المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث السادس عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٦

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب القصاص

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌كتاب الحدود

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب حد السرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب حد الخمر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كتاب الأيمان والنذور

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب النذر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب القضاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب الصيد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

الفصل: ‌ ‌الحديث السادس عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ

‌الحديث السادس

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -يَعْنِي: مِنْ مَكَّةَ-، فَتَبِعَتْهُ ابْنهُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ! يَا عَمِّ فَتنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لفَاطِمَة: دُونَكِ ابْنهَ عَمِّكِ فَاحْتَمَلَهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيُّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيُّ: أَنَا أَحَقُّ بهَا، وَهِيَ ابْنهُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابنهُ أَخِي. فَقَضَى بهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لخَالَتِهَا، وَقَالَ:"الخَالَةُ بمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وَقَالَ لِعَلِيٍّ:"أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ"، وَقَالَ لِجَعْفَر:"أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"، وَقَالَ لِزَيْدٍ:"أَنْتَ أَخُونا وَمَوْلَانَا"(1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (2552)، كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان، وفلان بن فلان، و (4005)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.

قلت: وهذا الحديث من أفراد البخاري بهذا السياق، قال الزركشي في "النكت على العمدة" (ص: 299)، وكذا عزاه إليه البيهقي في "سننه"، وعبد الحق في "الجمع بين الصحيحين"، والمزي في "الأطراف"، ووقع لصاحب "المنتقى"، ولابن الأثير في "جامع الأصول": أنه من المتفق عليه، ومرادهما قصة صلح الحديبية منه، والمصنف اختصره، والبخاري ذكره في موضعين من "صحيحه" مطولًا، انتهى.

وقد رواه -أيضًا- الترمذي (1904)، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في بر =

ص: 40

(عن) أبي عمارة (البراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه ما - فهو صحابيّ بنُ صحابي -كما تقدم في ترجمته- (قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: من مكة-) المشرفة، وذلك بعد فراغهم من عمرة القضاء، فإنهم لما خرجوا بعد العمرة من مكة، وكانت في السادسة من الهجرة، (فتبعته) عليه الصلاة والسلام (ابنة) عمه (حمزةَ) بنِ عبد المطلب رضي الله عنه (تنادي) بصوتها:(يا عمِّ يا عمِّ! فتناولها علي) بن أبي طالب -رضوان الله عليه- (فأخذ بيدها، وقال لـ) زوجته (فاطمةَ) سيدةِ النساء، وبنتِ رسول ربّ الأرض والسماء صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين دائمًا أبدًا:(دونَكِ) يا فاطمةُ (ابنة عمك) أُمامة بنت حمزة -رضوان الله عليه-، فخذيها، (فاحتملها) علي رضي الله عنه (فاختصم فيها)؛ أي: في ابنة حمزة رضي الله عنهما (علي) لكونه ابنَ عمها، (وزيد) بن حارثة، لكونه كان مؤاخيًا لحمزة، وكذا ابن عمها (جعفر) بن أبي طالب الطيار، وسُمِّيَ ذا الجناحين؛ لأنه رضي الله عنه قاتل يومَ غزوة مؤتة حين قطعتْ إحدى يديه، فأخذ اللواءَ بالثانية، فلما قُطعت، حضَن اللواءَ حتى قتل، فعوّضه الله عن يديه جناحين يطير بهما في الجنّة، وكان يكنى: أبا عبد الله، ووالدُه أبو طالب عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم اسمه: عبدُ مناف كما تقدم في ترجمة علي رضي الله عنه.

وكان يقال لجعفر -أيضًا-: ذا الهجرتين.

= الخالة، بلفظ:"الخالة بمنزلة الأم"، ثم قال: وفي الحديث قصة طويلة.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 82)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1396)، و"فتح الباري" لابن حجر (7/ 502)، و"عمدة القاري" للعيني (13/ 276)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 229)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 137).

ص: 41

ويروى أنه لما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم نعيُ جعفر رضي الله عنه، وأتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم امرأتَه أسماءَ بنتَ عُميس، فعزّاها في زوجها جعفرٍ، دخلت فاطمةُ وهي تبكي وتقول: واعمّاه! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على مثلِ جعفرٍ فلتبكِ البواكي"(1).

ولما قدم جعفرٌ من أرض الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، تلقاه صلى الله عليه وسلم، واعتنقه، وقال عليه الصلاة والسلام:"ما أَدري بأَيِّهما أنا أشدُّ فرحًا: بقدومِ جعفر، أم بفتحِ خيبر"(2)، وكان جعفرٌ وأصحابه رضي الله عنهم سببَ إسلام النجاشي ملكِ الحبشة رضي الله عنه، وكان إسلام جعفر قديمًا.

قال ابن الأثير: إنه أسلم بعد أُحد وثلاثين إنسانًا.

وقال الذهبي: يروى أن عليًا أسلم، ثم زيد، ثم جعفر، وكان الصدّيق رابعَهم، وفيه نظر، والمعتمد خلافه.

وكان جعفر رضي الله عنه أشبهَ الناس بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال كما في الحديث الصحيح:"أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي".

والمشبَّهون به صلى الله عليه وسلم: جعفر، والحسنان، وقُثَمُ بنُ العباس، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطلب، واسمه المغيرة، ومنهم السائبُ بن عبيد أحدُ أجداد الإِمام الشافعي رضي الله عنه كما نقله الخطيب في "تاريخ بغداد"(3)، ومنهم: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب

(1) ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"(1/ 243).

(2)

رواه البزار في "مسنده"(1328)، والطبراني في "المعجم الكبير"(1478)، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، به.

(3)

انظر: "تاريخ بغداد" للخطيب (2/ 57).

ص: 42

كما في "السنن الكبرى"، ونظمهم الحافظ زينُ الدين عبدُ الرحيم العراقي فقال:[من البسيط]

وَسَبْعَة شُبِّهُوا بِالمُصْطَفَى فَسَمَى

لَهُمْ بِذَلِكَ قَدْرٌ قَدْ زَكَا وَنَما

سِبْطَا النَّبِيِّ أَبُو سُفْيَانَ سَائِبُهُمْ

وَجَعْفرٌ وابْنُهُ ذُو الجُودِ مَعْ قُثَمَا (1)

روى عن جعفر: ابنُه عبدُ الله، وأبو موسى الأشعريُّ، وعمرُو بن العاص، وامرأته أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ -بضم العين وبالسين المهملتين-.

قتل جعفر رضي الله عنه شهيدًا يومَ مؤتةَ في جُمادى الأولى سنة ثماني، وله إحدى وأربعون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون، يقال: إنه وجد فيما أقبل من جسده سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف كما في "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر رضي الله عنهم (2).

(فقال علي) رضي الله عنه: (أنا أحقُّ بها) منكما، (وهي ابنةُ عمي) حمزةَ رضي الله عنه، (وقال جعفر): هي (ابنةُ عمي) كما هي ابنةُ عمّك، (وخالتُها تحتي)، واسم امرأة حمزةَ أُمُّ أمامةَ رضي الله عنهم سلمى بنتُ عميس (3)، فَلي عليكَ بذلكَ مزيّة، (وقال زيد) بن حارثة: هي (ابنة أخي) بالمؤاخاة التي عقدَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيني وبين حمزة، (فقضى بها)؛ أي: بابنة حمزة (النبي صلى الله عليه وسلم لخالتِها) أسماءَ بنتِ عميس التي تحت جعفر بن أبي طالب

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (7/ 97).

(2)

رواه البخاري (4013)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة. وانظر ترجمته في: "الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 242)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (1/ 511)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 154)، و"تهذيب الكمال" للمزي (5/ 50)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (1/ 206)، و"الإصابة في تمييز "الصحابة" لابن حجر (1/ 485).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (7/ 506).

ص: 43

- رضي الله عنهما، (وقال) عليه الصلاة والسلام:(الخالةُ بمنزلةِ الأم) في الشفقة والحُنُوِّ.

وكانت هذه الخصومة والقضاء بعد أن قدموا المدينة المنورة، كما صحّ ذلك في الحديث عند الإِمام أحمد رضي الله عنه (1)، فلما ذكرَ جعفر رضي الله عنه لما ادَّعاه، مرجحين القرابةَ، وكونَ خالتِها عنده، قضى صلى الله عليه وسلم

أن تكون عند خالتها، فاعتبر صلى الله عليه وسلم مُرَجِّحَ جعفر دون مرجِّحهما، ثم طَيَّبَ قلبَ كل واحد منهما بما هو أحبُّ إليه من أخذٍ البنت بأضعافٍ مضاعفة، (و) ذلك أنه صلى الله عليه وسلم (قال لعلي) رضي الله عنه:(أنت مني، وأنا منك، وقال) صلى الله عليه وسلم (لجعفر) رضي الله عنه: (أشبهتَ خَلْقي) -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام: صورتي الظاهرة (وخُلُقي) -بضمهما-: الصورة الباطنة، (وقال) عليه الصلاة والسلام (لـ) مولاه (زيد) بن حارثة -

رضي الله عنه: (أنتَ أخونا) في الدين، وبالمؤاخاة، (ومولانا) بالعتق، وكأنه قال لزيد ذلك نظرًا لقوله -تعالى-:{فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] ، وقد رواه الإِمام أحمد من حديث علي رضي الله عنه أيضًا، وفيه:"والجاريةُ عند خالتها، فإن الخالة [والدة] (2) "(3).

قال الإِمام ابن القيّم في "الهدي": وليست المؤاخاة من مقتضى الحضانة، ولكن زيدًا لَمَّا واخى حمزة، فإنّ الإخاء حينئذٍ يَثبتُ به التوارث، فظن زيدٌ بمقتضى ذلك أنه أحقُّ بها، وأما بنوة العم، فهل تستحق بها الحضانة؟ على قولين:

(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(1/ 230)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(2)

في "ب": "واحدة".

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(1/ 98).

ص: 44

أحدهما: تستحق بها، وهو منصوص الشافعي، وقول الإِمام أحمد، والإمام مالك، وغيرهم؛ لأنه عصبة، وله ولاية القرابة، فيقدَّم على الأجانب كما قُدم عليهم في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت، ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم على جعفر وعليّ ادعاءهما حضانتَها، فلو لم يكن لهما ذلك، لأنكر عليهما الدعوى الباطلة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يُقِرُّ على باطل.

والقول الثاني: أنه لا حضانة لأحد من الرجال سوى الأجداد، وهذا قول بعض الشافعية، وهو مخالف لنصِّه، وللدليل، فعلى قول الجمهور: إذا كان الطفل أنثى، وكان ابنُ العم محرمًا لها برضاع ونحوه، كان له حضانتُها، وإن جاوزت السبع، وإن لم يكن محرمًا، فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ سبعًا، فلا يبقى له عليها حضانة، بل تُسَلّم لمحرم لها إن كان، أو امرأة ثقة.

فإن قيل: حكمه صلى الله عليه وسلم بالحضانة في هذه القصة هل وقع للخالة، أو لجعفر؟

فالجواب: هذا مما اختُلف فيه على قولين منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك، ففي الحديث الذي في "الصحيحين": فقضى بها لخالتها، وكذا في حديث علي عند الإِمام أحمد (1)، وأما عند أبي داود من حديث علي: فقضى بها لجعفر، لتكون مع خالتها، وإنما الخالة أم (2)، وفي رواية عنده: فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر؛ لأن خالتها عنده (3)، ثم ذكره في رواية أخرى، ولفظها: فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، فإنّ الخالة بمنزلة

(1) كما تقدم تخريجه قريبًا.

(2)

رواه أبو داود (2278)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد، من حديث علي رضي الله عنه.

(3)

رواه أبو داود (2279)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد.

ص: 45

الأم (1)، واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا بأن القضاء إن كان لجعفر، فليس محرمًا لها، وهو وعلي على سواء في القرابة منها، وإن كان للخالة، فهي مزوجة، والحاضنةُ إذا تزوجت سقطت حضانتُها.

ولمّا ضاق هذا على ابن حزم، ولم ير عنه جوابا على قاعدة مذهبه، طعن في القصة بجميع طرقها، ثم قال: إلّا أنّ هذا الخبر بكل وجه حجّة على الحنفية والمالكية والشافعية، لكون خالتها كانت مزوجة بجعفر، وهو أجمل شاب في قريش، وليس هو ذا محرم من بنت حمزة (2).

قال الإِمام ابن القيّم في "الهدي": وهذا من تهوره وإقدامه على تضعيف ما اتفق الناس على صحته، فخالفهم وحده، فإن شهرة هذه القصة في الصِّحاح، والسنن، والمسانيد، والسِّير، والتواريخ تغني عن إسنادها، فكيف وقد اتفق عليها صاحبا "الصحيحين" وغيرُهما، ولم يحفظ عن أحد قبلَه الطعنُ فيها البتة؟ (3)

تنبيهات:

الأول: الحَضانة -بفتح الحاء المهملة- في اللغة: مصدر حضنت الصبي حضانة: تحملّت مؤونته وتربيته، عن ابن القطاع، والحاضنة: التي تربي الطفل، سميّت بذلك؛ لأنها تضم الطفل إلى حضنها، وهو ما [دون](4) الإبط إلى الكشح، وهو الخصر (5).

(1) رواه أبو داود (2280)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد.

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (10/ 326).

(3)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 480 - 482).

(4)

في الأصل: "عند".

(5)

انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 355).

ص: 46

وفي الشرع: حفظ صغير ومجنون ومعتوه -وهو المختل العقل- عمّا يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل رأس الطفل وبدنه وثيابه، ودهنه وتكحيله، وربطه في المهد وتحريكه لينام، ونحوه، وهي واجبة، كالإنفاق عليه، ومستحقها رجلٌ عصبة أو امرأة وارثة، أو مدلية بوارث، كالخالة، وبناتُ الأخوات، أو مدليةٌ بعصبة، كبنات الإخوة، والأعمام، وذوي رحم غير من تقدم، وحاكم (1).

الثاني: في بيان أولى الناس بحضانة الطفل ونحوه، وأحقهم بها إذا افترق الزوجان، ولهما طفل ونحوه، ذكرًا كان أو أنثى، فأحقُّ الناس بحضانته أمه كما قبل الفراق، مع أهليتها وحضورها، وقبولها ولو بأجرة مثلها، كالرضاع، هذا معتمد المذهب بلا ريب (2).

وقال أبو حنيفة: إن كان ثَمَّ متطوع بالرضاع، أو من ترضعه بدون أجرة مثل، فللأب أن يسترضعَ غيرَ الأم بشرط كونِ الرضيع عند الأم؛ لأن الحضانة لها.

وعن مالك كأبي حنيفة.

وعنه: الأم أولى بكل حال، وهو أحد قولي الشافعي كمعتمد مذهبنا، والقول الثاني للشافعي كأبي حنيفة.

واتفق الأئمة الأربعة على أن الحضانة للأم (3)؛ لأنه لا يقوم مقامَها في مصلحة الطفل أحدٌ، فإن الأب لا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 77).

(2)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(3)

انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 186).

ص: 47

امرأته، وأمه أولى من امرأة أبيه، فلو امتنعت الأم من الحضانة، لم تُجبر، وانتقلت إلى مَنْ بعدَها (1).

ومحل أولوية أمه ما لم تتزوج بأجنبي، فمتى تزوجت، ودخل بها الزوج، سقطت حضانتها (2).

ومعتمد المذهب: تسقط حضانتها من حين العقد، خلافًا لمالك، ولو رضي الزوج، لئلا يكون في حضانة أجنبي، خلافًا لصاحب "الهدي"(3)، فإن كان الزوج ليس أجنبيًا، كجده وقريبه، ولو كان الزوج غير محرم للمحضون، لم تسقط الحضانة (4).

وقال مالك والشافعي: تسقط حضانتها بالتزويج مطلقًا، نعم، قال مالك: إن كانت مزوجة بجده لا تسقط، وقال أبو حنيفة: تسقط ما لم يكن الزوج ذا محرم، فإن زال المانع، بأن طلقت بائنًا، عادت حضانتها، خلافًا لمالك، هكذا نقله أبو المظفر بن هبيرة (5)، وأشار إلى مثله في "الفروع"(6)، وهكذا نقله صاحب "الهدي" في "هديه"، وعبارته: اختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:

أحدها: سقوطُها به مطلقًا، سواء كان المحضون ذكرًا أو أنثى، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وكذا أحمد في المشهور عنه، حتى

(1) انظر "الإقناع" للحجاوي (4/ 77).

(2)

انظر "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 186).

(3)

انظر "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 485).

(4)

انظر "الإقناع" للحجاوي (4/ 79 - 80).

(5)

انظر "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 186).

(6)

انظر "الفروع" لابن مفلح (5/ 467).

ص: 48

قال ابن المنذر: وأجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح.

الثاني: أنها لا تسقط بالتزويج بحال، ولا فرق في الحضانة بين الأيّم وذاتِ البعل، ويحكى هذا عن الحسن البصري، وهو قول أبي محمَّد بن حزم.

الثالث: إن كان المحضون بنتًا، لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ذكرًا، سقطت، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، فإنه قال في رواية مهن ابن يحيى الشامي: إذا تزوجت الأم وابنُها صغير، أُخذ منها، قيل له: والجاريةُ مثل الصبي؟ قال: لا، الجاريةُ تكون مع أمها إلى سبع سنين.

القول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسب من الطفل، لم تسقط حضانتها، ومعتمد قول علماء المذهب: عدم اعتبار كون الزوج محرمًا، خلافًا للحنفية، واعتبر الإِمام مالك أن يكون الزوج جدًّا للطفل (1).

قلت: وفي "المنهاج" للإمام النووي: ولا حضانة لناكحة غيرَ أبي الطفل إلّا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح.

قال شارحه الرملي على قوله: وناكحة غير أبي الطفل: وإن رضي زوجها، وإن لم يدخل بها، ما لم يرض الزوج والأب ببقائه مع الأم.

قال: أما ناكحة أبي الطفل وإن على، فحضانتها باقية، أما الأب فظاهر، وأما الجد، فإنه وليّ تامُّ الشفقة.

وعلى قوله: إلا عمه وابن عمه وابن أخيه، أي: إلّا إن تزوجت من له حقّ في الحضانة؛ أي: في الجملة، ورضي به، كأن تزوجت عمه وابن عمه

(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 454 - 455).

ص: 49

وابن أخيه، أو أختُه لأمه أخاه لأبيه في الأصح؛ لأن هؤلاء أصحابُ حق في الحضانة، والشفقةُ تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونان على كفالته، بخلاف الأجنبي.

قال: والثاني يبطل حقها، لاشتغالها بالزوج، ولا حق له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي، ويتصور نكاح ابن الأخ فيما إذا كان المستحق غير الأم وأمهاتها، كأن تتزوج أختُ الطفل لأمه بابن أخيه لأبيه، فإنها تقدَّم على ابن أخيه لأبيه في الأصح (1)، انتهى.

فعلى هذا يتحد مذهبنا ومذهب الشافعية في ذلك، والله أعلم.

لكن وعبارة القاضي ذكر في "المنهج وشرحه": ولا ناكحة غير أبيه، وإن رضي؛ لأنها مشغولة بحق الزوج، إلّا من له حق في الحضانة بقيدٍ زدته بقولي: ورضي، فلها الحضانة (2)، انتهى.

قال في "الهدي": ودليل سقوط الحضانة بالتزويج ما رواه عَمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إنّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثديي له سِقاءً، وحجري له حِواء، وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينزِعَه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (3)، وقال الصدّيق: هي أحقُّ به ما لم تتزوج، ووافقه عمرُ على ذلك (4)،

(1) انظر: "نهاية المحتاج" للرملي (7/ 212).

(2)

انظر: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" للشيخ زكريا الأنصاري (2/ 214).

(3)

رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 182)، وأبو داود (2276)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد، والحاكم في "المستدرك"(2830)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 4).

(4)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(12598).

ص: 50

ولا مخالف لهما من الصحابة رضي الله عنهم، وقضى به شريح.

وروى عبد الرزاق عن رجلٍ صالح من أهل المدينة، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجلٍ من الأنصار، فقُتل عنها يوم أُحد، وله منها ولد، فخطبها عمُّ ولدها ورجل آخرُ إلى أبيها، فأنكح الآخرَ، فجاءت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وتركَ عمَّ ولدي، فأخذ مني ولدي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال:"أنتَ الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عَمَّ ولدِك"(1)، فلم ينكر أخذ الولد منها لمّا تزوجت، بل أنكحها عمّ الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليلٌ على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيبٍ من الطفل.

