الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَضَىَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَها وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ لَا أَكلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟! فَمِتْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّما هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ" مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (5426 - 5427)، كتاب: الطب، باب: الكهانة، ومسلم (36/ 1681)، واللفظ له، و (1681/ 34 - 35)، كتاب: القسامة، باب: دية الجنين، وأبو داود (4576)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين، والنسائي (4818 - 4819)، كتاب: القسامة، باب: دية الجنين المرأة، وابن ماجه (2639)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
" معالم السنن" للخطابي (4/ 34)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 70)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 489)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 59)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 175)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 101)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1432)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 306)، و"فتح الباري" =
(عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: اقتتلت امرأتان من هُذَيل)، قال الخطيب: إحدى المرأتين اسمُها مُليكة -بضم الميم- مصغرًا، والأخرى اسمها غُطَيف -بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة-، وقيل: أم غطيف.
قال النووي: ثم رواه -يعني: الخطيب- كذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في المرأتين، قال الخطيب: وروي: أن إحداهما أم عَفيف -أي: بفتح العين المهملة وكسر الفاء-، والأخرى أم مكلف (1)، (فرمت إحداهما) -هي أم عفيف بنتُ مسروح- (الأخرى بحجر) -المضروبة مُليكة بنتُ ساعدة-، وقال النووي: مليكة بنت عويمر، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: بنت عويم -بلا راء في آخره (2) -، (فقتلتها)، (و) قتلت (ما)؛ أي: الجنين الذي (في بطنها، فاختصموا)؛ أي: أهلُها (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) في ذلك، (فقضى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها) الذي أسقطته بضربتها (غرةٌ عبدٌ أو وليدة)؛ أي: أَمَةٌ، وإن كانت كبيرة.
قال في "النهاية": وقد تطلق الوليدة على الجارية والأمةِ، وإن كانت كبيرة، ويطلق الوليد على الطفل، فَعيل بمعنى مفعول، وفي قصة فرعون مع موسى:{أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء: 18]، والأنثى: وليدة، والجمع:
= لابن حجر (10/ 217)، و"عمدة القاري" للعيني (21/ 275)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 238)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 227).
(1)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (12/ 228)، وقد اقتصر ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة"(1/ 220 - 222) على أم عفيف بنت مسروح وهي الضاربة، ومليكة بنت عويمر ذات الجنين.
(2)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 632).
الولائد، ومنه:"الوليد في الجنة"(1): الذي مات وهو طفل أو سقْطٌ (2).
(وقضى) صلى الله عليه وسلم (بدية المرأة على عاقلتها)، ودية المرأة نصفُ دية الرجل، وديةُ الحرِّ الذكرِ المسلم مئة من الإبل، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة من دراهم الإسلام التي كلُّ عشرة منها سبعة مثاقيل، فهذه الخمس أصولٌ في الدية، لا حُلَلٌ، فأيها أحضرَ من لزمته الديةُ، لزم الوليَّ قبولُه، ولم يكن له المطالبةُ بغيره، سواء كان من أهل ذلك النوع، أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب، يجزىء واحد منها، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه، كخصال الكفارة، وهذا قول عمر، وعطاء، وطاوس، والفقهاء السبعة، وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن عمرو بن حزم، وروي في كتابه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: "وإن في النفس المؤمنة مئة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار" رواه النسائي (3).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا من بني عدي قُتل، فجعل النّبيُّ صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفًا، رواه أبو داود، وابن ماجه (4).
وروى الشعبي: أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار (5).
(1) رواه أبو داود (2521)، كتاب: الجهاد، باب: في فضل الشهادة، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 58)، من حديث حسناء بنت معاوية الصريمية، عن عمها، به.
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 223 - 224).
(3)
رواه النسائي (4853)، كتاب: القسامة، باب: ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول، واختلاف الناقلين له. وفيه:"أهل الذهب" بدل "أهل الورق".
