المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: في الحث عليها - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٦

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: في صلاة الليل

- ‌(الفصل الرابع): في صلاة الضحى

- ‌(الفصل الخامس): في قيام رمضان

- ‌ صلاة التراويح

- ‌(الفصل السادس): في صلاة العيدين

- ‌(اجتماع العيد والجمعة)

- ‌(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌(الفصل الأول): في الكسوف

- ‌(الفصل الثاني): في الاستسقاء

- ‌(الفصل الثالث): في صلاة الجنازة

- ‌(الفصل الرابع): في صلوات متفرقة

- ‌[صلاة الاستخارة]

- ‌(صلاة الحاجة)

- ‌صلاة التسبيح

- ‌كتاب الصوم

- ‌الباب الأول: فى فضله وفضل شهر رمضان

- ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

- ‌فصل في أركان الصوم

- ‌النية

- ‌في نية صوم التطوع

- ‌الإمساك عن المفطرات

- ‌القبلة والمباشرة

- ‌المفطر ناسياً

- ‌زمان الصوم

- ‌عاشوراء

- ‌رجب

- ‌شعبان

- ‌ست من شوال

- ‌عشر ذي الحجة

- ‌أيام الأسبوع

- ‌أيام البيض

- ‌الأيام التي يحرم صومها

- ‌سنن الصوم

- ‌وقت الإفطار

- ‌تعجيل الفطر

- ‌الباب الثالث: في إباحة الفطر وأحكامه

- ‌موجب الإفطار

- ‌في الكفارة

- ‌كتاب الصبر

- ‌كتاب الصدق

- ‌كتاب الصدقة والنفقة

- ‌الفصل الأول: في فضلهما

- ‌النفقة

- ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

- ‌كتاب صلة الرحم

- ‌كتاب الصحبة

- ‌الفصل الأول: فِي حَقِّ الرَّجُل عَلى الزَوْجَةِ

- ‌الفصل الثاني: في حق المرأة على الزوج

- ‌الفصل الثالث: في آداب الصحبة

- ‌الفصل الرابع: في آداب المجلس

- ‌الفصل الخامس: في صفة الجليس

- ‌الفصل السادس: (في التحابِّ والتوادِّ)

- ‌الفصل السابع: في التعاضد والتناصر

- ‌الفصل الثامن: في الاستئذان

- ‌الفصل التاسع: (في السلام وجوابه)

- ‌الفصل العاشر: في المصافحة

- ‌الفصل الحادي عشر: في العطاس والتثاؤب

- ‌الفصل الثاني عشر: في عيادة المريض وفضلها

- ‌الفصل الثالث عشر: في الركوب والارتداف

- ‌الفصل الرابع عشر: في حفظ الجار

- ‌الفصل الخامس عشر: في الهجران والقطيعة

- ‌الفصل السادس عشر: في تتبع العورة وسترها

- ‌الفصل السابع عشر: في النظر إلى النساء

- ‌الفصل الثامن عشر: في أحاديث متفرقة

- ‌كتاب الصداق

- ‌الفصل الأول: في مقداره

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

الفصل: ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

ذكوان، وسلمان بن أبي عبد الله مضعفون، لكن ذكرهم في الثقات (1)، فالحديث حسن على رأيه، وله طريق أخرى صححها ابن ناصر، وفيه زيادة منكرة.

قلت: كأنَّها (2). قال سفيان إلى آخره، وأمَّا ابن الجوزي (3) فحكم بوضعه وتعقبه الحافظ ابن حجر (4)، وقال المجدْ اللغوي - يريد مؤلف "القاموس" - ما يروى في فضل يوم عاشوراء، والصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب والأدهان والاكتحال بدعة ابتدعها قتلة الحسين رضي الله عنه، وفي "الغنية" للحنفية: الاكتحال يوم عاشوراء لما صار علامة لبغض أهل البيت وجب تركه، انتهى بلفظه من التنوير، ولله الحمد الكثير.

