الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: حَوْلِي، وقيل: بين يَدَيَّ فِي جِنانِي وبساتيني {أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)} إلى عظمتي وشِدّةِ مُلْكِي وفضلي على موسى، افْتَخَرَ عَدُوُّ اللَّهِ فِرْعَوْنُ بِمُلْكِهِ، وكان مُلْكُهُ أربعين سنة.
فصل
رُوِيَ عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: "نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الأنهار، وسَخَّرَ اللَّهُ له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلك أنه إذا أراد أن يُجْرِيَ نِيلَ مصر أمَرَ اللَّه كل نهر أن يُمِدَّهُ، فَتُمِدُّهُ الأنهار بِمائِها، وفَجَّرَ له الأرضَ عيونًا، فإذا انتهى جَرْيُهُ إلى ما أراد اللَّه، أوْحَى اللَّهُ إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره، والأنهار: نهر فَيُّومٍ، ونهر دِمْياطَ، ونهر البَرَلَّسِ، ونهر الرَّشِيدِ، ونهر الإسكندرية، قال: وكان فرعون يخرج من الفيوم، فيبلغ إلى دمياط، ما تناله الشمس مِن الْتِفافِ الشَّجَرِ، وبين الموضعين مسيرة أيام"
(1)
.
قوله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} {أَمْ} بمعنى "بَلْ"، وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين
(2)
، والمعنى: بل أنا خَيْرٌ، وأنشد الفراء
(3)
:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحا
…
وَصُورَتِها أمْ أنْتِ فِي العَيْنِ أمْلَحُ
(4)
(1)
ينظر: معانِي القرآن للنحاس 5/ 81، شفاء الصدور ورقة 4/ أ، تفسير القرطبي 13/ 103، تفسير ابن كثير 4/ 152، معجم البلدان 5/ 334، 335.
(2)
حكاه الطبري عن السُّدِّيِّ في جامع البيان 25/ 104، وقاله أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 204، وينظر أيضًا: الكشف والبيان 8/ 339، الفريد 4/ 260، تفسير القرطبي 16/ 99، البحر المحيط 8/ 22.
(3)
معانِي القرآن 1/ 72.
(4)
تقدم برقم 183 ص 553.
معناه: بل أنت، وأنشد أيضًا
(1)
:
فَواللَّهِ ما أدْرِي أسَلْمَى تَغَوُّلَتْ
…
أمِ القَوْمُ أوْ كُلٌّ إلَيَّ حَبِيبُ
(2)
بمعنى"بَلْ" هاهنا.
وقال ابن الأنباري
(3)
: قال الفراء: في "أمْ" وجهان: إن شئت جعلتها هي الاستفهام، وإن شئت جعلتها نسقًا على قوله:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} .
وقال قوم من أهل المعانِي
(4)
: الوقف على قوله: "أمْ"، وعنده تَمامُ الكلامِ
(5)
، وفي الآية إضمارٌ، مَجازُها: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ، فقال:"أنا خَيْرٌ"؛ أي: أفضل {مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} ضعيفٌ حقير، يعنِي موسى عليه
(1)
معانِي القرآن 1/ 72، 2/ 299.
(2)
تقدم برقم 84 ص 267، برواية:"أمِ القَوْمُ أوْ كُلٌّ".
(3)
إيضاح الوقف والابتداء ص 884، 885، وهذا النص الذي نقله ابن الأنباري عن الفراء هو معنى كلام الفراء، وليس نص كلامه، فقد قال الفراء:"وقوله: "أمْ أنا خَيْرٌ مِنْ هَذا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ" من الاستفهام الذي جُعِلَ بـ "أمْ" لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت رددته على قوله:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} . معانِي القرآن للفراء 3/ 35.
(4)
يعني أن "أم" متصلة، والمُعادِلُ محذوفٌ، وهذا قول سيبويه، فقد قال:"ومثل ذلك: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ}، كَأنّ فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بُصَراءُ؟ فقوله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} بِمَنْزِلةِ "أم أنتم بُصَراءُ؟ "؛ لأنهم لو قالوا: أنت خَيْرٌ منه، كان بِمَنْزِلةِ قولهم: نحن بصراء عنده". الكتاب 3/ 173، وهو قول الأخفش أيضًا، قاله في معانِي القرآن ص 29 - 30، وينظر: الكشف والبيان 8/ 339، الكشاف 3/ 492، أمالِيُّ ابن الشجري 3/ 110، البحر المحيط 8/ 23، الدر المصون 6/ 102 - 103.
(5)
وَقَفَ على "أمْ": نافعٌ ومجاهدٌ وعيسى بنُ عمر ويعقوبُ، ينظر: المكتفى للدانِي ص 320، تفسير القرطبي 16/ 100.
