المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٦

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: في صلاة الليل

- ‌(الفصل الرابع): في صلاة الضحى

- ‌(الفصل الخامس): في قيام رمضان

- ‌ صلاة التراويح

- ‌(الفصل السادس): في صلاة العيدين

- ‌(اجتماع العيد والجمعة)

- ‌(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌(الفصل الأول): في الكسوف

- ‌(الفصل الثاني): في الاستسقاء

- ‌(الفصل الثالث): في صلاة الجنازة

- ‌(الفصل الرابع): في صلوات متفرقة

- ‌[صلاة الاستخارة]

- ‌(صلاة الحاجة)

- ‌صلاة التسبيح

- ‌كتاب الصوم

- ‌الباب الأول: فى فضله وفضل شهر رمضان

- ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

- ‌فصل في أركان الصوم

- ‌النية

- ‌في نية صوم التطوع

- ‌الإمساك عن المفطرات

- ‌القبلة والمباشرة

- ‌المفطر ناسياً

- ‌زمان الصوم

- ‌عاشوراء

- ‌رجب

- ‌شعبان

- ‌ست من شوال

- ‌عشر ذي الحجة

- ‌أيام الأسبوع

- ‌أيام البيض

- ‌الأيام التي يحرم صومها

- ‌سنن الصوم

- ‌وقت الإفطار

- ‌تعجيل الفطر

- ‌الباب الثالث: في إباحة الفطر وأحكامه

- ‌موجب الإفطار

- ‌في الكفارة

- ‌كتاب الصبر

- ‌كتاب الصدق

- ‌كتاب الصدقة والنفقة

- ‌الفصل الأول: في فضلهما

- ‌النفقة

- ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

- ‌كتاب صلة الرحم

- ‌كتاب الصحبة

- ‌الفصل الأول: فِي حَقِّ الرَّجُل عَلى الزَوْجَةِ

- ‌الفصل الثاني: في حق المرأة على الزوج

- ‌الفصل الثالث: في آداب الصحبة

- ‌الفصل الرابع: في آداب المجلس

- ‌الفصل الخامس: في صفة الجليس

- ‌الفصل السادس: (في التحابِّ والتوادِّ)

- ‌الفصل السابع: في التعاضد والتناصر

- ‌الفصل الثامن: في الاستئذان

- ‌الفصل التاسع: (في السلام وجوابه)

- ‌الفصل العاشر: في المصافحة

- ‌الفصل الحادي عشر: في العطاس والتثاؤب

- ‌الفصل الثاني عشر: في عيادة المريض وفضلها

- ‌الفصل الثالث عشر: في الركوب والارتداف

- ‌الفصل الرابع عشر: في حفظ الجار

- ‌الفصل الخامس عشر: في الهجران والقطيعة

- ‌الفصل السادس عشر: في تتبع العورة وسترها

- ‌الفصل السابع عشر: في النظر إلى النساء

- ‌الفصل الثامن عشر: في أحاديث متفرقة

- ‌كتاب الصداق

- ‌الفصل الأول: في مقداره

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

الفصل: ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

الأول: حديث أبي هريرة:

1 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". أخرجه البخاري (1) وأبو داود (2) والنسائي (3). [صحيح]

قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً" في "المصباح"(4) عن ظهر غنى أي: عن غنى يستظهر به على النوائب [95 ب].

وفي "شرح مسلم"(5): أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنياً بما بقي معه (6)، مستظهراً به على مصالحه وحوائجه، وإنما كانت هذه خير صدقاته، وأفضل من الصدقة بكل ماله؛ لأنَّه قد يندم إذا احتاج، ويود أنَّه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنياً، فإنَّه لا يندم بل يسر بها.

قوله: "وابدأ بمن تعول" فيه تقديم نفقته على نفسه وعياله.

