الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث السادس الجهر بالخطبة]
المبحث السادس
الجهر بالخطبة اختلف الفقهاء في اشتراط جهر الخطيب بالخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يشترط جهر الخطيب بالخطبة بحيث يسمعه العدد المعتبر إن لم يكن مانع.
وبهذا قال المالكية (1) وهو الصحيح عند الشافعية (2) . وبه قال الحنابلة (3) .
القول الثاني: أنه لا يشترط الجهر بالخطبة، فلو خطب سرا أجزأ.
وبهذا قال الحنفية (4) والشافعية في وجه عندهم (5)
(1) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2 / 172، والفواكه الدواني 1 / 306، بلغة السالك والشرح الصغير بهامشه 1 / 178.
(2)
ينظر: الوجيز 1 / 64، وحلية العلماء 2 / 279، وروضة الطالبين 2 / 27، والمجموع 4 / 523، ومغني المحتاج 1 / 387.
(3)
ينظر: شرح الزركشي 2 / 180، الفروع 2 / 119، والإنصاف 2 / 390، وكشاف القناع 2 / 33.
(4)
ينظر: الفتاوى الهندية 1 / 146، ومراقي الفلاح ص (103) .
(5)
ينظر: روضة الطالبن 2 / 27، والمجموع 4 / 523.
لكن قال عنه النووي: " وهو غلط "(1) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول.
أولا: من الكتاب: 1 - قول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] الآية (2) .
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالسعي إلى ذكره، ويدخل في ذكره الخطبة كما تقدم، وإنما أمرهم ليستمعوا ويتعظوا ويتذكروا، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل على أن الجهر مأمور به، فهو واجب على الخطيب.
2 -
قول الله - تعالى -: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] الآية (3) .
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أنَّبَهُمْ على ترك الخطبة
(1) ينظر المرجعان السابقان.
(2)
سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (9) .
(3)
سورة الجمعة، جزء من الآية رقم (11) .
والانفضاض للتجارة، فدل على وجوب الاستماع للخطبة لمن حضرها وعدم الانصراف لغير عذر، فاقتضى ذلك ضمنا الأمر بالجهر بها، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانيا: من السنة: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب فقد لغوت» (1) .
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإنصات للخطبة، وحرم السلام حالها، وهذا لا يكون له فائدة إلا إذا كان الإمام يجهر بها، فاقتضى ذلك وجوب الجهر بالخطبة.
ثالثا: من المعقول: أن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل ذلك على اشتراطه (2) .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب. 1 / 224، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة 2 / 583، الحديث رقم (851) .
(2)
ينظر: مغني المحتاج 1 / 387، وكشاف القناع 2 / 33.
دليل أصحاب القول الثاني: لم أطلع على دليلٍ لهم، ولكن لعلهم يستدلون بأن الوارد مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب.
ولكن يناقش هذا بأنه وإن كان مجرد فعل إلا أنه لا يتحقق المقصود من الخطبة بدونه مطلقا، وهو الوعظ والتذكير، فيكون وجوبه مستمدًا من أصل وجوب الخطبة ذاتها، والله أعلم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجهر بالخطبة شرط لصحتها؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة كما تقدم، والجهر وسيلة لأدائها وتحقيق المقصود منها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.