم الكراهة في دعاء الاستسقاء بما يلي:
ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما
(1) سبق تخريجه ص (363) .
(2)
أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب رفع اليدين على المنبر 1 / 289، الحديث رقم (1105)، وقال الألباني في إرواء الغليل 3 / 77:" بإسناد حسن ".
(3)
ينظر: نيل الأوطار 3 / 271.
(4)
زاد المعاد 1 / 428.
النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده في ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» (1) .
وهذا واضح الدلالة.
أدلة أصحاب القول الثاني: أولا: استدلوا على البدعية في غير دعاء الاستسقاء ومشروعية الإشارة بالإصبع بحديث عمارة بن رويبة رضي الله عنه الذي استدل به أصحاب القول الأول، حيث شدد عمارة
(1) سبق تخريجه ص (321) .
في إنكاره على بشر بقوله: " قبح الله هاتين اليدين "، ثم ذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم، والإنكار بهذه الصيغة لا يكون إلا على فعل أمر شديد الحرمة يصل إلى حد البدعة.
مناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأن الحجة في الحديث هي فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا في قول عمارة رضي الله عنه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله عنه رفع اليدين في الاستسقاء في خطبة الجمعة وقد عممه بعض الفقهاء في القول الثالث فقالوا بالجواز مطلقا، فلذلك يبعد القول بالبدعية.
ثانيا: واستدلوا على القول بالجواز في حال الاستسقاء بما استدل به أصحاب القول الأول من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
دليل أصحاب القول الثالث: استدلوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي استدل به أصحاب القولين الأول والثاني على الجواز في حال دعاء الاستسقاء، فحملوه على العموم في الاستسقاء وغيره، فقالوا