‌الفصل الثاني: في الحث عليها

الأول:

1 -

عن [حارثة](5) بن وهب رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَةٍ. فَيَقُولُ الَّذِي يُعْطَاهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالأَمْسِ قَبِلْتُهَا. فَأَمَّا الآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ". أخرجه الشيخان (6) والنسائي (7). [صحيح]

(1)(4/ 312 - 314).

(2)

أي: الزيادة.

(3)

في "الموضوعات" رقم (1142).

(4)

انظر: "الأمالي المغلقة"(ص 29 - 30).

(5)

في المخطوط (أ. ب) خارجة، وما أثبتناه من مصادر التخريج.

(6)

أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1411، 1424، 7120)، ومسلم رقم (58/ 1011).

(7)

في "السنن" رقم (2555). وهو حديث صحيح.

ص: 406

حديث ([حارثة] (1) بن وهب) هو الخزاعي أخو عبيد الله (2) بن عمر لأمه.

قوله: "أما الآن فلا حاجة لي فيها، فلا يجد من يقبلها منه". قال العلماء (3): وذلك عند قرب الساعة حيث يكثر المال، ويقبض، وهو حث على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها، وسبب عدم قبولها كثرة الأموال (4)، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها بعد هلاكِ يأجوج ومأجوج، وقلة الناس، وقرب قيام الساعة، وعدم ادخارهم المال.

قوله: "أخرجه الشيخان".

الثاني: حديث أبي موسى:

2 -

وعن أبي موسى رضي الله عنه: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَترَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ". أخرجه الشيخان (5). [صحيح]

قوله: "يطوف الرجل بالصدقة من الذهب فلا يجد أحداً يأخذها منه"(6).

(1) ذكره ابن الأثير في "تتمة جامع الأصول"(1/ 288 - قسم التراجم).

(2)

أي: عبيد الله بن عمر بن الخطاب. وانظر: "التقريب"(1/ 146 رقم 85).

(3)

انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (7/ 96). "فتح الباري"(3/ 282).

(4)

أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (1412) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي .. ".

(5)

البخاري في "صحيحه" رقم (1414)، ومسلم رقم (1012). وهو حديث صحيح.

(6)

قال النووي في "شرحه لصحيح مسلم"(7/ 96): قوله صلى الله عليه وسلم: "يطوف الرجل بصدقته من الذهب"، إنما هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحد فكيف الظن بغيره وقوله صلى الله عليه وسلم:"يطوف" إشارة إلى أنه يتردد بها بين الناس فلا يجد من يقبلها فتحصل المبالغة والتنبيه على عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء كونه يعرضها ويطوف بها وهي ذهب.

ص: 407

هو كالذي قبله، إنما زاد هنا طواف المتصدق وتردده بصدقته، وهي من أنفس الأموال.

قوله: "ويرى الرجل" يروى بالضم المثناة التحتية وفتحها.

"ويلذن" بالذال المعجمة أي: ينتهين إليه ليقوم بحوائجهن، ويذب عنهن كقبيلة بقي من رجالها واحد، وبقي نساؤها فهن يلذنَّ به، ولا يطمع فيهن أحد (1).

قال العلماء (2): وسبب قلة الرجال: الحروب والقتال الذي يقع آخر الزمان، وتراكم الملاحم كما قال صلى الله عليه وسلم:"لما يكثر الهرج" أي: القتل.

قوله: "أخرجه الشيخان".

الثالث:

3 -

وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَادِرُوا بِالصَّدَقَةِ، فإنَّ البَلَاء لا يَتَخَطَّاها"(3). أخرجه رزين. [ضعيف]

حديث "علي عليه السلام: بادروا بالصدقة". كأنَّ المراد في أول يوم [90 ب] فإنَّ البلاء لا يتخطاها، بل تحول بينه وبين المتصدق فلا يصيبه.

قوله: "أخرجه رزين". وبيض له ابن الأثير (4)، وبحثت عنه فلم أجده (5).

