الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مواضع التأنق في الكلام
وقف نقاد العرب طويلًا عند مطلع القصيدة، وعند الانتقال من فاتحتها إلى الغرض منها، ثم عند خاتمتها، ولهذا قالوا: إنه ينبغي للشاعر أو الأديب أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظًا، وأحسن سبكًا، وأصح معنى.
الموضع الأول:
الابتداء، ويسمونه (حسن الابتداء)
لأنه أول ما يقرع السمع، فإن أحسن الشاعر أو الأديب ابتداء كلامه، أقبل السامع على كلامه وأحسن الإصغاء إليه نوعًا؛ وإن كان غير ذلك أعرض عنه ولم يلتفت إليه وإن كان في غاية الحسن.
وضربوا لحسن الابتداء أمثلة كثيرة من المطالع الجيدة، فمنها:
كليني لهم - يا أميمة - ناصب
…
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقالوا: إنه أحسن ابتداءات الجاهلية؛ وذلك لأنه دل من أول الأمر على حال الشاعر عندما غضب عليه النعمان وتوعده، وصور ما يتعلج في قلبه من هم أعياه؛ وأقض مضجعه، وحرمه النوم الهنيء؛ فألم به أرق جعل ليله طويلًا وكل ذلك وضع في أسلوب بين واضح، وارتباط قوي بين شطري البيت وتناسب في القوة والجزالة، كما أنهم قالوا: إن أحسن مرئية جاهلية: ابتداء قول اوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعًا
…
إن الذي تحذرين قد وقعا
ولعل حسن هذا المطلع راجع إلى تعبير عما كان يضمره الشاعر لهذا الذي يرثيه من حب وإعزاز، وما كان يخشى عليه من عدوان الموت، ونزول الحمام بساحته؛ أما وقد نزل المحذور فإن نفسه قد مضت في الحزن إلى أبعد الغايات واستسلمت إلى البكاء والنحيب والجزع؛ وهو لذلك يطلب إليها أن تتحمل المصاب في صبر، وألا تسترسل في آلامها على الرغم من أن ما تحذره من المكروه قد نزل بساحتها وألم بها.
وينبغي ان يتجنب الشاعر- في مديحه- كل ما يتطير منه حتى لا يتشاءم منه الممدوح أو بعض الحاضرين؛ وذلك كمطلع قصيدة ابي نواس؛ يهنئ بها بعض بني برمك بدار بذل في تجميلها كل ما يملك من الجهد؛ إذ بدأ بها أبو نواس بقوله:
أربع البلى؛ إن الخشوع لبادي
…
عليك وإني لم أختك ودادي!
فتطير منها البرمكي واشمأز حتى ظهر الوجوم عليه.
ومن هذا القبيل: ما يروى أن المعتصم بني قصرًا فخمًا جلس فيه؛ وجمع الناس من أهله وأصحابه، وصعد إلى العرش فاستأذنه إسحق بن إبراهيم الموصلي في النشيد، فأذن له، فأنشده شعرًا بالغ الجودة في وصفه ووصف المجلس إلا أن أوله تشبيب بالديار القديمة وبقية آثارها، فكان أول بيت منها:
يا دار غيرك البلى ومحاك
…
يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟ !
فتطير المعتصم فيها. واعترض عبد الملك بن مروان على جرير عندما بدأ ينشده قصيدته فقال:
أتصحو أم فؤادك غير صاح
…
عشية هم صحبك بالرواح؟
فقال عبد الملك: (بل فؤادك) كأنه استثقل هذه المواجهة، وإلا فهو يعلم أن الشاعر يخاطب نفسه. كما اعترض على ذمة الرمة عندما دخل عليه فاستنشده شيئًا من شعره فأنشده قصيدته التي يقوم في مطلعها:
ما بال عينك منها الماء ينسكب؟
وكان عين عبد الملك تدمع دائمًا؛ فتوهم أنه خاطبه أو عرض به فقال: وما سؤالك عن هذا؟ ومقته.
براعة الاستهلاك: أحسن الابتداءات هو ما ناسب الغرض الذي قصد إليه الشاعر بقصيدته والمعنى الذي تضمنته هذه القصيدة، ويسمى:(براعة الاستهلال) كقول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية، وكان أهل التنجيم قد زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت: