الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكرها الحافظ في "التلخيص"(1/ 431 - 432)، وخرجها؛ وجُلُّها عند الدارقطني؛ وأعلها كلها. لكنه قد نوزع في بعضها، كحديث عبد الله بن زيد؛ وهو عند ابن ماجة، وقد ذكر الحافظ نفسه أنه قواه المنذري، وابن دقيق العيد، وكذلك قواه ابن التركماتي، والزيلعي؛ بل ذكرا أنه أمثل إسناد في هذا الباب. وسوف نتكلّم عليه إن شاء الله تعالى في "صحيح ابن ماجة".
وبالجمله؛ فالحديث عندنا صحيح بهذه الطرق والشواهد للكثيرة؛ التي منها ما يأتي بعد باب من حديث ابن عباس في مسح الرأس والأذنين بماء واحد، انظر (رقم 126)، وأصرح منه ما سأذكره في الحديث (129).
51 - باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا
124 -
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [عبد الله بن عمرو بن العاص]:
أن رجلًا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف الطُّهور؟
فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثًا، ثمّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمّ مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السَّبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثمّ غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:
"هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم -أو ظلم وأساء-".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه".
وصححه النووي. غير أن قوله: "أو نقص" شاذ، بل هو وهم من بعض الرواة، كما عليه المحققون، ويعارضه ما يأتي في البابين التاليين من وضوئه صلى الله عليه وسلم مرة مرة، ومرتين مرتين).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب.
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير عمرو بن شعيب، وأبيه شعيب -وهو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي-؛ قال الذهبي:
"قلت: شعيب والده لا مغمز فيه، ولكن ما علمت أحدًا وثقه، بل ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات". وقد روى عن جده عبد الله، وعن معاوية، وعن والده محمد بن عبد الله إن كان ذلك محفوظًا. وقد ذكر البخاري وأبو داود وغير واحد أنه سمع من جده، وهذا لا ريب فيه. أمّا رواية شعيب عن أبيه محمد بن عبد الله؛ فما علمتها صحت؛ فإن محمدًا قديم الوقاة؛ وكأنه مات شابًّا".
قلت: ورواية شعيب عن أبيه ستأتي في "البيوع"[باب الرجل يبيع ما ليس عنده].
وأمّا عمرو بن شعيب؛ فوثقه الجمهور، كما صرح به الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": إنه:
"صدوق".
قلت: لكنهم اختلفوا في الاحتجاج بروايته عن أبيه عن جده: فقال ابن عدي:
"عمرو بن شعيب في نفسه ثقة؛ إلا إذا روى عن جده عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يكون مرسلًا؛ لأنّ جده عنده محمد بن عبد الله بن عمرو؛ ولا صحبة له"! قال
الذهبي:
"قلت: هذا لا شيء؛ لأنّ شعيبًا جده عبد الله فإذا قال: "عن أبيه" ثمّ قال: "عن جده"؛ فإنما يريد بالضمير في جده أنه عائد إلى شعيب".
وذكر ابن حبان في "الضعفاء" نحو ما ذكر ابن عدي؛ وزاد:
"وإن أراد جده عبد الله بن عمرو؛ فيكون الخبر منقطعًا؛ فإن شعيبًا لم يلق عبد الله"! ورده الذهبي أيضًا بقوله:
"قلت: قد مر أنّ محمدًا قديم الموت، وصح أيضًا أن شعيبًا سمع من معاوية، وقد مات معاوية قبل عبد الله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده؛ سيما وهو الذي رباه وكفله"(1).
قلت: فثبت بذلك أن شعيبًا سمع من جده عبد الله بن عمرو، وأن الإسناد ليس بمنقطع ولا بمرسل.
بيد أنه قد مرت الإشارة إلى أنّ شعيبًا قد روى عن أبيه محمد أيضًا، فإذا قال في الإسناد:
عن أبيه عن جده؛ فلقائل أن يقول: يحتمل أن يكون الضمير في (أبيه، جده) يعود إلى عمرو، وحينئذٍ فجده هو محمد بن عبد الله بن عمرو؛ وعليه يكون
(1) قلت: ويؤيد هذا ما روى المصنف في "باب الملتزم" من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله
…
الحديث.
وروى الحاكم (2/ 65) قصة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، فيها التصريح باجتماعه بابن عمرو. ثم قال الحاكم:
"هذا حديث ثقات رواته حفاظ، وهو كالأخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو".
الحديث مرسلًا؛ كما قال ابن عدي!
