الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
عَنْ ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بشِيءِ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَليْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُه"(1).
وَفي رِوَايةٍ: "ولَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ"(2).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (5700)، كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم (110/ 176)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، واللفظ له، وأبو داود (3257)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام، والنسائي (3771)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الحلف بملة سوى الإسلام، و (3813)، باب: النذر فيما لا يملك، والترمذي (1533)، كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، و (1543)، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام، و (2636)، كتاب: الإيمان، باب: ما جاء فيمن رمى أخاه بالكفر، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن ثابت الضحاك، به.
(2)
رواه البخاري (5754)، كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، و (6276)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام، ومسلم (110/ 176)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
وَفِي رِوَايةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً"(1).
(عن ثابت بن الضحاك) بنِ خليفةَ بنِ ثعلبةَ بنِ عديِّ بنِ كعبِ بنِ عبدِ الأشهلِ الأشهليِّ الأوسيِّ (الأنصاري رضي الله عنه).
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر حديثًا؛ اتفقا على هذا الحديث، وانفرد مسلم بحديث، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، سكن بالشام، وانتقل إلى البصرة، ومات سنة خمس وأربعين، وقيل: إنه مات في فتنة ابن الزبير.
قال ابن منده: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وستين سنة (2).
وقيل: إن راوي هذا الحديث ثابتُ بنُ الضحاكِ بنِ أميةَ بنِ ثعلبةَ بنِ
(1) رواه مسلم (110/ 176)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، والحديث رواه أيضًا: البخاري (1297)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس، ومسلم (110/ 177)، كتاب: الأيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، والنسائي (3770)، كتاب الأيمان والنذور، باب: الحلف بملة سوى الإسلام، وابن ماجه (2098)، كتاب: الكفارات، باب: من حلف بملة غير الإسلام، من طرق وألفاظ مختلفة.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (1/ 389)، و"المفهم" للقرطبي (1/ 312)، و"شرح مسلم" للنووي (2/ 119)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 149)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1525)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 537)، و"عمدة القاري" للعيني (8/ 190)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (9/ 130).
(2)
وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (2/ 165)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 44)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 205)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (1/ 446)، و"تهذيب الكمال" للمزي (4/ 359)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (1/ 391).
جُشَمَ بنِ مالكِ بنِ سالمِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ الخزرجِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، ورُدَّ بأن الخزرجيَّ له رواية، ولا رواية له، والخلاف في ذلك طويل، لكن الراجح ما ذكرناه ملخصًا.
(أنه)؛ أي: ثابت بن الضحاك رضي الله عنه (بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة)، وهي سَمُرَة -بفتح المهملة وضم الميم- من شجر الطلح، وهو نوع من العضاه (1).
ولم تزل تلك الشجرة إلى مدة خلافة أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبلغه أن أناسًا يذهبون إليها، ويصلُّون تحتها، ويتبرَّكون بها، فأمر رضي الله عنه بها، فقطعت، والحكمة في قطعِها، وإخفاءِ مكانها: خشية أن يحصل بها افتتان؛ لما وقع تحتها من الخير، وكانت تسمى: شجرةَ البيعة، وشجرةَ الرّضوان، فلو بقيت، لما أمن من تعظيم الجُهَّال لها، حتى ربما أفضى بهم الجهلُ إلى أنه بها قوةَ نفع وضرّ، كما هو شأن أبناء الزمان من فرط التعظيم والافتتان بما هو دونها من الشجر والبقاع، ونحوها لمجرد رؤية منام، أو كذبة كذّاب أنه رأى هناك شيخًا أو رجلًا صالحًا ممن يعتقدونه، حتى لقد بنيت المشاهد والصوامع لزعم زاعم: أنه رأى الخضر، أو إلياس، أو غيرهما بمكان كذا، والله أعلم.
قال ثابت رضي الله عنه: (وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)؛ أي: سمعه يقول، وقوله: إنه بايع تحت الشجرة توطئة وتمهيد لإثبات صحبته رضي الله عنه: (من حلف على يمين بملَّةٍ) جمعها مِلَل -بكسر الميم جمعًا وإفرادًا-، وهي الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق النفي، فتعم جميع
(1) انظر: "عمدة القاري" للعيني (4/ 271).
الملل من أهل الكتاب وغيرهم (1)(غيرِ) ملةِ (الإسلامِ) الذي بعث اللهُ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم رحمة للأنام، وعصمةً من الكفر والآثام، حالَ كونِ الحالف بتلك الملة، وأطلق الحلف عليه لمشابهته الحلف، إذ الحلف بالشيء حقيقة هو القسَمُ به، وإدخال البعض حروفَ القسم عليه كقوله: والله، والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين؛ كقوله: من حلف بالطلاق، والمراد: تعليق الطلاق؛ لأنه مثله في اقتضاء الحنث أو المنع، فالمراد هنا: المعنى الثاني؛ بدليل قوله: (كاذبًا) في حلفه (متعمدًا) لذلك (2).
