المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الفصل الأول): في الكسوف - التحبير لإيضاح معاني التيسير - جـ ٦

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: في صلاة الليل

- ‌(الفصل الرابع): في صلاة الضحى

- ‌(الفصل الخامس): في قيام رمضان

- ‌ صلاة التراويح

- ‌(الفصل السادس): في صلاة العيدين

- ‌(اجتماع العيد والجمعة)

- ‌(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

- ‌(الفصل الأول): في الكسوف

- ‌(الفصل الثاني): في الاستسقاء

- ‌(الفصل الثالث): في صلاة الجنازة

- ‌(الفصل الرابع): في صلوات متفرقة

- ‌[صلاة الاستخارة]

- ‌(صلاة الحاجة)

- ‌صلاة التسبيح

- ‌كتاب الصوم

- ‌الباب الأول: فى فضله وفضل شهر رمضان

- ‌الباب الثاني: في واجبات الصوم وسننه وأحكامه

- ‌فصل في أركان الصوم

- ‌النية

- ‌في نية صوم التطوع

- ‌الإمساك عن المفطرات

- ‌القبلة والمباشرة

- ‌المفطر ناسياً

- ‌زمان الصوم

- ‌عاشوراء

- ‌رجب

- ‌شعبان

- ‌ست من شوال

- ‌عشر ذي الحجة

- ‌أيام الأسبوع

- ‌أيام البيض

- ‌الأيام التي يحرم صومها

- ‌سنن الصوم

- ‌وقت الإفطار

- ‌تعجيل الفطر

- ‌الباب الثالث: في إباحة الفطر وأحكامه

- ‌موجب الإفطار

- ‌في الكفارة

- ‌كتاب الصبر

- ‌كتاب الصدق

- ‌كتاب الصدقة والنفقة

- ‌الفصل الأول: في فضلهما

- ‌النفقة

- ‌الفصل الثاني: في الحث عليها

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الصدقة

- ‌كتاب صلة الرحم

- ‌كتاب الصحبة

- ‌الفصل الأول: فِي حَقِّ الرَّجُل عَلى الزَوْجَةِ

- ‌الفصل الثاني: في حق المرأة على الزوج

- ‌الفصل الثالث: في آداب الصحبة

- ‌الفصل الرابع: في آداب المجلس

- ‌الفصل الخامس: في صفة الجليس

- ‌الفصل السادس: (في التحابِّ والتوادِّ)

- ‌الفصل السابع: في التعاضد والتناصر

- ‌الفصل الثامن: في الاستئذان

- ‌الفصل التاسع: (في السلام وجوابه)

- ‌الفصل العاشر: في المصافحة

- ‌الفصل الحادي عشر: في العطاس والتثاؤب

- ‌الفصل الثاني عشر: في عيادة المريض وفضلها

- ‌الفصل الثالث عشر: في الركوب والارتداف

- ‌الفصل الرابع عشر: في حفظ الجار

- ‌الفصل الخامس عشر: في الهجران والقطيعة

- ‌الفصل السادس عشر: في تتبع العورة وسترها

- ‌الفصل السابع عشر: في النظر إلى النساء

- ‌الفصل الثامن عشر: في أحاديث متفرقة

- ‌كتاب الصداق

- ‌الفصل الأول: في مقداره

- ‌الفصل الثاني: في أحكامه

الفصل: ‌(الفصل الأول): في الكسوف

قوله: "أخرجه النسائي".

(الباب الثاني): في النوافل المقرونة بالأسباب

[وفيه أربعة فصول](1)

(الفصل الأول): في الكسوف

الكسوف لغة (2): [النقط في سواد](3)[301 ب] وكسفت الشمس: اسودّت وذهب شعاعها، واختلف في الخسوف والكسوف هل هما مترادفان أم لا؟ وعقد البخاري (4) باباً لذلك فقال: باب هل يقول كسفت الشمس [أو](5) خسفت؟

قال ابن حجر (6): لعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: "لا تقولوا كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت".

قال: وهذا موقوف صحيح، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ "الكسوف في الشمس" من طرق كثيرة.

والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري (7) أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وقيل: يقال بهما في كل منهما أنه جاءت

(1) سقطت من (أ).

(2)

"القاموس المحيط"(ص 1097).

(3)

كذا في (أ. ب)، وصوابه: التغير إلى سواد.

(4)

في "صحيحه"(2/ 535 الباب رقم 5 - مع الفتح).

(5)

في (ب): "أم". وما أثبتناه من (أ) والفتح).

(6)

في "فتح الباري"(2/ 535).

(7)

في "الصحاح"(4/ 1350، 1421).