واعلم أنا قد وعدنا ببحث في المسألة لابن حزم (7)، وذلك أنَّه قال: ما حاصله أنَّها لا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلَاّ فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله

(1) في "صحيحه" رقم (1427).

(2)

في "السنن" رقم (1676).

(3)

في "السنن" رقم (2534، 2544). وهو حديث صحيح.

(4)

"المصباح المنير"(ص 147).

(5)

للنووي (7/ 125).

(6)

ثم قال بعد هذا: وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبه

(7)

في "المحلى"(9/ 136 مسألة رقم 1631).

ص: 423

غنى فسخ كله، ثم استدل بهذا الحديث وبغيره في معناه، ثم قال (1): وبلا شك وبالضرورة إنما زاد في الصدقة ونقص من الخير، والأفضل فلا أجر فيه ولا خير فيه، ولا فضل فيه، وإنَّه باطل، وإذا كان باطلاً فهو أكل مال بالباطل، فهذا حرام بنص القرآن.

قلت: نفي الأفضلية، والأخيرية يدل على أنَّه ما عدا ما نفيا عنه فيه فضل، وهو مفضول بالنسبة إلى ما فضل عليه، والأخيرية كذلك فقوله: ما نقص من الخير، والأفضل لا خير فيه محل نظر، والمسألة لغوية.

وفي الحديث: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" الحديث أخرجه أحمد (2) ومسلم (3) وابن ماجه (4)، فصرح بأنَّ المخير عليه فيه خير مع أنَّه لو لم يصرح لكان في مفهومه غنية، وأحاديث الفضائل واسعة لا تدل على نفي الفضل عما فضلت عليه نحو:"أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها". أخرجه أبو داود (5)، والترمذي (6)، والحاكم (7)، وهي أحاديث واسعة لا حاجة إلى سردها، فالمسألة لغوية يفهمها كل من له إدراك.

(1) أي: ابن حزم في "المحلى"(9/ 136).

(2)

في "المسند"(2/ 367).

(3)

في "صحيحه" رقم (2664).

(4)

في "السنن" رقم (79). وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" رقم (3561)، وابن حبان رقم (5722)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 89)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (625)، والطحاوي في "مشكل الآثار" رقم (262).

وهو حديث صحيح.

(5)

في "السنن" رقم (426).

(6)

في "السنن" رقم (170).

(7)

في "المستدرك"(1/ 189). ثلاثتهم من حديث أم فروة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح لغيره. =

ص: 424

ثم حدد (1) الغنى الذي تجوز معه الصدقة، فقال: والغنى هو ما يقوم بقوت المرء، وأهله على الشبع من قوت مثله، وبكسوتهم كذلك، وسكناهم، وبمثل حاله من مركب وخادم، قال: فهذا يقع عليه في اللغة اسم غني لاستغنائه عن الناس، ثم أورد على نفسه حديث:"أيُّ الصدقة أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: جهد المقل، وابدأ بمن [96 ب] تعول"(2).

وأجاب (3) بأن المراد جهده إن كان مقلاً من المال غير مكثر إذا بقي لمن يعول غنىً، ولا بد، ثم أورد حديث:"سبق درهم مائة ألف درهم"(4) فقال: إِنَّه كان لصاحب الدرهم غنى وفضل، وكان له درهمان فقط فتصدق بأحدهما، فكانت نسبة الدرهم من ماله أكثر من نسبة المائة الألف من مال الآخر فقط، وليس فيه أنَّه لم يكن له غنى سواهما، وأورد قوله تعالى:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (5).

وأجاب (6) بعد ذكر سبب نزول الآية: أنَّ الذي أثر على نفسه هو أبو طلحة، قال: وكان أبو طلحة أكثر [أنصاري](7) بالمدينة مالاً من نخل، [وقد لا يخصها لموسر أكل خاصة](8)،

= وأخرجه البخاري رقم (527)، ومسلم رقم (85)، والترمذي رقم (1898)، والنسائي (1/ 292)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وهو حديث صحيح.