السّلام، {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)} يفصح بكلامه؛ لِلَّثْغةِ التِي كانت بلسانِهِ، {فَلَوْلَا}؛ أي: فَهَلَّا {أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} جمع أسْوِرةٍ، وهو جمع الجمع، وهو قراءة أهل الحرمين وأهلِ الكوفة إلّا حَفْصًا، وأهلِ البصرة إلّا الحسنَ وقتادةَ، فإنهما قرآ:{فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} بغير ألف، وكذلك قرأ حَفْصٌ وأبو حاتم ويعقوب على جَمْع السِّوار، وقرأ أُبَيٌّ:{أساورُ} ، وقرأ ابن مسعود:{أساوِيرُ}
(1)
.
قال أبو عمرو بن العلاء
(2)
: واحد الأساوِرةِ والأساوِرِ والأساوِيرِ: إسْوارٌ، وهو لغة فِي السِّوارِ، وقيل
(3)
: الأساورةُ جمع إسْوارٍ، والهاء بدل الياء في أساوِيرَ
(4)
، أو جمع أسْوِرةٍ كما ذكرنا، كأَسْقِيةٍ وأساقٍ
(5)
، والهاء كما في قَشْعَمٍ وقَشاعِمةٍ، وصَيْقَلٍ وصَياقِلةٍ
(6)
، وأسْوِرةٌ جمع سِوارٍ كسِقاءٍ وأسْقِيةٍ.
(1)
ينظر في هذه القراءات: السبعة ص 587، تفسير القرطبي 16/ 100، البحر المحيط 8/ 24، الإتحاف 2/ 457.
(2)
ينظر قوله في جامع البيان 25/ 156، الكشف والبيان 8/ 339، تفسير القرطبي 16/ 100، اللسان: سور.
(3)
هذا قول الفراء وأبِي عبيدة وقطرب وأبِي زيد، ينظر: معاني القرآن للفراء 3/ 35، مجاز القرآن 1/ 451، وينظر قول قطرب وأبي زيد في معانِي القرآن وإعرابه 3/ 283، 4/ 415، إعراب القرآن 4/ 114، الإغفال 1/ 318، 2/ 370، 372.
(4)
يعني أن الهاء في الجمع عوض من الياء التي كان ينبغي أن تلحق في جمع إسْوارٍ، على حد إعْصارٍ وأعاصِيرَ، ينظر: إعراب القرآن 4/ 114، الحجة للفارسي 3/ 377.
(5)
يعني أن أساورة جمع أسْوِرةٍ الذي هو جمع سوار، فيكون جَمْعَ الجمعِ، وهذا الوجه أجازه الفراء والزجاج، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 35، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 415، وينظر أيضًا: الحجة للفارسي 3/ 378، والأسْقِيةُ: جمع سِقاءٍ. اللسان: سقي.
(6)
القَشْعَمُ: المُسِنُّ من الرجال والنُّسُورِ، والصَّيْقَلُ: الذي يَشْحَذُ السُّيُوفَ ويَجْلُوها. اللسان: قشعم، صقل.
والمعنى: هَلّا حُلِّيَ بأسْوِرةِ الذَّهَبِ إن كان عظيمًا، وكان الرجل فيهم إذا كان سَيِّدًا تَجِبُ طاعتُه سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ من ذهب، أو طَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب؛ لِيكون ذلك دلالة لسيادته، وعلامةً لرياسته، فقال فرعون: هَلَّا سُوِّرَ؛ أي: حُلِّيَ، يعني: موسى، بأسورةِ الذهبِ إن كان عظيمًا {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)} ؛ يعني متتابعين معاونين، يُقارِنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يمشون معه شاهدين له، يُعِينُونَهُ على الأمر الذي بُعِثَ إليه، وهو منصوب على الحال.
قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا} ؛ أي: أغْضَبُونا، والأسَفُ في اللغة: الفَواتُ، واللَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ من الأشياء، وقيل: آسَفُوا رُسُلَنا {انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)} لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أحَدٌ {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا} قرأ العامة بفتح السين واللّام، وهو جمع سالِفٍ مثل خادِمٍ وخَدَمٍ، وحارِسٍ وحَرَسٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، يقال: سَلَفَ يَسْلُفُ: إذا تَقَدَّمَ ومَضَى.
قال الفراء
(1)
والزجاج
(2)
: جعلناهم متقدمين؛ لِيَتَّعِظَ بهم الآخِرُونَ، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى:{سَلَفًا} بضم السين واللام كأسَدٍ وأُسُدٍ، ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وهو جمع سَلِيفٍ
(3)
من: سَلُفَ -بضم اللام- يَسْلُفُ: إذا تَقَدَّمَ فهو سَلِيفٌ، وقرأ ابن مسعود بضم السين وفتح اللام
(4)
، استثقالًا لتوالِي ضمتين
(1)
لَمْ أقف عليه في معانِي القرآن للفراء، وإنما حكاه الأزهري عن الفراء في تهذيب اللغة 12/ 431، والواحدي في الوسيط 4/ 78.
(2)
معانِي القرآن وإعرابه 4/ 416.
(3)
قاله الفراء والزجاج والنحاس، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 36، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 416، معانِي القرآن للنحاس 6/ 374، وإعراب القرآن له 4/ 115.
(4)
قرأ بضم السين والفاء أيضًا: الأعرجُ وسعيدُ بن عياض وطلحةُ وخلفٌ، وقرأ ابن مسعود وعليُّ بنُ أبِي طالب وحُمَيْدٌ ومجاهد وعلقمة وأبو وائل النخعيُّ بضم السين وفتح اللام، =
كجُدَدٍ، وهو جمع سُلْفةٍ مثل: طُرْفةٍ وطُرَفٍ وغُرْفةٍ وغُرَفٍ
(1)
، و {سَلَفًا} بالتخفيف كأُسْدٍ
(2)
، {وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)}؛ أي: عِبْرةً وعِظةً لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ.
قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} نصب على خَبَرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ
(3)
، وإن شئتَ قلتَ: هو نصب على المصدر {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)} يَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بضم الصاد، وهو قراءة عَلِيٍّ والنَّخْعِيِّ
(4)
، ومعناه: يُعْرِضُونَ، نظيره قوله تعالى:{رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}
(5)
، وقرأ الباقون بكسر الصاد، وهي اختيار أبِي حاتم.
قال الفراء والزجاج والأخفش والكسائي
(6)
: هما لغتان مثل {يَعْرِشُونَ}
= ينظر: السبعة ص 587، مختصر ابن خالويه ص 136، تفسير القرطبي 16/ 102، البحر المحيط 8/ 24، الإتحاف 2/ 457.
(1)
قاله الفراء والزجاج والنحاس، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 36، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 416، إعراب القرآن 4/ 115، ومعانِي القرآن للنحاس 6/ 374.
(2)
وهذه قراءة سعيد بن عياض، ينظر: شواذ القراءة للكرمانِيُّ ورقة 218.
(3)
يعني أنه مفعولٌ ثانٍ لـ "ضُرِبَ"، والمفعول الأول هو نائب الفاعل "ابْنُ مَرْيَمَ".
(4)
وبها قرأ، أيضًا، أبو جعفر والأعرجُ وأبو رجاء وابنُ وثاب وخلفٌ والحسنُ والأعمشُ والسلميُّ وشعبةُ، ينظر: السبعة ص 587، تفسير القرطبي 16/ 153، البحر المحيط 8/ 25، النشر 2/ 369، الإتحاف 2/ 458.
(5)
النساء 61.
(6)
معانِي القرآن للفراء 3/ 36 - 37، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 416، معانِي القرآن للأخفش ص 409، 474، وينظر قول الكسائي في إعراب القرآن 4/ 115، ومعاني القرآن للنحاس 6/ 376، إعراب القراءات السبع لابن خالويه 2/ 302.
و {يَعْرُشُونَ}
(1)
، و {يَعْكُفُونَ} و {ويَعْكِفُونَ}
(2)
، ومعناها: يَضِجُّونَ، وقيل: مَنْ قَرَأ بضَمِّ الصاد فمعناه: يَصُدُّونَ، وقيل
(3)
: يَعْدِلُونَ بين عيسى عليه السلام وبين الأَصنام.
قوله: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون عيسى عليه السلام، أي: ليست آلهتنا خَيْرًا من عيسى، فإنْ كان في النار، فإنه يُعْبَدُ من دون اللَّه فكذلك آلهتنا.
قرأ الكوفيون: {أَآلِهَتُنَا} بِهَمْزَتَيْنِ بعدهما مَدّةٌ، وقرأ الباقون بهمزة واحدة مطولة
(4)
، وقوله:{مَا ضَرَبُوهُ} يا محمد {إِلَّا جَدَلًا} ؛ أي: ليجادلوك {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)} ؛ أي: أصحاب خصومات بالباطل.
ثم ذَكَرَ عيسى عليه السلام، فقال:{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)} آيةً وعِبْرةً لَهُمْ، يعرفون به قدرة اللَّه على ما يريد، حيث خلقه من غَيْرِ أبٍ.