الرابع: حديث أنس:

(1) قاله النووي في "شرح صحيح مسلم"(7/ 96).

(2)

قاله النووي في "شرح صحيح مسلم"(7/ 96). وانظر: "فتح الباري"(1/ 179).

(3)

أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (5639) من حديث علي رضي الله عنه وهو حديث ضعيف.

وأخرجه البيهقي في "الشعب" رقم (3353)، وفي "السنن"(4/ 189)، وابن عدي في "الكامل"(3/ 248) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف.

(4)

في "الجامع"(6/ 446).

(5)

انظر ما تقدم.

ص: 408

4 -

وعن أنس رضي الله عنه قال: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لمَّا خَلَقَ الله الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ وَتَتكَفَّأُ فَأَرْسَاهَا بِالجِبَالِ فَاسْتَقَرَّتْ. فَتَعَجَّبَ المَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الجِبَالِ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا! هَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدُّ مِنَ الجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الحَدِيدُ. قَالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمِ النَّارُ. قَالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمِ المَاءُ. قَالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدُّ مِنَ المَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ. قَالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدُّ مِنَ الرِّيْحِ؟ قَالَ: نَعَمِ ابْنُ آدَمَ، إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ فَأَخْفَاهَا عَنْ شِمَالِهِ". أخرجه الترمذي (1). [ضعيف]

"مَادَتِ (2) الأَرْضُ" تميد: إذا تحركت واضطربت.

قوله: "تتكفأ"(3) بالفاء والهمزة يأتي تفسيره للمصنف.

قوله: "الحديد" لأنَّه يقطع أحجار الجبال.

وقوله: "النار" لأنَّها تذيب الحديد.

قوله: "الماء" لأنَّه يطفئ النار.

وقوله: "الريح" لأنَّها تفرق الماء.

قوله: "ابن آدم" المتصف بأنَّه "إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها (4) عن شماله" مبالغة في الإخفاء، أي: عن كل أحد حتى عن جوارحه، وذلك أنَّها تطفئ غضب الرب تعالى.

(1) في "السنن" رقم (3369)، وهو حديث ضعيف.

(2)

قاله ابن الأثير في "غريب الجامع"(6/ 447).

(3)

قال ابن الأثير في "غريب الجامع"(6/ 447) تكفّأ: تكفَّأت المرأة في مشيتها: إذا تمايلت كما تتمايل النخلة، والأصل: تتكفأ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً.

وانظر: "النهاية في غريب الحديث"(2/ 546).

(4)

ويغنى عن الحديث الضعيف. ما أخرجه البخاري رقم (660)، ومسلم رقم (1031)، وأحمد (2/ 439)، والترمذي رقم (2391)، وابن حبان رقم (4469) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول =

ص: 409

قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (1): حديث غريب.

الخامس: حديث ابن عمر:

5 -

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعفُّفَ عَنِ المَسْأَلَةِ: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"، "وَالعُلْيَا" هِيَ المُنْفِقَةُ، "وَالسُّفْلَى" هيَ السَّائِلَةُ". أخرجه الستة (2) إلا الترمذي. [صحيح]

قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى". المراد بالأخيرية عند الله بل وعند العباد ثم فسرهما بقوله: "والعليا" هي المنفقة، من الإنفاق.

وروى أبو داود (3)"المتعففة" من العفة ورجحه الخطابي (4).

"والسفلى هي السائلة" نسب الإنفاق والسؤال إلى الأيدي؛ لأنه يكون بها الإعطاء والأخذ، وسميت سفلى في مقابلة المعطية فعلوها ظاهر، وظاهر قوله:"السائلة" أنَّ من أعطي من غير مسألة لا تكون يده السفلى.

وأخرج أبو داود (5) عن مالك بن نضله: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيدي ثلاثة فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعط الفضلَ، ولا تعجزْ عن نفسك".

= الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..... إلى قوله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .. ". وهو حديث صحيح.

(1)

في "السنن"(5/ 455) حيث قال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه.

(2)

أخرجه البخاري رقم (1429)، ومسلم رقم (1033)، وأبو داود رقم (1648)، والنسائي رقم (2533)، ومالك في "الموطأ"(2/ 998). وهو حديث صحيح.

(3)

في "السنن"(2/ 297).

(4)

في "معالم السنن"(2/ 297).

(5)

في "السنن" رقم (1649)، وهو حديث صحيح.

ص: 410

قوله: "أخرجه الستة إلَاّ الترمذي".

السادس: حديث عدي بن حاتم:

6 -

وعن عدِيٍّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اتْقُوا النَّارَ وَلَوِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"(1). [صحيح]

- وفي رواية: "مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ"(2). أخرجه الشيخان والنسائي. [صحيح]

قوله: "ولو بشق تمرة". بكسر الشين المعجمة أي: جانبها أو نصفها، أي: ولو كان الاتقاء المذكور بذلك فإنَّه ينقذ، زاد أبو يعلى (3):"فإنَّها تقع من الجائع موقعها من الشبعان" أي: بحصول الاستلذاذ بحلاوتها، وفيه الحث على الصدقة، وإنْ قلَّتْ، والإخبار بأنَّها سبب النجاة من النار.

قوله: "أخرجه الشيخان والنسائي".

السابع: حديث أبي هريرة:

7 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الصّدقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ المُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". أخرجه أبو داود (4). [صحيح]

(1) أخرجه البخاري رقم (6023، 6539، 6563، 4443، 7512)، ومسلم رقم (67/ 1016)، والنسائي رقم (2553).

(2)

أخرجه البخاري رقم (1417)، (3595)، ومسلم رقم (66/ 1016).

(3)

في "مسنده" رقم (85)، من حديث جابر بن عبد الله عن أبي بكر الصديق - رضى الله عنه -.

(4)

في "السنن" رقم (1677)، وهو حديث صحيح. =

ص: 411

"الجُهْدُ" بالضم: الوسع والطاقة من المقل الذي ماله قليل، فهو يعطي بقدر ماله.

قوله: "جهد المقل" أي: وسعته وطاقته.

"وابدأ بمن تعول" أي: ابدأ في الصدقة بمن تعوله (1)، وتنفقه، وتقوم بكفايته.

قوله: "أخرجه أبو داود".

الثامن: حديث ابن المسيب:

8 -

وعن سعيد بن المسيب قال: أَتَى سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "المَاءُ". أخرجه أبو داود (2). [حسن]

قوله [91 ب]: "الماء" الصدقة تتفاضل باعتبار موقعها، ولا ريب أنَّ الحاجة إلى الماء عامة لكل حيوان.

قوله: "أخرجه أبو داود" إلَاّ أنَّه قد قيل (3): إنَّ ابن المسيب لم يدرك سعد بن عبادة.

التاسع: حديث زيد بن أسلم:

= وأخرجه البخاري رقم (1426)، وأبو داود رقم (1676)، والنسائي رقم (2534، 2544)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن خير الصدقة ما ترك غنيً - أو تصدق به عن ظهر غنى - وابدأ بمن تعول" وهو حديث صحيح.

(1)

قال الحافظ في "الفتح"(9/ 500) عال الرجل أهله، إذا عانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة.

(2)

في "السنن" رقم (1679، 1680، 1681). وأخرجه ابن ماجه رقم (3684)، والنسائي رقم (3664، 3665، 3666)، وهو حديث حسن.

(3)

قال المنذري في "مختصر السنن"(2/ 255) وهو منقطع فإن سعيد بن المسيب والحسن البصري لم يدركا سعد بن عبادة، فإن مولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة، ومولد الحسن البصري سنة إحدى وعشرين، وتوفي سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة وقيل: سنة إحدى عشرة. فكيف يدركانه؟!.

ص: 412

9 -

وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَعطُوا السَّائِلَ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ". أخرجه مالك (1). [ضعيف]

قوله: "ولو جاء على فرس" أي: ولو كان ذا هيئة في صورة غني؛ لأنَّ له حق السؤال.

قال الخطابي (2): معناه حسن الظن بالسائل إذا تعرض لك، وأن لا تَجْبَهَه بالتكذيب، والرد مع إمكان الصدق في أمره يقول: لا تخيب السائل إذا سألك، وإن زانك منظره، فقد يكون له الفرس يركبه، ووراء ذلك عائلة ودين يجوز له معه أخذ الصدقة، وقد يكون من أصحاب سهم ابن السبيل، فيباح له أخذها مع الغنى، وقد يكون صاحب حمالة وغرامة (3).

قوله: "أخرجه مالك".

قلت: هو مرسل، فإنَّ زيد بن أسلم تابعي كان عالماً ديناً ثقة، قال مالك: كان زيد بن أسلم من العلماء الذين يخشون الله، وكان يقول: ابن آدم اتق الله يحبك الناس، وإن كرهوا، ذكر هذا ابن عبد البر في "التمهيد"(4).

العاشر:

10 -

ولأبي داود (5) رضي الله عنه: "لِلسَّائِل حَقٌ وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ". [ضعيف]

(1) في "الموطأ"(2/ 996 رقم 3) وهو حديث ضعيف.

وأخرج أبو داود في "السنن" رقم (1665) عن حسين بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للسائل حق وإن جاء على فرس". وهو حديث ضعيف.

(2)

في "معالم السنن" (2/ 306 - 307 - مع السنن".

(3)

وتمام العبارة في "معالم السنن": لديون ادَّانها في معروف وإصلاح ذات البين ونحو ذلك فلا يرد ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق.

(4)

في "السنن" رقم (1665) وهو حديث ضعيف.

(5)

في "السنن" رقم (1665) وهو حديث ضعيف.

ص: 413

حديث علي عليه السلام: "للسائل حق ولو جاء على فرس". ظاهر صنيع المصنف أَنَّه موقوف، ولفظه في "الجامع" (1) عن علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "للسائل حق ولو جاء على فرس" فهو مرفوع.

والمراد حق على المسئول إن كان لديه ما يعطيه مما أوجبه الله أو مطلقاً مع الاستطاعة.

قوله: "أخرجه أبو داود".

الحادي عشر: حديث أبي هريرة:

11 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ الله عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَاّ عِزًّا، وَلَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ لله إِلَاّ رَفَعَهُ الله". أخرجه مسلم (2) ومالك (3) والترمذي (4). [صحيح]

قوله: "ما نقص مال من صدقة" بعده في "الجامع"(5): "أو قال: ما نقصت صدقة من مال" انتهى. وكأنَّه شك من أحد الرواة، وما كان يصلح من "المصنف" حذفه؛ لأنَّ الرواية بالشك في أيّ اللفظين قاله صلى الله عليه وسلم، فصار بعد الحذف جزماً بالمشكوك فيه.

إخراج الصدقة من المال، وإن كان ينقصها (6) حساً، فإنَّ الإخلاف عليه يزيدها نمواً، فهو ليس بنقص حقيقي، فالنفي يتوجه إلى الحقيقة.

(1)(6/ 453 رقم 4656).

(2)

في "صحيحه" رقم (2588).

(3)

في "الموطأ"(2/ 1000).

(4)

في "السنن" رقم (2030). وهو حديث صحيح. والله أعلم.

(5)

(6/ 455 رقم 4660).

(6)

قال النووي في "شرح صحيح مسلم"(16/ 141): قوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال" ذكروا فيه وجهين. أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك =

ص: 414

قوله: "وما زاد الله عبداً بعفو [92 ب] إلَاّ عزاً" لما كان العافي عمَّن ظلمه وهضمه في الظاهر مغلوب، وأنَّ العزة في الانتصاف أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ العفو يزداد به العافي عزاً على عكس ما يتخيل.

