المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٦

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب القصاص

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌كتاب الحدود

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب حد السرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب حد الخمر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب النذر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب القضاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب الصيد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

الفصل: ‌ ‌الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا

‌الحديث السابع

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكْلُتُه، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ينْظُرُ (1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (5076)، كتاب: الأطعمة، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حتى يسمَّى له، فيعلم ما هو، و (5085)، باب: الشواء، و (5217)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: الضب، ومسلم (1945)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب، وأبو داود (3794)، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضب، والنسائي (4316 - 4317)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الضب، وابن ماجه (3241)، كتاب: الصيد، باب: الضب.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (4/ 246)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 490)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (6/ 386)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 231)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 189)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1600)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 663)، و"عمدة القاري" للعيني (21/ 45)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 293).

ص: 541

المَحْنُوذُ: المَشْوِيُّ بِالرَّضْفِ، وَهِيَ الحِجَارَةُ المُحَمَّاةُ.

(عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: دخلتُ أنا، و) ابن خالتي (خالدُ بن الوليد) بنِ المغيرة بن عبد الله بن عمرَ بنِ مخزوم بن يقظة بنِ مرة بنِ كعب بن لؤيِّ بنِ غالبٍ القرشيُّ المخزوميُّ، يكنى: أبا سليمان، وأمه لُبابةُ الصغرى -بضم اللام وتخفيف الموحدة بعدها ألف فموحدة-، وأما لُبابة الكبرى، فأمُّ الفضلِ امرأةُ العباس، أمُّ أولاده، [وكلتاهما](1) بنت الحارث أختُ أم المؤمنين ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالدٌ رضي الله عنه أحد أشراف قريش، كانت له في الجاهلية القبة، وأعنةُ الخيل، وتقدمت ترجمته رضي الله عنه في الزكاة.

(مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بـ: دخل (بيتَ) خالتنا أمِّ المؤمنين (ميمونةَ) بنتِ الحارث رضي الله عنها.

وفي رواية يونس الراوي عن ابن عباس: أن ابن عباس أخبره: أن خالد بن الوليد الذي يقال له: سيف الله، أخبره (2)، فيكون من مسند خالد رضي الله عنه، لكن ما ذكره المصنف رحمه الله صريحٌ في دخول ابن عباس وخالد، وهو لفظ مسلم في "صحيحه"(3).

وفي حديث أبي أمامةَ بنِ سهل عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ميمونة عنده خالد بن الوليد بلحم ضَبّ، أخرجه مسلم أيضًا (4)، (فأتي) -بضم الهمزة- مبنيًا لما لم يسم فاعله،

(1) في الأصل: "وكلاهما"، والصواب ما أثبت.

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076)، وعند مسلم برقم (1946).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 663).

(4)

رواه مسلم (1946/ 45)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب.

ص: 542

ونائب الفاعل الضمير العائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم (بضَبٍّ) -بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة-: دويبة يشبه الحرذون، لكنه أكبر منه، ويكنى: أبا حِسْل -بمهملتين مكسورة ثم ساكنة-، ويقال للأنثى: ضبّة، وبه سميت القبيلة، وبالخيف من منى جبلٌ يقال له: ضب، والضبُّ داء في خف البعير.

قال ابن خالويه: إن الضب يعيش سبع مئة سنة؛ فإنه لا يشرب الماء، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سن، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة.

وحكى غيره: أن أكل لحمه يذهب العطش.

ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يردَ الضبُّ، يقوله من أراد ألا يفعل الشيء؛ لأن الضب لا يرد، بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء، ولا يخرج من جحره في الشتاء (1).

(مَحْنُوذٍ) -بحاء مهملة ساكنة بعد الميم فنون مضمومة وآخره ذال معجمة-؛ أي: مشوي بالحجارة المحماة.

وفي رواية: بضبٍّ مشوي (2)، والمحنوذُ أخص، والحَنيذ بمعناه (3).

زاد يونس في روايته: قدمت به أختها حُفَيْدَة (4)، وهي -بمهملة وفاء مصغرة-.

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 663). وانظر: "حياة الحيوان الكبرى" للدميري (2/ 519) وما بعدها.

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5085).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 664).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076)، وعند مسلم برقم (1946/ 44).

ص: 543

وفي رواية سعيد بن جبير: أن أم حفيد بنتَ الحارثِ بنِ حزنٍ خالةَ ابن عباس أهدت النبي صلى الله عليه وسلم سمنًا، وأقطًا، و [أ] ضبًا (1).

