المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٦

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: في صلاة الليل

- ‌(الفصل الرابع): في صلاة الضحى

- ‌(الفصل الخامس): في قيام رمضان

- ‌ صلاة التراويح

- ‌(الفصل السادس): في صلاة العيدين

- ‌(اجتماع العيد والجمعة)

- ‌(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌(الفصل الأول): في الكسوف

- ‌(الفصل الثاني): في الاستسقاء

- ‌(الفصل الثالث): في صلاة الجنازة

- ‌(الفصل الرابع): في صلوات متفرقة

- ‌[صلاة الاستخارة]

- ‌(صلاة الحاجة)

- ‌صلاة التسبيح

- ‌كتاب الصوم

- ‌الباب الأول: فى فضله وفضل شهر رمضان

- ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

- ‌فصل في أركان الصوم

- ‌النية

- ‌في نية صوم التطوع

- ‌الإمساك عن المفطرات

- ‌القبلة والمباشرة

- ‌المفطر ناسياً

- ‌زمان الصوم

- ‌عاشوراء

- ‌رجب

- ‌شعبان

- ‌ست من شوال

- ‌عشر ذي الحجة

- ‌أيام الأسبوع

- ‌أيام البيض

- ‌الأيام التي يحرم صومها

- ‌سنن الصوم

- ‌وقت الإفطار

- ‌تعجيل الفطر

- ‌الباب الثالث: في إباحة الفطر وأحكامه

- ‌موجب الإفطار

- ‌في الكفارة

- ‌كتاب الصبر

- ‌كتاب الصدق

- ‌كتاب الصدقة والنفقة

- ‌الفصل الأول: في فضلهما

- ‌النفقة

- ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

- ‌كتاب صلة الرحم

- ‌كتاب الصحبة

- ‌الفصل الأول: فِي حَقِّ الرَّجُل عَلى الزَوْجَةِ

- ‌الفصل الثاني: في حق المرأة على الزوج

- ‌الفصل الثالث: في آداب الصحبة

- ‌الفصل الرابع: في آداب المجلس

- ‌الفصل الخامس: في صفة الجليس

- ‌الفصل السادس: (في التحابِّ والتوادِّ)

- ‌الفصل السابع: في التعاضد والتناصر

- ‌الفصل الثامن: في الاستئذان

- ‌الفصل التاسع: (في السلام وجوابه)

- ‌الفصل العاشر: في المصافحة

- ‌الفصل الحادي عشر: في العطاس والتثاؤب

- ‌الفصل الثاني عشر: في عيادة المريض وفضلها

- ‌الفصل الثالث عشر: في الركوب والارتداف

- ‌الفصل الرابع عشر: في حفظ الجار

- ‌الفصل الخامس عشر: في الهجران والقطيعة

- ‌الفصل السادس عشر: في تتبع العورة وسترها

- ‌الفصل السابع عشر: في النظر إلى النساء

- ‌الفصل الثامن عشر: في أحاديث متفرقة

- ‌كتاب الصداق

- ‌الفصل الأول: في مقداره

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

الفصل: ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

قوله: "قال: شعبان ليعلم رمضان" أي: لأنّه مقدمة بين يدي رمضان، فيعظم بصيامه، كما تقدم، نوافل الصلوات قبلها، ليدخل إليها بنشاط وكذلك صيام شعبان يحصل به النشاط بصيام رمضان، وكذلك تشابه الصلاة بالصيام بعده، وهي الأيام الست من شوال كالنافلة البعدية للصلاة.

قوله: "وأي الصدقة أفضل؟ " أي: سأل عنها، فقال:"في رمضان"؛ لأنَّ فيه تضاعف الطاعات، ولذا كان صلى الله عليه وسلم أجود (1) ما يكون في رمضان.

قوله: "أخرجه الترمذي".

‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

زاد ابن الأثير (2) في الترجمة جائزاً ومكروهاً.

الأول: حديث ابن عُمر:

1 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: "لَا تَصُومُوا حَتَّى ترَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ".

= صدقة بن موسى الدقيقي، أبو المغيرة، أو أبو محمد السلمي، البصري:

صدوق له أوهام. "التقريب" رقم (2921).

وقال المحرران: بل ضعيف. ضعفه ابن معين، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأبو بشر الدولابي، وقال أبو حاتم: ليَّن الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به، ليس بالقوي.

وقال ابن حبان: كان شيخاً صالحاً إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار حتى خرج عن حدِّ الاحتجاج به.

(1)

سيأتي نصه وتخريجه.

(2)

في "الجامع"(6/ 265).

ص: 190

أخرجه الستة (1) إلا الترمذي. [صحيح]

وفي رواية للبخاري (2): "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَةَ ثَلاِثينَ".