وهذا الحديث، وإن اعترض عليه ابن حزم بأنه مرسل، وفيه مجهول (2)، فإن أبا سلَمةَ من كبار التابعين، وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، وإذا تحقق، فمرسل جيد له شواهدُ مرفوعة وموقوفة، فالاعتماد ليس عليه وحده، وعَنى بالمجهول الرجلَ الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أنّ هذه الشهادة لا تعرف به، ولكن المجهول إذا عدّله الراوي عنه الثقةُ، ثبتت عدالتُه، وإن كان واحدًا على أحد القولين، وصححه في "الهدي"، قال: لأن التعديل من باب الإخبار والحكم، لا من باب الشهادة، ولا سيما التعديل في الرواية، فإنه يكتفى فيه بالواحد، مع أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له في أحد القولين، وإن لم يصرّح بالتعديل، وهو إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد، فإذا روى عنه، وصرّح بتعديله، خرج عن

(1) رواه عبد الرزاق في "المصنف"(10304).

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (10/ 325).

ص: 51

الجهالة التي تُرَدُّ لأجلها روايتُه، لا سيما إذا لم يكن معروفًا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين، وأبو الزبير، وإن كان فيه تدليس، فليس معروفًا بالتدليس عن المتهمين و"الضعفاء" بل من جنس تدليس السلف، فإنهم لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما أكثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين (1).

وبعد الأم الأَوْلى بالحضانة أمهاتُها، ثم أب، ثم أمهاته، ثم جد، ثم أمهاته، وهلم جرًا، ثم أخت لأبوين، فأخت من أُم تقدَّم على أختٍ من أب، وخالةٌ تقدم على عمّة، وخالةُ أم تقدم على خالة أب، وخالات أب على عمّاته، ومن يُدلي من عمّات وخالات بأم على من يدلي بأب، وتحرير ذلك: أنها تقدم أُم، ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب، ثم أمهاته كذلك، ثم جد، ثم أمهاته كذلك، ثم أخت لأبوين، [ثم لأم](2)، ثم لأب، ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم عمّات كذلك، ثم خالات أمه، ثم خالات

أبيه، ثم عمّات أمه، ثم عمّات أبيه، ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعمّاته، ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمات أبيه (3)، على الخلاف المشهور بين الأئمة.

واختار الإِمام ابن القيّم في "الهدي" أن المقدّم بعد الأم أقاربُ الأب لا أقاربها، قال: وهو أصح دليلًا، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية.

قال: وهو الذي ذكره الخرقي في "مختصره"، قال: وإنما قدّمت الأم، لكونها أنثى، لا لتقديم جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحة، لترجَّحَ رجالها

(1) انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 456 - 457).

(2)

ما بين معكوفين سقطت من "ب".

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 77 - 78).

ص: 52

ونساؤها على الرجال من جهة الأب، بل إنما قدّمت؛ لأن النساء أرفقُ بالطفل، وأخبرُ بتربيته، وأصبرُ على ذلك، وعلى هذا فالعمّة أولى من الخالة كما نصّ عليه الإِمام أحمد في إحدى الروايتين، وبهذا قضى شريح، فإنه اختصم عنده عم وخال في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح (1)، وأورد على نفسه: أنه كان لابنة حمزة رضي الله عنها عمّة، وهي صفية بنت عبد المطلب أختُ حمزة، وكانت موجودة في المدينة، فإنها هاجرت، وعزّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخيها حمزةَ، وشهدت الخندقَ، وبقيت إلى خلافة عمر، ومع ذلك قدّم النبي صلى الله عليه وسلم خالة بنت حمزة أسماءَ بنتَ عميس عليها، فهذا يدل على تقديم مَنْ في جهة الأم على مَنْ في جهة الأب، فأجاب: بأن صفية رضي الله عنها لم تطلب الحضانة، ولم تنازع فيها، فلو طلبتها، ولم يقض لها بها، وقدّم عليها الخالة، لكان فيه الدليل لِمدَّعاكم، والحضانة حقٌّ للمرأة، فإذا تركتها، انتقلت إلى غيرها (2)، انتهى.

ومعتمد المذهب: تقديم الخالة على العمة، والله أعلم.

الثالث: يُشترط في الحاضن ستة شروط:

أحدها: اتفاقُهما في الدِّين، فلا حضانة لكافر على مسلم، لانقطاع الولاية بين المسلم والكافر، والمسلمون بعضُهم أولياء بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله -سبحانه- بين الفريقين.

