الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنْ عُقْبهَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ:"لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ"(1).
* * *
(عن) ابن عامر (عقبةَ بنِ عامر) بن عَبْسٍ الجهنيِّ، تقدمت ترجمته في
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1767)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: من نذر المشي إلى الكعبة، ومسلم (1644)، كتاب: النذور، باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة، وأبو داود (3299)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، والنسائي (3814)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى، والترمذي (1544)، كتاب: النذور والأيمان، باب:(16)، وابن ماجه (2134)، كتاب: الكفارات، باب: من نذر أن يحج ماشيًا.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 55)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 397)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 618)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 102)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 158)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1540)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 79)، و"عمدة القاري" للعيني (10/ 225)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 328)، و"سبل السلام" للصنعاني (4/ 113)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (9/ 145).
كتاب: النكاح (رضي الله عنه قال: نذرت أختي)، قال ابن ماكولا: هي أم حِبّان بنتُ عامر الأنصاريةُ، أسلمت وبايعت. قاله محمد بن سعد (1).
قال الذهبي: وهي -بكسر الحاء المهملة- من حِبَّان، بعدها موحدة (2)، وكذا ذكر القسطلاني (3) والبلقيني، وغيرهم (4) (أن تمشي إلى بيت الله الحرام) حال كونها (حافيةً)؛ أي: بلا نعل ولا خف، (فأمرتني أن أستفتي لها) في نذرها الذي نذرته على الصفة المتقدم ذكرُها (رسولَ الله صلى الله عليه وسلم)؛ أي: أَستخبرَ لها عن حكم ذلك، وأَطلبَ بيانه وإظهاره من النبي صلى الله عليه وسلم، (فاستفتيته) عليه الصلاة والسلام في ذلك، (فقال) عليه الصلاة والسلام:(لتمشِ) أختك إن قدرت على المشي، (ولتركب) حيث عجزت عن المشي، وأرهقها التعب، وحيث عجزت عن المشي وركبت، فإنه تلزمها كفارة يمين.
قال في شرح "الكافي" فإن تركَ المشيَ مَنْ نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام ماشيًا لعجز أو غيره، فعليه كفارة يمين، وهو المذهب.
قال ابن منجا في "شرحه": هذا المذهب، وهو أصحّ، وجزم به في
(1) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 395)، وانظر:"غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (2/ 837).
(2)
انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (2/ 315).
(3)
انظر: "إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 328).
(4)
قلت: قد تعقب الحافظ ابن حجر في "الفتح"(4/ 80) ما قالوه، فقال: لا يعرف اسم أخت عقبة هذا، وما نسبه هؤلاء لابن ماكولا وهم، فإنه إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابي -بنون موحدة- بن زيد بن حرام -بمهملتين- الأنصارية، وأنه شهد بدرًا، وهو مغاير للجهني.
"الوجيز"، وقدمه في "المغني"(1)، و"المحرر"(2)، و"الشرح"، و"الفروع"(3)، و"الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة".
وعنه: عليه دم.
ووجوب كفارة يمين من مفردات المذهب، قال ناظمها:
[من الرجز]
لِمَكَّةٍ نَاذِرُ مَشْيٍ رَكِبَا
…
مَعْ عَجْزِهِ التَّكْفِيرُ أَيْضًا وَجَبَا
قال شارحها: يعني: إذا نذر المشيَ لمكة المشرفة، أو بيت الله الحرام، أو موضع من الحرم، لزمه المشي في حج أو عمرة؛ لأنه هو المشي إليه في الشرع، فإن عجز عن المشي، فركب، فعليه كفارة يمين.
وقال أبو حنيفة: هدي، وأقله شاة، سواءً عجز عن المشي، أو قدر عليه.
وقال الشافعي: يلزمه دم.
وأفتى به عطاء؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أن أخت عقبةَ بنِ عامر نذرت المشيَ إلى بيت الله الحرام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب، وتهدي هَدْيًا. رواه أبو داود (4)، وفيه ضعف.
وقال مالك: يحجُّ مِن قابِل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ويهدي.
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 74).
(2)
انظر: "المحرر" للمجد بن تيمية (2/ 201).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 366).