وقد قيل في اسمها: هُزيلة -بالتصغير-، وهي رواية "الموطأ" من مرسل عطاء بن يسار (2)، فإن كان محفوظًا، فلعل لها اسمين، أو [اسمًا ولقبًا](3).

وحكى بعض شراح هذا الكتاب الذي هو المعتمد في اسمها: حميدة -بالميم-، وفي كنيتها: أم حميد -بميم بغير هاء- وفي روايةٍ: -بهاء-، وفي رواية: عمير -بغير هاء-.

قال في "الفتح": وكلها تصحيفات، انتهى (4).

وفي رواية: قدمت به أختها حفيدة من نجد (5).

قال البرماوي بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: إنها أم حصن، وقيل: أم عفين.

(فأهوى إليه)؛ أي: إلى الضب ليأكل منه (رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيده) الشريفة، زاد يونس: وكان صلى الله عليه وسلم قلَّما يقدم يده لطعام حتى يُسَمَّى له (6).

(1) رواه البخاري (5074)، كتاب: الأطعمة، باب: الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة، ومسلم (1947)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب.

(2)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 967)، لكن من مرسل سليمان بن يسار.

(3)

في الأصل "اسم ولقب"، والصواب ما أثبت.

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 664).

(5)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076)، وعند مسلم برقم (1946/ 44).

(6)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076)، إلا أن عنده:". . حتى يحدث به ويسمى له".

ص: 544

وأخرج إسحاق بن راهويه، والبيهقي في "الشعب" من حديث عمر رضي الله عنه: أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب يهديها إليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل من الهدية حتى يأمر صاحبها فيأكلَ منها؛ من أجل الشاةِ التي أُهديت له بخيبر (1).

(فقال بعض النسوة اللاتي) كُنَّ حينئذٍ (في بيت ميمونة) بنتِ الحارث رضي الله عنهن: (أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما)؛ أي: بالذي (يريد أن يأكل) منه، وبما يريد أكله، فقالوا: هو الضب.

وفي رواية يونس: فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدمتنَّ له، هو الضب يا رسول الله (2)، وكأن المرأة أرادت أن غيرها يخبره، فلما لم يخبروا، بادرت هي فأخبرت (3).

وفي "مسلم" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه بينما هو عند ميمونة، وعندها الفضل بن عباس، وخالد بن الوليد، وامرأة أخرى، إذ قُرِّبَ إليهم خِوانٌ عليه لحم، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل، قالت له ميمونة: إنه لحمُ ضَبّ، فكفَّ يده (4).

فعرف بهذه الرواية اسمُ التي أُبهمت في الرواية الأخرى.

وعند الطبراني في "الأوسط" من وجهٍ آخر صحيح: فقالت ميمونة: أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هوَ (5)، فأُخبر -بضم الهمزة- مبنيًا لما لم يسم

(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(6052).

(2)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076)، وعند مسلم برقم (1946/ 44).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 664).

(4)

رواه مسلم (1948)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب.

(5)

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8754)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (9/ 664).

ص: 545

فاعله ونائب الفاعل يعود للنبي صلى الله عليه وسلم (فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده) عن الضب كما في رواية يونس (1)، فيؤخذ منه أنه أكل من غير الضب مما كان قُدّم له مع الضب، وقد جاء صريحًا في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: فأكل الأقط، وشرب اللبن (2).

قال ابن عباس، أو قال خالد -على الاختلاف-، والأولُ أظهر:(فقلتُ: أحرامٌ هوَ)؛ أي: الضبُّ (يا رسول الله؟ قال: لا)، بل هو مباح، وليس بحرام، (ولكنه لم يكن) الضبُّ (بأرض قومي)، وفي رواية:"هذا اللحم لم آكله قط"(3).

قال ابن العربي: اعترض بعض الناس على هذه اللفظة -يعني: لم يكن بأرض قومي-، فالضباب كثيرة بأرض الحجاز.

قال ابن العربي: فإن كان أراد تكذيبَ الخبر، فقد كذبَ هو، فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء، أو أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم بغير اسمها، أو حدثت بعد ذلك (4).

وكذا أنكر ابنُ عبد البر ومن تبعه أن يكون بأرض الحجاز شيء من الضباب (5).