وقال أهل الرأي، وابن القاسم، وأبو ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد، واحتجوا بما في "سنن النسائي" من حديث عبد الحميد بن

(1) انظر: "المحلى" لابن حزم (10/ 324).

(2)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 438 - 440).

ص: 53

جعفر عن أبيه، عن جده رافع بن سنان: أنه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ابنتي، وهي فطيم أو مشبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اقعد ناحية"، وقال لها:"اقعدي ناحية"، وقال لهما:"ادعواها"، فمالت الصبيّة إلى أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهدِها"، فمالت إلى أبيها، فأخذها (1).

قالوا: ولأن الحضانةَ أمران: الرضاعةُ، وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من الكافر.

قال له المانعون: أما الحديث، فلا حجّة فيه؛ لأن الإِمام يحيى بن سعيد القطان ضعّف عبد الحميد بنَ جعفر بنِ عبد الله بنِ الحسن بنِ رافع بن سنان الأنصاريَّ الأوسيَّ، وكان سفيان يحمل عليه، وضعّف ابنُ المنذر وغيرُه الحديثَ.

قال الإِمام الموفق في "المغني": وهذا الحديث لا يُثْبته أهل النقل، وفي إسناده مقال (2). على أن ليس في الحديث ما يدل على مدَّعاهم؛ لأن فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لها بالهداية، فدلّ على أنّ كونها مع الكافر خلاف الهداية، ومن كان على خلاف هدي الله الذي أحبه من عباده، كان على غير حق، ولا حق له.

قال في "الهدي": والعجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأيّ فسق

(1) رواه النسائي في "السنن الكبرى"(6385)، وكذا أبو داود (2244)، كتاب: الطلاق، باب: إذا أسلم أحد الأبوين، مع من يكون الولد؟ والإمام أحمد في "المسند"(5/ 446).

(2)

انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 190).

ص: 54

أكبر من الكفر؟ وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر؟.

الثاني: العدالة: فلا حضانة لفاسق.

قال في "الهدي": الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي، وغيرهم، قال: واشتراطها في غاية البعد، قال: ولو اشترطت في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمّة، واشتد العنت، قال: ولم نزل من حين قام الإِسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفسّاق بينهم، لا يتعرض لهم أحد في الدنيا، مع كونهم هم الأكثرين، قال: وهذا في الحرج والعسر، واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسوق في الناس، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من أصحابه فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه موليته، والعادة شاهدة بأن الرجل، ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، ويكفي في ذلك الباعث الطبيعي، وإن قدر خلاف ذلك، فهو نادر لا حكم له، ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولايةِ النكاح، لكان بيانه للأمة من أهم الأمور، واعتناءُ الأمّة بنقله وتوارثِ العمل به مقدّمًا على كثيرٍ مما نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه؟!

الثالث: العقل، فلا حضانة لمجنون ومعتوه وطفل؛ لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم؟.

ص: 55

الرابع: الحرية، فلا حضانة لرقيق، ولو مبعَّضا، ولو كان بينه وبين سيده مهايأة.

واختار في "الهدي" عدمَ اعتبار الحرية، قال: لأنه لا ينهض عليه دليل يركن القلب إليه.

قال الإِمام مالك في حر له ولد من أَمَة: إن الأم أحقُّ به إلا أن تُباع فتنتقل، فيكون الأب أحقَّ، قال: وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فرّق بين والدةٍ وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"(1).

والمعتمد: لا حضانة لها حيث كانت رقيقة؛ لأن منافعها مملوكة لسيدها، فهي مستغرقة في خدمته (2).

نعم استثنى الشافعية ما لو أسلمت أم ولد كافر، فحضانته لها، وإن كانت رقيقة ما لم تنكح، لفراغها؛ لأن السيد ممنوع من قربانها (3).

قلت: وهذا غير منافٍ لقواعد مذهبنا إن لم يكن له حاضن مسلم.

الخامس: عدم نكاحها -الأجنبي كما تقدم-.

السادس: القدرة عليها، فلا حضانة لعاجز عنها، كأعمى ونحوه (4).

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ضعفُ البصر يمنع من كمال ما يحتاج إليه المَحْضُونُ من المصالح (5).

(1) رواه الترمذي (1283)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها في البيع، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 412)، عن أبي أيوب رضي الله عنه.

(2)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 459 - 462).