(4)
رواه أبو داود (4546)، كتاب: الديات، باب: الدية كم هي، واللفظ له، وابن ماجه (2629)، كتاب: الديات، باب: دية الخطأ.
(5)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(26727)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 80).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن عمر قام خطيبًا، فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوَّمَ على أهل الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتي حُلَّة، رواه أبو داود (1).
ومعتمد المذهب: أن الحلل ليست أصلًا، وقيل: بلى، لهذا الحديث.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: أن الإبل هي الأصل خاصة، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وذكره أبو الخطاب عن الإمام أحمد، وهو قول طاوس، والشافعي، وابن المنذر (2).
تنبيه:
دية الكتابيِّ الذَّكَرِ الحرِّ نصفُ دية المسلم الحر إن كان ذميًا، أو مستأمنًا، أو معاهدًا، ونساؤهم على النصف من دياتهم، وهو مذهب مالك -أيضًا-.
وقال أبو حنيفة: دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم.
وقال الشافعي: دية النصراني أربعة آلاف درهم.
ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"دية المعاهد نصف دية المسلم"(3)، وفي لفظ: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى أن
(1) رواه أبو داود (4542)، كتاب: الديات، باب: الدية كم هي.
(2)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 507 - 508).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 180)، إلا أن فيه:"دية الكافر" بدل "دية المعاهد".
عقل أهل الكتاب نصفُ عقل المسلمين، رواه الإمام أحمد (1)، وفي لفظ:"دية المعاهد نصف دية الحر"(2).
قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبينُ من هذا (3)، ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى.
وأما حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعًا: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم (4)، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر: أنه ليس بصحيح، قاله في "شرح المقنع".
ومذهب مالك، والشافعي في دية المجوسي ثماني مئة درهم، وكذا مذهبنا إن كان المجوسي ذميًا، أو مستأمنًا، أو معاهدًا، وكان القتل خطأ.
فأما عَبَدَة الأوثان وسائر مَنْ لا كتاب له، كالترك، ومن عبدَ ما استحسنَ، فلا دية لهم إذا لم يكن لهم أمان ولا عهد، فإن كان، فديةُ مجوسي.
ومعتمد مذهب الإمام أحمد: أن المسلم إذا قتل كافرًا، كتابيًا أو غيره حيث حقن دمه عمدًا، أُضعفت الديةُ على قاتله لإزالة القود، كما حكم عثمان رضي الله عنه، كما رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رجلًا قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وغلّظ ألف دينار (5)، فذهب إليه الإمام أحمد رضي الله عنه، وله نظائر في مذهبه.
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 224).
(2)
رواه أبو داود (4583)، كتاب: الديات، باب: في دية الذمي.
(3)
انظر: "معالم السنن" للخطابي (4/ 37).
(4)
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير"(4/ 25): لم أجده من حديث عبادة، إلا فيما ذكر أبو إسحاق الإسفراييني في كتاب:"أدب الجدل" له.
(5)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(18492).
وذهب الجمهور إلى أن دية الذمي في العمد والخطأ واحد، لعموم الأخبار (1)، والله أعلم.
والعاقلة التي تحمل الدية عن الجاني، سواء كان الجاني ذكرًا أو أنثى: ذكورُ عصبته نسبًا وولاءً، قريبُهم وبعيدُهم، حاضرُهم وغائبُهم، صحيحُهم ومريضُهم، ولو هرمًا وزَمِنًا وأعمى، ومنهم عمودُ نسبه آباؤه وأبناؤه، ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب، عقلوا، وليس منهم الإخوة لأم، ولا سائر ذوي الأرحام، ولا الزوج، ولا الولي من أسفل، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، لما روى عمرو به. شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن عقلَ المرأة بينَ عصبتها مَنْ كانوا لا يرثون منها شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت، فعقلُها بين ورثتها، رواه أبو داود (2).
ولأنهم عصبة، فأشبهوا سائر العصبات، يُحَقِّقه أن العقل موضوع على التناصر، وهم من أهله.
وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أن الآباء والأبناء ليسوا من العاقلة، وهو قول الشافعي؛ لأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بدية المرأة على عاقلتها (3)، (وورثها)؛ أي: المرأة (ولدها ومن معهم)؛ أي: مع ولدها من بقية الورثة دون عصبتها الذين هم عاقلتها.
وفي رواية: ثم ماتت القاتلة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثَها لبنيها، والعقلَ على العصبة (4).
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 521 - 522).
(2)
رواه أبو داود (4564)، كتاب: الديات، باب: ديات الأعضاء.
(3)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 643).
(4)
رواه البخاري (6359)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث المرأة والزوج مع الولد =
وفي رواية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثُها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ميراثها لزوجها وولدها" رواه أبو داود (1).
وإذا ثبت هذا في الأولاد، قسنا عليه الوالد؛ لأنه في معناه، ولأن مال ولده ووالده كماله، ولهذا لم تقبل شهادتهم له، ولا شهادته لهما، ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجًا، والآخرُ موسرًا، فلا يجب في ماله دية كما لا تجب في مال القاتل (2).
تنبيهات:
الأول: اختلفوا في ترتيب ما تحمله العاقلة، فقال أحمد، والشافعي: يبدأ بالأقرب فالأقرب، كعصبات في ميراث، لكن يؤخذ من بعيد لغيبة قريب، فإن اتسعت أموال الأقربين لها، لم يتجاوزهم، وإلا انتقل إلى من يليهم.
فعند الإمام أحمد: يبدأ بالآباء، فالأبناء، فالإخوة، فبنيهم، فالأعمام، فبنيهم، فأعمام الجد، فبنيهم كذلك، فإذا انقرض ذو نسب، فعلى المولى المعتق، فعصباته، فإن كان المعتق امرأة، حمل عنها جنايةَ عتيقها من يحمل جنايتها من عصباتها، ثم على مولى المولى، فعصباته الأقرب فالأقرب كالميراث، ولا يدخل الجاني في العاقلة، فلا يلزمه شيء مطلقًا (3).
= وغيره، وتقدم تخريجه عند مسلم برقم (1681/ 35).
(1)
رواه أبو داود (4575)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين.
(2)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 644).
(3)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 192).
وقال الشافعي: إن اتسعت العاقلة، لم يلزم الجانيَ شيء، وإن لم تتسع العاقلة لها، لزمه.
وقال أبو حنيفة: هو كأحد العاقلة، يلزمه ما يلزم أحدَهم.
واختلف أصحاب مالك عنه، فقال ابن القاسم كقول أبي حنيفة، وقال غيره: لا يجب على الجاني الدخول مع العاقلة.
وعلى معتمد مذهبنا: متى لم تتسع العاقلة لتحمل جميع الدية، انتقل باقي ذلك في بيت المالك، والأصل فيه حديث حويصة ومحيصة (1).
وعند الشافعي: الأقربُ الإخوةُ فبنوهم وإن نزلوا، فالأعمام فبنوهم، ويقدم مُدْلٍ بأبوين على مدلٍ بأب كالإرث، وقال أبو حنيفة: القريب والبعيد في التحمل سواء، فيقسم على جميعهم؛ لأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتول على عصبة القاتل (2).
الثاني: اختلفوا فيما تحمله العاقلة، هل هو مقدَّر أو لا؟ فمعتمد مذهبنا: أن ما يحمل كل واحد من العاقلة غيرُ مقدر، ويرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، فيحمل كل إنسان ما يسهل عليه ولا يشق، بل يحمل كل واحد على قدر ما يطيق، وهذا مذهب مالك؛ لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف لا بالرأي والتحكم، ولا نص من الشارع في هذه المسألة، فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.
وعن الإمام أحمد رواية ثانية: أنه يُفرض على الموسر نصفُ مثقال؛ لأنه أقل مالك يتقدر في الزكاة، فكان معتبرًا بها، وعلى المتوسط ربعُ مثقال؛
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 215).
