الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، هَانِىءِ بْنِ نِيَارٍ البَلَوِيِّ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ"(1).
* * *
(عن أبي بُرْدَةَ هانِىء) -بنون بعدها همزة- (بن) عمرو بن (نِيَارٍ) -بنون مكسورة فمثناة من تحت مخففة بلا همز- والأشهر تقديم نيار على عمرو؛
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (6456، 6458)، كتاب: المحاربين، باب: كم التعزير والأدب، ومسلم (1708/ 40)، كتاب: الحدود، باب: قدر أسواط التعزير، واللفظ له، وأبو داود (4491)، كتاب: الحدود، باب: في التعزير، والترمذي (1463)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في التعزير، وابن ماجه (2601)، كتاب: الحدود، باب: التعزير.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 341)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (6/ 249)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 247)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 138)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 221)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 137)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1493)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 176)، و"عمدة القاري" للعيني (24/ 24)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (10/ 34)، و"سبل السلام" للصنعاني (4/ 37)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 328).
أي: هانىء بن نيار بن عمرو (البَلَوِيِّ)، نسبة إلى بَلِيّ -بفتح الباء الموحدة وكسر اللام وتشديد الباء-، وتقدمت ترجمته في الأضحية.
(أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يُجلد) الشخصُ المؤمن من ذكر أو أنثى (فوق عشرة أسواط) جمع سوط، وهو المِقْرَعة، سميت بذلك؛ لأنها تخلط اللحم بالدم، وأصل السوط: الخلط، وهو أن تخلط شيئين في إنائك، ثم تضربهما بيدك حتى يختلطا، ويجمع على سياط أيضًا (1).
(إلا في حَدٍّ من حدود الله) تعالى المقدَّرة، وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه، والليث، وإسحاق، وبعض الشافعية.
قال علماؤنا، منهم صاحبُ "الشرح" وغيره: لا يزاد في التعزير على عشر جلدات إلا في مواضع:
منها: إذا وطىء أمة امرأته، فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له، فيجلد مئة، ولا يرجم، ولا يغرب، وإن أولدَها، لم يلحقه نسبُه، ولا يسقط الحدُّ بالإباحة في غير هذا الموضع.
ومنها: إذا وطىء جارية مشتركة بينه وبين غيره، فيعزر بمئة إلا سوطًا.
وعن الإمام أحمد رواية مرجوحة: ما كان سببه الوطء؛ كوطء جاريته المزوجة، وجارية ولده، أو أحد أبويه، والمحرَّمة برضاع، ووطء ميتة ونحوه عالمًا بتحريمه، إذا قلنا: لا يُحدّ فيهن، يعزر بمئة، والعبد بخمسين إلا سوطًا، واختاره جماعة (2).
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 868)، (مادة: سوط).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 245).
قال في "شرح المقنع": الرواية الثانية عن الإمام أحمد: يزاد على عشرة، ولا يبلغ الحد، وهو الذي ذكره الخرقي، فيحتمل أنه أراد: لا يبلغ به أدنى حد مشروع، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطًا؛ لأنها جلد العبد في الخمر والقذف، وهذا قول أبي حنيفة.
وعلى القول بأن حدّ الخمر أربعون، لم يبلغ به عشرين سوطًا في حق العبد، وأربعين في حق الحر، وهذا مذهب الشافعي، فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطًا، ولا الحر على تسعة وثلاثين.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: أدنى الحدود ثمانون، فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين.
قال في "الشرح": ويحتمل كلام الإمام أحمد والخرقي أَلَّا يبلغ بكل جناية حدًا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن تزيد على غير جنسها، وما كان سببه الوطء، لم يبلغ به أدنى الحدود (1).
قلت: الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه: أَلَّا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: فيما إذا وطىء أمةَ زوجته التي أحلتها له، فيجلد مئة سوط.
الثاني: إذا وطىء أمة مشتركة، فيجلد مئة إلا سوطًا.
