الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَيْءٌ، ومحل {هُمْ} رفعٌ بالابتداء، و {بَارِزُونَ} خبره، وقال ابن الأنباري
(1)
: موضع {هُمْ} رفعٌ ب {بَارِزُونَ} ، و {بَارِزُونَ} رفع بـ {هُمْ} ، و {يَوْمَ هُمْ} حرفان: في هذه السورة وفي سورة الذاريات: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}
(2)
.
قال: وإنّما صار هذا حَرْفَيْنِ لأن {هُمْ} فِي موضع رفعٍ بما عادَ من {يُفْتَنُونَ} ، وقوله:{يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}
(3)
و {يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}
(4)
حرف واحدٌ؛ لأن {هُمْ} في موضع خفضٍ بإضافة اليوم إليه، والخافض والمخفوض بِمَنْزِلةِ حرفٍ واحدٍ.
وقوله: {لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} لا يَسْتَتِرُ منهم أحَدٌ، ولا يخفى على اللَّه من أعمالهم شيءٌ، ثم يقول اللَّه فِي ذلك اليوم:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} وذلك عند فناء الخلق، حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ:{لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} الذي قَهَرَ خَلْقَهُ بالموت، فهو السائل وهو المجيب {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} يَجْزِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} .
فصْلٌ
عن ابن مسعودٍ قال: "يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ بأرضٍ بيضاءَ، كأنها سَبِيكةُ فِضّةٍ، لَمْ يُعْصَ اللَّهُ عليها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يُتَكَلَّمُ به: أنْ
(1)
إيضاح الوقف والابتداء ص 344 - 345، وهذا على مذهب الكوفيين في أن المبتدأ والخبر يترافعان.
(2)
الذاريات 13، وانظر ما سيأتي 3/ 165.
(3)
الذاريات 60.
(4)
الطور 45.
يُنادِيَ مُنادٍ: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} . . . الآية"
(1)
.
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "يقول اللَّه تعالى: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيّانُ، لا ينبغي لأحَدٍ من أهل الجنة أنْ يَدْخُلَ الجنةَ، ولا لأحَدٍ من أهل النارِ أنْ يَدْخُلَ النارَ، وعنده مظلَمة حتى أقْضِيَهُ منه"، ثم تلا هذه الآية:{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
(2)
.
قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ} يا محمد، يعني: أهل مكة {يَوْمَ الْآزِفَةِ} يعني يوم القيامة، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها قريبة، وإن استبعد الناسُ أمْرَها
(3)
؛ إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، يقال: أزِفَ الشَّيءُ يَأْزَفُ أزَفًا فهو آزِفٌ، ويقال: أزِفَتْ فهي آزِفةٌ، وأزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ: إذا قَرُبَ
(4)
، وأزِفَ الأمرُ: أي دَنا وقَرُبَ، قال النابغة:
213 -
أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنّ رِكابَنا
…
لَمّا تَزُلْ بِرِحالِنا، وَكَأنْ قَدِ
(5)
(1)
ينظر: الكشف والبيان 8/ 270، عين المعاني ورقة 116/ أ، الدر المنثور 5/ 348، فتح القدير 4/ 486.
(2)
هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن أنيس في المسند 3/ 495، والحاكم في المستدرك 4/ 575، كتاب الأهوال: باب "لا يدخل أهل الجنة حتى يُنَقَّوْا"، وينظر: الوسيط 4/ 7، تفسير القرطبي 4/ 273.
(3)
قاله الزجاج في معانِي القرآن وإعرابه 4/ 369.
(4)
قاله ابن قتيبة في غريب القرآن ص 386، وحكاه النحاس عن الكسائي فِي معانِي القرآن 6/ 211.
(5)
البيت من الكامل للنابغة، من قصيدة له في وصف المتجردة زَوْجِ النعمانِ بنِ المنذر، ورواية ديوانه:"أفِدَ التَّرَحُّلُ"، ويُرْوَى في كتب النحو:"وَكَأنْ قَدِنْ" بزيادة تنوبن الترنم.
التخريج: ديوانه ص 89، سر صناعة الإعراب ص 334، 490، 777، الأزهية ص 211، الكشف والببان 8/ 270، شرح المفصل 8/ 110، 148، 9/ 18، 52، شرح التسهيل لابن مالك 4/ 109، شرح الكافية للرضي 1/ 44، 4/ 85، 390، 479، رصف =
أي: قَرُبَ، ونظير هذه الآية:{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ}
(1)
؛ أي: قَرُبَتِ القِيامةُ، ومحل {يَوْمَ} نصب بِنَزْعِ الصفة؛ أي: ليوم الآزفة، وقيل: نصب على الظرف
(2)
.