ص: 77

الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل.

فإذا قيل في الشمس خسفت أو كسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص؛ ساغ ذلك وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الخسوف والكسوف مترادفان.

وقيل (1): بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء (2) لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره.

الأول: حديث (عائشة):

1 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، وَهِيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دونَ رُكُوعِهِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّم وَقَدْ تجَلتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فقَالَ:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يُكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لحِيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله تَعَالَى يُرِيهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". أخرجه الستة (3). [صحيح]

قوله: "فقام فصلى بالناس" ترجم البخاري (4): باب الصلاة في كسوف الشمس.

(1) ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 535).

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 535).

(3)

أخرجه البخاري رقم (1046)، ومسلم رقم (3/ 901)، وأبو داود رقم (1180)، والترمذي رقم (561)، وابن ماجه رقم (1263)، والنسائي رقم (1474 - 1476) و (1499، 1500).

وأخرجه أحمد (6/ 87، 168)، ومالك في "الموطأ"(1/ 186).

(4)

في "صحيحه"(2/ 526 الباب رقم 16 - مع "الفتح").

ص: 78

قال في "الفتح"(1): أي: مشروعيتها، وهو أمر متفق عليه، لكن اختلف في الحكم وفي الصفة فالجمهور (2) على أنها سنة مؤكدة، وصرّح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها ولم أره لغيره إلا ما روي عن مالك (3) أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل عن أبي حنيفة (4) وعن بعض أصحابه.

وقد أفاد سياق حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان.

قوله: "فأطال القراءة" في رواية (5): "فاقترأ قراءة طويلة" وفي لفظ: "فقرأ سورة طويلة"، وفي رواية (6) ابن عباس:"فقرأ نحواً من سورة البقرة [302 ب] في الركعة الأولى" ونحوه في رواية أبي داود (7) وزاد: "أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحواً مَن آل عمران". [539/ أ].

واعلم أن صلاة الكسوف صلاة مخصوصة جاءت على صفات مخصوصة، فكل ما ثبت (8) أنه صلى الله عليه وسلم فعله فيها كان مشروعاً؛ لأنها أصل برأسه فلا يقاس، ولهذا رد الجمهور من أقاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها.

(1)(2/ 527).

(2)

انظر: "المغني"(3/ 323).

(3)

انظر: "المنتقى" للباجي (3/ 323).

(4)

المبسوط (2/ 76)، "البناية في شرح الهداية"(3/ 173).

(5)

أخرجها مسلم في "صحيحه" رقم (3/ 901).

(6)

أخرجها البخاري في "صحيحه" رقم (1052).

(7)

في "السنن" رقم (1187) بإسناد حسن.

(8)

انظر: "المغني"(3/ 329 - 331).

"المجموع شرح المهذب"(5/ 67 - 68). "زاد المعاد"(1/ 439).

ص: 79

قوله: "فأطال الركوع" قال الحافظ ابن حجر (1): لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه الذكر من التسبيح والتكبير ونحوهما.

قوله: "ثم رفع رأسه ثم سجد سجدتين" لم يقع في هذه الرواية تطويل الاعتدال الذي يقع بعده السجود، ولكنه وقع في رواية مسلم (2):"ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال ثم سجد" قال النووي (3): هي رواية شاذة فلا يعمل بها.

والمراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع، وتعقب بما رواه النسائي (4) وابن خزيمة (5) وغيرهما (6) من حديث ابن عمرو أيضاً ففيه:"ثم ركع فأطال حتى قيل لا يسجد ثم سجد، فأطال حتى قيل لا يرفع ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد" وصححه الحافظ ابن حجر (7)، وفيه تطويل الاعتدال قبل السجود وتطويل السجود بين السجدتين.

قوله: "ثم سلّم وقد تجلّت الشمس" استدل به على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء (8).

(1) في "فتح الباري"(2/ 530).

(2)

في "صحيحه" رقم (9/ 904).

(3)

في شرحه لـ "صحيح مسلم"(6/ 207).

(4)

في "السنن" رقم (1496).

(5)

في "صحيحه" رقم (1393).

(6)

كأبي داود في "السنن" رقم (1194).

وهو حديث صحيح بذكر الركوع مرتين كما في الصحيحين.

(7)

في "الفتح"(2/ 539).

(8)

ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 527).

ص: 80

وقال الطحاوي (1) فيه: "وصلوا وادعوا" فدل أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء أنه يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره ابن دقيق العيد (2) بأنه جعل الغاية بمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما [303 ب] على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتداً إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير غاية للمجموع، ولا عند تطويل الصلاة ولا تكرارها. انتهى.

