الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم البيان
البيان في اللغة:
تدور مادة (البيان) في اللغة حول: الكشف والإيضاح والفصاحة واللسن، يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح منه وأوضح كلامًا وبان الشيء بين بياناً: اتضح، فهو بين، وأبان الشيء، فهو مبين، وأبنته أنا أي: أوضحته.
وفي اصطلاح البلاغيين:
هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
وهم يريدون بالعلم: الملكة التي يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو نفس القواعد والأصول المعلومة، ويريدون بالمعنى: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم، كالكرم والشجاعة والإيمان فأل في لفظ "المعنى" للاستغراق العرفي الحقيقي، لأن استحضار جميع المعاني "وهي غير متناهية" فوق مقدور البشر.
وقيدوا المعنى "بالواحد" ليحترزوا به عن المعاني المتعددة التي تؤدي بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها، وذلك كأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الكرم" بقولك:(محمد كالبحر في العطاء) ثم تعبر عن معنى الشجاعة بقولك: (استمعت إلى أسد يخطب).
فالتركيب الأول في معناه وهو "الكرم" أوضح دلالة من الثاني في معناه وهو "الشجاعة" وهذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف والشرط أن يكون المعنى في العبارتين واحدًا.
ومعنى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة من التراكيب، وبعضها أوضح دلالة عليه من بعض، سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو من قبيل المجاز، أو من قبيل الكناية، فالمعنى الواحد كالكرم "مثلًا" يمكن أن تعبر عنه بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، فتارة تعبر عنه بطريق التشبيه، فتقول:(محمد كالبحر في العطاء) وتقول: (محمد كالبحر) وتقول: (محمد بحر).
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى الكرم، وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها: ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعًا، "كما في المثال الأول" ويليه في الوضوح: ما صرح فيه بأحدهما "كما في المثال الثاني" وأقلها وضوحًا: ما لم يصرح فيه بواحدة منها "كما في المثال الثالث".
وتارة تعبر عنه بطريق المجاز، فتقول (رأيت بحرًا في منزلنا) تريد: محمدًا "مثلًا" فتشبهه بالبحر ثم تستعير له لفظ "البحر".
وتقول: (لجنة محمد تتلاطم بالأمواج) فاللجة والتلاطم بالأمواج من اوصاف البحر، وهذا دليل على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
وتقول: (غمر محمد بفضله الأنام) فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضًا على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية.
وأوضح هذه الطرق: الأول، ويليه وضوحًا: الثاني، وأقلها وضوحًا: الثالث.
وتارة أخرى تعبر عنه بطريق الكناية، فتقول:(محمد كثير الرماد) و (هو مهزول الفصيل) و (هو جبان الكلب).
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى "الكرم" وذلك لأن كثرة الرماد إنما تكون من كثرة إحراق الحطب للطبخ للضيفان، وهزال الفصيل إنما يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف، وجبن الكلب إنما يكون من كثرة الواردين عليه من الضيوف.
والمثال الأول أوضح هذه الطرق في الكرم، ويليه الثاني، فالثالث.
وقيدوا الاختلاف "بوضوح" الدلالة ليحترزوا به عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة، وذلك كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما، كأن تقول "مثلًا" نشر فم محمد كنفح الطيب) ثم تقول:(رائحة ثغر محمد كأريج العطر) فمثل هذا "أيضًا" ليس من مباحث علم البيان، لتماثل التركبين في وضوح الدلالة على المعنى المراد،