الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: أَنّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قضَى فِيهِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: لَتأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (1).
إمْلاصُ المَرْأَةِ: أن تُلقي بجنينها حيًّا.
* * *
(عن) أمير المؤمنين أبي حفص (عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه)؛ أي: عمر -رضوان الله عليه- في أيام خلافته (استشار الناس) من
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (6509 - 6510)، كتاب: الديات، باب: جنين المرأة، و (6887)، كتاب: الإعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله تعالى، ومسلم (1689/ 39)، (3/ 1311)، كتاب: القسامة، باب: دية الجنين، وأبو داود (4570)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين، وابن ماجه (2640)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 32)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 493)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 68)، و "شرح مسلم" للنووي (11/ 175)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 98)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1427)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 247)، و"عمدة القاري" للعيني (24/ 67)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (10/ 69)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 227).
علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، و -رضي عنهم- (في إملاص المرأة) جنينَها، وهو أن يزلق الجنين قبل وقت الولادة، وكل ما أزلق من اليد، فقد ملص، وأَمْلَصَ، وأملصته أنا (1)، والمراد: إسقاطُها الجنين قبل أوان ولادته، (فقال المغيرة بن شعبة) الثقفيُّ الصحابيُّ رضي الله عنه وتقدمت ترجمته في المسح على الخفين:(شهدت النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى فيه)؛ أي: في إملاص المرأة؛ أي: جنينَها (بغرة) على الجاني عليها حتى أملصها (عبدٍ أو أمةٍ) -بالجر- بدل من غرة، وأصل الغرة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، ولهذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء: الغرةُ: عبد أبيض، أو أمة
بيضاء، وإنما سمي غرة، لبياضه، فكان يقول: لا يُقبل في الدية عبدٌ أسود، ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطًا عند الفقهاء، وإنما الغرة عندهم، من بلغ ثمنُه نصفَ عشرِ دية أمه (2)؛ أي: الجنين من العبيد والإماء.
(فقال) سيدنا عمر رضي الله عنه للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (لتأتينَّ بمن) أي: بأحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم (يشهد معك) على ما زعمتَهُ، واللام في:(لتأتينّ) موطِّئة للقسم، (فشهد له)؛ أي: لعمر رضي الله عنه مع المغيرة بن شعبة (محمدُ بنُ مسلمة)؛ أي: شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في إملاص المرأة بغرة، ومحمد بن مسلمة بن خالد البكري الأنصاري حليفُ بني عبد الأشهل، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه استخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة عام تبوك، اعتزل الفتنة، وأقام بالربذة، ومات بالمدينة في شهر صفر سنة ثلاث وأربعين،
(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 356).
(2)
المرجع السابق، (3/ 353).
وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين، وصلى عليه مروان وهو يومئذٍ أمير المدينة (1).
قال الحافظ المصنف رحمه الله ورضي عنه-: (إملاصُ المرأة): هو (أن تلقي بجنينها حيًا).
قال في "المقنع": دية الجنين الحر المسلم إذا أسقط ميتًا غرةٌ عبدٌ أو أَمَةٌ قيمتُها خمسٌ من الإبل موروثةٌ عنه، ذكرًا كان أو أنثى.
يقال: غرة عبد بالصفة وبالإضافة، قال: والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، قال مهلهل:[من الرجز]
كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ
…
حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ (2)
قال في "شرح المقنع": في جنين الحرة المسلمة غيرةٌ، وعبارة المتن
(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (3/ 443)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (1/ 11)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 71)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 362)، و "الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 1377)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (55/ 250)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (5/ 106)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 107)، و "تهذيب الكمال" للمزي (26/ 456)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 369)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (6/ 33)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (9/ 401).
(2)
انظر البيت في: "الأغاني" للأصفهاني (4/ 144)، و"لسان العرب" لابن منظور (5/ 18).
وقد ورد البيت في "الحيوان" للجاحظ (5/ 500)، و"لسان العرب" لابن منظور (12/ 148):
كلُّ قتيلٍ في كُليبٍ حُلَاّمْ
…
حتى ينالَ القتلُ آلَ همامْ
وانظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 316).
أشملُ وأحسن، قال: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وإنما سميت غرة؛ لأن العبد والأمة من أنفس الأموال.
والأصل في الغرة: الخيار، فإن قيل: فقد روي في هذا الخبر: أو فرسٌ أو بغلٌ (1)، فالجواب: إن هذا لم يثبت، ووهم فيه عيسى بن يونس كما قاله أهل النقل.
ولابد من وجوب الغرة أن يسقط الجنين من الضربة، ويُعلم ذلك بأن تُسقط عقب الضرب، أو تبقى الأم متألمة منها إلى أن تُسقط، ولا فرق في إلقائها إياه في حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها، لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها.
ولنا: أنه جنين سقط بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيًا، ضمنه، فكذا إذا سقط ميتًا، كما لو أسقطته في حياتها، وما ذكروه غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتًا، ثم ماتت، لم يضمنه، كأعضائها.
(1) رواه أبو داود (4579)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين، وابن حبان في "صحيحه"(6022)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(8101)، والدارقطني في "سننه"(3/ 114)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 115)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال أبو داود: روى هذا الحديث حماد بن سلمة، وخالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، لم يذكرا:"أو فرس أو يغل". وزاد البيهقي فقال: ولم يذكره أيضًا الزهري عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب.
فإن ظهر بعضُه من بطن أمه، ولم يخرج باقيه، ففيه الغرة، وبه قال الشافعي.
وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أوجبها في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تلق شيئًا، أشبهَ ما لو لم يظهر منه شيء.
ولنا: أنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة كما لو ظهر جميعه، ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء، فإنه لم يتيقن قتلُه ولا وجوده، وكذا الحكم إن ألقت يدًا أو رجلًا أو رأسًا أو جزءًا من أجزاء الآدمي؛ لأنا تيقنا أنه من جنين، وإن ألقت رأسين ونحوهما، لم يجب أكثرُ من غرة، لجواز كونهما من جنين واحد، فلم تجب الزيادة مع وجود الاحتمال؛ لأن الأصل براءة الذمة، فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي، فلا شيء فيه؛ لأنه لا يعلم أنه جنين، وإن ألقت مضغة، فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية، ففيه غرة، وإن شهدت أنه مبدأ خلق إنسان لو بقي تصور، فلا شيء فيه، على الأصح (1).
قلت: ومعتمد المذهب: يقبل قول ثقة واحدة -كما مر-.
تنبيهان:
الأول: معتمد المذهب: كونُ الغرة عبدًا أو أَمَةً، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد أو أمة أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 530 - 532).
الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو يغل (1)، وتقدم أنه لم يصح.
وجعل ابن سيرين مكان الفرس مئة شاة، ونحوه قال الشعبي؛ لأنه روي في حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه جعل في ولدها مئة شاة، رواه أبو داود (2).
وروي عن عبد الملك بن مروان: أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين دينارًا، فإذا كان مضغة فأربعين، فإن كان علقة فستين، فإذا كأن عظمًا قد كسي لحمًا، فثمانين، فإن تم خلقه وكسي شعره، فمئة دينار (3).
وقال قتادة: إذا كان علقة، فثلث غرة، وإذا كان مضغة، فثلثي غرة (4).
والحق الصريح ما ثبت في "الصحيح"، وسنّةُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قاضية على من خالفها، وتقدم أن ذكر الفرس والبغل وهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، وهو متروك في البغل بغير خلاف، فكذلك في الفرس.
وقول عبد الملك بن مروان بحكم بتقدير لم يرد به الشرع، وكذلك قتادة، نعم، إن دفع بدل الغرة، ورضي المدفوعُ إليه، جاز؛ لأنه حق لآدمي، فجاز ما تراضيا عليه، أيهما قبل البدل، فله ذلك؛ لأن الحق فيها لهما فلا يقبل بدلها إلا برضاهما (5).
الثاني: إن كانت أم الجنين أَمَةً، وهو حر، فتقدر حرة، أو كانت ذمية حاملًا من ذمي ومات على أصلنا، فتقدر مسلمة؛ لأنا حكمنا بإسلامه على أصلنا.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه أبو داود (4578)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين، من حديث بريدة رضي الله عنه.
(3)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(18333).
(4)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(18335).
(5)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 532 - 533).
ولا يقبل في الغرة خنثى، ولا خصي ونحوه، وإن كثرت قيمته، ولا مَعيبٌ بعيب يُرد في البيع، ولا هرمة، ولا مَنْ دون سبع سنين، وإن كان الجنين مملوكًا، ففيه عُشر قيمة أمه يوم الجناية نقدًا، ومع سلامته وعيبها تعتبر سليمة.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يجب في الجنين الرقيق نصفُ عشر قيمته إذا كان ذكرًا، وعشرُ قيمته إن كان أنثى؛ لأن الغرة الواجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه، ولأنه جنين مصون تلف بالضربة، فكان فيه نصفُ الواجب فيه إذا كان ذكرًا كبيرًا، أو عشر الواجب إذا كان أنثى، كجنين الحرة (1)، والله أعلم.
(1) المرجع السابق، (9/ 536 - 538).