المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثالث وَعَنْهَا رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومية - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٦

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب القصاص

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌كتاب الحدود

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب حد السرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب حد الخمر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب النذر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب القضاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب الصيد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

الفصل: ‌ ‌الحديث الثالث وَعَنْهَا رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومية

‌الحديث الثالث

وَعَنْهَا رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُومية الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلا أسَامَةُ بْنُ زيْدٍ حِب رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ:"أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟! "، ثُمَّ قام فَخَطَبَ فَقَالَ:"إِنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا"(1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (3288)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الغار، و (3526)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: ذكر أسامة بن زيد رضي الله عنه، و (4053)، كتاب: المغازي، باب: من شهود الفتح، و (6405)، كتاب: الحدود، باب: إقامة الحدود على الشريف والوضيع، و (6406)، باب: كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، ومسلم (1688/ 8 - 9)، كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره، وأبو داود (4373)، كتاب: الحدود، باب: في الحد يشفع فيه، والنسائي (4895، 4899، 4903)، كتاب: قطع السارق، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت، والترمذي (1430)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود، وابن ماجه (2547)، كتاب: الحدود، باب: الشفاعة في الحدود.

ص: 306

وَفي لَفْظٍ: قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ يَدِهَا (1).

* * *

ما أشار إليه بقوله: (وعنها)؛ أي: عن عائشةَ الصدِّيقةِ (رضي الله عنها: أن قريشًا) هم القبيلة المعروفة المشهورة، وهم ولد فِهْر -بكسر الفاء وسكون الهاء- بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ كِنانةَ، ففهرٌ هو جماع قريش في قول الكلبي وغيره من العلماء في أنساب العرب، وسُمُّوا قريشًا؛ لأنهم كانوا يقرشون عن خَلَّة الناس -بفتح الخاء المعجمة-؛ أي: حاجتهم وفقرهم، ومعناه: ينقِّبون عنها، ويستعلمونها؛ ليُغنوهم ويسدُّوا خَلَّتَهم، وكان من قولهم: تقارشت الرماح: إذا تداخلت في الحرب؛ لأن المستعلم المستخبر يداخل أحوال الذي يطلب علمَ حاله؛ ليحصل له مقصوده.

(1) رواه مسلم (1688/ 10)، كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره، وأبو داود (4374)، كتاب: الحدود، باب: في الحد يشفع فيه، و (4397)، باب: في القطع في العارية إذا جحدت، والنسائي (4894)، كتاب: قطع السارق، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (3/ 300)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي، (6/ 209)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 501)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 77)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 186)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 132)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1481)، و"طرح التثريب" للعراقي (8/ 28)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 87)، و"عمدة القاري" للعيني (16/ 60)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (9/ 456)، و"سبل السلام" للصنعاني (4/ 20)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 305).

ص: 307

وقيل: إنه مأخوذ من التقريش، وهو التعييش؛ لأنهم كانوا يعيشون الحاج، فيطعمون الجائع، ويكسون العاري، ويحملون المنقطع (1).

وقال الجوهري: القرش: الكسب والجمع، وقد قرش يقرِش؛ يعني: بالكسر، قال الفراء: وبه سُميت قريش (2).

وفي "القاموس": قرشه يقرُشه ويقرشِه: قطعه، وجمعه من هاهنا وهاهنا، وضمَّ بعضَه إلى بعض، ومنه قريش؛ لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرَّش، وقيل غير ذلك (3).

وفي "حياة الحيوان" للدميري: سميت قريش بالقِرْش -بكسر القاف وإسكان الراء-: دابة عظيمة من دواب البحر تمنع السفنَ من السير في البحر، وتدفع السفينة، فتقلبها فتكسرها، قال الزمخشري: هو مُدَوَّرُ الخِلْقة، وذكر من كبره وعظمه شيئًا مهولًا، قال الشاعر:

[من الخفيف]

وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ

ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا

تَأْكُلُ الْغَثَّ والسَّمِينَ وَلَا تَتْـ

ـرُكُ فِيه لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيَشا

هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حيُّ قُرَيْشٍ

يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا

وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ

يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمُ وَالخُمُوشَا

الخموش: الخَدْش، وأكلا كميشًا؛ أي: سريعًا.

