الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنْ سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ-، فَتَفَرَّقَا، فَأتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينهَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكَلَّمُ، فَقَالَ:"كَبِّرْ كَبِّرْ! "، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتكلَّمَا، فَقَالَ:"أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ أَوْ قَاتِلَكُمْ؟ "، قَالُوا: وَكيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: "فَتبرِئكمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمينًا؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأَخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم منْ عِنْدِهِ (1).
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ "، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ:"فَتبرِّئكمْ يَهُودُ بِأَيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! قَوْمٌ كفَّارٌ (2).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (3002)، كتاب: الجزية والموادعة، باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، واللفظ له، ومسلم (1/ 1669)، كتاب: القسامة، باب: القسامة، والنسائي (4715) كتاب: القسامة، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه.
(2)
رواه البخاري (5791)، كتاب: الأدب، باب: إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال، ومسلم (1669/ 2)، كتاب: القسامة، باب: القسامة، =
وَفي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ: فَكَرِهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِئَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ (1).
* * *
(عن سهل بنِ أبي حَثْمَةَ) -بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة- كنيته: أبو محمَّد، كما تقدم في ترجمته في باب: صلاة الخوف، واسم أبي حثمة: عبد الله، وهما صحابيان رضي الله عنهما (قال) سهل رضي الله عنه: "إنطلقَ عبدُ الله بنُ سهلِ) بنِ زيد بنِ كعب بنِ عامر بن عديٍّ الأنصاريُّ المدنيُّ، كان قد خرج بعد فتح خيبر مع أصحابٍ له
= واللفظ له، وأبو داود (4520)، كتاب: الديات، باب: القتل بالقسامة، والنسائي (4712 - 4714) كتاب: القسامة، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه، والترمذي (1422)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في القسامة.
(1)
رواه البخاري (6502)، كتاب: الديات، باب: القسامة، ومسلم (1669/ 5)، كتاب: القسامة، باب: القسامة، وأبو داود (4523)، كتاب: الديات، باب: في ترك القود بالقسامة، والنسائي (4719)، كتاب: القسامة، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 10)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 191)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (6/ 192)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 447)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 5)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 431)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 88)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1408)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 232)، و"عمدة القاري" للعيني (24/ 58)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (10/ 62)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 253)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 183).
يمتارون تمرًا (1). (ومُحَيِّصَة) -بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة تحت، على الأشهر، وقد تخفف (2)(بنُ مسعود) بنِ كعب بنِ عامرٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ أخو حُوَيِّصَة -الآتي ذكره-.
والحاصل: أن محيِّصة وحويِّصة ابنا مسعود بن كعب، وعبد الله وعبد الرحمن -الآتي ذكره- ابنا سهل بن زيد بن كعب، فاجتماع الفريقين في كعب، فحويصة ومحيصة كانا ابني عم سهل والد عبد الله وعبد الرحمن، فما وقع في عبارات المحدثين مما يشعر بغير ذلك فهو على ضربٍ من المجاز.
وكنية محيصة: أبو سعيد، وهي كنية أخيه حويصة -أيضًا-.
وشهد محيصة أُحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحيصة أصغر من حويصة، ولكنه أنجبُ من حويصة وأفضل، وهو السابق بالإِسلام، ثم أسلم حويصة على يديه.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محيصةَ إلى فَدَك يدعوهم إلى الإِسلام.
روى عنه: ابنُه سعيد، وابنُ ابنه حَرامُ بن سعيد، ومحمدُ بنُ سهل بن أبي حثمة، وأخرج له أبو داود، والترمذي (3).
(1) وانظر ترجمته في: "الاستيعاب" لابن عبد البر (3/ 924)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 255)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (4/ 123).
(2)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 399).