قال في "الفتح": ولا يحتاج إلى شيء من هذا، بل المراد بقوله صلى الله عليه وسلم:

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5076).

(2)

رواه البخاري (5087)، كتاب: الأطعمة، باب: الأقط، لكن بلفظ:"وشرب اللبن، وأكل الأقط".

(3)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1948).

(4)

انظر: "عارضة الأحوذي" لابن العربي (7/ 290).

(5)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 491).

ص: 546

"بأرض قومي": قريشٌ فقط، فيختص النفي بمكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وقد روى مسلم: دعانا عروس بالمدينة، فقرّب إلينا ثلاثةَ عشرَ ضبًا، فآكلٌ وتاركٌ، الحديث (1)، فهذا يدل على كثرة وجدانها بتلك الديار (2)، (فأجدني أعافه) -بعين مهملة وفاء خفيفة-؛ أي: أتكره أكله، يقال: عفتُ الشيء أعافه (3).

ووقع في رواية سعيد بن جبير: فتركهنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كالمتقذر لهنَّ، ولو كان حرامًا، لما أُكلن على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما أمر بأكلهن (4)، كذا أطلق الأمر، وكأنه تلقاه عن الإذن المستفاد من التقرير؛ فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر إلا في رواية يزيد بن الأصم عند مسلم؛ فإن فيها: فقال لهم: "كلوا"، فأكل الفضل، وخالد، والمرأة (5).

وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا، وأطعموا؛ فإنه حلال"، أو قال:"لا بأس به، ولكنه ليس طعامي"(6)، وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأكله؛ لأنه غير معتاده.

وقد ورد لذلك سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر معنى حديث ابن عباس، وفي آخره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلا" -يعني:

(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1948).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 665).

(3)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(4)

رواه البخاري (6925)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الأحكام التي تعرف بالدلائل.

(5)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1948).

(6)

رواه البخاري (6839)، كتاب: التمني، باب: خبر المرأة الواحدة، ومسلم (1944)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب.

ص: 547

لخالد وابن عباس-؛ "فإنني يحضرني من الله حاضرة"(1).

قال الماوردي: يعني: الملائكة، وكأن للحم الضبِّ ريحًا، فترك أكله لأجل ريحه كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالًا.

قال في "الفتح": وهذا -إن صح- يمكن ضمه إلى الأول، ويكون لتركه الأكلَ من الضب سببان (2).

(قال خالد) بن الوليد رضي الله عنه: (فاجتررته) -بجيم وراءين- هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضبطه بعض شراح "المهذب" -بزاي قبل الراء-، وقد غلّطه النووي (3)، (فأكلتُه ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر) إليّ؛ كما في رواية.

قال الحافظ المصنف رحمه الله ورضي عنه-: (المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة) -كما قدمنا في شرحه-.

فدلّ هذا الحديث على حل أكل الضب، وهو المطلوب، وقد ذكر غير واحد الإجماع على ذلك، وحكى عياض عن قويمة تحريمَه، وعن الحنفية: كراهته. وأنكر ذلك النووي، وقال: لا أظنه يصح عن أحد، وإن صحّ، فهو محجوج بالنص، وبإجماع من قبله.

قال في "الفتح": قد نقل تحريمَه ابنُ المنذر عن علي، فأيُّ إجماع يكون مع مخالفته؟! ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم.

وقال الطحاوي في "معاني الآثار": كره قومٌ أكل الضبِّ، منهم:

(1) تقدم تخريجه قريبًا.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 665).

(3)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

ص: 548

أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، قال: واحتجّ محمد بحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُهدي له ضب، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتعطيـ[ـنـ]ـه ما لا تأكلين؟! "(1).

قال الطحاوي: ما في هذا دليل على الكراهة؛ لاحتمال أن تكون عافته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أَلَّا يكون مما يتقرب به إلى الله تعالى إلا من خير الطعام؛ كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء، انتهى (2).

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الضب، أخرجه أبو داود (3) بسندٍ حسن كما في "الفتح"(4).

ورد على الخطابي قوله: ليس إسناده بذاك (5)، وعلى ابن حزم في قوله: فيه ضعفاء ومجهولون (6)، وكذا على البيهقي في قوله: تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجّة (7)، وقول ابن الجوزي: لا يصح (8).

قال: ففي كل ذلك تساهلٌ لا يخفى؛ فإن رواية إسماعيل عن الشاميين

(1) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 201)، وكذا الإمام أحمد في "المسند"(6/ 123)، وغيرهما.