لأن ما دون ذلك تافه، لكون اليد لا تقطع به، بدليل قول عائشة رضي الله عنها: لا تقطع في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا قطعَ فيه، وهذا اختيار أبي بكر، وهو مذهب الشافعي، وعندهم: الغنيُّ: من ملك آخر السنة فاضلًا عن حاجته عشرين دينارًا، والمتوسط: من ملك دونها.
وقال أبو حنيفة: أكثر ما يُجعل على الواحد أربعةُ دراهم، وليس لأقله حَدٌّ؛ لأن ذلك يجب على سبيل المواساة للقرابة، فلم يتعذر أقله، كالنفقة، قال: ويسوى بين الغني والمتوسط لذلك (1).
الثالث: فيما تحمله العاقلة: قال علماؤنا: لا تحمل العاقلة عمدًا محضًا، ولو لم يجب فيه القصاص، كالجائفة، ولا عبدًا قتل عمدًا أو خطأ، ولا طرفه ولا جنايته، ولا قيمة دابة، ولا صلح إنكار، ولا تحمل اعترافًا، بأن يقرَّ على نفسه بجناية خطأ، أو شبه عمد توجب ثلث الدية فأكثر إن لم تصدقه العاقلة، ولا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية الكاملة، وهي دية الحر الذكر المسلم، إلا غرةَ جنين مات مع أمه بجناية واحدة، أو بعدَ موتها لا قبلها، لنقصه عن الثلث (2).
أما ما يجب فيه القصاص، فلا خلاف بين العلماء أن العاقلة لا تحمله، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمدَ بحال، وحُكي عن مالك: أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها، كالمأمومة والجائفة، وهذا قول قتادة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فأشبهت جناية الخطأ.
ولنا: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: لا تحمل العاقلة
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 658 - 659).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 191).
عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحا، ولا اعترافا، روي عنه مرفوعًا وموقوفًا (1)، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، فيكون إجماعًا، ولأن حمل العاقلة إنما ثبت في الخطأ، لكون الجاني معذورًا، تخفيفًا عنه، ومواساة له، والعامد غير المعذور، فلا يستحق المواساة ولا التخفيف، فلم يوجد فيه المقتضي، وبهذا فارق العمدَ الخطأ (2).
وأما العبد، فوافق على عدم تحمل العاقلة له: الشعبيُّ، والثوريُّ، ومكحول، والنخعي، ومالك، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق،
وأبو ثور.
وقال عطاء، والزهري، وحماد، وأبو حنيفة: تحمل العاقلة، وهو الأصح في مذهب الشافعي، قالوا: لأنه آدمي يجب بقتله القصاص والكفارة، فحملت العاقلة بدله، كالحر.
ووافقنا أبو حنيفة في دية أطرافه، فلم يحملها للعاقلة، وعند الشافعية: بلى، ولنا: على المذهب حديثُ ابن عباس المارُّ، ولأن الواجب فيه قيمتُه، وتختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة، كسائر القيم، ثم إن قياسه في مقابلة نص، فوجب طرحُه والاعتماد على النص (3).
واختلف علماؤنا في الصلح، فقدم في "الشرح": أن معناه: أن يدعي عليه القتل، فينكره، ويصالح المدعي على مال، فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مال ثبت بمصالحته واختياره، فلم تحمله العاقلة، كالذي ثبت باعترافه.
(1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 104)، موقوفًا. ولم أقف عليه مرفوعًا، وانظر:"التلخيص الحبير" لابن حجر (4/ 31).
(2)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 653).
(3)
المرجع السابق، (9/ 654).
وقال القاضي: معناه: أن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية.
والأول أولى؛ لأن العمد يستغنى عنه بذكر العمد.
وممن قال: لا تحمل العاقلة الصلح: ابن عباس، والزهري، والشعبي، والثوري، والليث، والشافعي، وقد ذكرنا حديث ابن عباس في ذلك (1).
وأما ما دون ثلث الدية، فقال بأن العاقلة لا تحمله: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وإسحاق.