ثم خاطب كفار مكة، فقال:{وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} ؛ أي: لو نشاء أهلكناكم، وجعلنا بَدَلًا منكم ملائكةً {فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)} يكونون خَلَفًا
(1)
{وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} . الأعراف من الآية 137.
(2)
{فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} الأعراف من الآية 138.
(3)
قاله أبو عبيدة وأبو عبيد وابن قتيبة والنحاس، ينظر: مجاز القرآن 2/ 205، تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص 400، إعراب القرآن 4/ 115 - 116.
(4)
قرأ عاصمٌ وحَمْزةُ والكسائيُّ ورَوْحٌ وخَلَفٌ: {أَآلِهَتُنَا} بتحقيق الهمزتين، وبعد الثانية ألف، وقرأ ابنُ عامر وابنُ كثير وأبو جعفر وأبو عمرو، ونافعٌ في رواية قالون عنه، ويعقوبُ ورُويْسٌ:{أَآلِهَتُنَا} بهمزة واحدة، بعدها مَدّةٌ في تقدير همزة بَيْنَ بَيْنَ، ينظر: السبعة ص 587 - 588، النشر 1/ 364، الإتحاف 2/ 458.
منكم، قال الأزهري
(1)
: و"مِنْ" قد تكون للبدل كقوله: {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ} يريد: بَدَلًا منكم، فَيَعْمُرُونَ الأرْضَ، فَيَعْبُدُونَنِي ويُطِيعُونَنِي.
ثم رجع إلى ذِكْرِ عيسى عليه السلام، فقال:{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} يعني: نزوله من أشْراطِ الساعة، يُعْلَمُ به قِيامُ الساعةِ، ويُسْتَدَلُّ به على ذهاب الدنيا وإقبال الآخرة، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك:{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ} بفتح العين واللام
(2)
؛ أي: أمارةٌ وعَلَامةٌ على قيام الساعة.
والهاء راجعة إلى عيسى في قول أكثر المفسرين، وقال قوم
(3)
: الهاء في قوله: {وَإِنَّهُ} كناية عن القرآن، وإليه ذهب الحَسَنُ، ومعنى الآية: وإن القرآن لَعِلْمٌ لِلسّاعةِ، يُعْلِمُكُمْ قِيامَها، ويُخْبرُكُمْ بأحوالها وأهوالها {فَلَا تَمْتَرُنَّ} تَشُكُّنَّ وتَكَذِّبُوا "بِهَا"؛ أي: فيها {وَاتَّبِعُونِ} على التوحيد "هذَا"؛ أي: هذا الذي أنا عليه {صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} من دين إبراهيم عليه السلام، قرأ أبو عمرو:{واتَّبِعُونِي} بياء في الوصل فقط، الباقون بغير ياء في الحالين
(4)
.
(1)
قال الأزهري: "ويقال: هو من أبيه خَلَفٌ؛ أي: بَدَلٌ، والبدل من كل شيءٌ خَلَفٌ منه، وقال اللَّه تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ}؛ أي: يكونون بَدَلَكُمْ في الأرض". تهذيب اللغة: خلف 7/ 400.
(2)
وهي أيضًا قراءة زيد بن عَلِيٍّ ومجاهد والأعمش والكلبي وعكرمة وأبِي نصر وأبِي مالك الغِفارِيِّ، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 136، تفسير القرطبي 16/ 105، البحر المحيط 8/ 26.
(3)
هذا قول الحسن وابن جبير وقتادة، ينظر: جامع البيان 25/ 117، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 417، إعراب القرآن للنحاس 4/ 117، الكشاف 3/ 494، المحرر الوجيز 5/ 61، زاد المسير 7/ 325، عين المعانِي ورقة 120/ أ، تفسير القرطبي 16/ 105.
(4)
قرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر: {واتَّبِعُونِي} بإثبات الياء وصلًا فقط، ورواها إسماعيلُ ابن جعفرٍ وابنُ جَمّازٍ عن نافع، وقرأ يعَقوب بإثبات الياء وصلًا ووقفًا، وقرأ الباقون، =
قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ} يعني كفار قريش؛ أي: هل يَرْتَقِبُونَ {إِلَّا السَّاعَةَ} يعني القيامة {أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} ؛ أي: فجأة، نصب على الحال، ومحل {أنْ} نصب على البدل من الساعة
(1)
{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)} بمَجِيئِها، كقوله:{لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً}
(2)
.
