الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلأَ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2964)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، و (4124)، كتاب المغازي، باب: قدوم الأشعريين وأهل اليمن، و (5199)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحم الدجاج، و (6249)، كتاب: الأيمان والنذور، و (6273)، باب: لا تحلفوا بآبائكم، و (6302)، باب: اليمين فيما لا يملك، وفي المعصية وفي الغضب، و (6340)، كتاب: كفارات الأيمان، باب: الاستثناء في الأيمان، و (6342)، باب: الكفارة قبل الحنث وبعده، و (7116)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ومسلم (1649/ 7 - 10)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، وأبو داود (3276)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الرجل يكفر قبل أن يحنث، والنسائي (3779)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، و (3780)، باب: الكفارة قبل الحنث، وابن ماجه (2107)، كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 405)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 627)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 108)، و"شرح =
(عن أبي موسى) عبدِ الله بن قيسِ بنِ عامرِ الأشعريِّ (رضي الله عنه) -تقدمت ترجمته في السواك، (قال) أبو موسى:(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني واللهِ إن شاء اللهُ) أتى بالاستثناءِ المأمور به في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23]، فكان عليه ذلك واجبًا.
(لا أحلف على يمين) مكفَّرَةٍ، (فأرى غيرَها)؛ أي: غيرَ ذلك الذي حلفتُ عليه (خيرًا منها)؛ أي: من إمضاء اليمين التي حلفتها؛ بأن كان الحلف على ترك مندوب أو واجب، أو فعل مكروه أو محرم، (إلا أتيت الذي هو خير) من فعلِ المطلوب، وتركِ المكروه (وتَحَلَّلْتُها) -بفتح المثناة فوق والحاء المهملة واللام الأولى مشددة، وسكون اللام الثانية، وضم التاء المثناة فوق ضمير المتكلم-؛ أي: إلا اكتسب حلها بالكفارة؛ من قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"تَحِلَّة القسم"(1)؛ أي: تحليلها، قيل: هو قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] إلى قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]، وهو الجواز على الصراط، أو عليها وهي خامدة كالإهالة، وقيل: المراد: سرعة الجواز عليها، وقلةُ أَمَدِ الورود، يقال: ما فعلت ذلك إلا تحليلًا،
= عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 143)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1506)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 609)، و"عمدة القاري" للعيني (15/ 57)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (9/ 376)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (9/ 135).
(1)
رواه البخاري (1193)، كتاب: الجنائز، باب: فضل من مات له ولد فاحتسب، ومسلم (2632)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أي: تغريرًا، يضرب مثلًا لمن يقصد تحليل يمينه بأقلِّ ما يمكن (1).
وسبب هذا الحديث كما في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله، وفي رواية: أسأله لهم الحملان -إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك-، فقال:"والله لا أحملُكم، ولا عندي ما أحملكم عليه"، قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم أُتي بإبل، فأمر لنا بثلاثِ ذَوْدٍ غُرّ الذرا، وفي رواية: بستة أبعرة ابتاعهن من سعد، وفي لفظ: فأمر لنا بخمسة ذود غر الذرا، فلما انطلقت، قلنا، أو قال بعضنا لبعض: لا يباركُ اللهُ لنا، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله، فحلف لا يحملُنا، ثم حملَنا، فأتوها فأخبروه، وفي رواية: فرجعنا إليه فقلنا: يا رسول الله! إنا أتيناك نستحملك، وإنك حلفت لا تحملنا، ثم حملتنا، أفنسيت يا رسول الله؟ فذكر الحديث، وفي رواية: فقال: "ما أنا حملتُكم، ولكن الله حملكم، وإني والله لا أحلف على يمين، ثم أرى خيرًا منها، إلا كَفَّرْتُ عن يميني، وأتيتُ الذي هو خير"(2)، فذكر المصنف -رحمه الله تعالى- الحديثين، مع كون مدلولهما واحدًا؛ إشارة إلى كونه صلى الله عليه وسلم شرع ذلك بقوله كما في الحديث الأول، وبفعله كما في الحديث الثاني.
تنبيهات:
* الأول: لا تصح اليمين ولا تنعقد إلا من مكلَّف مختار، قاصدٍ اليمين، وتصح من كافر، وتلزمه الكفارةُ بحنثه، سواء حَنِث في كفره، أو بعده.
(1) وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 196).
(2)
تقدم تخريج سبب الحديث وألفاظه قريبًا.
وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تنعقد يمين الكافر، وسواء عندهما حنث حال كفره، أو بعد إسلامه.
وقال أبو حنيفة وحده: تنعقد يمين المكرَه (1).
* الثاني: الحلفُ تعتريه الأحكام الخمسة:
فيجب: مثل: أن ينجِّي به إنسانًا معصومًا، ولو نفسَه؛ مثل: أن تتوجه أيمان القسامة في دعوى القتل عليه، وهو بريء.
ويندب: مثل: أن يتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم من الحالف أو غيره، أو دفع شر، فإن حلف على فعل طاعة، أو ترك معصية، فليس بمندوب:
ويباح: كالحلف على فعل مباح أو تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق.
ويكره: كالحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، ومنه: الحلف في البيع والشراء.
ويحرم: وهو أن يحلف كاذبًا عمدًا، أو على فعل معصية، أو ترك واجب (2).
واتفق الأئمة على أن من حلف على فعل طاعة، لزمه الوفاء بذلك، ثم اختلفوا هل له أن يعدل عن الوفاء بها إلى الكفارة مع القدرة على فعلها؟
فقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز.
وقال الشافعي: الأولى أَلَّا يعدل، فإن عدل، جاز، ولزمته الكفارة.
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 385).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 335 - 336).
وعن مالك روايتان كالمذهبين.
قال الإمام أبو المظفر عونُ الدين بنُ هبيرة: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يجعل اسم الله عرضة للإيمان يمنع من بر وصلة، فإن حلف، فالأولى له أن يحنث إذا حلف على ترك البر، ويُكَفِّر (1).
وهذا كما قدمنا من شرح الحديث.
قال في "الفروع"، وفي "الإفصاح": يلزم الوفاء بالطاعة، وإنه عند الإمام أحمد لا يجوز عدول القادر إلى الكفارة.
قال شيخنا -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية-: لم يقل أحد: إنها توجب إيجابًا، أو تحرم تحريمًا لا ترفعه الكفارة (2).
* الثالث: اليمين التي توجب الكفارة إذا حنث: هي اليمين بالله تعالى، وبسائر أسمائه الحسنى ممَّا لا يُسمى به غيره تعالى، وبصفة من صفاته؛ كوجه الله، وعظمته، وعزته، وقدرته، وإرادته، وعلمه، وهذا باتفاق، إلا أن أبا حنيفة استثنى علم الله، فلم يره يمينًا (3).
وأما ما يُسمى به غيره، وإطلاقُه ينصرف إلى الله؛ كالعظيم، والرحيم، والرب، والمولى، والرازق، فإن نوى به، أو أطلق، كان يمينًا، وإن نوى غيره، فليس بيمين.
وما لا يعد من أسمائه، ولا ينصرف إطلاقه إليه، ويحتمله؛ كالشيء، والموجود، والحي، والعالم، والمؤمن، والواحد، والكريم، والشاكر،
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 320).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 311).
(3)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 320).
فإن لم ينو به الله، أو نوى به غيره، لم يكن يمينًا، وإن نواه، كان يمينًا، فإذا قال: وعلمِ الله لأفعلنَّ كذا، أو لا فعلتُ كذا، فهذا يمينٌ عند الثلاثة (1).
وقال أبو حنيفة: لا يكون يمينًا استحسانًا.
قال الوزير ابنُ هبيرة: الذي أراه في هذا: أن أبا حنيفة لم يكن مرتابًا في علم الله؛ فإنَّ علم الله صفة من صفات ذاته، فإذا حلف بها حالف، وحنث، لزمته الكفارة، وإنما الذي أراه في مقصده لذلك: أن العلم يتناول المعلوماتِ كلَّها، فإذا قال القائل: وعلمِ الله، فيجوز أن يصرف أن الله قد علم منه أنه ما أراد إلا عزمه وقصده وتصحيحه، ويجوز أن يكون قد حلف بصفة الله التي هي العلم، فلما تردد الأمر في احتمال هذا النطق بين هذين المعنيين، لم ير انعقاد اليمين به.
قال الوزير: ثم إنني بعد كلامي هذا، علمت أن المروزي، وأبا زيد ذَكَرا نحوًا منه (2)، واختلفوا فيما إذا قال: وحقِّ الله، فقال الثلاثة: تنعقد يمينه.
وقال أبو حنيفة: لا يكون يمينًا.
واختلفوا فيما إذا حلف بالمصحف، فقال مالك وأحمد: تنعقد يمينه، فإن حنث، فعليه الكفارة، وهو مذهب الشافعي أيضًا.
قال ابن هبيرة: وقد نقل في ذلك خلاف، لكن عَمَّن لا يُعتد بقوله.
وكذا قال ابن عبد البر: إن المخالِف في هذا لا يُعتد بقوله، وبسط ابن عبد البر المقالة في ذلك في كتابه "التمهيد"(3).
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 337).
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 322).
(3)
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (14/ 369)، وانظر:"الإفصاح" لابن هبيرة =
وقد قيل: إنه إذا حلف بالمصحف، وحنث، يلزمه بكل آية منه كفارة.
وقيل: يلزمه بكل حرف، وهو وجه في "فصول" ابن عقيل (1).
* الرابع: يشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:
أحدها: انعقاد اليمين، وهي التي يمكن فيها البر والحنث؛ بأن يقصد عقدَها على مستقبل، فلا تنعقد يمينُ النائم والصغير والمجنون؛ لعدم قصدهم المعتبر، وكذا ما عُدَّ من لغو اليمين.
وأما اليمين على الماضي، فيأتي الكلام عليها في الحديث الخامس -إن شاء الله تعالى-.
ولغو اليمين: هو سبقها على اللسان من غير قصد؛ كقوله: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه، ولو على مستقبل، فلا تنعقد، ولا كفارة في ذلك.
ثانيها: أن يحلف مختارًا، فلا تنعقد يمين مكرَه؛ خلافًا لأبي حنيفة -كما تقدم-.
ثالثها: الحنث في يمينه؛ بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله -ولو معصية- مختارًا ذاكرًا، فإن فعله مكرهًا أو ناسيًا، فلا كفارة (2).
وقال أبو حنيفة ومالك: يحنث مطلقًا، سواء كانت اليمين بالله تعالى، أو بالظهار، أو بالطلاق، أو بالعتاق.
= (2/ 323)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.
(1)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 303).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 340 - 342).
وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يحنث مطلقًا، وهذا معتمد مذهبه، واختار القفال من الشافعية: أن الطلاق يقع، والحنث لا يحصل (1).
ومعتمد مذهب الإمام أحمد: يقع الطلاق والعتاق ناسيًا وجاهلًا (2)، والله أعلم.
* الخامس: كفارة اليمين تجمع تخييرًا وترتيبًا، فيخير من لزمته بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرار -ولو صغارًا- (3)، وقال أبو حنيفة: يجوز دفعها لفقراء الكفار من أهل الذمة (4)، وسواء كان المطعَم جنسًا، أو أكثر، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجده، فصيام ثلاثة أيام.
والكسوة: ما يجزىء لِسَتْرِ صلاة الآخِذِ في الفرض.
ويجوز أن يطعم بعضًا، ويكسوَ بعضًا.
وأما إن أطعم المسكين بعض الطعام، وكساه بعض الكسوة، أو أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة، أو كساهم، أو أطعم وصام، لم يجزئْه كبقية الكفارات، ولا ينتقل إلى الصوم إلا إذا عجز عن الثلاثة؛ كعجزه عن زكاة الفطر (5).
وقال مالك والشافعي -فيما إذا أطعم خمسة وكسا خمسة-: لا يجزئه. وكذا اختلافهم إذا أطعم من جنسين، فأطعم خمسة بُرًا، وخمسة شعيرًا، أو
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 328).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 342).
(3)
المرجع السابق، (4/ 346).
(4)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 336).
(5)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 346 - 347).
خمسة تمرًا، فأبو حنيفة وأحمد يجيزان ذلك؛ خلافًا لمالك والشافعي (1).
وقدر ما يطعم كل مسكين: مُدُّ بُر أو نصفُ صاع من تمر أو زبيب أو أقط أو شعير، هذا مذهبنا، وعند مالك: مُدٌّ بالمدينة إذا أخرج الكفارة فيها، وفي بقية الأمصار وسط من الشبع، وهو رطلان بالبغدادي، وشيءٌ من الأُدم.
وقال أبو حنيفة: إن أخرج برًا، فنصف صاع، وإن أخرج شعيرًا أو تمرًا، فصاع، ولم يعتبر بلدًا دون بلد.
وقال الشافعي: لكل مسكين مد (2).
واتفق الثلاثة على اعتبار كون الرقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل، ولم يعتبر أبو حنيفة فيها الإيمان.
وعند أبي حنيفة وحده: يجزىء إخراج قيمة الكفارة، وإذا كفّر بالصوم، فعليه التتابع، إلا من عذر؛ خلافًا لمالك.
وعن الشافعي قولان: الذي استقر عليه مذهبه: عدم اعتبار التتابع (3).
* السادس: تجب كفارة اليمين على الفور كنذر إذا حنث، وإن شاء كَفَّرَ قبلَ الحنث، فتكون محللة لليمين، وإن شاء بعده فتكون مكفِّرة، فهما في الفضيلة سواء، صومًا كانت الكفارة أو غيره، ولو كان الحنث حرامًا، وهذا معتمد المذهب؛ لتقدم أحد سببيها، ولا يصح تقدمها على اليمين؛ لعدم تقدم أحدهما؛ فإن سببيها الحلف والحنث (4).
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 337).
(2)
المرجع السابق، (2/ 336).
(3)
المرجع السابق، (2/ 334).
(4)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 348).
وقال أبو حنيفة: لا تكون الكفارة إلا بعد الحنث بكل حال.
وقال الشافعي: يجوز تقديمها على الحنث إذا كان مباحًا.
وعن مالك روايتان: إحداهما: يجوز تقديمها قبل الحنث كمذهبنا، والأخرى: لا يجوز (1).
ومعتمد مذهب الشافعي: له تقديم الكفارة على أحد سَبَبَيْها ما لم تكن صوما، فلا يقدمه، ومعتمد مذهبه: جواز ذلك، ولو كان حرامًا؛ كالحنث بترك واجب، أو فعل حرام كما في "شرح المنهج" للقاضي زكريا (2).
السابع: اختلفوا فيما إذا كرر اليمين، وكان موجبها واحدًا على فعل واحد؛ كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا أكلت، أو حلف أيمانًا كفارتُها واحدة؛ كقوله: واللهِ وعهدِ الله وميثاقِه وكلامِه، أو كررها على أفعال مختلفة قبل التكفير؛ كقوله: واللهِ لا أكلتُ، واللهِ لا شربتُ واللهِ لا لبستُ، فمذهب أحمد: عليه كفارة واحدة، ومثله الحلف بنذور مكررة.
ولو حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة؛ كقوله: واللهِ لا أكلتُ ولا شربتُ ولا لبستُ، فكفارة واحدة، حنث في الجميع، أو في واحدة، وتنحل البقية (3).
وعند أبي حنيفة، ومالك: عليه بكل يمين كفارة، سواء كانت على فعل واحد، أو على أفعال، إلا أن مالكًا اعتبر التأكيد، فقال: إن أراد التأكيد، فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف، فلكل يمين كفارة (4).
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 324).
(2)
انظر: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" للشيخ زكريا الأنصاري (2/ 345).
(3)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 348 - 349).
(4)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 337 - 338).
وقال الشافعي: إن كانت على شيء واحد، ونوى الاستئناف، فهما يمينان، وفي الكفارة قولان:
أحدهما: كفارة واحدة.
والثاني: كفارتان.
وإن كانت على أشياء مختلفة، فلكل شيء منها كفارة.
وأما إن كانت الأيمان مختلفة الكفارة؛ كالظهار، واليمين بالله، فلكل يمين كفارة.
تتمة:
ليس للرقيق أن يكفر بغير صوم، ولو أذن له سيده في العتق والإطعام؛ لأنه لا يملك، وإن ملك، وليس لسيده منعُه من الصوم، ولو أضرَّ به، ولو كان الحلف والحنث بغير إذنه.
ويكفِّرُ كافر ولو مرتدًا بغير صوم.
والمبعَّضُ حكمه في الكفارة حكم الأحرار (1).
وقال مالك والشافعي: إن كان سيد العبد الحالف الحانث أذن له في اليمين والحنث، لم يكن له منعه، وإن لم يأذن له فيهما، فله منعه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: للسيد منعه من ذلك، سواء كان أذن له أو لم يأذن، إلا أن في كفارة الظهار ليس له منعه.
وقال مالك: إن أضرَّ به الصوم، كان لسيده منعُه، وإن لم يضرّ به، فلا، وأما الصوم في كفارة الظهار، فليس له منعه مطلقًا (2)، والله تعالى الموفق.
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 349).
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 338).