قال ابن سيده: قريش: دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها.

(1) انظر: "عمدة القاري" للعيني (16/ 73).

(2)

انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1016)، (مادة: قرش).

(3)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 776)، (مادة: قرش).

ص: 308

وقال المطرزي: هي سيدة الدواب البحرية، وأشدها، وكذلك قريش هي سادات الناس (1).

وقيل: إن جماع قريش النضرُ بن كنانة، وجزم به الجوهري في "الصحاح"، وكذا جزم به صاحب "القاموس"، وهذا الذي جزم به علماؤنا، والأكثر، قال في "الإقناع": قريش: بنو النضر بن كنانة، وقيل: بنو فهر بن مالك بن النضر (2).

(أهَمَّهُمْ)؛ أي: أحزنهم، يقال: هَمَّه الأمر هَمًّا ومهمَّةً: حزنه؛ كأَهَمَّه (3)(شأن)؛ أي خَطْبُ، وأمر المرأة، والجمع شؤون (المخزومية) -بالخاء المعجمة والزاي- نسبة إلى مخزومِ بنِ يَقَظَةَ -بالمثناة تحت والقاف والظاء المعجمة المفتوحات- بنِ مرة بنِ كعب بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ بنِ فهرٍ، وهو بطن كبير من قريش، وعامَّتهم بالحجاز (4)، واسم هذه المرأة المخزومية على الأرجح: فاطمةُ بنتُ الأسود بن عبدِ الأسد، وهي بنت أخي أبي سلمة عبدِ الله بن عبد الأسد الذي كان زوجَ أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قبل النبي (5) صلى الله عليه وسلم، وقد سبقت ترجمة أبي سلمة.

قال ابن عبد البر: روى حديثَها وسماها حبيبُ بنُ أبي ثابت (6)، وهي (التي سرقت)، وكانت تجحد المتاع الذي تستعيره، وكانت قد أسلمت

(1) انظر: "حياة الحيوان الكبرى" للدميري (2/ 706).

(2)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 114).

(3)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1512)، (مادة: همم).

(4)

انظر: "الأنساب" للسمعاني (5/ 225).

(5)

انظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 415 - 417).

(6)

انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1892).

ص: 309

وبايعت، وقيل: إن التي سرقت وقطعها النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي أمُّ عمرو بنت سيبان بن عبد الأسد بن هلال، خرجت [في] حجة الوداع، فمرت بركب، فأخذت عَيْبَةً لهم، وهي زنبيل من أَدَم، وما يُجعل فيه الثياب، فأتوا بها النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقطع يدها.

قال ابن شاهين: والمشهور أن قطع المخزومية إنما هو في عام الفتح، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة (1).

(فقالوا)؛ أي: قريش -يعني: بعض وجوههم وأشرافهم: (من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)؛ يعني: يشفع فيها عنده عليه السلام بأَلَّا يقطع يدها، (فقالوا) في بعضهم، أو من كلموه من المسلمين في ذلك:(ومن يجترىء)؛ أي: يقدم ويتشجع في الإقدام (عليه)، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الجراءة، والجراية -بالياء- نادر: الشجاعة (2)، (إلا أسامةُ بنُ زيد) بنِ حارثة (حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم) وابنُ حِبِّه، (فكلمه) صلى الله عليه وسلم (أسامةُ) بنُ زيد رضي الله عنهما؛ أي: شفع عنده صلى الله عليه وسلم بها، فلم يُشَفِّعْه، وأنكر عليه ذلك، (فقال) له صلى الله عليه وسلم:(أتشفع) بالاستفهام الإنكاري (في) إسقاطِ (حدٍّ من حدود الله) تعالى يا أسامة؟!.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَحَدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطَروا ثلاثين صباحًا"(3).

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (12/ 89)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" له أيضًا (8/ 268).

(2)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 44)، (مادة: جرأ).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 402)، والنسائي (4904)، كتاب: قطع السارق، باب: الترغيب في إقامة الحد.

ص: 310

وفي لفظ: "إقامةُ حد في الأرض خيرٌ لأهله من مطر أربعين ليلة" رواه النَّسائيُّ مرفوعًا، وموقوفًا، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"(1).