الثالث: إذا شرب مسكرًا نهار رمضان، فيعزر بعشرين سوطًا مع الحد؛ اتباعًا للآثار، وما عدا هذه المواضع الثلاثة، فلا يزاد على عشر جلدات.
ويجوز نقص التعزير عن العشر؛ إذ ليس أقله مقدرًا، فيرجع إلى اجتهاد
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 353 - 354).
الإمام أو الحاكم فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص (1).
وقال الإمام مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رآه الإمام (2)؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال، فأخذ منه مالًا، فبلغ عمرَ بنَ عبد العزيز، فضربه مئة، وحبسه، فكلم فيه، فضربه مئة أخرى، فكلم فيه من بعد، فضربه مئة، ونفاه (3).
وروى الإمام أحمد بإسناده: أن عليًا رضي الله عنه عندما أتي بالنجاشي وقد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان (4).
ولنا: ما رواه الشافعي بإسناده، مع حديث أبي بردة المذكور: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين"(5)، ولأن العقوبة على قدر الجريمة، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظمُ من غيرها، فلا يبلغ في أهونِ الأمرين عقوبة أعظمِهما، وقصةُ مَعْنٍ، فلعله كانت له ذنوب كثيرة، أو تكرر منه الأخذ، ولأن ذنبه قد اشتمل على عدة
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 245).
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 246).
(3)
ذكره ابن قدامة في "المغني"(9/ 148).
(4)
لم أقف عليه في "المسند"، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(28691)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 321).
(5)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 327)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: والمحفوظ مرسل. ولم يروه الشافعي كما ذكر الشارح رحمه الله، وانظر:"الدراية" لابن حجر (2/ 107).
جنايات، منها: تزويره، ومنها: أخذه لمال بيت المال بغير حقه، ومنها: فتحه لباب هذه الحيلة.
وأما حديث علي مع النجاشي، فالإمام أحمد يقول به، ويذهب إليه، فمذهبه: أن من شرب الخمر في نهار رمضان أن يُحد حدَّ الشرب، ثم يُعزر بعشرين سوطًا (1)، والله تعالى الموفق.
تنبيهان:
الأول: التعزير هو: التأديب، وهو كل معصية لا حدّ فيها؛ كمباشرة دونَ فرج، وامرأةٍ لامرأة، وسرقةٍ لا قطعَ فيها، وجنايةٍ لا قودَ فيها، وقذفِ غيرِ ولدِه بغيرِ زنا، ولعنه، وليس لمن لُعن ردُّها، وكدعاء عليه، وشتمِه بغير فرية، وكَسَبِّ صحابيّ، وغيرِ ذلك.
وقال شيخ الإسلام: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف؛ كالصبيِّ المميز يعاقَب على الفاحشة تعزيرًا بليغًا، وكذا المجنون يُضرب على ما فعل؛ لينزجر.
وفي "الرعاية" وغيرها: ما أوجب حدًا على مكلف، عُزِّرَ به المميزُ؛ كالقذف.
وقال القاضي أبو يعلى: إذا تشاتم والد وولده، لم يعزر الوالدُ لحق ولده، ويعزر الولد لحقه بطلبه، ولا يحتاج التعزير إلى مطالبة في غير هذه الصورة (2).
الثاني: يكون التعزير بالضرب والحبس والصفع والتوبيخ والعزل من
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 148 - 149).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 243).
الولاية، وإن رأى الإمام العفو عنه، جاز، لا بقطع شيء منه، ولا بجرحه، ولا بأخذ شيء من ماله.
قال شيخ الإسلام: وقد يكون التعزير بالنيل من عرضه؛ مثل يقال له: يا ظالم! يا معتدي! وبإقامته من المجلس.
وقال أيضًا: التعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا.
قال: وقول أبي محمد -يعني: الموفق-: لا يجوز أخذُ ماله؛ إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة (1)، والله تعالى الموفق.
(1) المرجع السابق، (4/ 246).