قوله: "ولا تواضع عبد لله إلاّ رفعه الله" فيه أنَّ التواضع (1) سبب لرفعة الله للعبد، كما أنَّ التكبر سبب لوضعه عند الله.

قوله: "أخرجه مسلم ومالك والترمذي".

قلت: لفظ "الجامع"(2) أخرجه مسلم والترمذي وأخرجه "الموطأ"(3) مرسلاً أنه سمع العلاء بن عبد الرحمن يقول: ما نقصت صدقة من مال، وذكر الحديث، وقال مالك (4) في آخره: ولا أدري أرفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ انتهى بلفظه، وفي اختصار المصنف له إخلال كثير.

الثاني عشر: حديث جابر:

12 -

وعن جابر رضي الله عنه قال: أَمَرَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي المَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ.

= بالحس والعادة. والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة.

(1)

قال النووي في "شرحه لصحيح مسلم"(16/ 142) فيه أيضاً وجهان.

أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه.

الثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا.

(2)

(6/ 455 رقم 4660).

(3)

في "الموطأ"(2/ 1000).

(4)

في "الموطأ"(2/ 1000).

ص: 415

أخرجه أبو داود (1). [حسن]

قوله: "من كل [جاذ] (2) " بالجيم وآخره ذال معجمة في "القاموس"(3): "الجذ الإسراع والقطع المستأصل". عشرة أوسق.

قال إبراهيم الحربي (4): يريد قدراً من النخل، يجذ منه عشرة أوسق، وتقديره مجذوذ فاعل بمعنى مفعول.

"بقنو"(5) بكسر القاف، والقنو: العذق بما فيه من الرطب.

قوله: "للمساكين" قال الخطابي (6): هذا من صدقة المعروف دون الفرض.

قوله: "أخرجه أبو داود".

الثالث عشر: عوف بن مالك:

13 -

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَاً وَبِيَدِهِ عَصًا، وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ قِنْوَ حَشَفٍ فَجَعَلَ يَطْعُنُ فِيهِ وَيَقُولُ:"لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هذَا، إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُلُ حَشَفاً يَوْمَ القِيَامَةِ". أخرجه أبو داود (7) والنسائي (8). [حسن]

(1) في "السنن" رقم (1662)، وهو حديث حسن.

(2)

كذا في "الشرح" والذي في نص الحديث و"سنن أبي داود": جادّ.

(3)

"القاموس المحيط"(ص 423).

(4)

انظر: "غريب الحديث" لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (198 - 285 هـ)(3/ 1171).

(5)

قاله ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث"(2/ 496).

(6)

في "معالم السنن"(2/ 305).

(7)

في "السنن" رقم (1608).

(8)

في "السنن"(2493).

وأخرجه ابن ماجه رقم (1821). وهو حديث حسن. والله أعلم.

ص: 416

"القِنْو"(1) العذق بما فيه من الرطب.

قوله: "قنو حشف" بالحاء المهملة فشين معجمة ففاء، في "القاموس" (2): الحشف أردئ التمر، أو الضعيف لا نوى له، واليابس الفاسد، انتهى.

قوله: "يأكل حشفاً يوم القيامة" قد أمر الله بالإنفاق ممَّا يحبه العبد، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} (3)، {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (4)، {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} (5) هو عام في كل مكروه، وإن كان سياق الآية في جعل البنات لله تعالى عما يقولون.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي" وفي ألفاظهما خلاف يسير كما في "الجامع"(6) لابن الأثير.

قوله: "العذق"(7) هو بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة، فقاف العرجون، وتفتح العين النخلة.

الرابع عشر: حديث جرير (8)[93 ب]:

(1) تقدم شرحها.

(2)

"القاموس المحيط"(ص 1034).

(3)

سورة الإنسان الآية: (8).