(3)
انظر ترجمة محيصة في: "التاريخ الكبير" للبخاري (8/ 53)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (8/ 426)، و"الثقات" لابن حبان (3/ 404)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1463)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (5/ 411)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 392)، و"تهذيب الكمال" للمزي =
(إلى خيبر): متعلق بانطلق، (وهي)؛ أي: خيبر (يومئذٍ)؛ أي: يوم خروجهما وانطلاقهما إليها (صلح)؛ لأن ذلك بعد فتحها وإبقاء أهلها يعملون للمسلمين على غيلها وأرضها بشطر ما يخرج منها -كما تقدم- (فتفرق)؛ أي: عبد الله بن سهل ومحيصة لأجل الميرة، (فأتى محيصة) بعد قضاء حاجته (إلى عبد الله بنِ سهل)، فوجده (وهو يتشحَّلط في دمه) -جملة حالية-؛ أي: وجده مضرَّجًا بالدم ملطَّخًا به، يقال: شحطه تشحيطًا: ضرّجه بالدم، فتشحّط: تضرّج به، واضطرب فيه، وأشحطه: أبعده (1)؛ يعني: وجده (قتيلًا، فدفنه) محيصةُ، (ثم قدم المدينة) المشرفة، (فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله المقتول، وكان لعبد الرحمن هذا فهمٌ وعلمٌ، وروى عنه سهل بن أبي حثمة، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، واختُلف في شهوده بدرًا، فأثبت ابن عبد البر أنه شهدها، ونفاه غيره، واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان (2).
(و) انطلق مع عبد الرحمن ابنا عمه (محيصةُ) المذكور أولًا (وحويصةُ ابنا مسعود) بن كعب بن عامر، وحُوَيِّصة -بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء المثناة تحت مكسورة على الأفصح الأشهر وبالصاد المهملة-
= (27/ 312)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (10/ 60).
وانظر ترجمة أخيه حويصة في: "الثقات" لابن حبان (3/ 91)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (10/ 409)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (97/ 2)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 173)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (2/ 143).
(1)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 869)، (مادة: شحط).
(2)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 277).
هو: أبو سعد بن مسعود بن كعب بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة- ابنِ حارثة، وسبب إسلام حويصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا قال:"من ظفرتم به من رجال يهود، فاقتلوه"، وثب محيصة على رجلٍ
من تجار اليهود فقتله، وكان يلابسهم ويبايعهم، فجعل حويصةُ يضرب محيصةَ، ويقول: أي عدوّ الله! قتلته، أما والله! لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله، فقال له محيصة: أما والله! لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله، لضربت عنقك، فقال له حويصة: إن دينًا قد بلغ بك هذا لعجب! فأسلم حويصة يومئذٍ (1)، وشهد أحُدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، ولهما أخ آخر يقال له: الأحوص، نقل الذهبي في "تجريده" عن ابن الدباغ: أنه شهد أحُدًا (2).
(إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم): متعلق بقوله: فانطلق، (فذهب عبدُ الرحمن) بنُ سهل أخو المقتول (يتكلم) في أمر قتل أخيه، (فقال): عليه الصلاة والسلام: (كبّرْ، كبّرْ) في رواية البخاري وأبي داود "الكُبْرَ الكُبْرَ"(3).
قال في "النهاية": أي: ليبدأ الأكبرُ بالكلام، أو قدّموا الأكبرَ، إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأَسَنِّ (4)، والكُبرَ -بضم الكاف وسكون الموحدة بالنصب- فيهما على الإغراء.
(وهو)؛ أي: عبد الرحمن بن سهل (أحدثُ)؛ أي: أصغر (القوم)
(1) انظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1463 - 1464).
(2)
انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (1/ 10).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (6502)، وعند أبي داود برقم (4520).
(4)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الإثير (4/ 141).
سنًا، (فسكت) عبد الرحمن رضي الله عنه، امتثالًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، (فتكلما)؛ أي: محيصة وحويصة في أمر عبد الله بن سهل، وأنه وجد قتيلًا في بعض نواحي خيبر، فقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا (1).
واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حقّ فيها لابن عمه، وإنما أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلم الأكبرُ، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى، تكلم صاحبها، ويحتمل أن عبد الرحمن وكّلَ حويصةَ ومحيصةَ في الدعوى، أو أمر بتوكيله.
وفي هذا فضيلة السنن عند التساوي في الفضائل، وله نظائر منها: الإمامة، وولاية النكاح، وغيرها (2).