وروى ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "إقامةُ حَدٍّ من حدود الله خيرٌ من مطر أربعين ليلة في بلاد الله"(2).

وفي "الطبراني" بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يومٌ من إمام عادلٍ أفضلُ من عبادة ستين سنة، وحدٌّ يُقام في الأرض بحقِّه أزكى فيها من مطر أربعين عامًا"(3).

قال الإمام ابن القيم في "الهدي": لا يسقط القطع بعدَ رفعه إلى الإمام، وكذلك كلُّ حد بلغ الإمامَ وثبتَ عنده لا يجوز إسقاطُه، قال: وفي "السنن" عنه: إذا بلغت الحدود الإمامَ، فلعن الله الشافع والمشفّع (4).

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله، فقد ضادَّ الله عز وجل، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله رَدْغَةَ الخَبال حتى يخرجَ

(1) رواه النَّسائيُّ (4905)، كتاب: قطع السارق، باب: الترغيب في إقامة الحد، وابن ماجه (2538)، كتاب: الحدود، باب: إقامة الحدود، وابن حبان في "صحيحه"(4397).

(2)

رواه ابن ماجه (2537)، كتاب: الحدود، باب: إقامة الحدود.

(3)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(11/ 337). وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 172).

(4)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(2284)، وفي "المعجم الصغير"(158)، والدارقطني في "سننه"(3/ 205)، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، به. وانظر:"زاد المعاد" لابن القيم (5/ 55).

ص: 311

مما قال" رواه أبو داود، واللفظ له (1)، والطبراني بإسناد جيد نحوه، وزاد في آخره: "وليسَ بخارج" (2)، ورواه الحاكم مطوَّلًا ومختصرًا، وقال في كل منهما: صحيح الإسناد (3)، والرَّدْغَة -بفتح الراء وسكون الدال المهملة وتحريكها أيضًا وبالغين المعجمة-: هي الوَحَل، وردغة الخبال -بفتح الخاء المعجمة وبالباء الموحدة-: هي عصارة أهل النار وعرقُهم كما جاء مفسرًا في "صحيح مسلم" وغيره (4).

وفي "الطبراني" من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "أَيُّما رجلٍ حالت شفاعتُه دون حد من حدود الله، لم يزل في غضب الله حتى ينزع"(5)، ونحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (6).

(ثم) بعد إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة رضي الله عنه لشفاعته لإسقاط حد القطع (قام) رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا؛ ليعرفهم حكمَ ذلك، ويحذرهم من غبه، (فخطب) الناسَ (فقال: إِنَّما أهلك)، وفي رواية: هلك (الذين من قبلكم) من بني إسرائيل: (أنهم كانوا) هذا -بفتح الهمزة- فاعلُ أهلك (إذا سرق فيهم الضعيف)؛ أي: الوضيعُ الذي لا عشيرة له ولا مَنَعَة و (أقاموا عليه الحد)؛ أي: قطعوه، (وإذا سرق فيهم الشريف)؛ أي: العالي

(1) رواه أبو داود (3597)، كتاب: الأقضية، باب: فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها.

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(13435).

(3)

رواه الحاكم في "المستدرك"(2222، 8157).

(4)

انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 137)، حديث رقم (3397).

(5)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(4/ 201 - "مجمع الزوائد" للهيثمي).

(6)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8552). وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 138).

ص: 312

المنزلة، الوجيهُ، (تركوه)، فلم يحدوه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(وايمُ الله!) قال في "الفتح": بكسر الهمزة وبفتحها والميم مضمومة، وحكى الأخفش كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزجَّاج، وهمزته همزة وصل عندَ الأكثر، وهمزةُ قطع عند الكوفيين ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجوا بجواز كسر همزته وفتح ميمه، واحتج ابن مالك بقول عروة بن الزبير لما أُصيب بولده وبرِجْله: لَيْمُنُك لئنِ ابتليتَ لقد عافيتَ (1)، فلو كان جمعًا، لم يتصرف فيه بحذف بعضه، قال ابن مالك: وفيه اثنتا عشرة لغة، ونظمها فقال:

[من البسيط]

هَمْزَ ايْمِ وَأيمَنَ فَافْتَحْ واكْسِرْ أوَ أم قل

أُوْ قُلْ مَ أو مَن بِالتَّثْليثِ قَدْ شُكِلَا

وَايْمُنَ اِخْتِمْ بِهِ وَاللهِ كلًّا أَضِفْ

إِلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا (2)