وفي بعض طرق البخاري: "من حلف بغير ملة الإسلام (3)، (فهو كما قال) "؛ يعني: أنه إن كان قال: هو يهودي، فهو يهودي، أو هو نصراني، فهو نصراني.
وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الحاكم وغيره (4).
وحديث بريدة رضي الله عنه مرفوعًا: "من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا، فهو كما قال، وإن كان صادقًا، فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا" رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ورواه الإمام أحمد والنسائي بإسناد جيد (5).
واعلم أن معتمد المذهب فيمن حلف بملة اليهود أو النصارى بأن قال: هو يهودي إن فعل كذا، أو نصراني إن لم يفعل كذا، أو نحو ذلك: أنه أتى
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (11/ 537).
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 149).
(3)
تقدم تخريجه برقم (6276).
(4)
وتقدم تخريجه.
(5)
تقدم تخريجه.
محرَّمًا، وعليه كفارة يمين إن خالف؛ بأن فعل ما حلف على تركه، أو تركَ ما حلف على فعله حيث يحنث (1)؛ لما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، فقال:"عليه كفارة يمين" رواه أبو بكر (2)؛ كقوله: إن كنت فعلت كذا، فهو يهودي.
وتعلق من لم ير فيه كفارة بعدم ذكر الكفارة فيه، بل جعل المرتب على كذبه قوله:"فهو كما قال".
قال ابن دقيق العيد: ولا يكفر في صورة الماضي إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية؛ لكونه تنجيز معنى، فصار كما قال: هو يهودي.
ومنهم من قال: إن كان يعلم أنه يمين، لم يكفر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحنث به، كفر؛ لكونه رضي الكفر حيث أقدم على الفعل.
وقال بعض الشافعية: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا.
قال ابن دقيق العيد: والتحقيقُ التفصيل، فإن اعتقدَ تعظيمَ ما ذكر، كفر، وإن قصد حقيقة التعليق، فينظر، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك، كفر؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد: البعد عن ذلك، لم يكفر،
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 342 - 344).
(2)
ذكره ابن قدامة في "المغني"(9/ 401). وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق"(3/ 499)، قال شيخنا: هذا الحديث لا أصل له، والصحيح في هذه المسألة أنه لا كفارة عليه.
ولكن هل يحرم عليه ذلك، أو يكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور، انتهى (1).
لأن قوله ذلك فيه هتك الحرمة، فكان يمينًا؛ كالحلف بالله سبحانه؛ بخلاف: هو فاسق إن فعل كذا؛ لإباحته في حال.
وكذا لا كفارة في قوله: عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني، أو محوت المصحف، لكن اختار الإمام المجد في "المحرر": أنه إذا قال: عصيت الله في كل ما أمرني به: أنه يمين؛ لدخول التوحيد فيه (2).
وقال ابن عقيل في قوله: محوت المصحف: هو يمين؛ لأن الحالف لم يقصد بقوله: محوته إلا إسقاطَ حرمته، فصار كقوله: هو يهودي، لكن معتمد المذهب: لا كفارة (3).
قال ثابت بن الضحاك: رضي الله عنه: (و) قال صلى الله عليه وسلم: (من)؛ أي: كل إنسان مكلَّف (قتلَ نفسه بشيء) زاد مسلم: "في الدنيا"(4) من أنواع ما يقتل به من سلاح أو طعام أو شراب من أجناس السميات، قاصدًا بذلك هلاك نفسه (عُذِّبَ) بالبناء للمفعول؛ أي: عذبه الله سبحانه (به)؛ أي: بالشيء الذي قتل به نفسَه (يومَ القيامة) زاد مسلم: "في نار جهنم"(5) جزاء وفاقًا.
وفي "الصحيحين" وغيرِهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 149 - 150)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (11/ 539)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.
(2)
انظر: "المحرر" للمجد بن تيمية (2/ 197).
(3)
وانظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 304)، و"الإنصاف" للمرداوي (11/ 33)، و"الإقناع" للحجاوي (4/ 344).
(4)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (110/ 176).
(5)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (110/ 177).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تَرَدَّى من جبلٍ، فقتلَ نفسَه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سُمًّا، فقتلَ نفسَه، فسُمُّه في يده يتحَسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدتُه في يده يتوجَّأُ بها في نار جهنم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا"(1).
قوله في الحديث: "من تردى"؛ أي: رمى نفسه من الجبل أو غيره، فهلك، وقوله:"يتوجأ" -مهموزًا-؛ أي: يضرب بها نفسه (2).
وفي "البخاري" عن أبي هريرة أيضًا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي يخنقُ نفسَه يخنقُها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار"(3).