قوله: "فخطب الناس" فيه مشروعية الخطبة للكسوف، واستحبّها الشافعي (3) وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث (4).

وقال [صاحب](5) الهداية (6) من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل.

وتُعقب (7) بأن الأحاديث ثبتت بها وهي أحاديث كثيرة، وفي بعضها ذكر الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تشرع له الخطبة ويشرع فيها، وبه يندفع قول من قال من نفاة الخطبة: بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على أن الكسوف لموت بعض الناس.

وقد استضعفه ابن دقيق العيد (8) وقال:

(1) في "شرح معاني الآثار"(1/ 331).

(2)

في "إحكام الأحكام"(2/ 138).

(3)

"البيان" للعمراني (2/ 641).

(4)

انظر: "فتح الباري"(2/ 527 - 528).

(5)

سقطت من (أ. ب)، وما أثبتناه من "الفتح".

(6)

(1/ 88)، وانظر "البناية في شرح الهداية"(3/ 171).

(7)

ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 534).

(8)

في "إحكام الأحكام"(2/ 138 - 139).

ص: 81

إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره من مقاصد خطبة الكسوف.

قوله: "فقال: إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد" سبب هذا القول ما في رواية: "إن ابناً للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له: إبراهيم مات، فقال الناس: إنما كسفت لموت إبراهيم"(1). وفيه روايات.

قوله: "ولا لحياته" قال الحافظ ابن حجر (2): استشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في ظن أن ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة.

قال (3): والجواب أن فائدة ذكر الحياة وقع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقد أن لا يكون سبباً للإيجاد، فعمّم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. انتهى.

قلت: كنت كتبت على هامش "الفتح" على هذا الكلام ما لفظه: فيه بحثان؛ الأول: أن القائلين كسفت الشمس لموت إبراهيم جعلوا الكسوف سبباً عن موته لا سبباً له كما قاله، ولفظ الحديث [304 ب] صريح في ذلك، أعني قولهم: كسفت لموت فلان، أي: سبب عن موته كسوف الشمس.

البحث الثاني: أن القول بأنه يكون الكسوف سبباً للإيجاد، كما قال: أنه لدفعه يريد: ولا لحياته، قول لا تعرفه العرب ولا غيرهم ولا مناسبة لذلك أصلاً، فإنه إنما فصّل لهم تخيل

(1) أخرج أحمد (4/ 249، 253)، والبخاري رقم (106)، ومسلم رقم (29/ 915)، عن المغيرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" فإذا رأيتموهما فادعوا الله تعالى، وصلُّوا حتى ينجلي"، وهو حديث صحيح.

(2)

في "الفتح"(2/ 529).

(3)

في "الفتح"(2/ 529).

ص: 82

أن الكسوف تسبب من موت عظيم من عظماء الأرض؛ لأنه حدوث تغير في العالم السفلي يناسبه تغير العالم العلوي.

وأعظم آيات السماء [540/ أ] بتغير نورهما يناسب تغير الأرض بموت عظيم من عظمائها، فإن موته يحدث في الأرض ظلمة معنوية، كما قال أنس (1): لما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلم من المدينة كل شيء.

وفي مرثاة عمر بن عبد العزيز:

الشمس كاسفة ليست بطالعة البيت.

وهو كثير في الأشعار المراثي، وحينئذ يناسب تخيل أن كسوف الشمس سبب عن موت عظيم من أهل الأرض.

وأما أنه يكون كسوفها متسبباً عن إيجاد عظيم أو خلوصه من علة يخاف عليه منها أو نحو ذلك؛ فلا مناسبة لذلك أصلاً، بل يناسبه زيادة نور الشمس والقمر وإشراقهما؛ لأن إيجاد العظيم يحدث لأهل الأرض إنارة وإشراقاً وسروراً، وفي تناسبه إنارة العالم العلوي، ولذا قال العباس مادحاً له صلى الله عليه وسلم:

وأنت لمّا ولدت أشرقت الدنيا

ونارت بضوءها الأُفق

وقال غيره:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها

شمس الضُحى وأبو إسحاق والقمر

فجعل من تشرق الدنيا بوجوده ثالث النيّرين.

وإذا عرفت ضعف ما ذكره الحافظ (2) من نكته التعميم، فالذي يظهر لي أنه صلى الله عليه وسلم إنما

(1) تقدم.

(2)

في "فتح الباري"(2/ 529).

