الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقوله: "تقريهمو" استعارة تبعية، قرينتها:"لهذميات" وهو المفعول الثاني لنقري، لأن "القرى" هو: ما يقدم للضيف من طعام، فلا يجوز إيقاعه على "اللهذميات" بمعنى: الطعنات، فدل ذلك على أن المراد بالقرى: معنى يناسب هذه الطعنات، وهو تقديمها إلى الأعداء عند اللقاء.
وقد تكون القرينة المفعولين معاً، كما في قول الحريري:
وأقرى المسامع إما نطقت
…
بياناً يقود الحرون الشموسا
والشاهد هنا: في قوله: "وأقرى المسامع بياناً"، فأقرى: استعارة تبعية في الفعل، وقرينتها تعلق القرى بكل من: المسامع، والبيان، وذلك لأن القرى- وهو تقديم الطعام للضيف- لا يصح إيقاعه على المسامع والبيان، وذلك دليل على أن المراد بالقرى: معنى يناسبها، وهو: التقديم.
رابعاً: المجرور: وذلك بأن يكون تعلق الفعل بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على ان المراد به معنى يناسب ذلك المجرور، كما ترى في قوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24] وذلك لأن التبشير هو إخبار بما يسر، فلا يناسب تعلقه بالعذاب وهو: الإنذار، أي الإخبار بما يحزن، ففي قوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ} استعارة تبعية، قرينتها مجرور الحرف.
الاستعارة المكنية
عرفت مما أسلفنا لك ان الاستعارة تنقسم باعتبار ذكر أحد طرفيها إلى تصريحية، ومكنية، وقد عرفت الاستعارة التصريحية، فإليك الحديث عن الاستعارة المكنية، والتي يسمونها- أيضاً- الاستعارة بالكناية، لأن اللفظ المستعار فيها محذوف، ومكني عنه بذكر صفة من صفاته.
تعريفها:
ذهب جمهور البلاغيين إلى أنها: "لفظ المشبه به المستعار في النفس للمشبه والذي قد حذف، ودل عليه بإثبات شيء من لوازمه وخواصه" كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع
أي: إذا جاء الأجل، فلا رد لقضاء الله، ولن تجدي التمائم والرقي في دفعه، فقد شبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس من غير تمييز بين نافع وضار، ثم استعار في نفسه لفظ السبع للمنية بعد تناسي التشبيه وادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، ثم قدر حذفه دالاً عليه بذكر بعض خواصه.
وكقول الشاعر:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا
…
فلسان حالي بالشكاية أنطق
أي: إذا نطقت بلساني مفصحاً عن شكر برك، فلسان حالي أنطق بالشكاية منك؛ لأن ضررك أكثر من نفعك!
فقد شبه حاله بإنسان متكلم في الدلالة على المقصودة، ثم استعار الإنسان للحال، ثم حذفه ودل عليه بإثبات لازمه- وهو اللسان- وأثبت للحال على سبيل الاستعارة المكنية، وكقول محمد غنيم- في قصيدته:"على سطح القمر":
مضى عهد البخار فبات يبكي
…
على أطلال دولته البخار
فقد شبه البخار بملك مخلوع، ثم استعاره للبخار، ثم حذفه ودل عليه بإثبات لازمه، وهو البكاء على أطلال دولته، وأثبت للبخار على سبيل الاستعارة المكنية ففي الأمثلة الثلاثة السابقة حذف لفظ المشبه به، وكنى بذكر لازمه، ثم أثبت هذا اللازم للمشبه المذكور، وما كان كذلك فهو استعارة مكنية، فالمذكور- دائماً- في المكنية من الطرفين هو: المشبه، والدليل على التشبيه: هو إثبات اللازم للمشبه.
أما الخطيب القزويني، فله رأي آخر في تعريفها فقد ذهب إلى أنها: التشبيه المضمر في النفس المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، كما في قول أبي ذؤيب الهذلي الذي لأسلفناه لك، وتقول في إجرائها على هذا الرأي: شبهت المنية بالسبع تشبيهاً مضمراً في النفس، بجامع الاغتيال في كل، ثم تنوسي التشبيه، وادعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم أثبت لازم المشبه به- وهو "الأظفار" للمشبه على سبيل الاستعارة المكنية، وعلى هذا فإطلاق لفظ الاستعارة- على هذا الرأي- إنما هو مجرد تسمية خالية من المناسبة.