الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِهِ} يصدِّقون بأنه واحدٌ لا شريك له {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا} ؛ أي: ويقولون -يعني حمَلة العرش ومن حوله-: {رَبَّنَا} نداءٌ مضافٌ {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} نصبٌ على التفسير، وقيل: على المصدر، وقيل
(1)
: على النقل أي: وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ، {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من الشِّرك {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} دِينَكَ الإسلامَ {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)} .
فصْلٌ فِي بعض صفات العَرْش وحمَلَته ومن حوله على الاختصار
رَوَى لقمانُ بنُ عامرٍ
(2)
عن أبيه قال: "إن اللَّه عز وجل خلق العرش من جوهرةٍ خضراءَ، وجعل له ألْفَ ألْفِ رَأْسٍ، في كل رأس ألْفُ ألْفِ وجهٍ، وستمائة ألف وجهٍ، الوجه الواحد كطبقات الدنيا ألْفَ ألْفِ مَرّةٍ، وستمائة ألف مرة، فِي كل وجهٍ ألْفُ ألْفِ لسانٍ وستمائة ألفٍ، كل لسانٍ يسبح اللَّه بألْفِ ألْفِ لُغةٍ، خلق اللَّه من لغات العرش خَلْقًا فِي مَلَكُوتِهِ يسبحه ويقدسه بتلك اللغة"
(3)
.
(1)
يعني التمييز المُحَوَّلَ عن الفاعل، قال الزمخشري:"الرحمة والعلم هُما اللذان وَسِعا كُلَّ شيءٍ في المعنى، والأصل: وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ، ولكن أُزِيلَ الكلامُ من أصله بأن أُسْنِدَ الفعلُ إلَى صاحب الرَّحْمةِ والعلم، وأُخْرِجا منصوبَيْنِ على التمييز". الكشاف 3/ 417 - 416، وهو قول السجاوندي أيضًا، قاله في عين المعانِي ورقة 116/ أ، وينظر أيضًا: التبيان للعكبري ص 1116، الدر المصون للسمين الحلبي 6/ 31.
(2)
لقمان بن عامر الوِصابِيُّ أو الأوْصابِيُّ، أبو عامر الحمصي، تابعي محدث ثقة صدوق يكتب حديثه، روى عن أبِي الدرداء وأبِي هريرة وأبِي أُمامةَ وغيرهم. [تهذيب الكمال 24/ 246؛ 248، ميزان الاعتدال 3/ 419].
(3)
ينظر: الكشف والبيان 8/ 267، عين المعانِي ورقة 116/ أ، روح البيان للبروسوي 8/ 156، الدر المنثور 3/ 297.
وقال ابن عبّاسٍ: "حَمَلةُ العرش ما بين كَعْبِ أحَدِهِمْ إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عامٍ، أرْجُلُهُمْ في الأرض السفلى، ورؤوسهم تحت العرش، وهم خُشُوعٌ لا يرفعون طَرْفَهُمْ، وهم أشد خوفًا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفًا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفًا من التي تليها"
(1)
.
ورُوِيَ عن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أنه قال: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقانَ الطَّيْرِ المسرعة ثمانين ألف عام، والعرش يُكْسَى كُلَّ يوم تسعين ألْفَ ألْفِ لَوْنٍ من النور، لا يستطيع أن يَنْظُرَ إليه خَلْقٌ من خلق اللَّه تعالى، والأشياء كلها في العرش كحلقةٍ في فَلاةٍ مُلْقاةٍ، وحول العرش صفوفٌ من الملائكة الكَرُوبِيِّينَ
(2)
لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلا اللَّه، يطوفون بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فإذا رفعوا أصواتهم قالوا: سبحانك وبحمدك، ما أعْظَمَكَ وأجَلَّكَ، أنت اللَّه لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجُونَ، وجعل اللَّهُ عز وجل بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش سبعين حجابًا من نار، وسبعين حجابًا من ظُلْمةٍ، وسبعين حجابًا من نور، وسبعين حجابًا من دُرِّ أبْيَضَ، وسبعين حجابًا من ياقُوتٍ أحْمَرَ، وسبعين حجابًا من زُمُرُّذٍ أخْضَرَ، وسبعين حجابًا من دُرٍّ أصْفَرَ، وسبعين حجابًا من ثَلْجٍ، وسبعين حجابًا من بَرَدٍ، وسبعين حجابًا من ماء، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه
(3)
.
(1)
ينظر: الكشف والبيان 8/ 266، الكشاف 3/ 415، عين المعانِي ورقة 116/ أ، تفسير القرطبي 15/ 294، روح البيان 8/ 155، اللباب في علوم الكتاب 17/ 13، الدر المنثور 5/ 347، تفسير الخازن 4/ 66.
(2)
هم سادة الملائكة، وهم المقربون، ومنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل: هم أقرب الملائكة إلى حملة العرش. اللسان: كرب.
(3)
ينظر: الكشاف 3/ 415، تفسير البغوي 4/ 92، عين المعانِي ورقة 116/ أ، روح البيان للبروسوي 8/ 156، تفسير الخازن 4/ 66.
قوله تعالى: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} يعني العذاب {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ} يريد: يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} لأن المُعافَى من العذاب مَرْحُومٌ، وهذا جواب الشرط، ومحل "مَنْ" يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء، ويجوز أن يكون نصبًا بـ "تَقِ"، وحذفت الياء للشرط.
قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يعني: بغض اللَّه لكم فِي الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)} أكبر من بغضكم أنفسكم عند حلول العذاب بكم، والمَقْتُ: البُغْضُ والبَراءةُ
(1)
.
قال البصريون
(2)
: وهذه اللام لام الابتداء، ومثله في العربية: لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو. وقال أحمد بن يحيى ثعلب
(3)
: هي لام اليمين تدخل على الحكاية أو ما ضارَعَ الحكايةَ؛ لتدل على أن ما بعده استئنافٌ، ولا يجوز [أن يكون]
(4)
من جوابات الأيمان.
قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} هذا قول الكفار فِي النار، وذلك أنهم كفروا بالبعث في الدنيا، وأقَرُّوا في الآخرهَ بِمَوْتَيْنِ وحَياتَيْنِ، يعني: أنهم كانوا نُطَفًا، فأحياهم لَمّا خَلَقَهُمْ فهذه موتةٌ وحياةٌ، ثم أماتهم عند
(1)
قاله أبو عمر الزاهد في ياقوتة الصراط ص 449 - 450، وينظر: تهذيب اللغة 9/ 66 - 67.
(2)
قال الأخفش: "وقال: {يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ} فهذه اللام هي لام الابتداء، كأنه: يُنادَوْنَ يُقالُ لَهُمْ؛ لأن النداءَ قَوْلٌ، ومثله في الإعراب: لَزَيْدٌ أفْضَل مِنْ عَمْرٍو". معانِي القرآن ص 460، وينظر: إعراب القرآن للنحاس 4/ 27.
(3)
ينظر قوله في عين المعانِي ورقة 116/ أ.
(4)
زيادة يقتضيها السياق.
آجالهم ثم بعثهم في الآخرة، فهذه مَوْتةٌ وحَياةٌ أخرى، ثم قالوا:{فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} بأن البعث حقٌّ، وكانت ذنوبهم أنهم قالوا: لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، ثم سألوا الرجعة إلى الدنيا، فقالوا:{فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ} يعني: من النار {مِنْ سَبِيلٍ (11)} من طريق إلى الدنيا، فنَعْمَلَ بطاعتك وما يرضيك، ونصب {اثْنَتَيْنِ} على المصدر فِي الموضِعين، وقيل: نصب ذلك لأنه أقيم مقام المصدر تقديره: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ
(1)
.
قوله: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يعني: مخلصين له التوحيد والطاعة، وهو نصبٌ على الحال {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)} من أهل مكة.
ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال:{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} يعني الكبرياء والعظمة في السماوات، والرفيع بمعنى الرافع، والمعنى: أنه يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة {ذُو الْعَرْشِ} خالقه ومالكه، وهو مرفوعٌ على إضمار مبتدأٍ، قال الأخفش
(2)
: ويجوز نصبه على المدح، وقيل:{رَفِيعُ} ابتداءٌ، و {ذُو الْعَرْشِ} نعته، وخبره {يُلْقِي الرُّوحَ} .
ويحتمل أن يكون {ذُو الْعَرْشِ} خَبَرَ الابتدإءِ، ويحتمل أن يكون {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} خَبَرًا لابتداءٍ محذوفٍ كما تقدم، تقديره: هو رفيعٌ.
قوله: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} يعني: يُنَزِّلُ الوَحْيَ من السماء بأمره، وقيل: من قضائه {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وسمّاهُ رُوحًا لأنه تَحْيا به القلوبُ كما تَحْيا بالأرواح.
(1)
أي على النعت لمصدر محذوف، ينظر: الفريد للمنتجب الهمدانِيِّ 4/ 207.
(2)
قال الأخفش: "رَفِيعُ: على الابتداء، والنصب جائز، لو كان، في الكلام على المدح". معانِي القرآن ص 460.
قوله: {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} يعني: يوم يلتقي أهلُ السماء وأهلُ الأرض، وقرأ الحسن:"لِتُنْذِرَ" بالتاء
(1)
، وهو مخاطبةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، وتَأوَّلَ أبو عُبيدٍ قراءة من قرأ:"لِيُنْذِرَ" بالياء أن المعنى: لِيُنْذِرَ اللَّهُ عز وجل
(2)
، قال الزجّاج
(3)
: والأجود أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أقرب. و {يَوْمَ} نصبٌ برفع حرف الصفة تقديره: لينذركم يومَ التلاق
(4)
. . . . .؛ لأنه رأس آية
(5)
.
قوله: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ} ؛ أي: خارجون من قبورهم ظاهرون، لا يَسْتُرُهُمْ
(1)
وهي قراءة ابن عباس وابنِ السَّمَيْفَعِ واليمانِيِّ ورَوْحٍ وزيدٍ ويعقوبَ، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 133، تفسير القرطبي 15/ 300، البحر المحيط 7/ 437، الإتحاف 2/ 435.
(2)
ينظر تأويل أبِي عبيدٍ في إعراب القرآن للنحاس 4/ 28.
(3)
معانِي القرآن وإعرابه 4/ 369.
(4)
معنى كلامه أن "يَوْمَ" ظرف، وهو ما لَمْ يُجِزْهُ الفارسيُّ وغَيْرُهُ، فقد قال الفارسي:"المعنى: أي: أخاف عليكم عذابَ يوم التلاقي، فإذا كان كذلك كان انتصابُ "يَوْمَ" انتصابَ المفعول به، لا انتصابَ الظرف؛ لأن إعرابه إعرابُ المضافِ المحذوفِ". الحجة 3/ 247، وقال المنتجب الهمدانِيُّ:"و"يَوْمَ" مفعولُ الإنذارِ، لا ظرف له كما زعم بعضهم؛ لأن الإنذار لا يكون فيه وإنما به". الفريد للهمداني 4/ 208.
وقد أجاز أبو حيان أن يكون "يَوْمَ" ظرفًا، فيكون المفعول محذوفًا؛ أي: لِيُنْذِرَ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِ. ينظر: البحر المحيط 7/ 437، وينظر أيضًا: الدر المصون 6/ 33.
(5)
يبدو أن قبل هذه الجملة سَقْطًا، ويمكن أن يكون النص كما يلي:"وَحُذِفَتِ الياءُ من "التَّلاقِ" لأنه رأس آية"، ينظر: إعراب القرآن للنحاس 4/ 28، وحَذْفُ الياءِ قراءةُ عاصمٍ وأبِي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، فهم لا يثبتون الياءَ وَصْلًا ولا وَقفًا، وقرأ نافع بإثبات الياء في الوصل فقط، ينظر: السبعة ص 568، معانِي القراءات 2/ 343، إعراب القراءات السبع 2/ 262، حجة القراءات ص 627، 628، الحجة للفارسي 3/ 346، 347.