ولمسلم (3) والنسائي (4) عن أبي هريرة: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاثِيْنَ يَوْمًا".

"غُمَّ (5) عَلَيْكُمْ" أي: غطَّاه شيء من السحاب، أو غيم أو غيره فلم يظهر.

ترجمه ابن الأثير (6) بقوله: الفرع الأول في وجوبه بالرؤية.

قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال". هو نهي عن صيام رمضان والدخول فيه إلَاّ بالرؤية لهلاله أي: رمضان، والنهي يقتضي التحريم.

قوله: "ولا تفطروا حتى تروا هلال شوال". وظاهره: أنَّه لا بد من رؤيتهم كلهم، والمراد البعض كما يأتي أدلة (7) الاكتفاء، به.

(1) أخرجه البخاري رقم (1906)، ومسلم رقم (1080)، وأبو داود رقم (2320)، والنسائي رقم (2121)، ومالك في "الموطأ"(1/ 286)، وابن ماجه رقم (1655)، وهو حديث صحيح.

(2)

في "صحيحه" رقم (1909).

أخرجه مسلم رقم (19/ 1081)، وأحمد (2/ 287) وهو حديث صحيح.

(3)

في "صحيحه" رقم (17/ 1081).

(4)

في "السنن" رقم (2121).

وأخرجه أحمد (2/ 287)، وابن ماجه رقم (1655) وهو حديث صحيح.

(5)

انظر: "القاموس المحيط"(ص 1476).

وقال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 322 - 323): غُمَّ علينا الهلال إذا حال دون رؤيته غيم، أو نحوه، من غممت الشيء إذا غطيته. وفي "غمَّ" ضمير الهلال، ويجوز أن يكون "غمّ" مسنداً إلى الظرف.

أي: فإن كنتم مغموماً عليكم فأكملوا، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه.

(6)

في "الجامع"(6/ 265).

(7)

انظر: "فتح الباري"(4/ 123).

ص: 191

وترجم البخاري (1) للحديث بقوله: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا"). وهذا لفظ حديث أخرجه مسلم (2).

وقوله: "حتى تروا الهلال" ظاهر في إيجاب (3) الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلاً، أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق ما بين قبل الزوال وبعده، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء [11 ب] صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها.

قوله: "ولا تفطروا" أي: للخروج من رمضان حتى تروه أي: هلال شوال، وهو نهي عن الأمرين إلَاّ بتحقق الرؤية (4).

قوله: "فإن غمّ عليكم فاقدروا له" قيل: يحتمل أن تكون هذه الجملة للتفرقة بين حال الصحو والغيم، فيكون التعليق بالرؤية متعلق بالصحو.

وأمَّا الغيم فله حكم آخر، ويحتمل ألا تفرقة، ويكون الثاني مؤكداً للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة (5)، وإلى الثاني ذهب الجمهور (6)، فقالوا: المراد بقوله "فاقدروا له" انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين.

ويرجح (7) هذا التأويل، الروايات الأُخر المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله:

(1) في "صحيحه"(4/ 119 الباب رقم 11 - مع الفتح).

(2)

في "صحيحه" رقم (18/ 1081).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 121).

(4)

انظر: "المجموع شرح المهذب"(6/ 455)"المغني"(4/ 326 - 327).

(5)

"الإنصاف"(3/ 269)، "الروض المربع شرح زاد المستقنع"(4/ 266 - 267).

(6)

انظر: "فتح الباري"(4/ 121 - 122)، "بدائع الصنائع"(2/ 78)"التمهيد"(7/ 156).

(7)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 121).

ص: 192

"فأكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.

وروى البخاري (1) حديث أبي هريرة بلفظ: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".

وهذا أصرح (2) ما ورد في ذلك، وقد قيل: إنَّ شيخ البخاري آدم تفرد بذلك، فإنَّ أكثر الرواة عن شعبة، قالوا: فعدوا ثلاثين.

قال الإسماعيلي (3): فيجوز أن يكون أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.

قال الحافظ ابن حجر: قلت: الذي ظنه الإسماعيلي صحيح، فقد رواه البيهقي (4) من طريق إبراهيم بن زيد عن آدم بلفظ:"فإن غمّ عليكم فعدوا ثلاثين يوماً".

يعني: عدُّوا شعبان ثلاثين، فوقع للبخاري (5) إدراج التفسير في نفس الخبر، ويؤيده رواية أبي سلمة عن أبي هريرة (6) بلفظ:"لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين" فإنه يشعر بأنَّ المأمور بعدده هو شعبان.

قال ابن عبد الهادي في "تنقيحه"(7) الذي دلت عليه الأحاديث وهو مقتضى القواعد أنَّه أيّ شهر غمَّ، أُكمل ثلاثين سواءً شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى [هذا] (8) قوله: "فأكملوا

(1) في "صحيحه" رقم (1909).

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 121).

(3)

في "فتح الباري"(4/ 121).

(4)

في "السنن الكبرى"(4/ 209).

(5)

في "صحيحه" رقم (1909).

(6)

أخرجه البخاري رقم (1914)، ومسلم رقم (21/ 1082)، وأبو داود رقم (2327)، والترمذي رقم (684)، والنسائي رقم (2173)، وابن ماجه رقم (1650)، وأحمد (2/ 521)، وهو حديث صحيح.

(7)

(2/ 282 - 283).

(8)

سقطت من (أ. ب) وأثبتناها من "التنقيح".

ص: 193

العدة" يرجع إلى الجملتين، وهي قوله: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم" - في صومكم وفطركم - "فأكملوا العدة".

وبقية الأحاديث تدل عليه، فاللام في قوله:"فأكملوا العدة" للشهر أي: عدة الشهر، ولم يخص صلى الله عليه وسلم شهراً دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبيَّنه، فلا تكون رواية من روى [12 ب] "فأكملوا عدة شعبان" مخالفة لمن قال:"فأكملوا العدة"، بل مبينة لها، ويؤيده رواية:"فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً". أخرجه أصحاب السنن (1)، وابن خزيمة (2)، وأبو يعلى (3) من حديث ابن عباس.

وقوله: "غُمّ"(4) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، أي: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء: إذا غطَّيته.

وفي قوله: "فاقدروا له" تفسير آخر، أي: اقدروا له بحساب المنازل، قاله ابن سريج (5) من الشافعية.

(1) أخرجه أبو داود رقم (2327)، والترمذي رقم (866)، والنسائي رقم (2124، 2125، 2129، 2130).

(2)

في "صحيحه" رقم (1912).

(3)

في "مسنده" رقم (2355)، وأخرجه أحمد (1/ 226)، وابن حبان رقم (3590، 3594)، والحاكم (1/ 424 - 425)، والطبراني في "الكبير" رقم (11755، 11756، 11757)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 208).

وهو حديث صحيح.

(4)

انظر: "القاموس المحيط"(ص 1476)، "النهاية في غريب الحديث"(2/ 322 - 323)، وقد تقدم.

(5)

انظر: "المجموع شرح المهذب"(6/ 276)، "فتح الباري"(4/ 122).

ص: 194

قال ابن سريج: إنّ قوله: "فأقدروا له" خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، نقله عنه ابن العربي (1)، ونقل ابن المنذر (2) قبله الإجماع، فقال: صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يرَ الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهيته، هكذا أطلقه، ولم يفصل بين حَاسِب وغيره.

قال ابن دقيق العيد (3): الذي أقول: إنَّ الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم، لمفارقة القمر للشمس، على ما يراه المنجمون، [من تقدم](4) الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين، فإنّ ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله.

قال: وأمَّا إذا دلَّ الحساب على أنَّ الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرىَ، لولا وجود المانع - كالغيم مثلاً - فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي. انتهى.

قوله: "أخرجه الستة إلَاّ الترمذي".

قوله: "ولمسلم (5) والنسائي (6) عن أبي هريرة: "فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً". هذه الرواية صريحة في إغمام هلال شوال.

ولفظ "الجامع"(7) في رواية مسلم عن أبي هريرة: "فإنْ غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين".

(1) في "عارضة الأحوذي"(3/ 207).

(2)

انظر: "المغني"(4/ 331).

(3)

في "إحكام الأحكام"(ص 537).

(4)

في (أ. ب): فقد يتقدم. وما أثبتناه من "إحكام الأحكام".

(5)

في صحيحه رقم (17/ 1081)، وقد تقدم.

(6)

في "السنن" رقم (1655)، وقد تقدم.

(7)

(6/ 268).

ص: 195

ولفظ الثاني فيه: "فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين"، وليس فيهما (1)"فصوموا" ولا لفظ "يوماً"، ورواية:"فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً" نسبها ابن الأثير (2) إلى تخريج الخمسة.

الثاني حديث: حذيفة:

2 -

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم: "لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ".أخرجه أبو داود (3) والنسائي (4). [صحيح].

قوله: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال". أي: هلال رمضان، أو"تكملوا العدة" أي: عدة شعبان. "ثم صوموا" بعد أي: الأمرين "حتى تروا الهلال" هلال شوال، "أو تكملوا العدة"[13 ب] عدة رمضان.

قدمنا لك أنّ ليس المراد التعليق صوماً وإفطاراً برؤية الجميع، وأنه يراه كل أحد، بل المراد البعض، إمَّا واحد على رأي الجمهور (5)، أو اثنين على رأي الآخرين (6)، ووافق الحنفية (7) على الأول إلَاّ أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علةٌ من غيم، وغيره، وإلَاّ فمتى كان صحواً لا يقبل إلَاّ من جمع كثير يقع العلم بخبرهم، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل بلدته برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك، قال: لأنَّ قوله:

(1) وهو كما قال.

(2)

في "الجامع"(6/ 267).

(3)

في "السنن" رقم (2326).

(4)

في "السنن" رقم (2126)، وهو حديث صحيح.

(5)

انظر: "فتح الباري"(4/ 123)، "شرح السنن" للبغوي (6/ 245).

(6)

انظر: "روضة الطالبين"(2/ 328).

(7)

"المبسوط"(3/ 140).

ص: 196

"حتى تروه" خطاب لأناس مخصوصين، فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل أحد، فلا يتقيد بالبلد.

وقد اختلف (1) العلماء في ذلك على مذاهب:

أحدهما: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر (2) عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي (3) عن أهل العلم، ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي (4) وجهاً للشافعية.

ثانيهما: مقابله إذا رؤي ببلدةٍ لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية (5).

لكن حكى ابن عبد البر (6) الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان، والأندلس.

قال القرطبي (7): قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة ناطقة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم شهادة اثنين لزمهم الصوم.

وقال ابن الماجشون (8): لا يلزم بالشهادة إلَاّ لأهل البلد الذي ثبت فيه الشهادة إلَاّ أنَّ

(1) انظرها في "فتح الباري"(4/ 123).

(2)

ذكره البغوي في "شرح السنة"(6/ 346).

والحافظ في "الفتح"(4/ 123).

(3)

في "السنن"(3/ 77).

(4)

في "الحاوي"(3/ 409).

(5)

انظر: "التسهيل"(3/ 783)، "التمهيد"(7/ 159).

(6)

"التمهيد"(7/ 59 - 160).

(7)

في "المفهم"(143).

(8)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 123).

ص: 197

يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأنَّ البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.

وقال بعض الشافعية (1): إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي (2) عن الشافعي، وفي ضبط البعد أوجهٌ:

أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون، والصيدلاني، وصححه النووي في الروضة (3)، وشرح المهذب (4).

ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام البغوي (5)[14 ب] وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"(6) والنووي في شرح مسلم (7).

ثالثها: باختلاف الأقاليم.

رابعها: يلزم كل أهل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم، واستدل بالحديث على وجوب الصوم، أو الفطر على من رأى الهلال وحده، وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم.

(1) انظر: "روضة الطالبين"(2/ 328).

(2)

في "شرح السنة"(6/ 245).

(3)

"روضة الطالبين"(2/ 328).

(4)

(6/ 280)

(5)

في "شرح السنة"(6/ 245 - 246).

(6)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 123).

(7)

بل ضعفه النووي في "المجموع"(6/ 281)، وصححه في "شرح صحيح مسلم"(7/ 197).

ص: 198

واختلفوا في الفطر قال الشافعي (1): يفطر ويخفيه.

وقال الأكثر (2): يستمر صائماً احتياطاً.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".

الثالث: حديث عائشة:

3 -

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ". أخرجه أبو داود (3). [صحيح]

قوله: "يتحفظ" أي: يتحرى في أمره لتوقف الصوم عليه، وبقيته كما سلف.

قوله: "أخرجه أبو داود".

الرابع: حديث ابن عباس:

4 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلَالَ. فَقَالَ: "أتشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. قال: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا". أخرجه أصحاب "السنن"(4). [ضعيف]

(1) انظر: "المجموع شرح المهذب"(6/ 246).

(2)

"فتح الباري"(4/ 123).

(3)

في "السنن" رقم (2325).

وأخرجه أحمد (6/ 149)، والدارقطني في "السنن"(2/ 156 - 157)، وقال: هذا إسناد صحيح. وهو حديث صحيح.

(4)

أخرجه أبو داود رقم (2340)، والترمذي رقم (691)، والنسائي رقم (2113)، وابن ماجه رقم (1652). =

ص: 199

ترجم له ابن الأثير (1) بقوله: الفرع الثاني في وجوبه بالشهادة وهو نوعان:

الأول: شهادة الواحد.

قوله: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني رأيت الهلال".

قوله: "يعني هلال رمضان" نسب هذا ابن الأثير (2) إلى الحسن ولفظه قال: الحسن في حديثه يعني هلال رمضان. انتهى.

والحديث يدل آخره على هذا المدرج، وهو دليل على قبول خبر الواحد (3) في هلال رمضان، وأنه يكفي كونه مسلماً في الجملة، وذلك الزمان كان الصدق غالباً على أهله، فيقبل خبر الواحد من غير خبره بحاله، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم:"خير القرون قرني"(4). إلى قوله: "ثم يفشوا الكذب" فحَصَر الكذب وفشوه من بعد القرون الثلاثة، وإذا فشا الكذب وجب التأني في الأخبار حتى يبحث عن حال الراوي، ويثبت في خبره، ولذا قال تعالى في خبر الفاسق:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (5) فإنَّه تعالى أمَرَ بتبيين خبر الفاسق، وذلك بالبحث عن حقيقته.

= وأخرجه ابن خزيمة رقم (1923)، وابن حبان رقم (3446)، وابن أبي شيبة (3/ 68)، وأبو يعلى رقم (2529)، والدارمي (2/ 5)، والطحاوي في"مشكل الآثار" رقم (782)، (483، 484)، وابن الجارود رقم (379، (380)، والحاكم (1/ 424)، والبيهقي (4/ 211)، والدارقطني (2/ 158)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1724) من طرق. وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

في "الجامع"(6/ 271).

(2)

في "الجامع"(6/ 271 رقم 4383).

(3)

انظر: "المغني"(4/ 416 - 417)، "الأم"(3/ 232)، "المجموع"(6/ 282)، "المنتقى" للباجي (2/ 36).

(4)

تقدم مراراً وهو حديث صحيح.

(5)

سورة الحجرات الآية: (6).

ص: 200

قوله: "أخرجه أصحاب السنن".

قلت: قال (1) الترمذي: حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك بن حرب عن عكرمة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام [15 ب] وبه يقول ابن المبارك (2)، والشافعي (3)، وأحمد (4)، وقال إسحاق: لا يصام إلَاّ بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنَّه لا يقبل فيه إلَاّ شهادة رجلين. انتهى بلفظه.

الخامس: حديث ابن عمر:

5 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تَرَاآى النَّاسُ الِهلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. أخرجه أبو داود (5). [صحيح]

(1) في "السنن"(3/ 75).

(2)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 416 - 417): المشهور عن أحمد، أنه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل، ويلزم الناس الصيام بقوله: وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، والشافعي في الصحيح عنه.

(3)

"المجموع شرح المهذب"(6/ 282).

وقال الشافعي في "الأم"(3/ 232): لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان.

قال الشافعي: وقد قال بعض أصحابنا: لا أقبل عليه إلا شاهدين، وهذا القياس على كل مغيب استدل عليه ببينة، وقال بعضهم: جماعة.

(4)

انظر: "المغني"(4/ 417).

(5)

في "السنن" رقم (2345).

وأخرجه ابن حبان رقم (3447)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 423)، والدارمي (2/ 4)، والبيهقي (4/ 212). =

ص: 201

قوله: "تراآى الناس الهلال" أي: تطلبوا رؤية هلال رمضان "فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه". هو كحديث الأعرابي، ويدل على ما يدل عليه.

قوله: "أخرجه أبو داود".

السادس: حديث الحسين بن الحارث الجدلي:

6 -

وعن حسين بن الحارث الجدلي عن الحارث بن حاطب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَنْسُكَ لِرؤْيَتِه، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نسَكنَا بِشِهَادَتِهِمَا. أخرجه أبو داود (1). [صحيح]

"النُّسُكُ" هنا الصوم.

هو أبو القاسم الحسين بن الحارث الجدَلي - بفتح الجيم وفتح الدال المهملة - تابعي مشهور سمع الحارث بن حاطب، وابن عمر، والنعمان بن بشير روى عنه أبو مالك الأشجعي، والحجاج بن أَرْطَأة يُعَدُ في الكوفيين.

قاله ابن الأثير (2)، وترجم للحديث ابن الأثير (3) بقوله: الثاني في شهادة الاثنين.

= قال الدارقطني: تفرَّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب وهو ثقة فيه نظر، فقد تابعة هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، عند الحاكم والبيهقي.

وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

وهو حديث صحيح.

(1)

في "السنن" رقم (2338).

وأخرجه الدارقطني في "السنن"(2/ 167) وقال: هذا إسناد متصل صحيح، وهو حديث صحيح.

(2)

في "تتمة جامع الأصول"(1/ 310 - 311 - قسم التراجم).

(3)

في "الجامع"(6/ 273).

ص: 202

قوله: "عن الحارث بن حاطب". لفظه في "الجامع"(1): أنَّ أمير مكة قال: "عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره وشهد شَاهِدَا عدلٍ نسكنا بشهادتهما".

قال: فسألت الحسين بن حريث مَنْ أمير مكة. فقال: لا أدري، ثم لقيني بعد مدة، فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير إنَّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني (2)، [وأوْمى] (3) بيده إلى رجلٍ - قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي [أوْمى](4) إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق كان أعلم بالله عز وجل منه (5).

والحديث دليل أنه يصام ويُفطر بشهادة العدلين، وهو كذلك، ولا دلالة فيه أنه لا يعمل بشهادة الواحد فيه، وتقدم الدليل عليه، وهو منطوق، وهذا الذي عارضه مفهوم لا يقاومه.

قوله: "أخرجه أبو داود". فسر "المصنف" النسك هنا بالصوم؛ لأنَّ النسك العبادة، وتعيين الصوم هنا للقرينة.

السابع - حديث [أبي عمير](6) ابن أنس بن مالك الصحابي:

7 -

وعن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَكْبًا أَتَوْا إِلَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الِهلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَاّهُمْ.

(1) في "الجامع"(6/ 273 - 274 رقم 4385).

(2)

في "الجامع" زيادة: وقد شهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(3)

كذا في "المخطوط" والذي في "الجامع": أومأ.

(4)

كذا في "المخطوط" والذي في "الجامع": أومأ.

(5)

في "الجامع" زيادة: فقال: بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(6)

كذا في (أ. ب) و"الجامع" والذي في "التقريب" أبو عميرة.

ص: 203

أخرجه أبو داود (1) والنسائي (2). [صحيح]

[وأبو عمير](3) من صغار التابعين. قال في "التقريب"(4): ثقة. قيل: كان أكبر أولاد أنس بن مالك، واسمه عبد الله [16 ب].

قوله: "عن عمومة له". لا يضرّ جهالتهم؛ لأنّهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنَّ ركباً) اسم جمع لراكب، لا جمع.

قوله: "أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال". أي: هلال شوال.

"بالأمس" أي: ليلة يومهم الذي أتوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آخر يومٍ من رمضان. "فأمرهم" أي: أهل المدينة أن يفطروا يومهم ذلك، وإذا أصبحوا أن يغدوا وقت الغداة إلى مصلاهم لصلاة العيد، وفيه قبول شهادة الركب، ووجوب الإفطار، وصلاة العيد يوم ثانيه.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".

الثامن: حديث كريب:

8 -

وعن كريب قال: اسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الهِلَالَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ قُلْتُ: يَوْمَ الجُمُعَةِ. فَقَالَ:

(1) في "السنن" رقم (1157).

(2)

في "السنن" رقم (1557). وأخرجه أحمد (5/ 57، 58)، وابن ماجه رقم (1653)، والدارقطني في "السنن"(2/ 170)، والبيهقي (4/ 250)، وابن حزم في "المحلى"(5/ 92).

قال ابن حزم: هذا مسند صحيح، وأبو عمير مقطوع على أنه لا يخفى عليه من أعمامه من صحت صحبته ممن لم تصح صحبته، وإنما يكون هذا علة ممن يمكن أن يخفى عليه هذا. والصحابة كلهم عدول رضي الله عنهم. لثناء الله تعالى عليهم. وهو حديث صحيح.

(3)

كذا في (أ. ب)، و"الجامع" والذي في "التقريب":"أبو عميرة".

(4)

(2/ 456 رقم 192).

ص: 204

أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ. قُلْتُ: أَفَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه الخمسة (1) إلا البخاري. [صحيح]

وهكذا هو في كتاب الحميدي، يوم الجمعة، وكلهم قالوا: ليلة الجمعة وهو الصحيح، وكذا هو في "جامع الأصول"(2) ليلة الجمعة.

بضم الكاف مصغر كرب، وهو ابن مسلم (3) مولى عبد الله بن عباس، وفي "جامع الأصول" (4) ابن أبي مسلم "استهل عليَّ رمضان بالشام فرأيت الهلال يوم الجمعة" وذلك أنها بعثته أم الفضل إلى معاوية بالشام. قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها.

قوله: "ثم قدمت المدينة في آخر الشهر - رمضان - فسألني ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ ".

قلت: يوم الجمعة، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية.

قوله: "قلت: أفلا نكتفي" قال - ابن الأثير -: شك أحد رواته في نكتفي أي: بالنون، أو تكتفي - بالمثناة الفوقية الأولى - أي: نحن يا أهل المدينة، والثاني: أنت يا ابن عباس.

(1) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (28/ 1087)، وأبو داود رقم (2332)، والترمذي رقم (693)، والنسائي رقم (2111)، وهو حديث صحيح.

(2)

(6/ 276).

(3)

قال الحافظ في "التقريب"(2/ 134 رقم 43)، كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني، أبو رشدين، مولى ابن عباس. ثقة.

(4)

في "تتمة جامع الأصول"(2/ 816 - قسم التراجم). حيث قال: كريب: هو أبو رشدين، كريب بن أبي مسلم مولى عبد الله بن عباس.

ص: 205

قوله: "فقال: ليست (1) هكذا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِقُلْه" يريد بقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" لا أنَّه أراد أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكتفوا برؤية أهل قطر عن رؤيتكم.

قوله: "وكلّهم قالوا ليلة الجمعة" ظاهره كل الخمسة الذين أخرجوه، والذي في "جامع الأصول" (2) أنه أخرج لفظ:"يوم الجمعة" مسلم (3)، قال: وأخرجه أبو داود (4) والترمذي (5) والنسائي (6)، وكلّهم قالوا: فرأيت الهلال ليلة الجمعة.

والذي في كتاب الحميدي "يوم الجمعة"[17 ب] هذا لفظه.

قوله: "وكذا هو في "جامع الأصول" (7): (ليلة الجمعة) ".

قلت: قد سمعت لفظه، وأنَّه أتى بالروايتين، ولا ريب أنَّ مراده بيوم الجمعة ليلتها، فالروايتان متوافقتان معنىً.

قال ابن خزيمة في "صحيحه"(8): وقد احتج به لاختلاف المطالع، قال البيهقي (9): يحتمل أنَّ ابن عباس لم يثبت عنده إلَاّ شهادة كريب وحده فلم يكتف بها إذ لا بد في الإفطار

(1) كذا في الشرح والذي في نص الحديث "لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(2)

(6/ 276).

(3)

في "صحيحه" رقم (1087)، وفيه:"ليلة الجمعة".

(4)

في "السنن" رقم (2332).

(5)

في "السنن" رقم (693).

(6)

في "السنن" رقم (2111) وهو حديث صحيح.

(7)

(6/ 276).

(8)

في "صحيحه" رقم (1916).

(9)

في "السنن"(4/ 202).

ص: 206

من اثنين، قال: ويحتمل أن يكون قوله: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتباراً بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة". ويكون ذلك قولاً، لا فتوى من جهته أخذاً بهذا الخبر. انتهى.

وقد قدمنا البحث، والخلاف في صوم أهل جهة برؤية أهل جهة أخرى.

التاسع: حديث أبي هريرة:

9 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ النَبيُّ صلى الله عليه وسلم: "الصَّوْمُ يَوْمَ تصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحى يَوْمَ تُضَحُّونَ". أخرجه أبو داود (1) والترمذي (2). [صحيح]

ترجم له الترمذي (3) باب ما جاء أنَّ الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون.

ثم ساق حديث (4) أبي هريرة هكذا، وقال (5) فيه: هذا حديث غريب حسن.

وفسر (6) بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس. انتهى.

وترجم ابن الأثير (7) الحديث بقوله: الفرع الرابع في الصوم، والفطر بالاجتهاد.

قال ابن الأثير (8): وترجم أبو داود (9) هذا الحديث باب: إذا أخطأ القومُ الهلال. انتهى.

(1) في "السنن" رقم (2324).

(2)

في "السنن" رقم (697)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

(3)

في "السنن"(3/ 80 الباب رقم 11).

(4)

أي: الترمذي في "السنن" رقم (697) وقد تقدم.

(5)

في "السنن"(3/ 80).

(6)

قاله الترمذي في "السنن"(3/ 80).

(7)

في "الجامع"(6/ 277).

(8)

في "الجامع"(6/ 278).

(9)

في "السنن"(2/ 743 الباب رقم 5).

ص: 207

قال الخطابي (1): معناه: أنَّ الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أنَّ قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلَاّ بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أنَّ الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماضٍ لا شيء عليهم من وزرٍ، أو عيب.

قال المنذري (2): ولعله من كلام الخطابي، وقال بعضهم: فيه إشارة إلى أنَّ يوم الشك لا يصام احتياطاً، وإنما يصوم يوم يصوم الناس.

وقيل: فيه الرد على من يقول: أن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له [18 ب] أن يصوم به، ويفطر دون من لم يعلم.

وقيل: إنَّ الشاهد الواحد إذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنَّه لا يكون هذا صومًا له، كما لم يكن للناس، انتهى.

قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".

قلت: وقال (3): حسن غريب.

العاشر: حديث ابن عمر:

10 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الشَّهْرُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا"، وَصفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا، وَنَقَصَ في الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ اليُمْنى أوِ اليُسْرى. أخرجه الخمسة (4) إلا الترمذي. [صحيح]

(1) في "معالم السنن"(3/ 743 - مع السنن).

(2)

في "مختصر السنن"(3/ 221 - 222).

(3)

في "السنن"(3/ 80).

(4)

أخرجه البخاري رقم (1907)، (1913)، ومسلم رقم (1080)، وأبو داود رقم (2319، 2320)، والنسائي في "السنن" رقم (2140)، وهو حديث صحيح.

ص: 208

قوله: "كذا وكذا وكذا". له ألفاظ كثيرة هذا أحدها، وحاصله بيان عدد أيام الشهر بأصابعه صلى الله عليه وسلم بيان بالفعل، وأنَّه يكون ثلاثين، ويكون تسعاً وعشرين كما أفاده قوله:"ونقص في الصفقة الثالثة". وهو دال على أنهما أصلان، ويعتبر الانتهاء برؤية الهلال أو مضي العدة.

قوله: "أخرجه الخمسة إلَاّ الترمذي".

- وفي رواية لمسلم (1) والنسائي (2): "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَاً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. [صحيح]

قوله: "وفي رواية لمسلم والنسائي".

قلت: بل هي في "صحيح البخاري"(3)، وترجم له (4) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا نحسب ولا نكتب".

قوله: "إِنَّا أُمةٌ أُمِّية". بلفظ النسب، قيل: أراد أمة العرب؛ لأنَّها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي: أنّهم على أصل ولادة أمهم، أو منسوب إلى الأم: لأنَّ المرأة هذه صفتها غالباً، وقيل: منسوب إلى أم القرى.

قوله: "لا نكتب ولا نحسب". تفسير لكونهم كذلك، وقيل: العرب أميون، لأنَّ الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله - تعالى -:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} (5) ، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب، ويحسب، لأنَّ ذلك كان قليلاً فيهم، والمراد بالحساب هُنا: حساب النجوم، وتسيرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلَاّ النزر اليسير، فعلق الصوم

(1) في "صحيحه" رقم (15/ 1080) وأخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1913).

(2)

في "السنن" رقم (2140، 2141).

(3)

في "صحيحه" رقم (1913).

(4)

في "صحيحه"(4/ 126 الباب رقم 13 - مع الفتح).

(5)

سورة الجمعة الآية: (2).

ص: 209

وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في [معاناة](1) حساب التسيير، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً.

قال ابن بزيزة (2): الرجوع إلى الحساب مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، فإنَّه حدس وتخمين ليس فيها قاطع، ولا ظنّ غالب، وقال الباجي: إجماع السلف الصالح [19 ب] حجة على من زعم ذلك.

الحادي عشر: حديث أبي بكرة:

11 -

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شَهْرا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُوا الحِجَّةِ". أخرجه الخمسة (3) إلا النسائي. [صحيح]

قيل: أراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.

قوله: "شهرَا عيدٍ لا ينقصان رمضان وذو الحجة".

قال الحافظ ابن حجر (4): قد اختلف العلماء في معنى الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا يكون رمضان، ولا ذو الحجة إلَاّ ثلاثين يوماً.

قال: وهذا قولٌ مردود معاند للموجود المشاهد، ويكفي في رده قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة". فإنه لو كان رمضان أبداً ثلاثين لم يحتج إلى هذا.

(1) في (أ. ب) معناه: وما أثبتناه من "الفتح". في هامش المخطوطة: كذا في الأصل، ولعله معاناة.

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 127).

(3)

أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1912)، ومسلم رقم (1089)، وأبو داود رقم (2323)، والترمذي رقم (692).

(4)

في "فتح الباري"(4/ 125).

ص: 210

ومنهم من تأول له معنى [الإيفاء](1)، وقال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين، أو ثلاثين.

وقيل: لا ينقصان معا إن جاء أحدهما تسعة وعشرين جاء الآخر ثلاثين.

وقيل: لا ينقصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان (2) مشهوران، وفيه أقوال أُخر.

قال القرطبي (3): إنَّ فيه خمسة أقوال فذكر ما تقدم، وزاد: أنَّ معناه: لا ينقصان في عامٍ بعينه، وهو العام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، وساق أقوالاً، ثم قال: قال الزين ابن المنير (4): لا يخلو شيء من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأَقْرَبُهَا: أنَّ المراد من النقص الحسي باعتبار العدد يَنْجَبِرُ بأنَّ كلاًّ منهما شهرُ عيدٍ عظيم، فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور، وحاصله يرجع إلى تأييد قول الحق.

قال البيهقي في "المعرفة"(5): إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وبه جزم النووي (6)، وقال: إنَّه الصواب المعتمد، انتهى ملخصاً، والمصنف ذكر بعض المعاني في تفسيره

أنه قال الترمذي (7): قال أحمد: معنى هذا الحديث: لا ينقصان معاً في سنة واحدة،

(1) كذا في (أ. ب) والذي في "الفتح": لائقاً.

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 125).

(3)

في "المفهم"(3/ 145 - 146).

(4)

قاله الحافظ في "الفتح"(4/ 125).

(5)

(6/ 243 رقم 8604).

(6)

في "شرحه لصحيح مسلم"(7/ 199).

(7)

في "السنن"(3/ 76).

ص: 211