(1)

أي: ابن حزم في "المحلى"(9/ 138 - 139).

(2)

أخرجه أبو داود في "السنن" رقم (1677). وهو حديث صحيح.

(3)

أي: ابن حزم في "المحلى"(9/ 139).

(4)

تقدم وهو حديث صحيح.

(5)

سورة الحشر الآية 9.

(6)

أي: ابن حزم في "المحلى"(9/ 141).

(7)

كذا في (أ. ب) والذي في "المحلى"(9/ 141): الأنصار.

(8)

كذا في (أ. ب) والذي في "المحلى"(9/ 141): وقد لا يحضر الموسر أكل حاضر.

ص: 425

قال (1): فبطل تعلقهم بهذا الخبر، وذكر من أدلة دعواه حديث حذفه صلى الله عليه وسلم لمن أتى بمثل البيضة (2) من الذهب، وقال:"هذه صدقة ما تركت لي مالاً غيرها، فحذفه صلى الله عليه وسلم بها، ولو أصابه لأوجعه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيخلع ماله ثم يصير عيالاً على الناس". وغيره، ولكنها لا تقوى على تحريم التصدق لمن لا يجد غنىً، بل الأولى أن يقال: من وثق من نفسه أنَّها تقنع، وإن لم يبق عنده غنى فصدقته جابرة مفضولة على صدقة من له غنى، ومن لم يثق من نفسه بذلك فلا يحسن منه الصدقة، مع أنَّها تتبعها نفسه؛ لأنَّه ربما ندم فأثم.

قوله: "أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي".

الثاني: حديث أبي هريرة:

2 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ". قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: "أَنْتَ أَبْصَرُ بِهِ" أخرجه أبو داود (3) والنسائي (4). [حسن]

قوله: "تصدق به على نفسك" فيه أنَّ النفقة على النفس صدقة، وأنَّه يبدأ بها، وهذا أمر يقتضي الوجوب، وأنَّ النفقة على الولد بعد النفقة على النفس، وعلى الزوجة بعد الولد، وعلى

(1) أي: ابن حزم في "المحلى"(9/ 141).

(2)

سيأتي قريباً.

(3)

في "السنن" رقم (1691).

(4)

في "السنن" رقم (2535). وأخرجه أحمد (2/ 251)، والحميدي رقم (1176)، والشافعي في "مسنده" رقم (209 - ترتيب)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (197)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (3337، 4233)، (4235)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 415)، والبيهقي (7/ 466)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1685)، (1686) من طرق وهو حديث حسن. والله أعلم.

ص: 426

الخادم بعدهما، وأنَّه لا يتصدق على غير هؤلاء قبلهم، فإن فضل عن نفقتهم شيء تصدق به حيث شاء.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".

الثالث: حديث أبي سعيد:

3 -

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ وَالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ، فَأَعْطَاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:"تَصَدَّقُوا". فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "أتَرَوْنَ إِلَى هَذَا الذِي رَأَيتُهُ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَعْطَيْتُه ثَوْبَيْنِ. ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ" وَانْتَهَرَهُ. أخرجه أبو داود (1) والنسائي (2). [حسن]

قوله: "خذ ثوبك وانتهره" فيه دليل على أنَّه لا يخرج الصدقة الفقير مع احتياجه إليها، وبه استدل ابن حزم (3) لدعواه التي قدمنا، ولكن الظاهر هنا أنَّه إنما نهاه صلى الله عليه وسلم لحاجته لثوبه، وأنَّه لا تذهب بذاذة هيئته إلَاّ بهما، كما أعطاه صلى الله عليه وسلم.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي"[97 ب].

الرابع: حديث جابر:

4 -

وعن جابر رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا، فَهِيَ صَدَقَةٌ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ. فَقَال مِثْلَ ذلِكَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ. فَأَخَذَهَا صلى الله عليه وسلم فحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ، وَقَالَ: "يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُوُل: هَذِهِ صَدَقَةٌ؟ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَفُ النَّاسَ. خَيْرُ

(1) في "السنن" رقم (1675).