لكنا نقول: إن هذا احتمال بعيد؛ لقلة رواية شعيب عن أبيه محمد، حتى إن الحافظ ليقول في "التهذيب":
"ولم يأت التصريح بذكر محمد بن عبد الله بن عمرو في حديثه؛ إلا في هذين الحديثين".
يعني بأحدهما: ما سبقت الإشارة إليه أنه يأتي في "البيوع".
والآخر: عند النسائي في النهي عن الحمر الأهلية.
وأيضًا؛ فإني قد تتبعت أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في "مسند أحمد" وفي هذا الكتاب؛ فوجدتها على أربعة أنواع:
الأول: ما إسناده على نسق إسناد هذا الحديث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ مما ليس فيه التصريح بما يلزم منه الوصل؛ وأن جده عبد الله بن عمرو.
وهذا النوع هو الأكثر؛ وسيأتي في الكتاب منه نحو عشرين حديثًا أو أكثر.
الثاني: مثله؛ إلا أن فيه التصريح بمثل قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو رأيته، ونحو ذلك مما يلزم منه الصحبة والمشاهدة، ويلزم منه دفع الاحتمال السابق.
ومن أمثلته: ما سيأتي في "باب الصلاة في النعل"(رقم 660)، وانظر "المسند"(2/ 181 و 185 و 186 و 203 و 205 و 215 و 216)، و (رقم 701) من هذا الكتاب.
الثالث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو؛ وهذا فيه بيان أن جده هو عبد الله بن عمرو؛ ليس هو ابنه محمد بن عبد الله.
ومن أمثلته ما سيأتي في "اللقطة"(رقم 1504)، وفي "الطلاق"(رقم 1968)، وفي "الفرائض"(رقم 2586)، وفي "الحدود"(باب ما لا قطع فيه).
النوع الرابع: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.
ومن أمثلته ما يأتي (رقم 375)، وفي "الجمعة"(رقم 1019)، وفي "العيدين"(رقم 1045)، وفي "البيوع"، (رقم
…
و
…
) [في خيار المتبايعين، والرجوع في الهبة]، وفي "الحدود" (رقم
…
)] العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان]، وفي "الديات" (رقم
…
) [ديات الأعضاء]، وفي "الأدب" (رقم
…
).
فهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة تشير إلى أن المراد من الجد المطلق في النوع الأول: إنما هو عبد الله بن عمرو؛ حملًا للمطلق على المقيد.
ولذلك ساق الإمام أحمد أحاديث هذا النوع في (مسند عبد الله بن عمرو) إشارةً إلى أنها موصولة. وكذلك فعل يونس بن حبيب في روايته لـ "مسند الطيالسي"(298 - 299). وبذلك جزم الحافظ فقال:
"وأمّا روايته عن أبيه عن جده؛ فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه كما تقدّم، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب قال: سمعت عبد الله بن عمرو
…
فذكر حديثًا. أخرجه أبو داود من هذا الوجه".
قلت: لا يوجد عند المصنف بهذا الإسناد غير حديث واحد؛ سيأتي إن شاء الله تعالى في "الأطعمة" (رقم
…
) [الأكل متكئًا]؛ لكن ليس فيه التصريح بالسماع من عبد الله؛ بل هو معنعن، وكذلك رواه أحمد (2/ 165 و 166)، وروى به حديثًا آخر.
فلعل ما ذكره الحافظ هو رواية عن المصنف، أو هو في بعض النسخ من "السنن".
هذا؛ وقد بقي علينا الجواب عن علة أخرى أُعل بها هذا الإسناد مع ثبوت سماع شعيب من جده عبد الله؛ فقال الترمذي (1/ 140) -عقب حديث يأتي (برقم 991) -:
"ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب؛ إنما ضعفه لأنه يحدث عن صحيفة جده، كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده"! وقال ابن معين:
"وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو، غير أنه لم يسمعها"! قال الحافظ:
"فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح؛ غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها؛ فغاية الباقي أن يكون وجاده صحيحة؛ وهو أحد وجوه التحمل".
قلت: وجواب الحافظ هذا؛ خير من جواب الذهبي؛ حيث قال:
"أما كونها وجادة أو بعضها سماع وبعضها وجادة؛ فهذا محل نظر، ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح؛ بل هو من قبيل الحسن"!
فقد تبين بهذا التحرير صلاحية الاحتجاج بالأحاديث المروية بهذا الإسناد.