(4)

سورة آل عمران الآية: (92).

(5)

سورة النحل الآية: (62).

(6)

(6/ 456).

(7)

قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 185) العَذق بالفتح النخلة، وبالكسر: العُرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عِذاق.

(8)

وهو جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

ص: 417

14 -

وعن جريرَ رضي الله عنه قال: أَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَوْمٌ حَفَاةٌ عُرَاة مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ. فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالاً رضي الله عنه فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} الآيَةِ .. {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} (1)، وَالآيَةَ الَّتِي فِي الحَشْرِ:{اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (2). تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ:"وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ ثِيَابٍ وَطَعَامٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَالَ:"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْء، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْء". أخرجه مسلم (3) والنسائي (4). [صحيح]

قوله: "مُجتابى النِّمار" أي: لابسيها، والنِّمار (5) جمع نمرة وهي شَمْلة مخطّطة من مآزر الأعراب.

(1) سورة النساء الآية: 1.

(2)

سورة الحشر الآية: 18.

(3)

في "صحيحه" رقم (1017).

(4)

في "السنن" رقم (2553).

وأخرجه أحمد (5/ 358)، وابن ماجه رقم (203) وهو حديث صحيح.

(5)

قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 796): كل شملة مخططة من مآزر الأعراب فهي نمرة، وجمعها نمار، كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة. =

ص: 418

"تمعَّرَ"(1) أي: تغير وتلوّن من الغضَب.

قوله: "مجتابي النمار" جمع مجتاب (2) بالجيم فمثناة فوقية فموحدة، والنمار بكسر النون جمع نمرة، وهي شملة مخططة من مآزر الأعراب، واجتاب فلان الثوب إذا لبسه، والمراد هنا: أنَّهم توروا وخرقوها ولبسوها.

قوله: "عامتهم من مضر" في "الجامع" بعد هذا اللفظ بل كلهم من مضر.

قوله: "فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالعين المهملة يقال: تمعر وجهه إذا تغير وتلون من الغضب بين وجه ذلك بقوله: "لما رأى بهم من الفاقة".

قوله: "حتى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد في "الجامع" (3): "كأنَّه مذهبه" ولا أدري لماذا حذفه المصنف، قال في المشارق (4) (مذهبه) بذال معجمة وباء أي: موحدة أي: فضة مذهبة وصحَّفه بعضهم فقال: "مدهنة" بدال مهملة ونون. انتهى.

وقال ابن الأثير (5): (مدهنة) المُّدهن: نقرة في الجبل يُستنقعُ فيها الماء من المطر، والمدُّهن - أيضاً - ما جعل فيه الدُّهن، والمدهُنة كذلك، شبَّه صفاء وجهه صلى الله عليه وسلم لإشراقه بالسرور: بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن، هذا ما شرحه الحميدي في غريبه، ثم ذكر رواية الذال المعجمة والموحدة بمثل ما قدمناه عن المشارق (6).

= انظر: "غريب الحديث" للخطابي (2/ 113). "الفائق" للزمخشري (1/ 243).

(1)

"القاموس المحيط"(ص 614).

(2)

"الفائق" للزمخشري (1/ 243).

(3)

(6/ 457).

(4)

للقاضي عياض (1/ 431).

(5)

في "غريب الجامع"(6/ 458 - 459). وانظر: "النهاية في غريب الحديث"(1/ 615 - 616).

(6)

(1/ 431).

ص: 419

نعم وسبب (1) سروره صلى الله عليه وسلم وفرحه ما رآه من مبادرة المسلمين إلى طاعة الله، وبذل أموالهم لله وامتثالهم أمره، وبدفع حاجة هؤلاء المحتاجين وتعاونهم على البر والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى شيئاً من هذا القبيل أن يفرح ويكون فرحه لله.

قوله: "ثم قال: من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".