(2)

في "السنن"(1408). وهو حديث حسن. والله أعلم.

(3)

في "المحلى"(9/ 140 - 141).

ص: 427

الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى". أخرجه أبو داود (1). [ضعيف دون قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"]

"يَتكَفّفُ (2) الناسَ": يسألهم ويطلب منهم ما يأخذه ببطن كَفِّه.

قوله: "لا أملك غيرها" فيه أنَّه صلى الله عليه وسلم قبل خبره، فلذا قال:"يأتي أحدكم بجميع ما يملك".

وقوله: "ثم يقعد يتكفف الناس". يدل أنَّه كان الرجل يسأل الناس فكره صلى الله عليه وسلم له السؤال، وهو يمكنه الاستعفاف عنه بما عنده، فهو إرشاد له إلى الأفضل، لا أنَّه يحرم عليه ذلك كما قاله ابن حزم (3)، وأنَّ قوله:"لا أملك غيرها" ما يرشد إلى أنَّه لم ينسلخ قلبه عنها.

قوله: "أخرجه أبو داود".

الخامس: حديث عائشة رضي الله عنها:

5 -

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَللزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". أخرجه الخمسة (4). [صحيح]

قوله: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها".

(1) في "السنن" رقم (1673).

(2)

قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 553) تكفَّف: إذا أخذ ببطن كفِّه أو سأل كفَّا من الطعام، أو ما يكف الجوع.

وانظر: "الفائق" للزمخشري (2/ 244).

(3)

في "المحلى"(9/ 139 - 140).

(4)

أخرجه البخاري رقم (1425)، ومسلم رقم (80/ 1024)، وأبو داود رقم (1685)، والترمذي رقم (671)، والنسائي رقم (2539)، وابن ماجه رقم (2294)، وهو حديث صحيح.

ص: 428

قيل: هذا على عادة الحجاز، فإنهم يأذنون لنسائهم وخدمهم أن يضيفوا ويطعموا السائل، فحرض صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة.

قوله: "فلها أجرها .. إلى آخره" إلَاّ أنه قد عارضه حديث (1): "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها من غير أمره فلها نصف أجره". فمعناه: من غير أمره الصريح (2) في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن إمَّا بالتصريح، أو بالعرف، ولا بد من هذا التأويل، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فيه إشكال من حيث أنَّها لم تساوِ زوجها في السبب فكيف تساويه في الأجر؟.

وأجاب: بأنَّ المراد بالنصف هنا التقريب لا التحديد، قال: وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان"(3). لما كان الغالب على الصحابة أنَّهم لا يأتون إلى منازلهم، إلَاّ بقدر مؤنهم ومؤن عيالهم، فتكون الزوجة شريكة لزوجها في المؤنة، والمتصدق إذا كان أحد الشريكين كان له نصف أجر ما يتصدق به.

قوله: "أخرجه الخمسة".

السادس: حديث أبي أمامة:

6 -

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُنْفِقُ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجَهَا إِلَاّ بِإِذْنِهِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ الله!: وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: "ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا".

(1) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (5360)، ومسلم رقم (84/ 1026)، وأحمد في "المسند"(2/ 316)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

انظر: "فتح الباري"(3/ 303).

(3)

أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (223)، والترمذي رقم (3517)، وابن ماجه رقم (280)، والنسائي (5/ 5) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

ص: 429

أخرجه الترمذي (1). [صحيح]

قوله: "إلَاّ بإذن زوجها" الإذن ضربان (2): إذن صريح في النفقة والصدقة، وإذن مفهوم من اطراد العادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما اطردت به العادة والعرف، وعلم بالعرف رضى المالك، فإن اختلف العرف أوشك في رضاه، أو علم من حاله الشح لم يجز تصرف في ماله إلَاّ بإذنه.