وقوله: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} يعني مغمومين مكروبين، ممتلئين غَمًّا وخَوْفًا وحُزْنًا، والكاظم: المُمْسِكُ للشيء على ما فيه، ومنه: كَظَمَ قِرْبَتَهُ: إذا شَدَّ رَأْسَها.
وهو منصوبٌ على الحال والقطع
(3)
، وقيل: على التفسير، وأجاز الفراء رفع {كَاظِمِينَ} على أنه خبرٌ للقلوب، وقال
(4)
: لأن المعنى: إذْ هُمْ
= المبانِي ص 72، 125، 448، ارتشاف الضرب ص 1280، 2364، الجنى الدانِي ص 146، 260، مغني اللبيب ص 227، 448، الدر المصون 6/ 35، المقاصد النحوية 1/ 80، 2/ 314، اللباب في علوم الكتاب 17/ 28، همع الهوامع 1/ 457، 2/ 448، 518، شرح شواهد المغني ص 490، 764، خزانة الأدب 7/ 197، 198، 9/ 8، 10/ 407، 11/ 260.
(1)
النجم 57.
(2)
ويكون المفعول محذوفًا، أي: وأنذرهم العذابَ يومَ الآزفة، كما سبق في قوله تعالى:{لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} 2/ 384 وقال الأنباري: "هو مفعول "أنْذِرْهُمْ". البيان للأنباري 2/ 330، وينظر أيضًا: الفريد للهمدانِي 4/ 208، الدر المصون 6/ 35.
(3)
قاله الفراء في معانِي القرآن 3/ 6، وهو حال من المنوي في "لَدَى الحَناجِرِ"، وقيل: حال من القلوب، وقيل: حال من الضمير في "وَأنْذِرْهُمْ"، ينظر: معانِي القرآن وإعرابه 4/ 369، الفريد للهمداني 4/ 208، البحر المحيط 7/ 438، الدر المصون 6/ 35.
(4)
قال الفراء: "ولو كانت: "كاظِمُونَ" مرفوعةً على قولك: إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَناجِرِ، إذْ هُمْ كاظِمُونَ أو على الاستئناف، كان صوابًا". معانِي القرآن 3/ 7، وهذا في غير القرآن، وقد قرأ اليمانِيُّ شاذًّا "كاظِمُونَ" بالرفع، ينظر: شواذ القراءة ورقة 212، عين المعانِي ورقة 116/ ب.
كاظِمُونَ، وقال الكسائي
(1)
: يجوز رفعه على الابتداء.
قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} . . . الآية، قال ثعلب
(2)
: لَمْ يسألهم مِنْ باب الأمر والنهي، ولكن من باب المشورة؛ أي: أشِيرُوا عَلَيَّ. وإنما قال هذه الآية لأنه كان فِي خاصّةِ قوم فرعون مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ خَوْفًا من الهلاك
(3)
.
قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} قال مقاتلٌ والسُّدِّيُّ
(4)
: كان قبطيًّا، وهو ابن عَمِّ فرعونَ {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ}؛ أي: لأنْ يَقُولَ {رَبِّيَ اللَّهُ} وهو استفهام إنكارٍ {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: بِما يَدُلُّ على صدقه من المعجزات، {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ، ولا يضركم ذلك {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا} وكذبتموه {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} من العذاب، وهو شرطٌ وجزاءٌ، والمراد بالبعض في هذه الآية الكُلُّ؛ لأن العرب تذكر البعض وتريد الكل
(5)
، قال لبيد:
214 -
تَرّاكُ أمْكِنةٍ إذا لَمْ أرْضَها
…
أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
(6)
(1)
ينظر قول الكسائي في إعراب القرآن للنحاس 4/ 29، تفسير القرطبي 15/ 302، وهذا أيضًا في غير القرآن؛ لأنه لم يقرأ به.
(2)
ينظر قول ثعلب في ياقوتة الصراط لأبِي عمر الزاهد ص 450.
(3)
قاله الواحدي في الوسيط 4/ 9، وينظر: زاد المسير 7/ 216.
(4)
ينظر قولهما في الوسيط 4/ 10، زاد المسير 7/ 216، عين المعاني ورقة 116/ أ، تفسير القرطبي 15/ 306.