قال محمد بن أبي الفتح البعلي صاحب "المطلع" تلميذُ ابنِ مالك، وهو من علماء مذهبنا: فات ابنَ مالك: أَمْ -بفتح الهمزة-، وهَيْم -بالهاء بدل الهمزة-، وقال في "المطلع": وايم الله: همزته همزة وصل، تفتح وتكسر، وميمه مضمومة، وقالوا: ايمُنُ الله -بضم الميم والنون مع كسر الهمزة وفتحها-، وعند الكوفيين ألفها ألفُ قطع، يأتي: وهي جمع يمين، وكانوا يحلفون باليمين، فيقولون: ويمين الله، قاله أبو عبيد، وأنشد لامرىء القيس:

[من الطويل]

فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا

وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي

(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 371)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات"(141)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(11144).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (11/ 521).

ص: 313

وهو اسم مفرد مشتق من اليمن والبركة. قال صاحب "المطلع": وفي استعمالها أربعةَ عشرَ وجهًا، قال: ذكرتها في كتابي "الفاخر في شرح جمل عبد القاهر" انتهى (1).

وهي التي ذكرتها هنا، وهي يمينٌ عند الثلاثة، وعند الشافعية: إن نوى اليمينَ، فيمينٌ، وإن نوى غير اليمين، لم تنعقد، وإن أطلق، فوجهان: أصحهما: لا تنعقد عندهم، كما حكاه الحافظ ابن حجر في "الفتح"(2).

(لو أن فاطمة) سيدةَ نساء العالمين (بنتَ محمدٍ) خاتمِ النبيين، وإمام المرسلين -صلاةُ الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين- (سرقت، لقطعت يدها) أعاذها الله من أن تسرق.

ذكر ابن ماجه عن محمد بنِ رُمْحٍ شيخِه في هذا الحديث: سمعت الليثَ يقول عقبَ هذا الحديث: أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا (3)، ذكره في "الفتح"(4).

قال: ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديث، قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة، واستحسنوا ذلك منه؛ لما فيه من الأدب البالغ، وإنما خص صلى الله عليه وسلم سيدتنا فاطمةَ ابنتَه بالذكر؛ لأنها -رضوان الله عليها- أعزُّ أهلِه عنده، انتهى (5).

وهي أصغر بناته صلى الله عليه وسلم سنًا، تكنى بابنيها الحسنِ والحسينِ، وأمُّها

(1) انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 387).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (11/ 522).

(3)

انظر: "سنن ابن ماجه"(2/ 851)، عقب حديث (2547).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (12/ 95).

(5)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

ص: 314

خديجةُ بنتُ خُويلد أمُّ المؤمنين، ولدتْها وقريش تبني البيت العتيق قبل البعثة بخمس سنين، تزوجها علي -رضوان الله عليه- في الثانية في شهر رمضان، وبنى عليها في ذي الحجة، وقيل: تزوجها في رجب، وقيل: في صفر، فولدت له الحسنَ، والحسينَ، وزينبَ، وأُمَّ كلثوم، ورُقية، وماتت بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر وعمرُها إذ ذاك ثمانٍ وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، وأهل البيت يقولون: ثمانية عشر [حديثًا]، وغسَّلَها علي، ودُفنت ليلًا بوصيتها بذلك، ونزل في قبرها علي، والعباس، والفضل بن العباس -رضوان الله عليهم أجمعين-.

روى عنها: علي، وابناه الحسن والحسين، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة -رضوان الله عليهم أجمعين-.

روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر، اتفقا على حديث واحد في مسند عائشة (1).

وقد روى الحاكم أبو عبد الله في فضائل فاطمة -رضوان الله عليها- بسنده إلى علي بن الحسين عن أبيه، عن علي -رضوان الله عليه-، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "يا فاطمة! أتدري لم سُمِّيتِ فاطمةَ؟ إن الله عز وجل فطمك وقومَك عن النار".

