الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءً مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ إِلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (6484)، كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. . . .} [المائدة: 45] ومسلم (1676/ 25)، واللفظ له، و (1676/ 26)، كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم، وأبو داود (4352)، كتاب الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد، والنسائي (4016)، كتاب: تحريم الدم، باب: ما يحل به دم المسلم، و (4721)، كتاب: القسامة، باب: القود، والترمذي (1402)، كتاب: الديات، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وابن ماجه (2534)، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 476)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 38)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 164)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 84)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1399)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 201)، و"عمدة القاري" للعيني (24/ 40)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (10/ 48)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 231)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 146).
(عن) أبي عبدِ الرحمن (عبدِ الله بنِ مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحلُّ دم امرئٍ مسلم) من ذكرٍ وأنثى؛ أي: لا يَسوغ، ولا يُشرع ولا يحل قتلُ شخصٍ مسلم (يشهد أن لا إله إلّا الله، وأني رسول الله) لأحد من الخلق.
لكن روي عن الإِمام أحمد رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة الآتي ذكرها، وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس له ذلك.
كأنَّ الإِمام أحمد رضي الله عنه يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى في ذلك مصلحة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام معصومٌ من التعدِّي والحيف، وأما غيره، فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمونٍ عليه التعدي بالهوى (1).
قال أبو داود: سمعت أحمدَ سئل عن حديث أبي بكر: ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلّا بإحدى ثلاث، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل (2).
وحديث أبي بكر المشار إليه هو: أنّ رجلًا كَلَّمَ أبا بكر، فأغلظَ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم (3)(إلّا بإحدى) خصلة من (ثلاث) يتصف بواحدة منها:
- الأولى من الخصال الثلاث: ما أشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: (الثيَّب الزاني)، وهو من زنى بعد إحصانه.
(1) انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 131).
(2)
انظر: "مسائل الإِمام أحمد- رواية أبي داود"(ص: 306).
(3)
رواه النسائي (4073)، كتاب: تحريم الدم، باب: ذكر الاختلاف على الأعمش في هذا الحديث، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 9).
قال في "المطالع": مِنْ ثاب يثوب، كأنه من إعادة الوطء (1)؛ لأنه لمّا أحصن فرجَه وأهلَه بوطئه زوجته، ثم أعاد وطء من ليس له زوجةً ولا سُرِّيَّةً، استحق ما شرّعه الله ورسوله، والمحصَن في حدّ الزنى غيرُ المحصَن في باب القذف، فالإحصانُ في باب حدّ الزنى: هو من وَطِىءَ امرأته -ولو كتابيّة- في قُبلها وَطْئًا حصل به تغييبُ الحشفة أو قدرِها في نكاحٍ صحيح، وهما بالغان عاقلان حرّان ملتزمان لديننا، فإن اختلّ شرطٌ منها، ولو في أحدهما، فلا إحصان لواحدٍ منهما، فلا يحصل الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاحٍ فاسد، ولا في نكاحٍ خالٍ عن الوطء، سواء حصل فيه خلوةٌ أو وطءٌ فيما دون الفرج، أو في الدبر، أو لا (2).
والزاني: من وطئ امرأة في قُبلها، وهي حرامٌ عليه، ولا شبهة له في وطئها، ويحصل الزنى بدخول الحشفة أو قدرِها بلا حائل، والوطءُ في الدبر مثلُه (3).
ولفظ الزنى يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد (4).
وأنشد ابن سيده: [من البسيط]
أَمَّا الزِّنَاءُ فَإِنِّي لَسْتُ قَارِبَهُ
…
وَالْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَمْرِ نِصْفَانِ (5)
(1) وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 136).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 217).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 53).
(4)
قاله الجوهري في "الصحاح"(6/ 2368)، (مادة: زنى).
(5)
انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 370)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.
وقد جاء في معني ما دلّ عليه حديث ابن مسعود هذا عدّة أحاديث: من حديث عائشة رواه مسلم (1).
وأخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس"(2).
وفي رواية للنسائي: "رجلٌ زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قتل محمدًا، فعليه القود، أو ارتدَّ بعد إسلامه، فعليه القتل"(3).
روي -أيضًا- من حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، وغيرهم رضي الله عنهم.
والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، فأجمع المسلمون: أن حدّ زنى الثيِّب إذا زنى: الرجم حتى يموت، وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا، والغامدية، وكان في القرآن الذي نُسخ لفظه وبقي معناه:"والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزير حكيم"(4).
(1) رواه مسلم (1676/ 26)، كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم.
(2)
رواه النسائي (4058)، كتاب: تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد، والترمذي (2158)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وابن ماجه (2533)، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث.