(5)
قاله أبو عبيدة وثعلب وابن الأنباري، ينظر: مجاز القرآن 2/ 205، مجالس ثعلب ص 50، الأضداد لابن الأنباري ص 181، وحكاه الأزهري عن أبِي الهيثم في تهذيب اللغة 1/ 489، وينظر: الوسيط 4/ 10، زاد المسير 7/ 218.
(6)
البيت من الكامل، لِلَبيدٍ من معلقته، ورواية ديوانه:"أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ"، ويُرْوَى:"أوْ يَعْتَبِطْ"، ويُرْوَى:"تَرّاكُ مَنْزِلةٍ"، وقوله:"تَرّاكُ" خَبَرٌ بعد خَبَرٍ لـ "أنّ" في البيت السابق، وهو قوله: =
أراد: كل النفوس. وقال الليث
(1)
: البعض هاهنا صلةٌ، يريد: يصبكم الذي يعدكم، وقال ثعلب
(2)
: وَعَدَهُمْ بشيئين من العذاب: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فقال: يصبكم هذا العذاب فِي الدنيا، وهو بعض الوعدين، وقال أهل المعانِي
(3)
: هذا على المُظاهَرةِ فِي الحِجاجِ، كأنه قال لهم: أقَلُّ ما يكون فِي صِدْقِهِ أن يصيبكم بعضُ الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هَلاكُكُمْ، فَذَكَرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لا أنّ البعضَ الكل {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي} إلى دينه {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)} مُفْتَرٍ للكذب.
قوله تعالى: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: عالِينَ في أرض مِصْرَ، وهو منصوبٌ على الحال، {فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ}؛ أي: فمن يمنعنا من عذاب اللَّه {إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} من الرأي والنصيحة {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)} ؛ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.
= أوَلَمْ يمُنْ تَدْرِي نَوارُ بِأنّنِي
…
وَصّالُ عَقْدِ حَبائِلٍ جَذّامُها؟
التخريج: ديوانه ص 175، مجاز القرآن 1/ 94، 2/ 205، مجالس ثعلب ص 50، 369، معانِي القرآن وإعرابه 1/ 415، 4/ 418، الأضداد لابن الأنباري ص 181، الزاهر لابن الأنباري 2/ 225، الصاحبي ص 421، الخصائص 1/ 74، 2/ 317، 341، المحتسب 1/ 111، الكشف والبيان 8/ 273، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 772، شمس العلوم 1/ 567، عين المعانِي 116/ أ، تفسير القرطبي 4/ 96، 6/ 213، 15/ 307، 16/ 108، البحر 7/ 442، الدر المصون 6/ 38، اللباب في علوم الكتاب 17/ 42، شرح شواهد شرح الشافية ص 415، الخزانة 7/ 349.
(1)
قول الليث في تهذيب اللغة 1/ 490، الوسيط 4/ 10، زاد المسير 7/ 218.
(2)
قول ثعلب في ياقوتة الصراط ص 450، تهذيب اللغة 1/ 490.
(3)
هذا قول الزجاج في معانِي القرآن وإعرابه 4/ 372 باختلاف يسير في ألفاظه، وينظر أيضًا: معانِي القرآن للنحاس 6/ 216، التهذيب 1/ 489، الوسيط 4/ 10، زاد المسير 7/ 218.
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)} ، ثم فَسَّرَ ذلك فقال:{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} ؛ أي: مثل حالهم وعادتهم فِي التكذيب، وما أصابهم من العذاب، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)} فلا يهلكهم قبل إيجاب الحُجّة عليهم، و {مِثْلَ دَأْبِ} نصبٌ على البدل من {مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} ، وهو مفعولٌ لقوله:{أَخَافُ عَلَيْكُمْ} .
ثم حَذرَهُمْ المؤمنُ عذابَ الآخرة، وهو قوله تعالى:{وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)} مفعولٌ، يعني يوم القيامة، يُنادَى فيه كُلُّ أناس بإمامهم، ويُنادِي فيه أهْلُ النّارِ أهْلَ الجنة، وأهْلُ الجنةِ أهْلَ النارِ، ويُنادَى فيه بسعادة السعداء، وشقاوةِ الأشقياءِ، فيقال: ألا إن فلان ابن فلانٍ سَعِدَ سَعادةً لا شقاء بعدها أبدًا، ألا إن فلان ابن فلانٍ شَقِيَ شَقاوةً لا سَعْدَ بعدها أبدًا"
(1)
.