(1) وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 19)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 334)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (2/ 39)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1893)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (2/ 9)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 617)، و"تهذيب الكمال" للمزي (35/ 247)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 118)، و"الإصابة في تمييز الصحابة"(8/ 53)، و"تهذيب التهذيب" كلاهما لابن حجر (12/ 468).

ص: 315

وذكر أبو الحسن بن زنجويه عن أبي هريرة: إنما سميت فاطمة؛ لأن الله فطمَ من أحبها عن النار (1).

وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت أحدًا أشبهَ كلامًا وحديثًا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قام إليها، فقبَّلها، ورحَّب بها (2).

وكلمة "لو" هنا على حقيقتها حرف امتناع لامتناع، والله أعلم.

وفي لفظ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله، ثم قال:"أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم" الحديث، وفيه:"وإني والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد" الحديث، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت -يعني: المخزومية-، فقُطعت يدها، قالت عائشة رضي الله عنها: فحَسُنت توبتُها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتَها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).

وفي بعض ألفاظ البخاري: "يا أيها الناس! إنما ضَلَّ من [كان] قبلكم"(4) بدل "إنما أهلك الذين من قبلكم"، وفي أخرى:"إن بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، قطعوه"(5).

(1) لم أقف عليهما.

(2)

رواه ابن حبان في "صحيحه"(6953)، والحاكم في "المستدرك"(4753).

(3)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4053)، وعند مسلم برقم (1688/ 9).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (6406).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (3526).

ص: 316

(وفي لفظ) رواه مسلم، وكذا رواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها (1)، (قالت):(كانت امرأة) مخزومية، وهي فاطمة بنتُ الأسودِ بنِ عبد الأسد -كما تقدم- (تستعيرُ المتاع وتجحدُه).

وفي رواية عند أبي داود، والنسائي (2)، قالت: استعارت امرأة -تعني: حليًا- على ألسنة ناس يعرفون، ولا تُعرف هي، فباعته، فأخذت، فأتي بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، (فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها)، وهي التي شفع بها أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي أيضًا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (3)، وقال أبو داود: ورواه ابن أبي نجيح عن نافع، عن صفية بنت عبيد، قال فيه: فشهد عليها (4).

وفي مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فأتي بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعاذت بأمِّ سلمةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كانتْ فاطمةُ، لقطعتُ يدها"، فقُطعت (5).

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 162)، وتقدم تخريجه عند مسلم برقم (1688/ 10)، وعند النَّسائيُّ (4894).

(2)

رواه أبو داود (4396)، كتاب: الحدود، باب: في القطع في العارية إذا جحدت، والنسائي (4898)، كتاب: قطع السارق، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهريّ في المخزومية التي سرقت.

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 162)، وأبو داود (4395)، كتاب: الحدود، باب: في القطع في العارية إذا جحدت، والنسائي (4887 - 4888)، كتاب: قطع السارق، باب: ما يكون حرزًا وما لا يكون.

(4)

انظر: "سنن أبي داود"(4/ 139)، عقب حديث (4395).

(5)

رواه مسلم (1689)، كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره.

ص: 317

تنبيهات:

الأول: قال بمقتضى هذه الرواية الصحيحة الصريحة الإمام أحمد، فوجب قطع يد جاحد العارية، لا المنتهب والمختلس، وهو نوعٌ من الخطف، ولا الغاصب والخائن في الوديعة، أو الخائن في العارية، ولا الجاحد للوديعة أو غيرها من الأمانات، إلا العارية، فيُقطع بجحدها (1)؛ لهذا الحديث.

قال في "الهدي": قال الإمام أحمد بهذه الحكومة، ولا معارضَ لها، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط القطع عن المنتهب والمختلس والخائن، قال: والمراد بالخائن: خائن الوديعة، قال: وأما جاحد العارِيَّة، فيدخل في اسم السارق شرعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطعها، وقال:"والذي نفسي بيده! لو أن. . . ." الحديث، فإدخاله عليه السلام جاحدَ العاريَّة في اسم السارق كإدخاله سائرَ أنواع المُسْكِر في اسم الخمر، فتأمله، قال: وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه، والله الموفق (2).

قال في "شرح المقنع": فأما جاحدُ العاريَّة، فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رضي الله عنه فيه، فعنه: أنه يقطع، وهو قول إسحاق؛ للحديث، قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه.

وعنه رواية ثانية: أنه لا قطع عليه، وهو قول الخرقي، وأبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب، وسائرِ الفقهاء، قال: وهو الصحيح -إن شاء الله تعالى-؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قطعَ على الخائن".

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 251).

(2)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 50).

ص: 318

وفي أبي داود، والترمذي، وغيرهما:"ليس على الخائن والمختلس قطع"، وصححه الترمذي، وفيهما:"ليس على المنتهب قطع"(1).

قال في "الشرح": ولأن الواجب قطعُ السارق، والخائنُ ليس بسارق، فأشبه جاحدَ الوديعة، قال: وأما المرأة التي كانت تستعير المتاع، فإنما قُطعت بسرقتها، لا بجحدها، ألا تسمع قوله:"إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه"؟

وفي حديث: أنها سرقت قطيفة، فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن الأسود، قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال:"تطهر خيرٌ لها"، فلما: سمعنا لِينَ كلامِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتينا أسامةَ، فقلنا: كَلِّمْ لنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث بنحو سياق عائشة (2)، وهذا ظاهر في أن القضية واحدة، وأنها سرقت، فقُطعت لسرقتها، وإنما عَرَّفتها عائشةُ بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببًا كما لو عَرَّفتها بصفة من صفاتها.

قال الشارح: وفيما ذكرنا جمعٌ بين الأحاديث، وموافقةٌ لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، انتهى (3).

(1) رواه أبو داود (4391 - 4393)، كتاب: الحدود، باب: القطع في الخلسة والخيانة، والترمذي (1448)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب، وابن ماجه (2591)، كتاب: الحدود، باب: الخائن والمنتهب والمختلس.

(2)

رواه ابن ماجه (2548)، كتاب: الحدود، باب: الشفاعة في الحدود.

(3)

انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 240 - 241).

ص: 319

قلت: الذي استقر عليه المذهب: أن جاحد العاريَّة كالسارق، قطع به في "الإقناع"(1)، و"المنتهى"(2)، وغيرهما، والله أعلم.

الثاني: لو سرق ثمرَ شجر، أو جُمَّارَ نخل، وهو الكَثَرُ قبلَ إدخاله الحرز؛ كأخذه من رؤوس نخل وشجر من البستان، لم يقطع، ولو كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتين على معتمد المذهب، وكذا الماشية تُسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة، فإنها تضمن بمثلي قيمتها، ولا قَطْعَ (3)؛ لما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"(4).

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق، قال:"من أصاب منه بفمه من ذي حاجة غيرَ متخذٍ خُبْنَةً، فلا شيءَ عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرينُ، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ، فعليه القطع" رواه أبو داود، والنسائي (5).

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 251).

(2)

انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (5/ 145).

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 261).

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 463)، وأبو داود (4388)، كتاب: الحدود، باب: ما قطع فيه، والنسائي (4960)، كتاب: قطع السارق، باب: ما لا قطع فيه، والترمذي (1449)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء: لا قطع في ثمر ولا كثر، وابن ماجه (2593)، كثاب: الحدود، باب: لا يقطع في ثمر ولا كثر.

وقوله: "ولا كَثَر" هو بفتح الكاف والثاء: جمار النخل، وضبطه صاحب "الجمهرة" بسكون الثاء. انظر:"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 336).

(5)

رواه أبو داود (1710)، في كتاب: اللقطة، والنسائي (4958)، كتاب: قطع السارق، باب: الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين.

ص: 320

وفي رواية قال: سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي تؤخذ في مراتِعها، قال:"فيها ثمنها مرتين، وضرب نَكال، وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن"، قال: يا رسول الله! فالثمارُ وما يؤخذ منها في أكمامها؟ قال: "من أخذ بفمه، ولم يتخذ خُبنة، فليس عليه شيء، ومن احتمل، فعليه ثمنُه مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من أجرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن" رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه بمعناه، وزاد النَّسائيُّ في آخر:"ما يبلغ ثمنَ المجن ففيه غرامةُ مِثْلَيه وجَلدات نَكال"(1).

والخُبْنَةُ: -بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون فهاء تأنيث-: ما تحمله في حِضْنك، وخبنَ الطعام يَخْبِنُهُ: غَيَّبَهُ وخَبَّأَهُ للشِّدَّةِ، كما في "القاموس"(2).