(3)
رواه النسائي (4057)، كتاب: تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد.
(4)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 132)، والنسائي في "السنن الكبرى"(7150)، عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
وقد استنبط ابن عباس رضي الله عنهما الرجمَ من القرآن من قوله -تعالى-: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة: 15]، قال: من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، ثم تلا هذه الآية، وقال: كان الرجم ممّا أخفوا، أخرجه النسائي، والحاكم وصححه (1).
ويُستنبط -أيضًا- من قوله -تعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] إلى قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] قال الزهريّ: بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:"إني أحكم بما في التوراة"، وأمر بهما فرُجما (2).
وخرج مسلم في "صحيحه" من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قصة رجم اليهوديين، وقال في حديثه: فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41]، وأنزل:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] في الكفار كلها (3).
وخرّجه الإِمام أحمد، وعنده: فأنزل الله: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] إلى قوله: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41] ويقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد،
(1) رواه النسائي في "السنن الكبرى"(7162)، والحاكم في "المستدرك"(8069).
(2)
رواه أبو داود (4450)، كتاب: الحدود، باب: في رجم اليهوديين، من طريق عبد الرزاق في "المصنف"(13330).
(3)
رواه مسلم (1700/ 28)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة، في الزنى.
فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، قال: في اليهود (1).
وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] إلى قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} (2)[المائدة: 42] وكان الله -تعالى- قد أمر أولًا بحبس الزواني إلى أن يتوفاهنَّ الموت أو يجعل الله لهنَّ سبيلًا، ثم جعل الله لهنَّ السبيل، ففي "مسلم" عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البِكرُ بالبكرِ جلدُ مئة وتغريبُ عام، والثيِّبُ بالثِّيبِ مئةُ جلدة والرجمُ"(3)، وآية الرجم في "الصحيحين" وغيرهما (4).
قال في "الفروع": فإن قيل: لو كانت في المصحف، لاجتمع العمل بحكمها، وثواب تلاوتها.
قال ابن الجوزي: أجاب ابن عقيل فقال: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استقصاء لطلب طريق مقطوع به قنوعًا بأيسر شيء كما سارع الخليل صلى الله عليه وسلم إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي وأقلّها (5). ويأتي الكلام على الزنى في باب الحدود -إن شاء الله تعالى-.
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 286).
(2)
رواه الحميدي في "مسنده"(1294).
(3)
رواه مسلم (1690/ 12)، كتاب: الحدود، باب: حد الزنى، بلفظ:"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
(4)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 124 - 125).
(5)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 73).
- (و) لخصلة الثانية من الخصال التي يحلّ بها دم المسلم: (النفسُ) من المؤمن يحلّ ويشرع قتلها (بالنفس)؛ يعني: أن المكلف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدًا، فإنه يُقتل بها، وقد دلّ القرآن على ذلك بقوله -تعالى-:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، وقال الله -تعالى-:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة: 178]، لكن يُستثنى من عموم قوله -تعالى-:{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] صور:
منها: أن يقتل الوالدُ ولدَه، فالجمهور على أنه لا يُقتل به، وصحّ ذلك عن عمر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ متعددة، وإن تُكلم في أسانيدها، وقال مالك: إن تعمّد قتله تعمدًا لا شك فيه مثل أن يذبحه، فإنه يُقتل به، وإن حَذفه بسيفٍ أو عصا، لم يُقتل (1)، ومذهب الجمهور: لا يُقتل أحد الأبوين وإن على بالولد وإن سفل، وإن اختلفا دينًا وحريّة، لخبر: لا يُقاد للابن من أبيه، صححه الحاكم والبيهقي (2).
وعن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُقتل والدٌ بولدهِ"، أخرج النسائي حديث عمر (3)، ورواهما ابن ماجه (4)،
(1) انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 125).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(8104)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 36)، بلفظ:"لا يقاد ولد من والده"، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3)
لم أقف عليه في "السنن" والله أعلم.
(4)
رواه ابن ماجه (2661)، كتاب: الديات، باب: لا يقتل الوالد بولده، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"لا يقتل بالولد الوالد". ورواه -أيضًا- (2662)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ:"لا يقتل الوالد بالولد".
وذكرهما ابن عبد البر، وقال: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفا (1)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أنتَ ومالك لأبيك"(2)، وقضية هذه الإضافة تمليكُه إياه، فإذا لم تثبت حقيقة الملكية، ثبتت الإضافة، وهي شبهة في ردّ القصاص؛ لأنه يُدرأ بالشبهات، ولأنه سببُ إيجاده، فلا ينبغي أن يُسلط بسببه على إعدامه، وهذا يخص العمومات، ويفارقُ الأبَ غيرُه من سائر الناس، فإنهم لو قتلوا بالحذف والسيف، وجب عليهم القصاص، والأبُ بخلافه.