فيه الحث على الاقتداء بالخيرات، وسنِّ السنن الحسنات، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث: أنَّه قال في أوله: فجاء رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها ثم تتابع الناس فكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح [94 ب] لباب هذا "الإحسان".

وقوله: "من سنَّ سُنَّة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

هذا تحذير من الابتداع بقبائح (2) الأعمال، إن قلت: كيف حمل أوزار من بعده؟ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3).

قلت: ما حمل الأوزرة؛ لأنَّه فتح باب البدعة الذي دخل منه من تبعه، فكان عليه إثم فتح الباب، وإثم كل داخل منه، وعليهم آثام دخولهم، فهو نظير قوله تعالى:{وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ} (4) في جواب من قال من الكفار: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ

(1) ذكره النووي في "شرحه لصحيح مسلم"(7/ 103).

(2)

انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (7/ 104).

(3)

سورة الأنعام الآية: 164، سورة الإسراء الآية: 15، سورة فاطر الآية: 18، سورة الزمر الآية: 7، سورة النجم الآية:38.

(4)

سورة العنكبوت الآية: 12.

ص: 420

خَطَايَاكُمْ} (1) ثم قال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} (2) وهو وزر الإضلال، ووزر الضلال.

قوله: "أخرجه مسلم والنسائي".

الخامس عشر: حديث أبي هريرة:

15 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ الليْلَةَ على زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ. لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍ. فَقَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمّا السَّارِقُ فَلَعَلَّهُ أن يَسْتَعفُّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أن تَستَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمّا أَعْطَاهُ الله تَعَالَى".

(1) سورة العنكبوت الآية: 12.

(2)

سورة العنكبوت الآية: 13.

قال ابن كثير في تفسيره (10/ 497): وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة أنهم يوم القيامة يحملون أوزاراً أنفسهم وأوزار أخرى بسبب من أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً، كما قال تعالى:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: 25].

ثم قال: وفي "الصحيح": "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً"[أخرجه مسلم رقم (16/ 2674)].

ص: 421

أخرجه الشيخان (1) والنسائي (2). [صحيح]

قوله: "قال رجل" أي: من بني إسرائيل.

"لأتصدقن الليلة بصدقة". هذا من باب الالتزام كالنذر مثلاً، والقسم فيه مقدر، كأنَّه قال: والله لأتصدقن (3).

قوله: "فأصبحوا يتحدثون" كأنَّه عن وحي إلى بعض أنبياء بني إسرائيل الموجودين.

قوله: "تُصدق" مبني للمجهول "الليلة على سارق" وكأنَّه سمع ذلك "فقال: اللهم لك الحمد" قاله حمداً على المكروه تفويضاً (4) إلى الله، حيث وقعت صدقته في غير مستحقها وهو لا يريد ذلك.

قوله: "فأتى" قيل: أتاه آتٍ، وقيل: أوحي إلى نبي ذلك الزمان فأخبره بذلك.

زاد الطبراني (5) وأبو نعيم (6): "في منامه فبشره الله بقبول صدقته"؛ لأنَّه لم يقصد واحداً من الثلاثة، إنما اتفق ذلك ثم أخبره - تعالى - بفائدة صدقته على كل واحد، وأنَّه ينفع بها من وقعت له، فيكون للمتصدق أجر استعفاف السارق، واستعفاف الزانية، واعتبار الغني.

والحاصل أنَّ الصدقة بحسن النية لا تكون إلَاّ جالبة خيراً للمتصدق.

قوله: "أخرجه الشيخان والنسائي".

(1) أخرجه البخاري رقم (1421)، ومسلم رقم (78/ 1022).

(2)

في "السنن" رقم (2523)، وأخرجه أحمد (2/ 350).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 290)، وهو حديث صحيح.

(4)

رجحه الحافظ في "الفتح"(3/ 290).

(5)

لم أقف عليه.

(6)

ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 290).

وأخرجه أحمد في "المسند"(2/ 350)، وفيه: "

فأري في المنام إن صدقتك قد قبلت،

".

ص: 422