واعلم أنَّه لا بد للخازن والعامل والزوجة والمملوك من إذن المالك (3)[98 ب] في ذلك، وإلَاّ فلا أجر لهم، بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بدون إذنه.

قوله: "ذلك أفضل أموالنا" فإنَّه شيء قد تعب عليه وصنع وتدفع الحاجة به بغير تكلف فهو أفضل الأموال.

قوله: "أخرجه الترمذي".

قلت: وقال: حسن.

السابع: حديث عمرو بن العاص:

7 -

وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَجُوْزُ لِامْرَأَةِ عَطِيَّةٌ إِلَاّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا"(4). [حسن]

- وفي رواية: "لَا يَجُوْزُ لِامْرَأَةٍ أَمرٌ فِي مَالهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا".

(1) في "السنن" رقم (2120) وقال: وهو حديث حسن. وهو حديث صحيح. والله أعلم.

(2)

ذكره النووي في "شرحه لصحيح مسلم"(7/ 112).

(3)

انظر: "شرح صحيح مسلم"(7/ 113)، "فتح الباري"(3/ 303).

(4)

أخرجه أحمد (2/ 184)، والنسائي رقم (3757)، وأبو داود رقم (3547) وهو حديث حسن.

ص: 430

أخرجه أبو داود (1) والنسائي (2). [حسن]

قوله: "لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها" أي: عقدة نكاحها، والمراد: لا تنفق من مالها إلَاّ بإذنه.

قال الخطابي (3): هذا عند أكثر العلماء، على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك، إلَاّ أنَّ مالك (4) بن أنس قال: تردُّ ذلك حتى يأذن الزوج.

قال الخطابي (5): ويحتمل أن يكون ذلك من غير الرشيدة، وقد ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء:"تصدقن، فجعلت المرأة تلقي القرط، والخاتم، وبلال يتلقاها بردائه"(6) وهذه عطية بغير إذن أزواجهن.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".

الثامن: حديث أبي موسى:

(1) في "السنن" رقم (3546).

(2)

في "السنن" رقم (3756).

وأخرجه أحمد (2/ 221)، وابن ماجه رقم (2388). وهو حديث حسن.

(3)

في "معالم السنن"(3/ 816 - مع السنن).

(4)

انظر: "مدونة الفقه المالكي وأدلته"(2/ 650).

"عيون المجالس"(4/ 1647).

(5)

في "معالم السنن"(3/ 816 - مع السنن).

(6)

وهو حديث صحيح.

أخرجه أحمد (1/ 242)، (3/ 296، 310، 314)، والبخاري رقم (978)، ومسلم في "صحيحه" رقم (4/ 885)، من حديث جابر رضي الله عنه.

ص: 431

8 -

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ". أخرجه الشيخان (1). [صحيح]

قوله: "أحد المتصدقين" أي: له مثل أجر من أمره بالإخراج لطيبة نفسه بذلك، وتهنية من يعطيه، والمراد بالخازن (2) من أمر بالإعطاء سواء كان خازناً أو لا، إنما الحديث خرج على الغالب.

قوله: "أخرجه الشيخان".

التاسع: حديث عمر:

9 -

وعن عمر رضي الله عنه قال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله، فَأَضَاعَهُ الَّذِي عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَألتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". أخرجه الستة (3). [صحيح]

وفي رواية لمالك (4): "كَالكلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".

(1) البخاري في "صحيحه" رقم (1438، 2319، 2360)، ومسلم رقم (79/ 1023).

(2)

قال الحافظ في "الفتح"(3/ 303) وقد قيد الخازن فيه بكونه مسلماً فأخرج الكافر؛ لأنه لا نية له، وبكونه أميناً فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، ويكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها.