وقال بعدم قتل الأب وإن علا بالابن وإن سفل: ربيعة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، خلافًا لنافع، وابن عبد الحكم، وابن المنذر، وكذا مالك على التفصيل الذي ذكرناه عنه (3).
وأما الفرع، فيقتل بأصله.
ومنها: أن يقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنه لا يُقتل به، روي عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير رضي الله عنهم، وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وروي ذلك -أيضًا- عن الشعبي، وهو المذهب، وعليه علماؤنا.
وقال سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي: إنه يُقتل به، لعموم الآيات والأخبار، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون
(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (23/ 437).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 227).
تتكافأ دماؤهم" (1)، ولأنه آدمي معصوم، فأشبه الحر (2).
ولنا ما روى الإِمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال: من السنّة أَلَّا يُقتل حر بعبد (3).
[وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُقتل حر بعبد"](4) رواه الدارقطني (5).
قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": ورد في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال (6).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتلَ الحر به، وقوّى أنه يُقتل به، وقال: هذا الراجح، وأقوى على قول الإِمام أحمد (7)، انتهى.
والمعتمد: الأول.
وقيل: يُقتل الحر بعبد غيره دون عبده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال الثوري: بل يُقتل بعبده -أيضًا-، وبه قالت طائفة من أهل الحديث، لحديث سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل عبدَه،
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 221).
(3)
لم يروه الإمام أحمد في "مسنده"، ولم يعزه إليه ابن الجوزي في "التحقيق"(2/ 310)، وإنما رواه من طريق الدارقطني في "سننه"(3/ 133).
(4)
ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
(5)
رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 133).
(6)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 126).
(7)
انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإِسلام ابن تيمية (14/ 80)، وما بعدها.
قتلناه، ومن جدعه، جدعناه" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (1).
وفي رواية لأبي داود، والنسائي:"ومن خص عبده خصيناه"(2).
وقد طعن الإِمام أحمد في هذا الحديث، وكذا غيرُه من أئمة الحديث طعنوا فيه، وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف، وهذا يدل على طرح هذا الحديث، وعدم العمل به، وهو مما يُستدل به على أن المراد بقوله -تعالى-:{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]: الأحرار (3).
ومنها: أن يقتل المسلم كافرًا، فإن كان حربيًا، فلا يُقتل مسلم به، بغير خلاف، لإباحة قتل الحربي بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهور على أنه لا يُقتل به -أيضًا-، روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، والثلاثة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر.
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 10)، وأبو داود (4515)، كتاب: الديات، باب: من قتل عبده، أو مثَّل به، أيقاد منه، والنسائي (4737)، كتاب: القسامة، باب: القود من السيد للمولى، والترمذي (1414)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في الرجل يقتل عبده، وابن ماجه (2663)، كتاب: الديات، باب: هل يقتل الحر بالعبد.
(2)
رواه أبو داود (4516)، كتاب: الديات، باب: من قتل عبده، أو مثل به، أيقاد منه، والنسائي (4736)، كتاب: القسامة، باب: القود من السيد للمولى.
(3)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 126).
وقال أبو حنيفة: يُقتل المسلم بالكافر، وهو قول النخعي، والشعبي، لكن بشرط كونه ذميًّا خاصّةً.
قال الإِمام أحمد: الشعبي والنخعي قالا: ديَة المجوسي والنصراني مثل ديَة المسلم، وإن قتله، يقتل به، سبحان الله هذا عجيب! يصير المجوسي مثل المسلم! ما هذا القول؟ واستبشعه، وقال: النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر"(1)، وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شيء أشدّ من هذا؟!.
واحتجّوا بالعمومات الواردة من القرآن والأخبار من قوله -تعالى-: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وقوله: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] وبما روى ابن البيلماني: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قاد مسلمًا بذميّ، وقال:"أنا أحقُّ من وفي بذمته"(2).
قالوا: ولأنه معصوم عصمة مؤبدة، ويُقتل به قاتله كالمسلم.
ولنا: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدْنَاهم، وهم يدٌ على مَنْ سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث علي رضي الله عنه (3)، وفي لفظ مسلم:"لا يُقتل بكافر" رواه الإِمام أحمد، والبخاري (4)، وفي لفظ عند الإِمام أحمد من حديث علي رضي الله عنه:"من السنّة أَلَّا يُقتل مؤمن بكافر"(5)، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أنّ
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 134).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
تقدم تخريجه.
النبي صلى الله عليه وسلم قضى ألَّا يُقتل مسلم بكافر، رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه (1)، وفي لفظ قال:"لا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" رواه الإِمام أحمد، وأبو داود (2).
وأما ما ذكروه عن ابن البيلماني، فهو مرسل ضعيف، ضعفه الإِمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي، والجوزجاني، وابن المنذر،
والدارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف، لا تقوم به حجّة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله (3)؟!
وقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة عن إبرهيم بن أبي يحيى، عن ابن المنذر، عن ابن البيلماني، وابنُ أبي يحيى متروك الحديث، وفي مراسيل أبي داود حديث آخر مرسل: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر قتل مسلمًا بكافر قتلة غيلة، وقال:"أنا أولى وأحق من وفي بذمته"(4).
قال الحافظ ابن رجب: وهذا مذهب مالك، وأهل المدينة: أن القتل غيلة لا يُشترط له المكافأة، فيُقتل فيه المسلمُ بالكافر، وعليه حملوا حديثَ ابن البيلماني -أيضًا- على تقدير صحته (5).
والحاصل: أن اعتبار المكافأة، وهي أن يساويه في الدين والحرية
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(2/ 178)، والترمذي (1413)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في دية الكفار، وابن ماجه (2659)، كتاب: الديات، باب: لا يقتل مسلم بكافر.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "سنن الدارقطني"(3/ 134). وانظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 218).
(4)
رواه أبو داود في "المراسيل"(251)، عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي.
(5)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 126).
والرق والاعتبار بحال الجناية، فلا يُقتل مسلم -ولو عبدًا- بكافر ذميّ، ولو ارتد، ولا حر -ولو ذميًا- بعبد، إلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه وهو مثله، أو يكون الجارح مرتدًا، ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق العبد قبل موت المجروح أو بعده، فإنه يُقتل به، نصًا، ولو جرح مسلم ذميًا، أو حر عبدًا، ثم أسلم المجروح، أو عَتق العبدُ ومات، فلا قود عليه، وعليه ديّة حر مسلم (1).
ومنها: أن يقتل الرجل امرأة، فيُقتل بها، بغير خلاف (2)، ويأتي.
- (و) لخصلة الثالثة من الخصال التي يحل بها دم المسلم: (التاركُ لدينه)؛ يعني: دين الإِسلام، بأن ارتدّ عنه (المفارقُ للجماعة) من المسلمين كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان -كما تقدّم-، وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردّة، وحكم الإِسلام لازمٌ له بعدها، ولهذا يُستتاب، ويُطلب منه العود إلى الإِسلام، وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردّة من العبادات اختلافٌ مشهور بين العلماء، -وأيضًا- فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ويدّعي الإِسلام، كما لو كفر بجحد شيء من أركان الدين، أو سبَّ الله أو رسوله، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من بدّلَ دينه، فاقتلوه"(3)، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء.
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 104).
(2)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 126).
(3)
رواه البخاري (2854)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يعذب بعذاب الله.
ومنهم من قال: لا تُقتل المرأة إذا ارتدّت، كما لا تقتل نساء أهل دار الحرب في الحرب، وإنما تُقتل رجالهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، فجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، والجمهور فرّقوا بينهما، فجعلوا الطارئ أغلظَ، لما سبقه من الإِسلام، ولهذا يُقتل بالردّة عن الإِسلام من لا يُقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني، والزَّمِنِ، والأعمى، مع أنهم لا يُقتلون في الحرب.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "التارك لدينه" الحديث: دلالةٌ على أنه لو تاب ورجع إلى الإِسلام، لم يُقتل؛ لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه، ولا مفارق للجماعة.
فإن قيل: بل استثناءُ هذا ممن يعصم دينه من أهل الشهادتين يدل على أنه يُقتل -ولو كان مقراً بهما- كما يُقتل الزاني المحصَن وقاتلُ النفس، وهذا يدل على أنّ المرتدّ لا تُقبل توبته كما حُكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتدّ ممن ولد على الإِسلام، فإنه لا تقبل توبته، وإنما تقبل توبة من كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتدّ، على قول طائفة من العلماء، منهم: الليثُ بن سعد، وإسحاق، والإمام أحمد في رواية مرجوحة.
فالجواب: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه -كما سبق-، وليس هذا كالثيِّب الزاني وقاتل النفس؛ لأن قتلهما وجبَ عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يمكن تلافي ذلك، وأما المرتد، فقتلُه لوصفٍ قائم به في الحال، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة، فإذا عاد إلى دينه وإلى موافقة الجماعة، فقد انتفى الوصف المُبيح لدمه، فتزول إباحة دمه.
