الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَنْهُ وَأَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ كَانَ عِنْدِي رِقٌّ اسْمُهُ وَصِفَاتُهُ كَمَا ذَكَرْت وَبِعْته غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ لَك فَمَا الْحُكْمُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ وُجِدَ الرِّقُّ عِنْدَ مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ هَذَا الْمُقِرِّ أَوْ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرُونَ لَهُ وَكَثُرُوا خُيِّرَ مَالِكُهُ بَيْنَ فَسْخِ بَيْعِهِ وَأَخْذِ رِقِّهِ وَإِمْضَائِهِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ الْمُقِرُّ وَالْقِيمَةُ، وَلَا يَنْفَعُهُ تَعَلُّلُهُ بِعَدَمِ عِلْمِ مَالِكِهِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْقَضَاءِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْقَضَاءِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ يَتَمَلَّكُونَ قِطْعَةَ أَرْضٍ بِالْإِرْثِ عَنْ جَدِّهِمْ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِيهَا الثُّلُثَ بِالْإِرْثِ عَنْ جَدَّتِهِ لِأَبِيهِ، وَرَفَعَهُمْ لِلْحَاكِمِ فَأَنْكَرُوا فَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ بَيِّنَةٌ فَتَلَوَّمَ لَهُ ثُمَّ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَحَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا فِيهَا فَهَلْ إذَا نَازَعَ هَذَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَأَرَادَ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إلَّا لِعُذْرٍ حَلَفَ عَلَيْهِ كَنِسْيَانِ بَيِّنَةٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ بِهَا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى دَعْوَاهُ النِّسْيَانَ، وَمِثْلُهُ عَدَمُ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِالْبَيِّنَةِ أَيْ ثُمَّ تَذَّكَّرهَا أَوْ أُعْلِمَ بِهَا فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا حِينَئِذٍ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا مَرَّ فِي النِّسْيَانِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَيُعَجِّزُهُ. قَالَ الْخَرَشِيُّ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَانَ مُدَّعِيًا أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: لِي حُجَّةٌ وَأَنْظَرَهُ الْحَاكِمُ لِأَجْلِ الْإِتْيَانِ بِهَا بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّتِهِ فَإِنَّ الْقَاضِي يُعَجِّزُهُ وَيَكْتُبُ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ بِأَنْ يَقُولَ: فُلَانٌ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا، وَقَدْ عَجَّزَتْهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ رَفْعًا لِلنِّزَاعِ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِالْقَبُولِ اهـ. قَالَ الْعَدَوِيُّ قَالَ مُحَشِّي التَّتَّائِيِّ: التَّعْجِيزُ هُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَجَّزِ فَلَيْسَ هُوَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْحُكْمِ لَهُ فَيُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالتَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِمَنْ سَأَلَهُ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ لَا أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الْحُجَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ النَّقْلَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُكْمِ هُوَ التَّعْجِيزُ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ ظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ وَغَيْرِهَا مَا قُلْنَاهُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْقِيَامُ بَعْدَهُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَفِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: وَظَاهِرُهَا الْقَبُولُ. انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلْت) عَنْ مَحْضَرٍ كَتَبَهُ نَائِبُ الْقَاضِي بِإِسْنَا بِأَقْصَى صَعِيدِ مِصْرَ نَصُّهُ: حَضَرَ بِالْمَحْكَمَةِ بِمَدِينَةِ إسْنَا بِشَايِ بُقْطُرَ الذِّمِّيُّ مُتَكَلِّمًا عَنْ جنونة الذِّمِّيَّةِ بِنْتِ طنيوس الذِّمِّيِّ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ عَبْدِ اللَّطِيفِ النَّدَّافُ وَأَظْهَرَ بِشَايِ الْمَذْكُورُ وَثَائِقَ عَدِيدَةً مُتَضَمِّنَةً شِرَاءَ حِصَصٍ فِي مَنْزِلٍ مَعْلُومٍ قُسِّمَ سَابِقًا مِنْ أَعْمَامِ
مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ، وَمُبَيَّنٌ بِهَا قَدْرُ الْأَذْرُعِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْبَيْعُ إلَى طنيوس، وَادَّعَى بِشَايِ أَنَّ بَعْضَ الْأَذْرُعِ الَّتِي بِالْوَثَائِقِ دَاخِلٌ بِمَنْزِلِ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّطِيفِ، وَلَمَّا أَعْطَى الْجَوَابَ إلَى مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ أَجَابَ بِأَنَّهُ يُصَيِّرُ قِرَاءَةَ وَثَائِقِ الشِّرَاءِ وَاعْتِبَارَ الْمَنَازِلِ بِالْقِيَاسِ وَكُلُّ مَنْ لَهُ زَائِدٌ يَأْخُذُهُ، وَقَدْ صَارَ عِبْرَةً مَنْزِلُ طنيوس وَمَنْزِلُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ بِالذِّرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُعْتَادِ لِقِيَاسِ الْمَنَازِلِ بِحُضُورِ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَوُجِدَ زَائِدٌ بِمَنْزِلِ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّطِيفِ الْمَذْكُورِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا حَاصِلٌ صَغِيرٌ مِنْ دَاخِلِ مَنْزِلِ طنيوس مَسْدُودٌ بَابُهُ مِنْ مَنْزِلِ طنيوس وَمَفْتُوحٌ لَهُ طَاقَةٌ مِنْ مَنْزِلِ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ فَحِينَئِذٍ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُخَلِّيَ يَدَهُ عَنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا إلَى مَنْ تَكَلَّمَ عَنْهَا بِشَايِ لِكَوْنِ مَنْزِلِ طنيوس نَقَصَ عَمَّا فِي الْوَثَائِقِ بِحُكْمِ الْحَاصِلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا وَرُبْعًا، وَالْبَاقِي يَسْتَوْفِيهِ مِنْ مَنْزِلِ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ، فَسَطَّرَ ذَلِكَ ضَبْطًا لِلْوَاقِعِ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَفَرَ سَنَةَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِعَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى حُجَجِ الشَّرْعِ الثَّلَاثِ الْإِقْرَارِ وَالنُّكُولِ وَالْبُرْهَانِ، وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى دَعْوَى بِمَجْهُولٍ، وَلِأَنَّ الْجُزْءَ الْمُدَّعَى بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَإِخْوَتِهِ الْغَائِبِينَ وَالْقَاصِرِينَ بِدُونِ تَوْكِيلٍ وَلَا وَصِيَّةٍ فَهَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَفْيَدُونَا إفَادَةً شَافِيَةً، وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِبُطْلَانِهِ لِمَا ذُكِرَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ خَالِيًا عَنْ حُجَجِ الشَّرْعِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِقْرَارِهِ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ وَلَمَّا أَعْطَى الْجَوَابَ إلَى مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ أَجَابَ بِأَنَّهُ يُصَيِّرُ قِرَاءَةَ وَثَائِقِ الشِّرَاءِ وَاعْتِبَارَ الْمَنَازِلِ، وَقَدْ صَارَ إلَخْ، وَلَيْسَ مُشْتَمِلًا عَلَى دَعْوَى بِمَجْهُولٍ، كَيْفَ وَالْمُدَّعَى بِهِ قِطْعَةُ أَرْضِ مُحَدَّدَةٍ بِحُدُودٍ مَخْصُوصَةٍ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُدَّعِي جَهِلَ كَمِّيَّةَ ذَرْعِهَا وَأَحَالَهَا عَلَى الْوَثَائِقِ وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ أَصْلَ الْأَرْضِ الْجُزَافِ إنَّمَا الْجَهْلُ الْمُوجِبُ لِبُطْلَانِ الدَّعْوَى جَهِلَ الْجِنْسَ وَالْعَيْنَ كَأَنْ يَقُولَ: لِي عِنْدَهُ شَيْءٌ وَلَا بَيِّنَةَ، وَكَوْنُ الْجُزْءِ الْمُدَّعَى مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَاضِرِ وَإِخْوَتِهِ إلَخْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْوَثِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَحْتَاجُ لِلْإِثْبَاتِ وَبَعْدَهُ، فَإِنَّمَا يَقْتَضِي الرَّدَّ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ مِنْ تَسَاهُلِ الْمُفْتِينَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى نِصْفَ بُسْتَانٍ وَسَكَنَ فِي جَمِيعِهِ وَأَدَارَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَصَارَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْعِمَارَةِ وَيُعْطِي لِشَرِيكِهِ نِصْفَ الثِّمَارِ إلَى أَنْ مَاتَ مُشْتَرِي النِّصْفِ فَاسْتَوْلَى وَلَدُهُ عَلَى الْبُسْتَانِ وَأَظْهَرَ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا أَنَّ وَالِدَهُ اشْتَرَى بَقِيَّةَ الْبُسْتَانِ فَهَلْ يُعْمَلُ بِهَا أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ الْوَرَقَةُ وَثِيقَةَ قَاضٍ وَفِيهَا عَلَامَةُ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ عُمِلَ بِهَا وَلَوْ مَاتَ شُهُودُهَا وَجُهِلَ حَالُهُمْ إذْ الْأَصْلُ الصِّحَّةُ، وَإِلَّا فَإِنْ حَضَرَ شُهُودُهَا فَالْعِبْرَةُ بِهَا وَإِنْ غَابُوا غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا وَقَدْ وَضَعُوا خُطُوطَهُمْ فِيهَا وَشَهِدَ عَلَيْهَا الْعُدُولُ بِشَرْطِهَا الْمَعْرُوفِ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ الْخَطَّ كَالْمُعَيَّنِ وَأَنَّ كَاتِبَهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْعَدَالَةِ مِنْ الْكِتَابَةِ إلَى الْمَوْتِ أَوْ الْغَيْبَةِ عُمِلَ بِهَا أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا قَالَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرُّسُومُ الَّتِي جَعَلَهَا الْقُضَاةُ الْمَاضُونَ وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ الثُّبُوتِ عِنْدَهُمْ مَعْمُولٌ بِهَا مُحَافَظَةً عَلَى قَاعِدَةِ حِفْظِ الْحُقُوقِ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمِنَةِ وَتَفَانِي الْبَيِّنَاتِ، وَلَوْ جُهِلَ حَالُهُمْ فَإِنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ وَذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ
الْعَامَّةِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ.
وَفِي نَوَازِلِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ مِنْ الْمِعْيَارِ مَا نَصُّهُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَسُئِلَ عَنْ الْقَاضِي يُسَجِّلُ بِثُبُوتِ وَثِيقَةٍ وَيَقُولُ فِي تَسْجِيلِهِ: إنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي مَا فِي أَعْلَى هَذَا الْكِتَابِ أَمَّا مَا فِي بَاطِنِهِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ وَالْقَاضِي قَدْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَهَلْ يُحْمَلُونَ كُلُّهُمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالْقَبُولِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ يُحْمَلُ جَمِيعُهُمْ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالْقَصْدِ إلَّا أَنْ يُجَرَّحَ جَمِيعُهُمْ انْتَهَى بِلَفْظِهِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْعَمَلَ بِالتَّسْجِيلِ صَاحِبُ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ:
وَإِنْ يَمُتْ مُخَاطَبٌ أَوْ عُزِلَا
…
رُدَّ خِطَابُهُ سِوَى مَا سُجِّلَا
وَفِي شَرْحِ ابْنِ النَّاظِمِ لَهَا مَا نَصُّهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا إنْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَةُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتُهَا لَمْ يَنْظُرْ فِيهَا مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ اهـ.
وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ الْمُنَاصِفِ قَالَ اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِهِ عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِيمَا ظَنَّ عَلَى صَرْفِهِمْ عَنْهُ اُنْظُرْ تَوْجِيهَهُ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْأَمِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَنَصَّ ابْنُ الْمُنَاصِفِ فَصْلٌ وَأَمَّا كِتَابُ الْقَاضِي بِثُبُوتِ حَقٍّ أَوْ حُكْمِ الْقَاضِي بِمَوْضِعٍ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْحَقُّ أَوْ الَّذِي يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَاَلَّذِي يَقُولُ إنَّ عَلَى الْقَاضِي الَّذِي يُنْهَى إلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَتَعَيَّنَ الْحُكْمُ أَوْ الْحَقُّ فِيمَا قَبْلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْكِتَابَ وَيُنَفِّذَ مَا فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رَسْمَ الْكِتَابِ إلَى قَاضٍ بِعَيْنِهِ فِي حَقٍّ قَدْ ثَبَتَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ عُمُومِ الْحُكْمِ بِمَا تَضَمَّنَهُ، وَوُجُوبُهُ عَلَى مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ الْقُضَاةِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى قَاضِي مَوْضِعٍ فَوُجِدَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ قَدْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَوَلِيُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي الْمُحْدَثِ قَبُولُ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَإِنْفَاذُ مَا فِيهِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ أَوْ الْحَقِّ يَثْبُتُ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ إعْلَامٌ لِتَقَاضِي إنْفَاذِ مَا صَحَّ وَتَعَيَّنَ عِنْدَهُ لَمَّا تَعَذَّرَ تَمَكُّنُ الْمُبَاشَرَةِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْحُكْمِ إنْفَاذُهُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ لَدَيْهِ وَالْقِيَامُ فِيهِ عِنْدَهُ، فَاسْتَوَى فِيهِ مَنْ عَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْحُكَّامِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ بِشَهَادَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا، فَوَجَبَ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحَّ لَدَيْهِ وَقُيِّمَ بِهِ عِنْدَهُ مِنْ كَافَّةِ الْحُكَّامِ، فَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْكِتَابِ إذَا ثَبَتَ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ قَاضِيًا أَشْهَدَ عَلَى حُكْمِهِ شُهُودًا بِأَعْيَانِهِمْ فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ سِوَاهُمْ الْقِيَامُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ إذَا تَعَذَّرَ أُولَئِكَ الشُّهُودُ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِالْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَخُصَّ الْقِيَامَ فِيهِ مِنْ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُعَيَّنِ لَهُ ذَلِكَ مَا كَانَ سَبِيلُهُ التَّوْكِيلَ فِي الْحُقُوقِ فَلَا يَنْظُرُ فِيهَا غَيْرُ مَنْ وُكِّلَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ مَا كَانَ إلَى نَظَرِهِ وَلَيْسَ سَبِيلُ مَا أَوْجَبَتْهُ الْأَحْكَامُ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ: فَصْلٌ ذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ سَوَاءٌ مَاتَ الْمَكْتُوبُ لَهُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مَقَامَهُ مِنْ الْحُكَّامِ وَإِنْ كَانَ الْكَاتِبُ إنَّمَا كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ بِمَا الْتَزَمَهُ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ عَلَى الْخَطِّ إلَى تَفْصِيلٍ وَتَبْيِينٍ.
فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ كِتَابُ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ أَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ كَاتِبُهُ وَهُوَ عَلَى وِلَايَتِهِ فَالْحُكْمُ
فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ إشْهَادَ الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ عَلَى كِتَابِهِ ذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حُكْمٍ نَفَّذَهُ أَوْ حَقٍّ ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَالْقَضَاءُ بِهِ وَاجِبٌ وَإِنْفَاذُهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قِيمَ بِهِ عِنْدَهُ مِنْ الْحُكَّامِ، وَسَوَاءٌ مَاتَ الْكَاتِبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ عُزِلَ لَا كَلَامَ فِي هَذَا وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَجَازُوهُ وَأَطْلَقُوهُ لَا عَلَى مَا عَهِدَ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنْ تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَالِاجْتِزَاءِ بِدَلِيلِ الْخَطِّ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيَجُرُّوهُ عَلَى قَدَمِنَا فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ فِي ثُبُوتِ الْكِتَابِ إلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ الْيَوْمَ دُونَ إشْهَادِ الْكَاتِبِ بِذَلِكَ عَلَى كِتَابِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يَصِلَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ عَلَى حَالِ وِلَايَتِهِ تِلْكَ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِهِ وَثُبُوتِهِ عِنْدَ مَنْ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَالْعِلَّةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْخَطِّ إذْ ثَبَتَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ قَوْلِ الْقَاضِي نَفْسِهِ ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ الْكِتَابِ، وَهَذَا إنَّمَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا دَامَ وَالِيًا فَإِذَا عُزِلَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَلَى حَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ إشْهَادٌ فِي حَالِ الْوِلَايَةِ فَيَجُوزُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ وَقْتُ كِتَابَتِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَةُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتُهَا لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُنْجِزْهُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ قَدْ شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ شَاهِدًا، وَإِذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَهُمْ الْقَاضِي الْمُحْدَثُ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ حُكْمٍ يَدَّعِي الْقَاضِي الْمَعْزُولُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ بِهِ.
وَقَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ رَجُلٌ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ اثْنَانِ سِوَاهُ فَالتُّهْمَةُ كَمَا تَرَى مَعَ ذَلِكَ قَائِمَةٌ يُرَاعُونَهَا كَذَلِكَ الْأَمْرُ إذَا مَاتَ أَيْضًا لِأَنَّ أَمْرَ الْمَيِّتِ وَالْمَعْزُولِ وَاحِدٌ فِي زَوَالِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسُقُوطِ سُلْطَانِهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَلَقَّى فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَاكِمِ مُخْتَصٌّ بِحِينِ مَنَاطِ الْأَحْكَامِ وَلِذَلِكَ انْفَرَدَ بِهِ الْوُلَاةُ وَالْحُكَّامُ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ فَيَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ الَّذِي لَا يَصِحُّ وَيُقْبَلُ إلَّا مَعَ الْوِلَايَةِ فَإِنْ انْخَرَمَتْ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ اخْتَلَّ ذَلِكَ وَبَطَلَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِشْهَادٍ مِنْهُ فِي حَالِ الْوِلَايَةِ فَاسْتِمْرَارُهُ مَنْعَ قِيَامِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ثَابِتٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الطَّلَبَةِ وَجَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ نِزَاعٌ كَثِيرٌ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ فِي قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ مَاتُوا أَوْ عُزِلُوا عَلَى إطْلَاقِهِ، وَفَهِمُوا ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَا عَهِدُوهُ وَوَقَعَ التَّسَاهُلُ فِيهِ مِنْ تَرْكِ إشْهَادِ الْقُضَاةِ عَلَى كُتُبِهِمْ وَالِاجْتِزَاءِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا جَوَازُ ذَلِكَ فَاسْتَثْنَوْا مَعَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ إلَى دَرْكِ الزَّلَلِ وَالتَّخْوِيفِ، وَبُطْلَانُ ذَلِكَ وَفَسَادُهُ وَاضِحُ الظُّهُورِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ ضَاعَتْ لَهُ أَتَانُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا عِنْدَ آخَرَ فَرَفَعَهُ لَدَى وَكِيلِ الْقَاضِي وَعَرَّفَهُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ وَأَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْهُ وَوَجَدَهَا عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ فَسَأَلَ الْوَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ فِي السُّوقِ مِنْ رَجُلٍ فَقَالَ الْمُدَّعِي وَاَلَّذِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ مَعْرُوفٌ فَأَمَرَهُ الْوَكِيلُ بِإِحْضَارِهِ فَأَحْضَرَهُ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ الْقَضِيَّةِ قَالَ تُحْضَرُ الْأَتَانَةُ بِالْمَجْلِسِ فَلَمَّا حَضَرَتْ قَالَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا هِيَ أَتَانَتِي بِعَيْنِهَا نَتَجَتْ عِنْدِي وَبِعْتهَا لِلْمُدَّعِي مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ وَأَحْضَرَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِمَا قَالَ فَحَكَمَ وَكِيلُ الْقَاضِي بِدَفْعِهَا وَرَفْعِ يَدِ وَاضِعِ الْيَدِ عَنْهَا وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ ثُمًّ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ رَجَعَ بَائِعُ الْمُدَّعِي عَمَّيْ قَالَهُ أَوَّلًا وَقَالَ هَذِهِ الْأَتَانَةُ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي بِعْتهَا لِلْمُدَّعِي فَهَلْ لَا عِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ بَعْدَ بِتّ الْحُكْمِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. نَعَمْ لَا عِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ بَعْدَ بَتِّ الْحُكْمِ وَلَا قَبْلَهُ إذْ الْحُكْمُ لَمْ يُبَتَّ لِقَوْلِهِ بَلْ لِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ هُوَ الْمَحْكُومُ لَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا عَلَى عِجْلٍ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُ جَامُوسَتِهِ نُتِجَ عِنْدَهُ فَكَلَّفَ وَكِيلُ الْقَاضِي وَاضِعَ الْيَدِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِصِدْقِ دَعْوَاهُ فَاسْتَمْهَلَهُ يَوْمَيْنِ وَغَابَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَهُ وَصَنَعَ بِهِ مَوْلِدًا لِلسَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ وُجِدَتْ بَيِّنَةٌ تَعْرِفُ الْعِجْلَ قَبْلَ ذَبْحِهِ حُكِمَ بِالْعَجِلِ لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ بِهِ وَإِنْ شَهِدَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ سَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَاسْتَحَقَّ الْعِجْلَ مَنْ كَانَ حَائِزًا لَهُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ أَصْلًا فَالْمِلْكُ لِلْحَائِزِ وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ يَظْهَرُ بِهَا وَجْهُ الْحَقِّ عُمِلَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مَنْزِلًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ بِمُوجِبِ وَثِيقَةٍ بِخَطِّ رَجُلٍ خَطِيبٍ وَاسْتَوْلَى الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى خَمْسِ سِنِينَ ثُمَّ قَامَ كَاتِبُ الْوَثِيقَةِ وَادَّعَى أَنَّ أُمَّ أَبِيهِ أُخْتُ الْبَائِعِ يُرِيدُ أَخْذَ مَا يَخُصُّهُ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَتَوَجَّهَ مَعَ الْمُشْتَرِي إلَى عَالِمٍ مَالِكِيٍّ فَحَكَمَ لَهُ فِي الْمَنْزِلِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ وَكَتَبَ لَهُ بِهَا وَثِيقَةً فَامْتَثَلَ الْمُشْتَرِي لَهُ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ حُكْمِهِ وَلَمْ تَزَلْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي دَاخِلَ الْمَنْزِلِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّ الْخَطِيبَ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ وَجَدَّتَهُ لَيْسَتْ أُخْتَ الْبَائِعِ فَقَامَ الْمُشْتَرِي وَنَازَعَ الْخَطِيبَ وَرَفَعَهُ لَدَى قَاضٍ فَطَلَبِ مِنْ الْخَطِيبِ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تَشْهَدُ لَهُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَطَلَبَ مُهْلَةً فَأَمْهَلَهُ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ التَّلَوُّمِ الشَّرْعِيِّ وَبَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ حَضَرَ وَأَخْبَرَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً وَاعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا فِي هَذَا الْمَنْزِلِ وَبِبُطْلَانِ وَثِيقَتِهِ لِكَوْنِهَا خَالِيَةً عَنْ مُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ فَهَلْ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ وَيَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ وَيَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا وَتَقَدَّمَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي جَوَابِ أَوَّلِ أَسْئِلَةِ الْبَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَابَّةً فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا دَابَّتُهُ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهَا فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعِي ائْتِنِي بِالْبَائِعِ وَأَنَا أُحَقِّقُ عَلَيْهِ الدَّعْوَى فَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَأَخْبَرَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ الذَّهَابِ