وفي "الصحيحين" من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"كان رجلٌ به جراحٌ، فقتل نفسه، فقال الله: بَدَرني عبدي بنفسِه، فحرَّمت عليه الجنّة"(4).
وفي رواية: "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا، فَحَزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه. . . ." الحديث (5).
(1) رواه البخاري (5442)، كتاب: الطب، باب: شرب السم والدواء به، وبما يخاف منه والخبيث، ومسلم (109)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
(2)
انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 205)، عقب حديث (3697).
(3)
تقدم تخريجه، وأن هذا اللفظ ليس للبخاري وإنما هو للإمام أحمد.
(4)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (1298).
(5)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (3276).
ومجمل هذه الأحاديث عند الجمهور على الزجر والتخويف، أو على طول اللبث في نار جهنم، أو على المستحِلِّ، والله الموفق.
(و) قال صلى الله عليه وسلم: (ليس على رجل)؛ أي: شخص؛ إذ لا خصوص للرجل، بل مثله المرأة (نَذْرٌ) يعتبر شرعًا (فيما)؛ أي: في الشيء الذي (لا يملكه)؛ لعدم صحة تصرف الشخص في ملك غيره بغير إذنه من غير موجب شرعي؛ كما يأتي الكلام على النذر قريبًا.
(وفي رواية) في "الصحيحين" من حديث ثابت رضي الله عنه: (ولعنُ) الشخصِ (المؤمنِ) من ذكر أو أنثى (كقتلِه)؛ أي: في التحريم، أو في الإبعاد؛ إذ اللعنةُ تبعيد من رحمة الله، والقتلُ تبعيد من الحياة الحسية (1).
وقال في "الفتح": لأنه إذا لعنه، فكأنه دعا عليه بالهلاك (2)، واللعنُ كما في "النهاية": الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء (3).
وفي "القاموس": لعنه؛ كمنعه: طرده وأبعده، فهو لعين وملعون، والجمع ملاعين، والاسم اللَّعان واللَّعانية، [واللَّعنة - مفتوحاتٍ]، واللُّعْنة -بالضم-: مَنْ يلعنه الناس، وكهُمَزَة: الكثير اللعن لهم، وامرأة لَعينٌ، فإذا لم تذكر الموصوفة، فبالهاء (4).
(1) انظر: "فيض القدير" للمناوي (5/ 370 - 371).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 467).
(3)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 255).
(4)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1588)، (مادة: لعن).
وفي لغة الإقناع: لعنه لعنًا؛ من باب نفع: طرده وأبعده، أو سبه (1).
وفي "الطبراني" بإسناد جيد من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أنه قد أتى بابًا من الكبائر (2).
وأما لعنُ الكافر، فيجوز عامًا، وفي لعن المعيَّنِ روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولعنُ تاركِ الصلاة على وجه العموم جائزٌ، وأما لعنةُ المعيَّنِ، فالأولى تركُها؛ لأنه يمكن أن يتوب (3).
وقال في موضع آخر: في لعنِ المعيَّن من الكفار من أهل القبلة وغيرهم، ومن الفساق بالاعتقاد أو بالعمل، لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
والثالث: يجوز مطلقًا (4).
قال الإمام الحافظ ابن الجوزي: وقد لعن الإمام أحمد رضي الله عنه مَنْ يستحق اللعن، فقال في رواية مسدد: قالت الواقفية الملعونة، والمعتزلة الملعونة، وقال: على الجهمية لعنةُ الله.
وكان الحسن البصري يلعن الحَجَّاج.
(1) انظر: "المصباح المنير" للفيومي (2/ 554).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6674).
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (22/ 63).
(4)
انظر: "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/ 569).
والإمام أحمد يقول: الحَجَّاجُ رجل سوء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في هذا عن الإمام أحمد لعنةُ معيَّن، لكن قول الحسن نعم.
وقال في قول القاضي في كتابه "المعتمد": إن مَنْ حكمنا بكفرهم من المتأوِّلين وغيرِهم، فجائز لعنتُهم، نص عليه، وذكر أنه -يعني: الإمام أحمد- قال في اللفظية: على من جاء بهذا لعنة الله عليه، غضب الله، وذكر أنه قال عن قوم: هتك الله الخبيث، وعن قوم: أخزاهم الله، وقال في آخر: ملأ الله قبره نارًا: لم أره -يعني: القاضي- نقل عن الإمام أحمد لعنة معينة، إلا لعنة نوع، أو دعاء على معين بالعذاب، أو سَبًّا له.
قال القاضي: فأما فساق الملة بالأفعال؛ كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحوهم، فهل يجوز لعنهم أو لا؟
توقف الإمام أحمد رضي الله عنه عن ذلك.