وقال الزهري: لا تحمل الثلث -أيضًا-.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: تحمل السن، والموضحة، وما فوقها، واحتج بالغرة في الجنين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية، ولا تحمل ما دون ذلك.
والصحيح عند الشافعية: أنها تحمل الكثير والقليل، كالجاني في العمد.
ولنا: ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه قضى في الدية ألَّا يحمل منها شيء، حتى تبلغ المأمومة، ولأن مقتضى الأصل وجوبُ الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وبدلُ متلَفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث تخفيفًا من الجاني، لكونه كثيرًا، فيجحف به، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"الثلث كثير"(2).
فأما دية الجنين، فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه من الضربة؛
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
تقدم تخريجه.
لكون ديتهما جميعًا توجب جناية تزيد على الثلث، وإن سلَّمنا وجوبها على العاقلة، فلأنها دية كاملة (1).
الرابع: تحمل العاقلة دية المرأة اتفاقًا، وتحمل من جراحها ما بلغ ثلث دية الرجل، كأنفها، فأما ما دون ذلك، كيدها، فلا تحمله العاقلة، وكذلك الحكم في دية الكتابي، ولا تحمل دية المجوسي؛ لأنها دون ثلث الدية (2).
تتمة:
ما تحمله العاقلة يجب مؤجلًا في ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة، كدية النفس، أو طرفٍ كأنفٍ، وإن كان الثلثَ، كدية المأمومة، وجب في آخر السنة الأولى، وإن كان نصفَ الدية الكاملة، كدية اليد، ودية المرأة، والكتابي، أو ثلثيها، كدية المنخرين وجب الثلث في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن كان أكثر من دية، مثل أن ذهب سمعُ إنسان وبصرُه بجناية واحدة، ففي ست سنين، في كل سنة ثلث (3).
والحاصل: لا يزاد في كل حول على ثلث دية من جناية واحدة، لكن اختلف القائلون بالتقدير، فقال بعضهم: يتكرر الواجب في الأحوال الثلاثة، فيكون الواجب على الغني فيها دينارًا ونصفًا، وعلى المتوسط ثلاثة أرباع دينار، وقال بعضهم: لا يتكرر، ويعتبر الغِنَى والتوسُّطُ عند رأس الحول (4)، والله أعلم.
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 655 - 656).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 191).
(3)
المرجع السابق، (4/ 192 - 193).
(4)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (9/ 659 - 660).
(ف) لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن دية جنين المضروبة غُرَّةٌ، وديتها هي على عاقلتها، (قام حَمَلُ بنُ) مالكِ بنِ (النابِغة) وهو -بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم المفتوحة- والنابغة: -بالنون، وكسر الموحدة بعدها غين معجمة-، واشتهر بجده النابغة، وهو النابغة بن جابر بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كبير -بالموحدة- من نسل مدركة بنِ إلياس، عدَّه مسلمٌ من الصحابة المدنيين، وعده غيره من البصريين؛ لأنه نزل بالبصرة، وله بها دار، ويكنى: أبا نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة-، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (1).
وقد وقع في "المبهمات" لابن بشكوال عن الحافظ عبد الغني: أن القائل في هذا الحديث ما قال هو مسروح، بناءً على أن الضاربة أم عفيف بنت مسروح (2)، وما في "الصحيحين"، بل أخرجه الجماعة أصح، ويحتمل على بعد أن يكون كل منهما قال ذلك، فقد أخرج أبو داود، والنسائي من حدي اثبن عباس؛ أن حمل بن النابغة قال لعمر لما سأل عن قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى، الحديث، وفيه: فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلامًا قد
(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (7/ 33)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (3/ 108)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (3/ 303)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 94)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 376)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 75)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 172)، و"تهذيب الكمال" للمزى (7/ 349)، و"الإصابة في تمييز
"الصحابة" لابن حجر (2/ 125)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (3/ 32).
(2)
انظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 221).