قرأ العامة: "التَّنادِ" بتخفيف الدال، وقرأ الحسن وابن كثيرٍ:"التَّنادِي" بتخفيف الدال وإثبات الياء على الأصل في الوقف والوصل، وأثبت وَرْشٌ الياءَ في الوصل فقط، وقرأ الباقون بغير ياءٍ في الحالين، وقرأ ابن عبّاسٍ والضحّاك بتشديد الدال
(2)
على معنى: يوم التنافر.
{يَوْمَ تُوَلُّونَ} بدلٌ من {يَوْمَ التَّنَادِ} {مُدْبِرِينَ} منصرفين عن موقف
(1)
ينظر: الكشف والبيان 8/ 274، الوسيط 4/ 11، تفسير القرطبي 15/ 310، 311، فتح القدير 4/ 491.
(2)
قرأ الحسنُ وابنُ كثير ويعقوبُ وقالونُ وابنُ السميفع ومجاهدٌ، وأبو عمرو في روايةِ عباسِ ابن منصورٍ عنه:"التَّنادِي" بإثبات الياء وصلًا ووقفًا، وأثبت الياءَ في الوصل فقط وَرْشٌ عن نافع، وابنُ وَرْدانَ، وقرأ ابنُ عباس والضحاكُ وأبو صالح الكلبِيُّ والزعفرانِيُّ وابنُ مِقْسَمٍ وعكرمةُ:"التَّنادِّ" بالتشديد، وقرأ الباقون بحذف الياء وصلًا ووقفًا، ينظر: السبعة ص 568، تفسير القرطبي 15/ 312، البحر المحيط 7/ 444، النشر 2/ 366، الإتحاف 2/ 435.
الحساب إلى النار، وهو نصب على الحال {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} مانعٍ يمنعكم من عذابه {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} لوزيره:{يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} يعني قصرًا مُشَيَّدًا من آجُرٍّ، والصَّرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظرين وإن بَعُدَ، وأصله من التصريح وهو الإظهار {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي طُرُقَها وأبْوابَها {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} قرأه العامة برفع العين نسقًا على قوله:{أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} ، وقرأ الأعرج بنصب العين، ومثلَه رَوَى حَفْصٌ عن عاصم
(1)
على جواب {لَعَلِّي} بالفاء، وأنشد الفَرّاءُ لبعض العرب
(2)
:
215 -
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْدُولاتِها
تُدِيلُنا اللَّمّةَ مِنْ لَمّاتِها
فتسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفَراتِها
(3)
(1)
قرأ الأعرجُ، وحَفْصٌ عن عاصمٍ، والسُّلَمِي وعيسى بنُ عمر وأبو حيوة وزيد بن عَلِيٍّ وابن مقسم والزعفرانِيُّ:{فَأَطَّلِعَ} بالنصب، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بالرفع، ينظر: السبعة ص 570، تفسير القرطبي 15/ 315، البحر المحيط 7/ 446، الإتحاف 2/ 437.
(2)
معانِي القرآن 3/ 9، وهذا مذهب الكوفيين، وأما البصريون فإنهم لا يجيزون ذلك، ويُخَرِّجُونَ قراءة النصب على أن "أطلِعَ" منصوب بـ "أنْ" مضمرة بعد الفاء الواقعة في جواب الأمر، ينظر: التبيان للعكبري ص 1120، الفريد للهمداني 4/ 213، البحر المحيط 7/ 446، الجنى الدانِي ص 74، الدر المصون 6/ 42 - 43.
(3)
من الرجز المشطور، لَمْ أقف على قائله، ويروى الثانِي:"يُدِلْنَنا".
اللغة: صروف الدهر: نوائبه وحوادثه، دُولاتها: الضمير يعود إلى صروف الدهر، والدّوْلةُ بفتح الدال وضمها: الانتقال من حال الضر والبؤس إلى حال الغبطة والسرور، تُدِيلُنا: مضارع أدالَهُ إدالةً، وهي الغلبة، اللَّمّةُ: الشدة، الزَّفَرات: جمع زَفْرةٍ، وهو اسم من الزفير وهو اغتراق النفس محركة بالشدة والغم. =
فنصب الحاء على جواب حرف التمني.