فإن قيل: قد أخرج النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها عن
النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاثِ خصالٍ: زانٍ محصَن يُرجم، ورجل قتل متعمدًا، فيقتل، ورجل يخرج من الإِسلام يحارب الله ورسوله، فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض"(1)، وهذا يدل على أن المراد: مَنْ جمعَ بين الردّة والمحاربة.
فالجواب: أن أبا داود أخرج من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظٍ آخر، وهو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا في إحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان،
فإنه يرجم، ورجلٌ خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يَقتل نفسًا، فيُقتل بها" (2) وهذا يدل على أن من وُجد منه الحرابُ من المسلمين، خُير الإمامُ فيه مطلقًا، كما يقوله علماء أهل المدينة مالكٌ وغيرُه، وأما الرواية الأولى، فقد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإِسلام: خروجه عن أحكامه، وقد تُحمل على ظاهرها، ويستدل بذلك من يقول: إن المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب، فُعل به ما في الآية، ومن حاَرب من غير ردّة، أُقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن الإِمام أحمد، لكنها غير مشهورة عنه، ولا هي مذهبه، وكذا قالت طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، منهم: أبو قلابة وغيره، وعلى كلّ حال، فحديثُ عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا، وحديث ابن مسعود لفظه محفوظ لا اختلاف فيه، وهو ثابتٌ متفق على صحته (3).
(1) رواه النسائي (4048)، كتاب: تحريم الدم، باب: الصلب.
(2)
رواه أبو داود (4353)، كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد.
(3)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 126 - 128).
فإن قيل: فقد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث:
فمنها: في اللواط كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا الفاعلَ والمفعول به"(1)، وأخذ به كثير من العلماء، كمالك وأحمد، وقالوا: إنه موجب للقتل بكل حال، محصَنًا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه: أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فزاد على الثلاث: ورجلٌ عمل عملَ قوم لوط (2)، ويأتي الكلام عليه في الحدود.
ومنها: من أتى ذاتَ محرم، فقد روي الأمرُ بقتله (3).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قتلُ من تزوج بامرأة أبيه (4)، وأخذَ بذلك طائفة من العلماء، فأوجبوا قتله مطلقًا، محصَنًا كان أو غير محصَن.
ومنها: الساحر، ففي "الترمذي" من حديث جندب مرفوعًا:"حدُّ الساحر ضربةٌ بالسيف"، وذكر أن الصحيح وقفه على جندب (5)، وهو
(1) رواه أبو داود (4462)، كتاب: الحدود، باب: فيمن عمل عمل قوم لوط، والترمذي (1456)، باب: الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي، وابن ماجه (2561)، كتاب: الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(27905).
(3)
رواه الترمذي (1462)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء فيمن يقول لآخر: يا مخنث، وضعفه، وابن ماجه (2564)، كتاب: الحدود، باب: من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة.
(4)
رواه أبو داود (4457)، كتاب: الحدود، باب: في الرجل يزني بحريمه، والنسائي (3331)، كتاب: النكاح، باب: نكاح ما نكح الآباء، والترمذي (1362)، كتاب: الأحكام، باب: فيمن تزوج امرأة أبيه، وابن ماجه (2607)، كتاب: الحدود، باب: من تزوج امرأة أبيه من بعده.
(5)
رواه الترمذي (1460)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في حد الساحر.
مذهب جماعة من العلماء، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ولكنهم يقولون: إنه يكفر بسحره، فيكون حكمه كمرتد.
ومنها: قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (1)، وقال به طائفة من العلماء.
ومنها: ترك الصلاة، فإن تاركها يُقتل عند كثير من العلماء، مع قولهم: إنه ليس بكافر كما هو معلوم.
ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فقد ورد الأمر به عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن وجوهٍ متعددة (2)، وأخذ بذلك عبدُ الله بن عمرو العاص وغيره، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله (3).
(1) رواه الترمذي (1455)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء فيمن يقع على البهيمة، وابن ماجه (2564)، كتاب: الحدود، باب: من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(2)
رواه أبو داود (4484)، كتاب: الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر، والنسائي (5662)، كتاب: الأشربة، باب: ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر، وابن ماجه (2572)، كتاب: الحدود، باب: من شرب الخمر مرارًا، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه الترمذي (1444)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء: من شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد في الرابعة فاقتلوه، من حديث معاوية رضي الله عنه. ثم قال: وفي الباب: عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمد البلوي، وعبد الله بن عمرو.
(3)
ذكره الترمذي في "سننه"(4/ 49)، عقب حديث (1444)، عن جابر بن عبد الله وقبيصة بن ذؤيب. وانظر:"الضعفاء" للعقيلي (4/ 144).
وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (1)، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه.
ومنها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" خَرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (2).
وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها.
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتاكم وأمرُكم جميع على رجلٍ واحد، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتكم، فاقتلوه"(3)، وفي رواية:"فاضربوا رأسه بالسيف كائنًا من كان"(4)، وقد أخرجه مسلم -أيضًا- من رواية عرفجة.
ومنها: مَنْ شهرَ السلاح، فقد خرج النسائي من حديث ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"من شهر السلاح ثم وضعه، فدمُه هدر"(5)، وقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا (6)، وقال البخاري: إنما هو موقوف (7)، وسئل
(1) رواه أبو داود (4410)، كتاب: الحدود، باب: في السارق يسرق مرارًا، والنسائي (4978)، كتاب: قطع السارق، باب: قطع اليدين والرجلين من السارق، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(2)
رواه مسلم (1853)، كتاب: الإمارة، باب: إذا بويع لخليفتين.
(3)
رواه مسلم (1852/ 60)، كتاب: الإمارة، باب: حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.
(4)
رواه مسلم (1852/ 59)، كتاب: الإمارة، باب: حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع.
(5)
رواه النسائي (4097)، كتاب: تحريم الدم، باب: من شهر سيفه ثم وضعه في الناس.
(6)
رواه النسائي (4098 - 4099)، كتاب: تحريم الدم، باب: من شهر سيفه ثم وضعه في الناس.
(7)
انظر: "العلل" للترمذي (ص: 237).
الإِمام أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا! وقال إسحاق بن راهويه: إنما يريد: من شهرَ السلاحَ ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حلّ قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنساء والذرية.
قال الحافظ ابن رجب: وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة، عن أمه: أن غلامًا شهر السيف على مولاه في إمرة سعيد بن العاص، وتفلّت عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أشار بحديدة إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه"، فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على شرط الشيخين (1).
وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قُتل دون ماله فهو شهيد"(2)، وفي رواية:"من قُتل دون دمه فهو شهيد"(3)، فإذا أُريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل، هذا مذهب الإِمام أحمد، والشافعي، وهل يجب عليه أن
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(2669). وكذا الإِمام أحمد في "المسند"(6/ 266) مختصرًا.
(2)
رواه البخاري (2348)، كتاب: المظالم، باب: من قاتل دون ماله، ومسلم (141)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان المقاصد مهدر الدم في حقه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(3)
رواه النسائي (4094)، كتاب: تحريم الدم، باب: من قاتل دون أهله، والترمذي (1421)، كتاب: الديات، باب: ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 190)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.
ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإِمام أحمد، وذهبت طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه، أُبيح له قتلُه ابتداء، وقد دخل على ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صَلْتًا، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه، لقتله، وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجل ومعه حديدة، فقال: اقتله بأي قتلة قدرت عليه، فهؤلاء أباحوا قتله، وإن ولّى هاربًا من غير جناية، منهم: أبو أيوب السجستاني، وخرج الإِمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الدار حرمك، فمن دخل عليك حرمك، فاقتله"(1)، ولكن في إسناده ضعف.
ومنها: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين، وقد توقف فيه الإِمام أحمد، وأباح قتلَه طائفةٌ من أصحاب مالك، وابنُ عقيل من علمائنا، ومن المالكية من قال: إن تكرر ذلك منه، أُبيح قتله، واستدل من أباح قتله يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يُخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمر في قتله، فقال:"إنه شهد بدرًا"(2)، فلم يقل: إنه لم يبح دمه، فإنما علل بوجود مانع من قتله، وهو شهوده بدرًا، ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانع منتفٍ في حق مَنْ بعده.
ومنها: ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية ابن المسيب: أن
(1) رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 326)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/ 253)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 341).
(2)
رواه البخاري (2845)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس، ومسلم (2494)، كتاب:"فضائل الصحابة" باب: من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، من حديث علي رضي الله عنه.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ضرب أباه، فاقتلوه"(1)، وروي مسندًا من وجهٍ آخر لا يصح (2).
فالجواب عن هذه الأحاديث المذكورة: أن منها ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر، كهذا الحديث:"من ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث قتل السارق في المرّة الخامسة، وباقي النصوص كلها يمكن ردّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنه تضمن أنه لا يُباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإما أن يزني وهو محصن، وإما أن يقتل نفسًا بغير حق.
يؤخذ منه أن قتل المسلم إنما يباح بإحدى ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرم، وانتهاك الفرج المحرم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها.
