الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستعارة
الاستعارة في اللغة: طلب العارية، والعارية: ما يتداولوه بينهم، فالاستعارة إذن مأخوذة من نحو قولهم: استعرت الشيء استعارة.
فإذا ما استعرت كتابًا من صديق- مثلاً- فأنت مستعير، والصديق مستعار منه، والكتاب: مستعار، وهذه العملية تسمى: استعارة.
فإذا ما أخذت لفظًا موضوعًا في اللغة لشيء ووضعته لشيء آخر كنت قد استعرت ذلك اللفظ، غير أن الاستعارة لا تأتي إلا بعد المبالغة في التشبيه وتناسيه.
وتوضيح ذلك: أنك إذا أردت أن تصف خالدًا بالشجاعة فتشبهه بالأسد في شجاعته، وقلت: خالد كالأسد في الشجاعة، فقد جعلته يشبه الأسد في الشجاعة، ولكن الأسد لازال أشجع منه، لأنه يشترط في التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه في وجه الشبه.
فإذا ما بالغت أكثر قلت: "خالد كالأسد" وإنما كانت هذه الصورة أقوى من سابقتها لأنك جعلته يشبه الأسد، دون أن تحدد ما يشبهه فيه، ولكن هذه الصورة- أيضاً- يفهم منها أن الأسد مازال أشجع- لما علمت من شروط التشبيه.
فإذا ما أردت أن تبلغ نهاية المبالغة في التشبيه قلت: "خالد أسد".
وهذه الصورة هي التي سماها البلاغيون: التشبيه البليغ، لأن فيها دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، فقد ادعيت في قولك "خالد أسد" أن خالد هو نفس الأسد بأظفاره وليده، ولكن غيرها من صور التشبيه ليس بهذه المثابة لأنها أكثر الصور الثلاثية اختصاراً وأشدها إيجازاً.
ولكنك إذا زدت على تلك الدرجة القصوى من المبالغة في التشبيه درجة أخرى، بأن ادعيت أن كون خالد أسدًا أمر مسلم به، فتناسيت هذا التشبيه لأنه في- رأيك- أقل مما يجب له، وحذفت المشبه وهو "خالد" وأخذت له لفظ "الأسد"
وتحدثت عنه على أنه الأسد بعينه، فقد دخلت في الاستعارة، كأن تقول:"سلمت على أسد" تريد" خالدًا- مثلاً.
وقد تذكر المشبه وتحذف المشبه به ولكنك تبقى شيئًا من لوازمه، كأن تقول:"أظفار المنية نشبت بفلان" تريد أن تبالغ في تشبيه المنية بالأسد، فتحذفه وتبقى لوازمه، وهي الأظفار والنشوب.
فالاستعارة: تشبيه حذف أحد طرفيه، وإن شئت قلت ما قاله الخطيب: الاستعارة: "مجاز علاقته المشابهة".
وقد علمت أنه يشترط في المجاز أن تكون هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي للفظ.
فالاستعارة في اصطلاح البلاغين هي: "اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي".
وذلك كما في قول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح مقذف
…
له ليد أظفاره لم تقلم
يقول: أنا عند أسد، أي رجل شجاع مقدام، فشبهه بالأسد، ثم استعار له لفظ الأسد.
وكقول أبى الطيب المتبني- وقد قابله الممدوح وعانقه:
ولم أر قبلي من مشى البحر نحوه
…
ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
فقد شبه الممدوح بالبحر في الكرم وبالأسد في الشجاعة، ثم استعار لفظيهما.
وطريقة إجراء الاستعارة أن تقول: شبه الرجل الشجاع بالأسد في الجرأة والإقدام، ثم تنوسى التشبيه، وأدعى أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه، ثم استعير لفظ المشبه به وهو:"الأسد" للمشبه، وأطلق عليه باعتباره أحد أفراد الأسد، ومثل هذا يقال في كل استعاره.