(3)

أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (1489، 2775، 2971، 3002)، ومسلم رقم (1621)، وأبو داود رقم (1593)، والترمذي رقم (668)، والنسائي رقم (2616)، وابن ماجه رقم (2392) وهو حديث صحيح.

(4)

في "الموطأ"(1/ 282 رقم 49).

ص: 432

قوله: "حملت على فرس" كان اسم الفرس الورد، وكان لتميم الداري فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه لعمر، ومعنى حملت على فرس: تصدقت به، أو وهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله.

وقوله: "فأضاعه" أي: قصر في القيام بعلفِه ومؤنته.

قوله: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك". قال العلماء (1): إنَّه نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء، وأخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر، أو نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه إليه، أو يهبه أو يتملكه باختياره، فأمَّا إذا أورثه منه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث فاشتراه منه فلا كراهة. هذا مذهب الجمهور (2)، وعند جماعة: أنَّ النهي للتحريم.

قلت: ويدل للتحريم جعله كالعائد في قيئه، وهو محرم قطعاً (3)، فكذا ما شبه به.

قوله: "أخرجه الستة".

قوله: "وفي رواية لمالك (4) كالكلب [99 ب] يعود في قيئه" وبه استدل من قال: النهي للتنزيه، قال: لأنَّ الكلب غير مكلف، وقد بسطنا القول فيه في "سبل السلام"(5) شرحنا لـ "بلوغ المرام".

العاشر: حديث ابن عباس:

10 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رَسُولَ الله! إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ. أَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: إِنَّ لِي مِخْرَافًا، فَأَنَا أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا.

(1) ذكره النووي في "شرح صحيح مسلم"(11/ 62).

(2)

انظر: "المجموع شرح المهذب"(6/ 239). "المغني"(4/ 102 - 106)، "المبسوط"(12/ 49).

(3)

قال القرطبي في "المفهم"(4/ 579) وهذا هو الظاهر من سياق الحديث.

(4)

في "الموطأ"(1/ 282).

(5)

(5/ 233 - 234) بتحقيقي.

ص: 433

أخرجه الخمسة (1) إلا مسلماً. [صحيح]

"المخراف" الحديقة.

قوله: صلى الله عليه وسلم: "نعم" أي: ينفعها التصدق عنها، وفيه دليل على لحوق نفع الصدقة من الحي للميت، ويلحق بها سائر القرب مما ينفع وبسطناه في شرحنا "جمع الشتيت (2) في شرح أبيات التثبيت".

قوله: "مخرافاً"(3) بكسر أوله وسكون المعجمة آخره فاء فسره المصنف.

قوله: "أخرجه الخمسة".

الحادي عشر: حديث سعد بن عبادة:

11 -

وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"المَاءُ". فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: "هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ". أخرجه أبو داود (4) والنسائي (5). [حسن لغيره]

قوله: "الماء" فيه دليل على أفضلية الصدقة بالماء، وقد تقدم.

قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي" قال المنذري في "الترغيب"(6): إنَّه منقطع الإسناد عند الكل، فإنَّهم رووه كلهم عن سعيد بن المسيب عن سعد ولم يدركه، فإنَّ سعداً توفي بالشام

(1) أخرجه البخاري رقم (2756، 2762، 2870)، وأبو داود رقم (2882)، والترمذي رقم (669)، والنسائي (3654، 3655). وهو حديث صحيح.

(2)

وهي الرسالة رقم (21) من "عون القدير من فتاوى ورسائل ابن الأمير" بتحقيقي ط ابن كثير - دمشق.

(3)

قال ابن الأثير في "النهاية"(1/ 483) مخرفاً. أي: حائط نخل يخرف منه الرَّطب.

(4)

في "السنن" رقم (1679، 1680، 1681).

(5)

في "السنن" رقم (3664، 3666) وقد تقدم، وهو حديث حسن لغيره. والله أعلم.

(6)

(1/ 726).

ص: 434