(2)

انظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (4/ 200 - 201).

(3)

رواه أبو داود (3796)، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضب، من حديث عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه.

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 665).

(5)

انظر: "معالم السنن" للخطابي (4/ 247).

(6)

انظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 431).

(7)

انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 326).

(8)

انظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي (2/ 661).

ص: 549

قوية عند البخاري، وقد صحح البخاري بعضها، وأخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب، الحديث، وفيه: أنهم طبخوا منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنّ أمّةً من بني إسرائيل مُسخت دَوابَّ في الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فألقوها" أخرجه الإمام أحمد، وصححه ابن حبان، والطحاوي (1)، وسنده على شرط الشيخين، إلا الضحاك، فلم يخرجا له، وللطحاوي من وجه آخر: فقيل له صلى الله عليه وسلم: إن الناس قدم اشتووها وأكلوها، فلم يأكلْ، ولم ينهَ عنه (2).

والأحاديث الماضية، وإن دلت على الحل تصريحًا وتلويحًا، نصًا [و] تقريرًا، فالجمع بينها وبين هذا حَمْلُ النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مُسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف، فلم يأمر به، ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا نسلَ له، ثم بعد ذلك كان يستقذره، فلا يأكله، ولا يحرمه، وأُكِل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من ذلك أنه يُكره مطلقًا.

وفي "مسلم" عن يزيد بن الأصم، قال: دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبًا، فآكلٌ وتاركٌ، فلقيت ابنَ عباس من الغد، فأخبرته، فأكثر القوم حوله، حتى قال بعضهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آكلُه، ولا أنهى عنه، ولا أحرمه".

(1) رواه أبو داود (3795)، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضب، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 196)، وابن حبان في "صحيحه"(5266)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 197).

(2)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 197).

ص: 550

فقال ابن عباس: بئس ما قلتم، ما بُعث نبي إلا محرِّمًا أو محللًا (1).

وفي الحديث زيادة لفظة سقطت من رواية مسلم عند أبي بكر بن أبي شيبة، وهو شيخ مسلم، ولفظه في "مسنده" بالسند الذي ساقه مسلم:"لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أُحله، ولا أُحرمه"(2)، وكأن مسلمًا حذفها عمدًا؛ لشذوذها؛ لأن ذلك لم يقع في شيء من الطرق، لا في حديث ابن عباس، ولا غيره، وأشهرُ من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا آكله ولا أحرمه" ابنُ عمر، وليس في حديثه:"ولا أحله"، بل جاء التصريح عنه بأنه حلال.

وبعدما ساق الطحاوي الأحاديث المشعرة بكراهة أكله، قال: إنه لا بأس بأكل الضب، وبه أقول (3).

واختلف في الكراهة عند الحنفية لأكل الضب، هل هي للتنزيه، أو للتحريم؟ المعروفُ عند أكثرهم أنها للتنزيه، وجنح بعضهم إلى التحريم (4).

والحاصل: أن الصحيح المعتمد: طيبُ أكلِ الضب وحلُّه من غير كراهة، والله أعلم.

وفي الحديث: دليلٌ على جواز الأكل من بيت القريب، والصهر، والصديق، وكأن خالدًا ومن وافقه في الأكل أرادوا جبر قلب التي أهدته، أو لتحقق حكم الحل، أو لامتثال قوله صلى الله عليه وسلم:"كلوا"، ومن لم يأكل، فَهِمَ أن الأمر فيه للإباحة.

(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1948).

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(24348).

(3)

انظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (4/ 202).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (9/ 666 - 667).

ص: 551

وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤاكل أصحابه، ويأكل اللحم حيث تيسر، وأنه كان لا يعلم من المُغَيبات إلا ما علمه الله تعالى.

وفيه: وفورُ عقل ميمونة أمِّ المؤمنين، وعظيمُ نصيحتها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها فهمت مَظِنَّة نفوره عن أكله بما استنفرت منه، فخشيَتْ أن يكون ذلك كذلك، فيتأذى بأكله؛ لاستقذاره له، فصدقت فراستُها.

ويؤخذ منه: أنه من خشي أن يتقذر شيئًا، لا ينبغي له أن يدلس له؛ لئلا يتضرر به (1)، والله الموفق.

(1) المرجع السابق، (9/ 667).

ص: 552