(3)

انظر: "فتح الوهاب" للشيخ زكريا الأنصحاري (2/ 214).

(4)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 79).

(5)

انظر: "الفتاوى المصرية الكبرى" لشيخ الإِسلام ابن تيمية (4/ 593).

ص: 56

وإذا كان بالأم برص أو جذام، سقط حقها من الحضانة.

صرّح بذلك العلائي الشافعي في "قواعده"، قال: لأنه يُخشى على الولد من لبنها ومخالطتها، انتهى. ونقله في "الإقناع"(1)، والله أعلم.

فائدة:

متى زالت الموانع، كأنْ أسلم الكافر، وتاب الفاسق، وعَتَقَ الرقيق، وعقل المجنون، وطُلَقت المزوَّجة -كما تقدم- ولو رجعيًا، ولم تنقض العدّة، عاد إليهم حقهم عندنا (2)، كالشافعية.

وقال أبو حنيفة: لا تعود للمطلقة حتى تنقضي العدّة.

وقال مالك: لا تعود إليها أبدًا -كما تقدم- (3).

السابع: لا تثبت الحضانة على البالغ الرشيد العاقل، وإليه الخِيرةُ في الإقامة عند من شاء من أبويه، فإن كان رجلًا، فله الانفراد بنفسه، إلا أن يكون أَمْرَدَ يخاف عليه الفتنة، فيمنع من مفارقتهما، ويُستحب أَلَّا ينفرد عن أبويه، وأَلَّا يقطع برّه عنهما، وإن كانت جارية، فليس لها الانفراد، ولأبيها وأوليائها عند عدمه منعُها منه، وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلًا، واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما، جاز، وإن تنازعا، خيّره الحاكم بينهما، فكان مع مَنِ اختار منهما.

قال ابن عقيل: مع السلامة من فساد، فأما إذا علم أنه يختار أحدهما ليمكنه من الفساد، ويكره الآخر للأدب، لم يُعمل بمقتضى شهوته، انتهى.

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 79).

(2)

المرجع السابق، (4/ 80).

(3)

وانظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 186).

ص: 57

ولا يُخير قبل سبع، فإن اختار أباه، كان عنده ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع من زيارة أمه، وإن مرضَ، فهي أحق بتمريضه في بيتها، وإن اختار أمه، كان عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا، ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدِّبه، فإن عاد فاختار الآخر، نقل إليه، فإن أبي أن يختار أحدهما، واختارهما معًا، أُقرع بينهما، فإن اختار غير من قدم بالقرعة، رجع إليه، ولا تخيير إن لم يكن أحد أبويه من أهل الحضانة، وتعين كونه عند من هو أهلها منهما، وإن اختار أباه، ثم زال عقله، رُدّ إلى أمه.

وأما الجارية إذا بلغت سبع سنين فصاعدًا، فهي عند أبيها إلى البلوغ، وكذا بعده إلى لزفافها وجوبًا، ولو تبرعت الأم بحضانتها (1).

ولم يقل مالك ولا أبو حنيفة بالتخيير مطلقًا، ثم اختلفا.

فقال أبو حنيفة: الأم أحقُّ بالجارية حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ثم يكونان عند الأب، وعند مَنْ سوى الأبوين ممَّن هو أحقُّ بهما حتى يستغنيا، ولا يعتبر البلوغ.

وقال مالك: الأم أحقُّ بالولد، ذكرًا كان أو أنثى حتى يشغر، هذه رواية ابن وهب، وروى ابن القاسم: حتى يبلغ، ولا يخير بحال.

وقال الليث: الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتى تبلغ، ثم الأب أحق بهما بعد ذلك.

وقال الحسن: الأم أولى بالبنت حتى يَكْعَبَ ثدياها، وبالغلام حتى ييفعَ (2)، فيُخيران بعد ذلك بين أبويهما، الذكر والأنثى.

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 80 - 82).

(2)

في "ب": "يفع".

ص: 58

قال في "الهدي": ثبت التخييرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة (1)، وثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة البتةَ، ولا أنكر منكر، فوجب المصير إليه، والتعويل عليه، والله الموفق (2).

(1) رواه أبو داود (2277)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد، والنسائي (3496)، كتاب: الطلاق، باب: إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد.

(2)

انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 467 - 468).

ص: 59