نبت شعره، فقال أبو [القاتلة] (1): إنه كاذب، والله ما استهل، الحديث (2)(الهذلي)، -منسوب إلى هُذَيل-.
(فقال): حَمَلُ بنُ النابغة: (يا رسول الله! كيف أغرم) -أي: التزم وأَدِي- (مَنْ)؛ أي: سقطًا، (لا شربَ ولا أكلَ)؛ أي: لا شرب ماء، ولا أكل زادًا، (ولا نطق)؛ أي: لا تكلم بصوت وحروف تُعرف بها المعاني، (ولا استهلَّ)؛ أي: صاح عند الولادة.
قال في "المطلع": استهل المولود: إذا صاح عند الولادة (3).
وقال القاضي عياض: استهل المولود: رفع صوته، فكل شيء رفع صوته فقد استهل، وبه سُمّي الهلال هلالًا، والإهلالُ بالحج: رفعُ الصوت بالتلبية (4).
(فمثل ذلك)؛ أي: حيث كان نحوه بهذه المثابة من عدم دخول جوفه ماء ولا زاد، ولا تكلم ولا رفع صوته بالصراخ (يُطَلُّ)؛ أي: يُهدر، وهو -بضم الياء المثناة تحت، وفتح الطاء المهملة فلام مشددة- يقال: طُلُّ دمه -بضم الطاء-، وأطل، وأطله الله، وأجاز الكسائي طَلَّ -بفتح الطاء- ومنه هذا الحديث (5)، ومنه: فسقطت ثنايا العاض، فطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم (6).
(1) في الأصل: "العالية" وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
(2)
رواه أبو داود (4574)، كتاب: الديات، باب: دية الجنين، والنسائي (4828)، كتاب: القسامة، باب: صفة شبه العمد.
(3)
انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 307).
(4)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 269).
(5)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (3/ 136).
(6)
رواه النسائي (4764)، كتاب: القسامة، باب: الرجل يدفع عن نفسه، من حديث يعلى بن منية رضي الله عنه. إلا أن فيه:"فأطلها". =
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) لما سمع كلامه المسجع: (إنما هو من إخوان الكهان) جمع كاهن وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة، كشِقٍّ، وسَطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورِئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلامِ مَنْ يسأله، أو فعلِه أو حالِه، وهذا يخصّونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكانَ الضالَّة ونحوِهِما (1).
وإنما قال صلى الله عليه وسلم لحمل بن النابغة ذلك (من أجل سجعه الذي سجع)، ولم يعبه بمجرد السجع دون ما تضمن سجعه من الباطل كما في "النهاية"، وإنما ضرب المثل بالكهان؛ لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستصغون إليها الأسماعَ، فأما إذا وُضع السجع في مواضعه من الكلام، فلا ذم فيه ولا ملام (2)، وكيف وقد جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، كقوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعاءٍ لا يُسمع"(3)، ففي هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليلٌ لما قاله
= قال الخطابي في "تصحيفات المحدثين" سمعت ابن دريد وغيره ينصر هذا -أي: فأطلها على قولهم فطلها- ويثبته. ثم قال الخطابي: ولا أعلم الرواية جاءت إلا بالباء.
(1)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 214 - 215).
(2)
المرجع السابق، (4/ 215).
(3)
رواه أبو داود (1548)، كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، والنسائي (5467)، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من نفس لا تشبع، وابن ماجه =
العلماء: إن السجع المذموم في الدعاء هو المقصود المتكلَّف، فإنه يُذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويُلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، وأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر، لكمال الفصاحة أو نحو ذلك، أو كان محفوظًا، فلا بأس به بل هو حسن (1).
والسجع: هو الكلام المقفّى، أو موالاة الكلام على رَوِيّ، يقال: سجع: إذا نطق بكلامٍ له فواصل، فهو سَجَّاعة وساجع، وسجعت الحمامة: رددت صوتها، فهي ساجعة وسجوع (2)، والله الموفق.
= (250)، في المقدمة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(1)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (17/ 41).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 939)، (مادة: سجع).