وأمّا اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عن عمرو ثقة؛ فمما لا حاجة إلى التنبيه عليه؛ لأنه شرط ضروري في جميع الرواة، لا يختص به عمرو؛ كما قال الحافظ.
من ذلك: قال البخاري في "تاريخه": "رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين". قال البخاري:
"من الناس بعدهم؟ "(1).
وبالغ بعض المتقدمين فقال: "إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة؛ فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر"!
وقد أخرج له ابن خزيمة في "صحيحه". والبخاري في "جزء القراءة خلف الإمام" على سبيل الاحتجاج.
ومن رام زيادة توسع في "هذه الترجمة؛ فليراجع "التهذيب"، و "الميزان"، وتحقيق أحمد محمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" (1/ 140 - 144)؛ وقد أجاد.
ثمّ إن الحديث أخرجه البيهقي (1/ 79) من طريق المؤلف.
وأخرجه الطحاوي (1/ 22) من طريق شيخه أحمد بن داود قال: ثنا مسدد
…
به؛ دون قوله في آخره:
"أو ظلم وأساء".
وأحمد بن داود: هو ابن موسى السدوسي؛ وثقه ابن يونس؛ فلعل الشك جاء من المصنف.
وأخرجه أحمد (2/ 180): ثنا يعلى [قلت: هو ابن عُبَيْدٍ الطَّنَافِسي]: ثنا
(1) وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين"(1/ 116): "وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه؛ كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما".
سفيان عن موسى بن أبي عائشة
…
به؛ ولفظه:
جاء أعرابي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال:"هذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وتعدى وظلم".
وكذا أخرجه النسائي (1/ 33)، وابن ماجة (1/ 163 - 164) من حديث يعلى
…
به، ليس فيه:"أو نقص".
فقد اختلف فيها سفيان وأبو عوانة -واسمه الوضاح- فأثبتها هذا، ولم يذكرها سفيان؛ والقول قوله؛ لأمور ثلاثة.
الأول: أنه أحفظ من أبي عوانة، قال الدوري:"رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدًا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء".
وقال المصنف: "بلغني عن ابن معين قال: ما خالف أحد سفيان في شيء؛ إلا كان القول قول سفيان".
وأبو عوانة تكلم في حفظه؛ على ثقته وجلالته، فقال أحمد:
"إذا حدث من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم". وذكر نحوه أبو حاتم؛ إلا أنه قال:
"وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا".
ثمّ وجدت في "مصنف ابن أبي شيبة" ما يعكر على هذا، فقال (1/ 8 - 9): حدثنا أبو أسامة عن سفيان
…
بزيادة "أو نقص".
لكن أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة- وإن كان ثقة ثبتًا؛ فقد قال الحافظ: "ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره".
الأمر الثاني: أنني وجدت للحديث شاهدًا من حديث ابن عباس
…
مثل رواية سفيان عن موسى:
أخرجه الطبراني في "الكبير"(11/ 75 / 11091)؛ وفيه سويد بن عبد العزيز؛ قال الهيثمي (1/ 231):
"وضعفه أحمد ويحيى وجماعة، ووثقه دحيم".
الأمر الثالث: إذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام الوضوء مرتين مرتين، والوضوء مرة مرة -كما في البابين التاليين- فكيف يكون ذلك ظلمًا وإساءة! ولذلك قال المحقق السندي في "حاشيته على ابن ماجة":
"وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "أو نقص"، والمحققون على أنه وهم؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين".
قلت: وأما جواب النووي رحمه الله في "المجموع"(1/ 440) بقوله:
"إِن ذلك الاقتصار منه عليه الصلاة والسلام كان لبيان الجواز؛ فكان في ذلك الحال أفضل؛ لأن البيان واجب"!
وهذا عندي لا شيء؛ فإنه إذا كان لبيان الجواز؛ فمن فعل الجائز اتباعًا له عليه الصلاة والسلام كيف يقال فيه: "فقد أساء وظلم"؟ !
ثمّ هل يستوي هذا مع الذي يزيد فوق الثلاث؛ الذي لم يفعله عليه الصلاة والسلام ألبتة؛ مع أنه قال في كليهما: "فقد أساء وظلم"؟ !
اللهم! إنهما لا يستويان؛ فذاك متبع وهذا مبتدع، وهو المراد بهذا الوعيد!
وقوله: "أو نقص"؛ شاذ ووهم من أبي عوانة؛ وسبحان من لا ينسى ولا يسهو!