واحتج الإمام أحمد رضي الله عنه بأن عمر -رضوان الله عليه- أغرم حاطبَ بنَ أبي بلتعة حين نحرَ غلمانهُ ناقةَ رجل من مُزينة مِثْلَي قيمتها، رواه الأثرم (3)، وهو من مفردات المذهب. قال ناظمُها:

[من الرجز]

وَسَارِقُ الثِّمَارِ مِنْ أَشْجَارِ

ضَمَانُهَا بِالقِيمَتَيْنِ جَارِي

كَذَلِكَ النَّصُّ أَتَى فِي الزَّرع

ما أَخْذُ هَذَا فَانْتِفَاءُ القَطْعِ

كَذَاكَ فِي المَاشِيَةِ الضَّمَانُ

مِنْ غَيْرِ حِرْزِ أَخْذُهَا عُدْوَانُ

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 203)، والنسائي (4959)، كتاب: قطع السارق، باب: الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين، وابن ماجه (2596)، كتاب: الحدود، باب: من سرق من الحرز.

(2)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1539)، (مادة: خبن).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 105).

ص: 321

لكن معتمد المذهب: وغير الشجر والنخل والماشية إذا سرقه من غير حرز، فلا يضمن عوضه إلا مرة واحدة (1)؛ لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص، فلا يتجاوز به محل النص (2).

واعتذر بعض محدِّثي الشافعية عن الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة بالأموال، ثم نُسخ، وهذه دعوى لا دليلَ لهم عليها، ثم إن في حكم سيدنا عمرَ على ابن أبي بلتعة ما يرد عذرهم.

قال الإمام المحقق ابنُ القيم في "الهدي": أسقط صلى الله عليه وسلم القطعَ عن سارق الثمر والكَثَر، وحكم أن من أصاب منه شيئًا بفمه، وهو محتاج، فلا شيءَ عليه، ومن خرج منه بشيء، فعليه غرامة مِثْلَيه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا في جَرينه، وهو بَيْدَرُه، فعليه القطعُ إذا بلغ ثمنَ المجن، قال: فهذا قضاؤه الفصل، وحكمُه العدل، قال: وقضى في الشاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أُخذ من عطنه، ففيه القطعُ إذا بلغ ثمنَ المجن، انتهى (3).

الثالث: يسوغ التعريض للسارق بعدم الإقرار، أو بالرجوع عنه، ويُطلب من المسروق منه أن يعفو عن قطع السارق قبلَ رفعه إلى الحاكم، لا بعد ذلك، ففي أبي داود، والنسائي عن عبد الله بن عمر [و]رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد، فقد وجب"(4).

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 261).

(2)

انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 140).

(3)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 50 - 51).

(4)

رواه أبو داود (4376)، كتاب: الحدود، باب: العفو عن الحدود ما لم تبلغ =

ص: 322

وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَقيلوا ذَوي الهيئاتِ عَثَراتِهم، إلا الحدودَ"(1).

وفي "موطأ الإمام مالك" عن ربيعةَ بنِ عبد الرحمن: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه لقي رجلًا قد أخذ سارقًا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغَ به السلطان، فقال: إذا بلغت السلطان، فلعن الله الشافعَ والمشفعَ (2).

وقضى صلى الله عليه وسلم بقطع سارقِ رداءٍ نام صفوانُ بنُ أمية عليه في المسجد، فأراد صفوان أن يهبه إياه، أو يبيعه منه، فقال:"هَلَّا كان قبل أن تأتيني به؟ "، روى قصته الإمامُ أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، زاد في رواية للإمام أحمد، والنسائي: فقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)، والله تعالى الموفق.

= السلطان، والنسائي (4885)، كتاب: قطع السارق، باب: ما يكون حرزًا وما لا يكون.

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 181)، وأبو داود (4375)، كتاب: الحدود، باب: في الحد يشفع فيه.

(2)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 835).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 401)، وأبو داود (4394)، كتاب: الحدود، باب: من سرق من حرز، والنسائي (4879)، كتاب: قطع السارق، باب: الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته، وابن ماجه (2595)، كتاب: الحدود، باب: من سرق من الحرز.

ص: 323