وفي رواية صالح: قلت لأبي: الرجلُ يُذْكَرُ عنده الحَجَّاجُ أو غيرُه، يلعنُه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ، ألا لعنةُ الله على الظالمين.
وقال أبو طالب: سألت أحمد رضي الله عنه عَمَّنْ نال يزيدَ بنَ معاوية، فقال: لا تكلم في هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لعنُ المؤمنِ كقتله"، قال: فقد توقف عن لعنة الحجاج مع ما فعله، ومع قوله: الحجاجُ رجل سوء، وتوقف عن لعنة يزيدَ مع قوله عنه في رواية مهنا: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل، قتلَ بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهبَها، لا ينبغي لأحد يكتب حديثه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المنصوص عن الإمام أحمد: اللعنُ
المطلقُ العامُّ، لا المعيَّنُ؛ كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا لمن شهد له النص، وشهدت له الاستفاضة على قول؛ فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام (1).
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة".
وفي لفظ: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة"(2).
قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": لأن اللعن إساءة، والشفاعة إحسان، فالمسيء في هذه الدار باللعن يسلبه الله الإحسانَ في الآخرة بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع، والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان.
وأما منع اللعن من الشهادة، فإن اللعن عداوة، وهي منافية للشهادة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيدَ الشفعاء، وشفيعَ الخلائق؛ لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم صلى الله عليه وسلم (3).
(وفي رواية) لمسلم: (من ادعى دعوى)؛ كحُبلى وذِفْرى، تقول: ادعيت على فلان كذا ادعاءً، والاسم: الدعوى، وهي طلب الشيء زاعمًا ملكَه (4)(كاذبة) يشمل بعمومه سائر الدعاوى الباطلة؛ من المال والعلم
(1) لم أقف على كلام شيخ الإسلام الذي ساقه الشارح رحمه الله والله أعلم.
(2)
رواهما مسلم (2598)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
(3)
انظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (3/ 724).
(4)
انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 403).
والتعلم، والنسب والحال والصلاح، وغير ذلك، وكلما زاد [ت] المفسدة بتلك الدعوى، زاد التحريم، ولابدّ من قيد العلم؛ بأن يكون عالمًا بأن تلك الدعوى التي ادعاها كاذبة، وظاهر الحديث يشعر بذلك؛ (ليتكثَّرَ)؛ أي: يطلب الكثرة والرفعة والتعاظم (بها)؛ أي: بتلك الدعوى على غيره (لم يزدْه اللهُ) سبحانه وتعالى (إلا قلَّة) وحقارةً؛ جزاءً منه -سبحانه-، وعقوبة له بعكس ما قصد؛ لإجراء عادته -جل شأنه- أن كل من طلب الرفعة والعز بمعصيته، كان جزاؤه الاحتقارَ والذلَّ.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من تواضعَ لله درجةً، يرفعْهُ الله درجةً حتى يجعلَه في أعلى عِلِّيِّينَ، ومن تكبَّرَ على الله درجةً، يضعْهُ الله درجةً حتى يجعله في أسفلِ سافلين. . . ." الحديث، رواه ابن ماجه، وابن حبان في [صحيحه](1).
وفي حديث أبي هريرة في "أوسط الطبراني" مرفوعًا: "من تواضعَ لأخيه المسلم، رفَعه الله، ومن ارتفع عليه، وضعَه اللهُ"(2).
وفي الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال:"من يُراءِ يُراءِ اللهُ به، ومن يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ به، ومن تطاولَ تعظيمًا يخفضْه الله، ومن تواضعَ خشيةً يرفعْه الله"(3).
وفي حديث عقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(1) في الأصل: "صحيحيهما"، والصواب ما أثبت. والحديث: رواه ابن ماجه (4176)، كتاب: الزهد، باب: البراءة من الكبر، والتواضع، وابن حبان في "صحيحة"(5678).
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7711).
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(8512).
"إن أنسابَكم هذه ليست نسباتٍ على أحد، وإنما أنتم ولدُ آدمَ طَفَّ الصاعِ لم تملؤوه، ليس لأحدٍ على أحد فضل إلا بدينٍ أو تقوى"(1).
قوله: "طفَّ الصاعِ" بالإضافة؛ أي: قريب بعضكم من بعض (2)، والأحاديث في مثل هذا كثيرة متظافرة.
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"الصحيحين" من حديث أبي ذر رضي الله عنه:"من ادعى ما ليس له، فليس منا، وليتبوَّأْ مقعدَه من النار"(3)، والله تعالى الموفق.
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 145)، والطبراني في "المعجم الكبير"(17/ 295).
(2)
انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 375).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 166)، والبخاري (3317)، كتاب: المناقب، باب: نسبة اليمن إلى إسماعيل ومسلم (61)، كتاب: الإيمان، باب: بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم.