المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: في فضلهما - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٦

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: في صلاة الليل

- ‌(الفصل الرابع): في صلاة الضحى

- ‌(الفصل الخامس): في قيام رمضان

- ‌ صلاة التراويح

- ‌(الفصل السادس): في صلاة العيدين

- ‌(اجتماع العيد والجمعة)

- ‌(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌(الفصل الأول): في الكسوف

- ‌(الفصل الثاني): في الاستسقاء

- ‌(الفصل الثالث): في صلاة الجنازة

- ‌(الفصل الرابع): في صلوات متفرقة

- ‌[صلاة الاستخارة]

- ‌(صلاة الحاجة)

- ‌صلاة التسبيح

- ‌كتاب الصوم

- ‌الباب الأول: فى فضله وفضل شهر رمضان

- ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

- ‌فصل في أركان الصوم

- ‌النية

- ‌في نية صوم التطوع

- ‌الإمساك عن المفطرات

- ‌القبلة والمباشرة

- ‌المفطر ناسياً

- ‌زمان الصوم

- ‌عاشوراء

- ‌رجب

- ‌شعبان

- ‌ست من شوال

- ‌عشر ذي الحجة

- ‌أيام الأسبوع

- ‌أيام البيض

- ‌الأيام التي يحرم صومها

- ‌سنن الصوم

- ‌وقت الإفطار

- ‌تعجيل الفطر

- ‌الباب الثالث: في إباحة الفطر وأحكامه

- ‌موجب الإفطار

- ‌في الكفارة

- ‌كتاب الصبر

- ‌كتاب الصدق

- ‌كتاب الصدقة والنفقة

- ‌الفصل الأول: في فضلهما

- ‌النفقة

- ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

- ‌كتاب صلة الرحم

- ‌كتاب الصحبة

- ‌الفصل الأول: فِي حَقِّ الرَّجُل عَلى الزَوْجَةِ

- ‌الفصل الثاني: في حق المرأة على الزوج

- ‌الفصل الثالث: في آداب الصحبة

- ‌الفصل الرابع: في آداب المجلس

- ‌الفصل الخامس: في صفة الجليس

- ‌الفصل السادس: (في التحابِّ والتوادِّ)

- ‌الفصل السابع: في التعاضد والتناصر

- ‌الفصل الثامن: في الاستئذان

- ‌الفصل التاسع: (في السلام وجوابه)

- ‌الفصل العاشر: في المصافحة

- ‌الفصل الحادي عشر: في العطاس والتثاؤب

- ‌الفصل الثاني عشر: في عيادة المريض وفضلها

- ‌الفصل الثالث عشر: في الركوب والارتداف

- ‌الفصل الرابع عشر: في حفظ الجار

- ‌الفصل الخامس عشر: في الهجران والقطيعة

- ‌الفصل السادس عشر: في تتبع العورة وسترها

- ‌الفصل السابع عشر: في النظر إلى النساء

- ‌الفصل الثامن عشر: في أحاديث متفرقة

- ‌كتاب الصداق

- ‌الفصل الأول: في مقداره

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

الفصل: ‌الفصل الأول: في فضلهما

‌كتاب الصدقة والنفقة

وفيه ثلاثة فصول

‌الفصل الأول: في فضلهما

الأول: حديث أبي هريرة:

1 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ الله إِلَاّ الطَّيِّبَ، إِلَاّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَإِنْ كانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ". أخرجه الستة (1) إلا أبا داود. [صحيح]

قوله: "فَتَرْبُو" أي: تكثر وتزيد.

"وَكفُّ الرَّحْمنِ" هنا كناية عن محل قبول الصدقة التي توضع فيه، وإلا فلا كف (2) لله ولا جارحة، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون والمجسمون (3) علوًّا كبيراً.

(1) أخرجه البخاري رقم (1410، 7430) تعليقاً، ومسلم في "صحيحه" رقم (63، 1014)، والترمذي رقم (661)، وابن ماجه رقم (1842)، والنسائي (5/ 57). وأخرجه أحمد (2/ 538)، وابن خزيمة في "التوحيد"(1/ 143 - 144)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1632)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(ص 328)، والآجري في "الشريعة"(ص 320 - 321). وهو حديث صحيح.

(2)

بل الكف صفة ذاتية خبرية ثابتة لله عز وجل بالأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان به واجب، والبحث عن كيفية ذلك باطل. وقال الأصبهاني في "الحجة" (2/ 262): (

وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك، إلا ما هو معروف في كلام العرب، فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية. وقال صديق حسن خان في "قطف الثمر" (ص 66): (ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع

).

(3)

انظر: "التعليقة المتقدمة" وقد تقدم مزيد تفصيل.

ص: 390

"وَالفَلُوُّ (1) " المُهرْ أول ما يولد.

"وَالفَصِيلُ (2) " ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه.

قوله: "من طيب" أي: حلال.

"ولا يقبل الله إلَاّ الطيب إلَاّ أخذها بيمينه".

قال المازري (3): كنّى عن قبول الصدقة بالأخذ باليمين، وعن تضعيف الأجر بالتريبة جرياً على ما اعتادوه في [84 ب] خطابهم ليفهموه.

قال القاضي (4): لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين (5) استعملت اليمين في مثل هذا، واستعيرت للقبول كقوله:

(1) قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث"(2/ 395) الفَلُوُّ المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحافر.

وانظر: "غريب الحديث" للخطابي (2/ 177).

(2)

انظر: "الفائق" للزمخشري (12213).

وانظر: "النهاية"(2/ 375).

(3)

في "المعلم بفوائد مسلم"(2/ 13 - 14، 18).

(4)

القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(3/ 536 - 537).

(5)

بل الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ لأن الله أعلم بنفسه من غيره، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه.

وقال: الغنيمان في "شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري"(1/ 311): (هذا؛ وقد تنوعت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على إثبات اليدين لله تعالى وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض وتثنيتهما، وأن إحداهما يمين كما مر، وفي نصوص كثيرة، والأخرى شمال، كما في "صحيح مسلم"، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب =

ص: 391

تلقاها عَرابة باليمين

أي: هو مؤهل للمجد والشرف، وليس المراد بها الجارحة، انتهى.

وعرابة الذي ذكره المازري هو عرابة (1) بن أوس الخزرجي الأنصاري الأوسي، كان من سادات قومه كريماً جواداً، كان يقاس في الجود بعبد الله بن جعفر.

قال ابن قتيبة (2): لقيه الشمَّاخ (3) الشاعر وهو يريد المدينة، وقال: ما أقدمك؟ قال: أمتار لأهلي، وكان معه بعيران، فأوقرهما له براً، وتمراً وكساه، وأكرمه، فخرج من المدينة وامتدحه بالقصيدة التي يقول فيها:

رَأيتُ عَرابَة الأوسيَّ يَسْمُو

إلى الخَيرات مُنقَطعَ القَرينِ

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمِجْدٍ

تَلَقَّاها عَرَابُة باليمينٍ

وفسر المصنف الحديث بنحو مما ذكرناه.

= الطيب بيمينه، فيربيها لصاحبها، وأن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وغير ذلك مما هو ثابت عن الله ورسوله).

(1)

عرابة بن أوس وقد تقدم مفصلاً بن قيظي الأوسى، صحابي ابن صحابي، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق، ولم يشهد أحداً، كانت سنه إذا ذاك أربع عشرة سنة وخمسة أشهر، فلم يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشهدها لذلك.

انظر: "الإصابة"(3/ 311).

(2)

في "الشعر والشعراء"(1/ 318 - 319).

(3)

الشمَّاخ: هو معقل بن ضرار، كان جاهلياً إسلامياً.

قال الحطيئة: أبلغوا الشَّماخ أنه أشعر غطفان.

وانظر: "خزانة الأدب"(3/ 37 - 38).

ص: 392

قوله: "فلُوَّه" بزنة عَدوّ المهر ضرب به المثل؛ لأنَّه يزيد زيادة بينة؛ ولأنَّ الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن التربية له انتهى إلى حد الكمال.

قوله: "أخرجه الستة إلَاّ أبا داود".

قلت: وأخرج الترمذي (1) من حديث أبي هريرة أنَّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أنَّ اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (2)، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (3) ". قال (4) أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

قلت: إلَاّ أنَّه قال العراقي: فيه تخليط من بعض الرواة، والصواب (5):{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ} (6).

قال أبو عيسى (7): قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه: هذا من الروايات في الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس

(1) في "السنن" رقم (662)، وهو حديث صحيح لغيره.

(2)

سورة الشورى الآية: (25).

(3)

سورة البقرة الآية: (276).

(4)

في "السنن"(3/ 50).

(5)

وهو كما قال.

(6)

سورة التوبة الآية: 104.

(7)

في "السنن"(3/ 50 - 51).

ص: 393

[85 ب] وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنَّهم قالوا في هذه الأحاديث: أمررها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

وأمَّا الجهمية (1) فأنكروا هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسرها أهل العلم، وقالوا: إنَّ الله لم يخلق آدم (2) بيده، وقالوا: إنما معنى اليد هنا القوة.

وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا هو التشبيه، وأمَّا إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر، ولا يقول:

(1) الجهمية ترجع نسبتها إلى مؤسسها جهم بن صفوان، والجهمية إحدى الفرق الكلامية التي تنتسب إلى الإسلام وهي ذات مفاهيم وأراء عقدية خاطئة في مفهوم الإيمان، وفي صفات الله تعالى وأسمائه.

فالجهمية تنكر جميع الأسماء التي سمى الله بها نفسه وجميع الصفات التي وصف بها نفسه بحجج واهية وتأويلات باطلة.

منها: إرادة تنزيه الله تعالى.

- أن إثبات الصفات يقتضي أن يكون الله جسماً لأن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام؛ لأنها أعراض والأعراض لا تقوم بنفسها.

- أن وصف الله تعالى بتلك الصفات التي ذكرت في كتابه الكريم أو في سنة نبيه العظيم، يقتضي مشابهة الله بخلقه، فينبغي نفي كل صفة نسبه إلى الله تعالى، وتوجد كذلك في المخلوقات لئلا يؤدي إلى تشبيه الله بزعمهم بمخلوقاته التي تحمل اسم تلك الصفات.

انظر: "المقالات"(1/ 279)"الفرق بين الفرق"(ص 212).

"فرق معاصرة"(2/ 800 - وما بعدها). "الملل والنحل"(1/ 97 - 100).

(2)

اعلم أن ما أضيف إلى الله مما هو غير بائن عنه، فهو صفة له غير مخلوقة، وكل شيء أضيف إلى الله بائن عنه، فهو مخلوق، فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفة له. وقد تقدم تفصيله.

انظر: "مجموع فتاوى لابن تيمية"(5/ 212)، (9/ 290)، "التدمرية"(ص 31 - 35).

ص: 394

كيف، ولا يقول: مثل سمع وكسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله في كتابه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} (1) انتهى.

وقدمنا كلام المازري (2) وهو تأويل صحيح (3)، وهذا أحسن منه، وأولى بجلال الله سبحانه وتعالى.

الثاني: حديثه - أيضاً -:

2 -

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا رَجُلٌ فِيِ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ أسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ المَاءَ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِم فِي حَدِيقَةٍ يُحَوَّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الله! مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ. الاسْمُ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الله! لِمَ سَالتَنِي عَنِ اسْمِي؟ قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُوُلُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ. فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أنَا وَعِيَالِي ثُلُثَهُ، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ".

أخرجه مسلم (4). [صحيح]

"الحَرَّةُ (5) " بفتح الحاء: الأرض ذات الحجارة السوداء.

"وَالشَّرْجَةُ"(6): واحدة الشِّراج وهي مسايل الماء إلى السَّهل من الأرض.

(1) سورة الشورى الآية: 11.

(2)

في "المعلم بفوائد مسلم"(2/ 18).

(3)

ليس كذلك انظر ما تقدم.

(4)

في "صحيحه" رقم (2984).

(5)

انظر: "النهاية في مجموع الحديث"(1/ 357).

"المجموع المغيث"(1/ 426).

(6)

"الفائق" للزمخشري (2/ 223).

ص: 395

"والمِسحاةُ"(1): المجْرَفة من الحديد.

قوله: "رجل" لم يأتِ مسماً في رواية.

قوله: "إذ سمع صوتاً في سحابة اسق حديقه فلان" الحديقة القطعة من النخل، وتطلق على الأرض ذات الشجر.

قوله: "فتنحى" أي: قصد ذلك السحاب في ناحية.

"فأفرغ ماءه في حرة".

قوله: "شرجة" بفتح الشين المعجمة وسكون الراء فجيم هي طريق الماء كما يأتي للمصنف، والحديث فضيلة للصدقة (2)، فإنَّ نفقته على أولاده ونفسه صدقة، والذي يرده في إصلاح الأرض صدقة أيضاً.

قوله (3): "أخرجه مسلم".

الثالث: حديثه - أيضاً -:

3 -

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ الفِ دِرْهَمٍ". قِيلَ: وَكَيْفَ ذلِكَ يَا رَسولَ الله؟ قَالَ: "كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَجْوَدْهِمَا، وَانْطَلَقَ آخَرُ إِلى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مِائَةَ الفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا". أخرجه النسائي (4). [حسن]

(1)"النهاية في غريب الحديث"(1/ 852).

(2)

قاله ابن الأثير في "غريب الجامع"(9/ 520).

(3)

أي قوله: (فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه

).

(4)

في "السنن" رقم (2527).

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (2443)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (3336)، والحاكم (1/ 416).

وهو حديث حسن.

ص: 396

"عُرْضُ الشَّيْءِ"(1) جانبه وناحيته.

قوله: "سبق درهم" أي: سبق في ثوابه أو قبوله.

"مائة ألف درهم" وكأنَّه استنكر السامعون ذلك؛ لأنَّ الذي يعلم أنَّ الأكثر أفضل من الأقل.

"قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: كان لرجل درهمان فتصدق [أحدهما] (2) " فهو نصف ماله.

قوله: "وانطلق آخر إلى عرض ماله، فأخرج منه مائة ألف درهم فتصدق بها". فسبق ذلك الدرهم تلك المائة؛ لأنَّه نصف مال من أخرجه، والآخر أخرج شطراً من ماله فسماحة صاحب الدرهم أكبر، ويحتمل أنَّ ذلك لأنَّه وافق محتاجاً مستحقاً [86 ب] دون صاحب المائة، أو أنَّه أحسن منه نية، وإن كان خلاف الظاهر، والحديث يناسبه قول الشاعر:

ليس العطاء من الغناء سماحة

حتى تجود وما لديك قليل

قال في "الجامع"(3): وفي رواية (4): "وكان رجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله".

إلَاّ أنَّه يعارضه حديث: "أفضل الصدقة ما كانت عن ظهر غنى (5) " ولعله يجاب بأنَّ المراد غنى النفس، وأنَّ المتصدق لا يتبع ما أخرجه نفسه.

ولأبي محمد بن حزم بحث هنا، لعلنا نلحقه إن وجدناه إن شاء الله.

(1) انظر: "الفائق" للزمخشري (2/ 415).

"النهاية في غريب الحديث"(2/ 184).

(2)

كذا في "الشرح" والذي في نص الحديث (بأجودهما).

(3)

(9/ 520).

(4)

أخرجه النسائي في "السنن" رقم (2528)، وهو حديث حسن.

(5)

أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1427)، وهو حديث صحيح وقد تقدم.

ص: 397

قوله: "أخرج النسائي".

الرابع: حديث ابن عباس:

4 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّهُ جَاءَهُ سَائِلٌ: فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَصُومُ وَتُصَلِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَالتَ وَلِلسَّائِلِ حَقٌّ، إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَكَ. فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَكْسُو مُسْلِماً ثَوْبًا إِلَاّ كَانَ فِي حِفْظِ الله تَعَالَى مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَةٌ". أخرجه الترمذي (1). [ضعيف]

قوله: "فقال له: أتشهد .. إلى آخره" فيه أنَّه سأل السائل عن الدين ليتصدق المتصدق، وقد عرف دينه لحديث:"تخيروا لصدقاتكم".

قوله: "أخرجه الترمذي".

الخامس: حديث أبي سعيد:

5 -

وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسولَ الله: أَخبرنِي عَنِ الهِجْرَةِ. فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:"فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَل تَمْنَحُ مِنْهَا؟ قَال: نَعَم. قَالَ: فَتَحْلُبُهَا يَوْم وِرْدَهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ الله لَنْ يِتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شيْئًا". أخرجه الخمسة (2) إلا الترمذي. [صحيح]

قوله: "فاعمل من رواء البحار". عبارة (3) يراد بها: في أي محل كنت حيث قد قمت بما أمر الله به من حقوق ما أعطيت من الإبل، وخص صلى الله عليه وسلم ما ذكر؛ لأنَّه أعز شيء على أهل

(1) في "السنن" رقم (2484)، وهو حديث ضعيف.