ص: 83

ضم نفي الحياة إلى نفي الموت كالاستدلال عليهم لرد ما تخيلوه وتوهموه من أن كسوفها سبب عن موت إبراهيم، يريد: كما أنهما لا يكسفان لحياة [305 ب] أحد ولا تقولونه ولا مناسبة عقلية ولا ادعائية بين الكسوف والحياة، كذلك لا يكسفان لموت أحد كما تزعمونه وتخيلونه من المناسبة في ذلك، فكما أن هذا باطل بإقراركم [فكذلك](1) هذا.

وهو نظير ما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} (2) فإنه تعالى نفى الاستقدام، أي: طلب التقدم مع أنه معلوم عقلاً إحالته، وأنه لا يتصور طلبه فضمه إلى نفي طلب التأخر الممكن عقلاً إعلاماً بأنه قد صار الممكن كالمحال في عدم حصوله عند مجيء الأجل.

وحاصله: أنه قد يضم الممكن إلى المحال لبيان إحالته، وغير الواقع إلى الواقع لبيان عدم وقوعه، فكذلك هنا ضم ما لم يقولوه، وهو سبب الكسوف عن الإيجاد إلى ما قالوه، وهو تسببه عن الموت للإعلام بأن الأمرين سواء في عدم تغير النيّرين عنهما.

(1) في (أ): "فذلك".

(2)

سورة الأعراف الآية (34).

قال البيضاوي: إنَّ هذا بمنزلة المثل: أي: لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت لا يتغير ولا يتبدل، وهو نظير قولهم: الرمان حلو حامض، يعني: فالجزاء مجموع الأمرين لا كل واحد على حدته.

وقال الواحدي: إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره؟ قيل: هذا مبني على المقاربة، تقول: إذا جاء الشتاء إذا قرب وقته، ومع مقاربة الأجل يتصور التقدم، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت، ولا يستقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء، وهذا بناء على أنّه معطوف على قوله: لا يستأخرون.

ص: 84

قوله: "آيتان" أي: علامتان للدلالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأسه وسطوته، ويؤيده:{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)} (1).

وقد عقد البخاري (2) باباً لذلك فقال: باب يخوّف الله عز وجل عباده بالكسوف، قاله أبو موسى (3). انتهى.

يريد الإشارة إلى حديث أبي موسى الذي رواه هو -أي: البخاري (4) - ورواه مسلم (5) بلفظ: قال أبو موسى: خسفت الشمس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد، وذكر صلاته صلى الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل يرسلها يخوّف بها عباده، فإذا رأيتم. شيئاً منها فافزعوا إلى ذكره ودعاءه واستغفاره". انتهى.

قوله: "يخوّف الله بهما عباده" قال الحافظ في "الفتح"(6): فيه ردٌ على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان [306 ب] كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر.

وقد رد ذلك عليهم ابن العربي (7) وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى، حيث قال:(فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة).

(1) سورة الإسراء الآية (59).

(2)

في "صحيحه"(2/ 536 الباب رقم 6 - مع الفتح).

(3)

عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

(4)

في "صحيحه" رقم (1059).

(5)

في "صحيحه" رقم (24/ 912).

(6)

(2/ 527).

(7)

في "عارضة الأحوذي"(3/ 37 - 38).

ص: 85

قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من ذلك.

ومما نقض به ابن العربي وغيره عليهم: أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين.

فقال: نعم، يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟ وكيف يحجب الأرض نور الشمس وهي زاوية منها؟ لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفاً. انتهى.

فائدة: وقع هنا ذكر كسوف القمر، وزعم ابن رشد (1) أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِ في كسوف قمر، وذكر ابن القيم (2) أنه لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف القمر جماعة، لكن قد ذكر ابن حبان في تاريخه [541/ أ] ومغلطاي (3) في إشاراته، والعراقي: بأن القمر خسف في السنة الخامسة في جمادى، وأنه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإِسلام.

قوله: "أخرجه الستة" اعلم أن المصنف رحمه الله اقتصر في هذه السنة على أخصر حديث وعلى رواية واحدة، وطوى عدة ألفاظ في حديث عائشة هذا.

وطوى أحاديث سردها ابن الأثير في "الجامع"(4) عن أربعة عشر صحابياً: عن أسماء بنت أبي بكر، عن ابن عباس، عن أبي مسعود البدري، عن المغيرة [307 ب] بن شعبة، عن

(1) في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"(1/ 497) بتحقيقي.

(2)

في "زاد المعاد"(1/ 434).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 548).

(4)

(6/ 156 - 191). انظر: تخريجها في "نيل الأوطار"(7/ 144 - 173) بتحقيقي.

ص: 86