(4)
رواه أبو داود (3296)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر كفارة اليمين"(1)، ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام، فلم يجب الهدي بتركه؛ كما لو نذر صلاة ركعتين فتركهما (2).
وفي "الفروع": قال شيخنا: القادر على فعل المنذور يلزمه، وإلا، فله أن يكفر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"كفارة النذر كفارة اليمين"، ولأمره لأخت عقبة بن عامر أن تمشي وتكفِّر (3)، انتهى.
ولفظ هذا الحديث: أن أخت عقبةَ بن عامر نذرت أن تمشي حافيةً غير مختمرة، قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمرْ، ولتركبْ، ولتصم ثلاثة أيام" رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع (4).
وفي رواية للإمام أحمد، ولأبي داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره، وفيه:"لتخرج راكبة، ولتكفر يمينها"(5).
تنبيهات:
الأول: يلزم مَنْ نذرَ أن يمشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو مكة،
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 74).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 365).
(4)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 145)، وأبو داود (3293)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى علية كفارة إذا كان في معصية، والنسائي (3815)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا حلفت المرأة لتمشي حافية غير مختمرة. وتقدم تخرجه عند الترمذي برقم (1544)، وعند ابن ماجه برقم (2134).
(5)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 310).
وأطلق، أو قال: غيرَ حاجٍّ ولا معتمر، ألزمه، المشي في حج أو عمرة من مكان نذره، لا إحرام قبل ميقاته، ما لم ينو مكانًا بعينه، أو ينوي إتيانه، لا حقيقة المشي، فيلزمه الإتيان، ويخيّر بين المشي والركوب؛ لحصوله بكل منهما (1).
وإن نذر المشي إلى موضع خارج الحرم؛ كعرفة، ومواقيتِ إحرام، لم يلزمه، ويخيّر بين فعله والكفارة (2).
الثاني: يلزم من نذر المشيَ إلى مسجد المدينة النبوية -على صاحبها الصلاة والسلام-، أو نذر المشي إلى المسجد الأقصى ذلك، ويلزمه أن يصلي فيه ركعتين (3)؛ إذ القصد بالنذر القربة والطاعة، وإنما يحصل ذلك بالصلاة، فتضمن ذلك نذرها؛ كنذر المشي إلى بيت الله الحرام حيث وجب به أحد النسكين (4)، وهذا مذهبنا؛ كالمالكية، وأحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك، ولا ينعقد نذره (5).
وكذا قال فيما إذا نذر أن يصلي في المسجد الحرام: إنه يجزئه أن يصلي حيث شاء من المساجد (6).
وقال الثلاثة: يلزمه أن يصلي فيه، ولا تجزئه الصلاة في غيره (7).
(1) انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (5/ 259).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 387).
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(4)
انظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 77).
(5)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 341 - 342).
(6)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 387).
(7)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 341).
وإن عين بنذره مسجدًا في غير حرم؛ أي: وغير مسجد المدينة والأقصى، لم يتعين، فيخيّر بين فعله والتكفير، فإن جاءه، لزمه عند وصوله ركعتان (1).
الثالث: ينتهي وجوبُ المشي فيما إذا نذر أن يحجَّ ماشيًا إذا رمى الجمرة.
قال الإمام أحمد: إذا رمى الجمرة، فقد فرغ.
وقال أيضًا: يركب في الحج إذا رمى، وفي العمرة إذا سعى.
وقال في "الترغيب": لا يركب حتى يأتي بالتحللين، على الأصح؛ كما في "الفروع"(2)، و"شرح الكافي" وغيرهما، وكذا قال الشافعية.
ولو أفسد الحج المنذور ماشيًا، لزم القضاء ماشيًا (3).
الرابع: من نذر حجًا أو عمرة، لزمه ذلك، فإن لم يطقه، ولا شيئًا منه، حُجَّ عنه، وإلا أتى بما يُطيقه من الحجات المتعددة، وكفّر للباقي، ومع عجزه عن زاد وراحلة حالَ نذرِه، لا يلزمه، ثم إن وجدهما، لزمه بالنذر السابق، فينعقد النذر مع العجز (4)، والله تعالى الموفق.
(1) انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (5/ 260).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 366).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (10/ 77).
(4)
انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (5/ 258).