(فقال) عليه الصلاة والسلام لهم: تأتون بالبيّنة على من قتله، فقالوا: ما لنا بيّنة، قال:(أتحلفون) خمسين يمينًا؟ كما يأتي (وتستحقون صاحبكم أو) قال: (قاتلكم)، يعني: دمه، وليس في رواية يحيى ولا أبي قلابة للبيّنة ذكرٌ (3).
قال النووي: قال القاضي حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأمّة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين
(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (6502).
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 146).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (12/ 234).
والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به (1)، وسأبين ذلك بيانًا شافيًا -إن شاء الله تعالى-.
(قالوا)؛ يعني: محيصة وحويصة وعبدُ الرحمن بن سهل ومن معهم: (وكيف نحلف ولم نر) القاتلَ لصاحبنا (ولم نشهدْ) ذلك؟ وفي لفظ عند الإِمام أحمد: قال لهم: "تُسَمُّون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا، ثم نسلمه"(2). واستدل بهذه الزيادة على أن تسميته شرط، وفي قولهم: كيف نحلف ولم نر ولم نشهد؟ وإقرارِهم على ذلك، دليلٌ على أنه لا يحلف على ما لا يعلم، ويأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-.
(قال) عليه الصلاة والسلام: فإذا أبيتم أن تحلفوا، (فتبرئكم)؛ أي: تتخلص وتنفصل من دعواكم عليهم (يهود)؛ أي: المدعى عليهم منهم (بـ) أيمانٍ مكررة من طرفهم (خمسين يمينًا) لأجل براءتهم من دعواكم عليهم أنهم قتلوا صاحبكم (فقالوا): يا رسول الله! (كيف نأخذ بأيمان قومٍ كفار) بالله وبك يا رسول الله، وهم أعداؤنا؟ (فعقله)؛ أي: أدّى عقله يعني: ديَته (النبي) صلى الله عليه وسلم (من عنده) بمئة من إبل الصدقة ولم يبطل دمه.
(وفي حديث حمّاد بن زيد) بن درهم الجَهْضَمِيِّ -بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الضاد المعجمة- نسبةً إلى جَهْضَم بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم الأَزْدي -بفتح الهمزة وسكون الزاي وبالدال المهملة- نسبةً إلى الأزد، واسمه دَرَا -بفتح الدال والراء المهملتين- بن الغوث، وإليه تنسب الأنصار، وكان حماد هذا مولى آل جرير بن حازم البصري أحدِ الأعلام
(1) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 448). وانظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 143).
(2)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 3).
الإثبات، وكان جده درهمٌ من سَبْي سِجِستان، روى عن ثابت البناني، وأيوب، وعمرو بن دينار، روى عنه ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، وابن مهدي، ولد في زمان عمر بن عبد العزيز.
قال ابن الأثير: مات حمّاد رحمه الله ورضي عنه- سنة تسع وسبعين ومئة، وقال النووي: ثمان، وكان عمره إحدى وثمانين سنة، في شهر رمضان، في البصرة، وكان ضريرًا.
قال المهدي: أئمةُ الناس في زمانهم أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة.
وقال عبد الله بن معاوية: سمعت عبد الله بن المبارك رحمه الله ينشد: [من مجزوء الرمل]
أَيُّهَا الطَّالِبُ عِلْمًا
…
ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
فَخُذِ الْعِلْمَ بِحِلْمٍ
…
ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
وقال عبد الله بن الحسن: إنما هما الحَمَّادانِ، فإذا طلبتم العلمَ، فاطلبوه من الحمّادَيْنِ: حمّادِ بنِ زيد، وحمّادِ بن سَلَمة.
وحديثه هذا مما اتفق عليه البخاري ومسلم (1).
(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقسم خمسون منكم) معشرَ بني الحارث (على
(1) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (7/ 286)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (3/ 25)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/ 176)، و"الثقات" لابن حبان (6/ 217)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (3/ 364)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 170)، و"تهذيب الكمال" للمزي (7/ 239)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (7/ 456)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (1/ 228)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (3/ 9).