قوله: {الْأَخِلَّاءُ} ؛ يعني: على المعصية فِي الدنيا، وهو رفع بالابتداء، وهو جمع خليل {يَوْمَئِذٍ} ، يعني: في الآخرة {بَعْضُهُمْ} رفع على البدل من {الْأَخِلَّاءُ} ، ويجوز أن يكون مرفوعًا بالابتداء {لِبَعْضٍ عَدُوّ} وهو الخبر {إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)} فإن خُلَّتَهُمْ لا تنقطع، ولكنها قائمة دائمة لهم أبدًا، وهو نصب على الاستثناء من الموجب.
قيل
(3)
: نزلت هذه الآية في أمية بن خلف الجمحي، وفي خَلِيلِهِ عُقْبةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ من بني أمية، وقد ذكرتُ قصتهما في سورة الفرقان
(4)
.
قوله تعالى: {يَاعِبَادِ}
(5)
محله نصب لأنه نداء مضاف {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ
= ونافعٌ في غَيْرِ روايةِ إسْماعِيلَ وابن جَمّازٍ عنه بغير ياء، لا وصلًا ولا وقفًا، ينظر: السبعة ص 590، تفسير القرطبي 16/ 107، النشر 2/ 370، الإتحاف 2/ 458.
(1)
وهو بدل اشتمال.
(2)
الأعراف 187.
(3)
حكاه القرطبي عن النقاش في تفسيره 16/ 109.
(4)
ينظر 1/ 375.
(5)
كذا في الأصل بإثبات الياء، وإثبات الياء قرأ به نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصمٍ، وأبو جعفر ورويسٌ واليزيديُّ، وكلهم أسْكَنَ الياءَ وصلًا ووقفًا إلا عاصمًا في رواية أبِي بكر عنه، وإلّا رُوَيْسا من طريق أبِي الطيب، فإنهما أسكناها في الوقف، وفتحاها في الوصل، وقرأ الباقون، وحَفْصٌ عن عاصم بحذف الياء وصلًا ووقفًا، ينظر: السبعة ص 588، النشر 2/ 370، الإتحاف 2/ 458 - 459.
الْيَوْمَ (68)}؛ يعني: من العذاب يوم القيامة، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائقُ رُءُوسَهُم، فيقال:{الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)} فَيُنَكِّسُ أهْلُ الأديان رُؤُوسَهُمْ غَيْرَ المسلمين، فيقال لهم:{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)} ؛ أي: تُكْرَمُونَ وتُنَعَّمُونَ.
ومحل {الَّذِينَ} يجوز أن يكون نصبًا بإضمار "أعني"، ويجوز أن يكون رفعا خَبَرَ ابتداءٍ محذوف، تقديره: هم الذين، وقوله:{أَنْتُمْ} ابتداء، و {وَأَزْوَاجُكُمْ} عطف عليه، ويَجُوزُ أن يكون {أنْتُمْ} توكيدًا للواو فِي قوله:{ادْخُلُوا}
(1)
.
قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ} ؛ أي: بِقِصاعٍ، واحدتها: صَحْفةٌ، وهي القَصْعةُ الواسعة العريضة {مِنْ ذَهَبٍ} أدناها سبعون ألفًا، وأعلاها سبعمائة ألف {وَأَكْوَابٍ} يعني: أبارِيقَ مستديرة الرؤوس، ليست لها آذان ولا خراطيم
(2)
، واحدها كوب، قال الأعشى:
233 -
صَرِيفِيّةً طَيِّبًا طَعْمُها
…
لَها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ وَدَنْ
(3)
(1)
الوجه الثانِي، وهو أنه خَبَرُ ابتداءٍ محذوف، قاله النحاس في إعراب القرآن 4/ 120.
(2)
قاله الفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة والنحاس، ينظر: معانِي القرآن للفراء 3/ 37، مجاز القرآن 2/ 206، 249، غريب القرآن لابن قتيبة ص 400، معانِي القرآن للنحاس 6/ 384، وينظر أيضًا: غريب القرآن للسجستانِيِّ ص 140.
(3)
البيت من المتقارب، للأعشى، من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب الكندي، ورواية ديوانه:"صَلِيفِيّةً" باللام، وقوله:"صَرِيفِيّةً طَيِّبًا" بالنصب على المفعول به للفعل "تُعاطِي" في البيت السابق، وهو قوله:
تُعاطِي الضَجِيعَ إذا أقبَلَتْ
…
بُعَيْدَ الرُّقادِ وَعِنْدَ الوَسَنْ
اللغة: الصَّرِيفِيّةُ: الخمر المنسوبة إلى صَرِيفُونَ، وهو موضع بالعراق، والصَّلِفِيّهُ باللام: المُعَتَّقةُ، الدَّنُّ: إناء من الفَخّار تُحفَظُ فيه الخمر. =