قوله تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} يعني: فِي الدنيا إذا نزل بكم العذابُ فِي الآخرة حين لا ينفعكم الذِّكْرُ فِي الآخرة {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} وذلك أنهم تَوَعَّدُوهُ بالقتل لِمُعخالَفةِ دِينِهِمْ، وأصل التفويض في اللغة أن يَكِلَ الرَّجُلُ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه قول الشاعر:
216 -
لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهُمْ
…
وَلا سَراةَ إذا جُهّالُهُمْ سادُوا
(1)
يعني: إذا لَمْ يكن لَهُمْ رئيسٌ، وإنما يَكِلُ الأمْرَ بَعْضُهُمْ إلى بعض {إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)} .
قوله تعالى: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} ؛ أي: ما أرادوا به من الشر، {وَحَاقَ}؛ أي: أحاط ونزل {بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ} رفعٌ
= التخريج: معانِي القرآن للفراء 3/ 9، 235، الزاهر 2/ 293، معانِي القراءات 2/ 347، إعراب القراءات السبع 2/ 270، 439، الخصائص 1/ 316، سر صناعة الإعراب ص 407، الكشف والبيان 8/ 276، الإنصاف ص 220، شرح المفصل 5/ 29، عين المعاني ورقة 116/ ب، شرح التسهيل لابن مالك 3/ 186، 4/ 34، رصف المبانِي ص 249، اللسان: زفر، علل، لمم، الجنى الدانِي ص 584، مغني اللبيب ص 206 المقاصد النحوية 4/ 396، شرح شواهد المغني ص 454، شرح شواهد الشافية ص 128، 129، التاج: لمم.
(1)
البيت من البسيط، للأفوه الأودي، ويُرْوَى:"لا يَصْلُحُ القَوْمُ".
اللغة: سَراةُ كلِّ شيءٍ: أعلاه، والسَّرْوُ: المروءة والشرف.
التخريج: ديوانه ص 10، روضة العقلاء ص 270، أمالِيُّ القالِي 2/ 225، العقد الفريد 1/ 9، 5/ 308، التذكرة الحمدونية 1/ 292، بهجة المجالس 1/ 652، أساس البلاغة: فوض، معاهد التنصيص 4/ 108، اللسان: فوض، التاج: فوض.
على البدل من السوء
(1)
، وذلك أن اللَّه أغرقهم في الدنيا، وفي الآخرة لهم عذاب النار {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} صباحًا ومساءً، وأصل العرض إظهار الشيء، قال أبو جعفرٍ
(2)
: {غُدُوًّا} مصدرٌ جُعِلَ ظرفًا على السَّعةِ {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} نصبٌ على الظرف أو مفعولٌ
(3)
، ويريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أُغْرِقُوا.
قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة إلا أبا بكرٍ ويعقوب: "أدْخِلُوا" بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال، وقرأ الباقون
(4)
بوصل الألف وضم الخاء من الدُّخُولِ.
فمن قرأ بضم الخاء نصب "آلَ" على النداء المضاف، كأنك قلت: ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ، ومن قرأ بالكسر نصبه بوقوع الفعل عليهم؛ أي: يقال للملائكة: أدْخِلُوا آلَ فرعون أشَدَّ العذاب، ومن قرأ بالوصل فهو على الأمر لهم بالدخول.
(1)
ويجوز أن يكون "النّارُ" خَبَرًا لمبتدأ محذوف على تقدير سؤال: ما سُوءُ العَذابِ؟ فيقال: هو النار، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره "يُعْرَضُونَ عَلَيْها"، ينظر: معانِي القرآن للأخفش ص 462، معانِي القرآن وإعرابه 4/ 376، إعراب القرآن 4/ 34، التبيان للعكبري ص 1120، الفريد 4/ 215.
(2)
يعني النحاس، ينظر: إعراب القرآن 4/ 35.
(3)
يعني أن "أشَدَّ" إما أن يكون ظرفًا، والتقدير: في أشد العذاب، كما تقول: دَخَلْتُ الدّارَ، أي: في الدار، وإما أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ "أدْخِلُوا" على حذف الجار، ينظر: الحجة للفارسي 3/ 352، الفريد 4/ 216، الدر المصون 6/ 45.
(4)
قرأ عليٌّ وقتادةُ وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وعاصم في رواية أبِي بكر عنه، وابنُ محيصن واليزيديُّ والحسنُ:"ادْخُلُوا" بوصل الهمزة، وقرأ الباقون، وحفصٌ عن عاصم بقطع الهمزة، ينظر: السبعة ص 571 - 572، تفسير القرطبي 15/ 320، البحر المحيط 7/ 448، الإتحاف 2/ 438.