رجلٍ منهم)، وفي هذا حجة لمعتمد مذهب الإِمام أحمد: أنهم لا يقسمون على أكثر من واحد، فلابد من تعيين الذي يقسمون عليه، كما في لفظ رواية الإِمام أحمد:"تسمون قاتلكم، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا"(1)، ومن كونه واحدًا، فلا يقسمون على متعدد، لهذا الحديث، (فيدفع) لكم الرجل الذي تقسمون عليه خمسين يمينًا (برمته) التي يقاد بها؛ يعني: بالحبل الذي
ربط به، وكانوا يربطون المقود منه بحبل، ويدفعونه إلى وليّ المقتول، ثم قيل ذلك لكلِّ ما دُفعَ بجملته، ولكل من أسلم للقود، وإن لم يكن مربوطًا بحبل، والرمة: قطعة حبل بالٍ (2)، وبه لقب ذو الرمة الشاعر المشهور، (قالوا: أمرٌ لم نشهده، كيف نحلف) عليه؟ (قال) عليه السلام:(فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: يا رسول الله! قومٌ كفار) لا نرضى بأيمانهم، كما في رواية في "الصحيحين": فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود (3).
(وفي حديث) أخرجه مسلم عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن (سعيد بن عبيد) بن بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري: أنه أخبره أن نفرًا عنهم، وساق الحديث، وقال فيه:(فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه)؛ أي دم عبد الله بن سهل من غير قود ولا ديّة، (فوداه) عليه السلام (بمئة) بعير، أي: دفع ديّته من عنده (من إبل الصدقة)، وهو في "صحيح البخاري" -أيضًا- (4)، وفي لفظ: فودَاه
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 267).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (6502).
(4)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (6502).
رسول الله من قبله، قال سهل بن أبي حثمة: فدخلتُ مربدًا لهم، فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها (1).
وفي لفظٍ: فودَاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده، فبعث إليهم مئة ناقة حتى دخلت عليهم الدار (2).
وفي "مسند الإِمام أحمد"، و"صحيح مسلم"، و"سنن النسائي" عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (3)، وزاد مسلم في رواية: وقضى بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم بين ناسٍ من الأنصار في قتيلٍ ادّعوه على اليهود (4).
وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، إلّا في القسامة"(5).
تنبيهات:
* الأول: القَسامةُ أيمانٌ مكررة في دعوى قتلِ معصوم، وقد اتفق الأئمة الأربعة على مشروعيتها في الجملة، وإن اختلفوا في كيفيتها وشروطها، وقد روي عن جماعة إبطالُها، وأنه لا حكم لها، ولا عمل بها، وممن قال
(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1669/ 2).
(2)
رواه النسائي في "السنن الكبرى"(5988).
(3)
رواه الإِمام أحمد في "المسند"(4/ 62)، ومسلم (1670/ 7)، كتاب: القسامة، باب: القسامة، والنسائي (4707)، كتاب: القسامة، باب: القسامة.
(4)
رواه مسلم (1670/ 8)، كتاب: القسامة، باب: القسامة.
(5)
رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 111)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 123).
بهذا: سالمُ بنُ عبد الله، [وسليمان] بن يَسار، والحكمُ بن عيينة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن عليه، والبخاري، وغيرهم (1).
ومذهب الإِمام أحمد: لا تثبت القسامة إلّا بشروط أربعة:
- أحدها: دعوى القتل محمدًا أو خطأ، أو شبه عمد، على واحد معين مكلف، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، مسلم أو كافر ملتزم، ذكرًا كان المقتول أو أنثى، حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو ذميًّا، ويُقسم على العبد المقتول سيدُه، وأمُّ ولد ونحوُها كقن، فلا قسامة فيما دون النفس من الجراح والأطراف والمال غير العبد.
- الثاني: من شروط صحة القسامة: اللَّوْثُ -ولو في الخطأ، وشبهِ العمد- وهو العداوة الظاهرة، بنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضُها بعضًا بثأر، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الحروب والدماء، وما بين البغاة وأهل العدل، والشرط واللصوص، وكل من بينَه وبين المقتول ضِغْنٌ يغلب على الظن أنه قتله.