فأما انتهاك الفرج المحرم، فقد ذكر في الحديث أنه الزنى بعد الإحصان، وهذا -والله أعلم- على وجه المثال، فإن المحصَن قد تمت عليه النعمة بنيل الشهوة بالنكاح، فإذا أتاها بعد ذلك من فرجٍ محرمٍ عليه، أبيح دمه، وقد ينتفي شرط الإحصان ليخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباح بحال، إما مطلقًا كاللواط، أو في حق الوطء كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف قد يكون قائما مقام الإحصان، وخلفًا عنه، وهذا محل النزاع بين العلماء.
(1) رواه أبو داود في "المراسيل"(485)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(2/ 38).
(2)
رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(38/ 2)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[والأحاديث دالّة على أنه يكون خلفًا عنه](1)، ويكتفى به في إباحة الدم.
وأما سفك الدم الحرام، فهل يقوم مقامه إثارةُ الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشق العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودلِّ الكفار على عورات المسلمين؟ هذا محل النزاع، وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا، وكذا شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابن الزبير وعائشة رضي الله عنهم رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك، وكذلك قطعُ الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؛ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة؟
وقول الله عز وجل: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين:
أحدهما: بالنفس.
والثاني: بالفساد في الأرض.
ويدخل في الفساد في الأرض الخرابُ والردّة والزنى، فإن ذلك كله فسادٌ في الأرض، وكذلك تكررُ شرب الخمر والإصرارُ عليه هو مظنّة سفك الدماء المحرمة، وقد اجتمع رأي الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر على حدّ السكران ثمانين (2)، وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف، قال:"إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه" يعني:
(1) ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
(2)
رواه مسلم (1707)، كتاب: الحدود، باب: حد الخمر.
إذا شرب "فيضربه بالسيف"، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يَخْبَؤُها حياءً من النبي صلى الله عليه وسلم (1)، فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامةً لمظان القتل مقامَ حقيقته.
لكن هل نسخ ذلك، أم حكمه باقٍ؟ محلّ نزاع بين العلماء.
وأما ترك الدين ومفارقةُ الجماعة، فمعناه: الارتداد عن دين الإِسلام، ومفارقة جماعة المسلمين، ولو أتى بالشهادتين، فلو سبّ الله أو رسوله، وهو مقرٌّ بالشهادتين، أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دينه، وكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلَم من الدين بالضرورة، كالصلاة وما أشبه ذلك ممّا يخرج من الدين.
وهل يقوم مقام ذلك تركُ شيء من أركان الإِسلام الخمس؟ هذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكليّة بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجًا عن الدين، كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجًا عن الدين، فاختلفوا هل يلحق بتارك الدين في القتل، لكونه ترك أحد مباني الإِسلام، أم لا، لكونه لم يخرج عن الدين؟.
ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع، فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيهٌ (2) بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك، ولم يَدْعُ غيرَه، كان حكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفوا، وإذا دعا إلى ذلك، تغلّظ جرمُه بإفساد دين الأمّة، وقد صحّ عن
(1) رواه مسلم (18)، كتاب: الإيمان" باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
في الأصل: "شبيهًا"، والصواب ما أثبت.
النبي صلى الله عليه وسلم الأمرُ بقتال الخوارج وقتلِهم (1)، وقد اختلف العلماء في حكمهم، فمنهم من قال: إنهم كفّار، فيكون قتلُهم لكفرهم، و [منهم] (2) من قال: إنهم إنما يُقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين، وتكفيرِهم لهم، وهو قول [الإمام](3) مالك.
قال الحافظ ابن رجب: وهو قول طائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداءَ بقتلهم، والإنجازَ على جريحهم.
ومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه، لم يقاتلوا، وهو نص الإِمام أحمد، وإسحاق، وهذا يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.
ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدؤوا بقتال، أو بما يبيح قتالهم، من سفك دم ونحوه كما روي عن علي، وهو قول الشافعي وكثير من علمائنا، وقد روي من وجوهٍ متعددة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجلٍ كان يصلي، وقال:"لو قتل، لكان أولَ فتنة وآخرَها"(4)، وفي رواية:"لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال" رواه الإِمام أحمد وغيره (5)، فيستدل بهذا على
(1) رواه البخاري (3415)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإِسلام، ومسلم (1066)، كتاب: الزكاة، باب: التحريض على قتل الخوارج، من حديث علي رضي الله عنه.
(2)
ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
(3)
ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
(4)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(5/ 42)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده"(703)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(5)
رواه أبو يعلى في "مسنده"(3668)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
قتل المبتدِع إذا كان قتلُه يكف شرَّه عن المسلمين ويحسم مادّة الفتن.
وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك جوازَ قتل الداعي إلى البدعة.