(2)

أخرجه البخاري رقم (1452)، وأطرافه رقم (2633، 3923، 6165)، ومسلم رقم (1865)، وأبو داود رقم (2477)، والنسائي رقم (4164). وهو حديث صحيح.

(3)

قال الحافظ في "الفتح"(7/ 259) مبالغة في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أي موضع كان.

ص: 398

البادية، ولم يسأله عن سائر الواجبات لعلمه صلى الله عليه وسلم بأنَّه لا يريد الهجرة إلَاّ وقد قام بأمور دينه، وإنما شدد عليه أمرها؛ لأنَّ خروج صاحب البادية إلى الحضر مهاجراً أمر صعب لا يحتمله حال السائل (1).

وقوله: "تحلبها يوم وردها" أي: يوم ترد المياه لتشرب، فإنَّهم كانوا يحلبونها ويتصدقون من لبنها، فاكتفى بذكر الحلب؛ لأنَّه معلوم أنَّ المراد به التصدق.

وفي "شرح مسلم"(2): أنَّ المراد بالبحار القرى، والعربُ تسمي القرى البحار، والقرية البحيرة، والمراد بالهجرة التي سأل عنها الأعرابي ملازمة المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وترك أهله ووطنه فخاف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقوى لها، [فأمره بالعمل في وطنه](3)، انتهى.

وقوله: "لن يترك (4) " بمثناة تحتية ثم مثناة فوفية لا ينقصك.

قوله: "أخرجه الخمسة إلَاّ الترمذي".

السادس: حديث أبي هريرة:

6 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتةَ السُّوءِ". أخرجه الترمذي (5). [ضعيف]

(1) انظر: "فتح الباري"(7/ 258 - 259).

(2)

(13/ 9).

(3)

كذا في (أ. ب) والعبارة كما في "شرح صحيح مسلم" للنووي: ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه فقال له إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد. ولكن اعمل الخير في وطنك وحيث ما كنت فهو ينفعك ولا ينقصك الله منه شيئاً والله أعلم.

(4)

انظر: "النهاية في غريب الحديث"(2/ 820)، "غريب الحديث" للهروي (1/ 306).

(5)

في "السنن" رقم (664) وهو حديث ضعيف.

ص: 399

قوله: "تطفئ غضب الرب (1) " شبهه بتلهب النار في [87 ب] إضرار من غضب عليه، فمن فعل ما يغضب الله، ولا يغضبه إلَاّ المعاصي، فبادر بإخراج الصدقة، فإنَّه يطفئ عنه الغضب، ووجه المناسبة واضحة، وهو أنَّ بالصدقة يطفئ العبد تلهب المحتاج بنار حاجته، فكافأه الله بدفع نار غضبه، وهذا أحد فوائد الصدقة، وإلَاّ فإنَّ فوائدها كثيرة منها: الإخلاف وزيادة الرزق إذا افتقر، ثم متاجرة الله بالصدقة، وغير ذلك من انشراح صدر المتصدق، وانبساط أخلاقه، ومنها: قوله: "وتدفع ميتة السوء" أي: الشر وهي الميتة على غير أهبة ولا استعداد.

قوله: "أخرجه الترمذي".

(1) الغضب صفة فعلية خبرية ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة.

والدليل من الكتاب: قوله تعالى: {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [النور: 9].

وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)} [طه: 81].

والدليل من الحديث:

ما أخرجه البخاري رقم (3194)، ومسلم رقم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"إن رحمتي غلبت غضبي".

وما أخرجه البخاري رقم (3340)، ومسلم رقم (194) حديث الشفاعة الطويل وفيه: "

إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله .... ".

فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب لله عز وجل بوجه يليق بجلاله وعظمته، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون، كمن يقول: الغضب إرادة العقاب، ولا يعطلون، بل يقولون:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى: 11].

وانظر: "الحجة في بيان المحجة" للأصبهاني (2/ 457).

ص: 400