فرجعت نصوص القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير، ولله الحمد، كما ذكره الحافظ ابن رجب، ولخصته من كلامه.
قال: وكثيرٌ من العلماء يقول في هذه النصوص التي ذكرناها ها هنا إنها منسوخة بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر، لعدم العلم بتأخر حديثه عنها كلها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك يرويها من تأخر إسلامُه، كأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية، فإن هؤلاء كلهم رووا قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، ولأن الخاص لا يُنسخ بالعام، ولو كان العامُّ متأخرًا عنه، على الصحيح الذي عليه الجمهور؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين، فلا يُبطل الظاهرُ حكمَ النص، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجلٍ كذب عليه في حياته، وقال لحيّ من العرب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم، وهذا روي من وجوهٍ متعددة كلُّها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، وإنه لما قال لهم هذه المقالة، صدّقوه، ونزل على تلك المرأة (1)، وحينئذٍ فهذا الرجل قد زنى، ونسبَ إباحةَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كفرٌ ورِدَّة عن الدين، وقد قدّمنا أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة كما نص عليه الإِمام أحمد (2)، والله الموفق.
(1) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(1/ 352)، من حديث بريدة رضي الله عنه.
(2)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 128 - 131).
تتمة:
يُقتل الزنديق، وهو المنافق، ومن تكررت رِدَّته، أو كفر بسحره، أو بسبِّ الله أو رسوله، أو تنقُّصه، وقيل: ولو تعريضًا، فقد نقل حنبلٌ عن الإِمام أحمد: من عَرَّض بشيء من ذكر الربِّ، فعليه القتلُ، مسلمًا كان أو كافرًا.
وفي "الفروع": أنه مذهب أهل المدينة، وسأل ابنُ منصور الإمامَ أحمد: ما الشتيمة التي يُقتل بها؟ قال: نحن نرى في التعريض الحدَّ، قال: فكان مذهبه فيما يجب الحد من الشتيمة التعريض.
ولا تقبل توبة هؤلاء على المعتمد.
وفي "الفصول" للإمام ابن عقيل ما نصه عن أصحابنا: لا تقبل إن سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حق آدميّ لم يُعلم إسقاطه، وأنه تقبّل إن سبَّ الله؛ لأنه يقبل التوبة في خالص حقه، وجزم به في "عيون المسائل" وغيرها؛ لأن الخالق -سبحانه- منزه عن النقائص، فلا تلحق به، بخلاف المخلوق، فإنه محل لها، فلهذا افترقا.
والخلاف في أحكام الدنيا من ترك قتلهم وثبوتِ أحكام الإِسلام لهم، فأما في الآخرة: فمن صدق منهم، قُبل إسلامه، بلا خلاف، ذكره ابن عقيل، والموفق، وجماعة (1).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: والنصيرية الإسماعيلية الملاحدة القرامطة الباطنية الحرمية المحمزة -كل هذه أسماء لهم-.
(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 162 - 163).
قلت: وكذا من أسمائهم: الدروز، والتيامنة، والبرذعية، والحمزاوية.
قال: أجمع المسلمون على أنه لا تجوز مناكحتُهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل موليته منهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يجوز دفنُهم في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليهم.
قال: واستخدام مثل هؤلاء في حصون المسلمين وثغورهم من الكبائر المحرمة، وهي بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم.
قال: ودماؤهم وأموالهم حلال مباحة، ولا تُقبل توبتهم، ومن قبلها، أقرّهم على أموالهم، ومن لم يقبلها، فمالُهم فيء لبيت المال.
قال: وأصل مذهبهم التقيّة، فإذا أخذوا، أظهرو التوبة (1)، انتهى.
قلت: أمر الدروز بَيِّنٌ ظاهرٌ، لا يخفى إلا على مغفل، ولا يروج إلا على مخبَّل، أو من لا حرارة له على دين الإِسلام، فإنهم من أشدّ الناس، بل هم أشدُّ الناس كفرًا، وأعظمهم جرمًا ونكرًا، وقد اجتمعتُ مرارًا بمن يَدْعونهم عُقَّلًا، وجرى بيني وبينهم من المحاورة وإقامة البراهين ما أذعنَ له بعضُهم، واعترف بأنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم لا يصلون، ولا يصومون، ولا يحجون، ولا يزكون، ولا بدينٍ يتدينون، فعلى كل مسلم قتلُهم حيث قدر حيث يكونون من حل وحرم، ومن قال بخلاف مقالتي هذه، فما اطلع على حقيقة حالهم، وإن كان اطلع وتمادى على خلافه، فهو على منوالهم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
(1) انظر: "الفتاوى المصرية الكبرى" لشيخ الإِسلام ابن تيمية (4/ 249 - 253).