قال القاضي: يجوز للأولياء أن يُقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأن للإنسان أن يحلف على غالب ظنه، كما أن من اشترى من إنسان شيئًا، فجاءآخر يدعيه، جاز له أن يحلف أنه لا يستحقه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه، إلا أنه لا ينبغي أن يحلف إلا بعد الاستثباتِ، وغلبةِ الظن التي تقارب اليقين، وينبغي للحاكم أن يعظهم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة من الإثم، وأنها تدع الديار بَلاقعَ.
فإن لم تكن عداوة ظاهرة، ولكن غلب على الظن صدقُ المدّعي؛
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 143).
كتفرق جماعة عن قتيل، أو كانت عصبية من غير عداوة ظاهرة، أو وجد قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، أو بشهادة من لا يَثبت القتلُ بشهادتهم، كالنساء والصبيان والفساق، أو عدلٌ واحدٌ وفَسَقَةٌ، أو تفرق فئتان عن قتيل، أو شهد رجلان على إنسان أنه قتل أحد هذين، ونحوُ هذه، فليس بلوث على معتمد مذهب الإِمام أحمد (1).
وعن الإِمام أحمد رضي الله عنه ما يدل على أنه لوثٌ معتبر، اختاره أبو محمَّد الجوزي، وابن رزين، وشيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية (2)، وصوّبه في "شرح الكافي".
قال في "المحرر" وغيره: وعنه -أي: الإِمام أحمد- ما يدل على أن اللوث كلُّ ما يغلب في الظن صحة الدعوى، كتفرق جماعة عن قتيل إلخ (3)، قال في "شرحه" عن هذه الرواية: هي ظاهر كلامه؛ لأن ذلك هو المقصود من اللوث، فيكون معتبرًا كما في العداوة الظاهرة.
قال علماؤنا: وأما قولُ المجروح: جرحني فلانٌ، فليس بلوث على كلتا الروايتين (4)؛ لأن قول المجروح: جرحني فلان دعوى منه لا تزيد على دعوى الولي، وإذا لم تكن دعوى الولي لوثًا، فكذلك دعوى المجروح، ولأن اللوث مستند الدعوى، فلا تكون الدعوى بمجردها لوثًا، هذا المذهب، وعليه الأصحاب.
وهذا خلافٌ للإمام مالك رضي الله عنه، فإن السبب الذي يملك به
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 197 - 199).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 49).
(3)
انظر: "المحرر" للمجد ابن تيمية (2/ 150).
(4)
المرجع السابق، (2/ 151).
أولياء المقتول القسامة عنده: أن يقول ولي المقتول: دمي عند فلان عمدًا، ويكون المقتول بالغا مسلمًا حرًا، وسواء كان عدلًا أو فاسقا، ذكرًا أو أنثى، أو يقوم لأولياء المقتول شاهدٌ واحد.
واختلف أصحابه في اشتراط عدالة الشاهد، فاعتبرها ابن القاسم دون أشهب (1).
- الثالث: اتفاقُ الأولياء في الدعوى، فإن كذّب بعضُهم بعضًا، فقال أحدهم: قتله هذا، وقال الآخر: لم يقتله هذا، أو بل قتله هذا، لم تثبت القسامة، سواء كان المكذِّب عدلًا أو فاسقًا، لعدم التعيين، فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، لم تُسمع.
- الرابع: أن يكون في المُدَّعين ذكور مكلفون، ولو واحدًا، فلا مدخل للنساء والخناثى والصبيان والمجانين في القسامة، سواء كانت الدعوى في القسامة أن القتل عمدًا أو خطأً، فيقسم الرجال العقلاء فقط، ويثبت الحق للجميع، فإن لم يكن فيهم ذكر، فكما لو نكل الورثة، فيحلف المدّعى عليه خمسين يمينًا، ويبرأ (2).
ولا تُسمع الدعوى فيها إلا أن تكون مكررة بأن يقول: أَدّعي بأن هذا قتل وليّ فلان بن فلان عمدًا أو خطأ أو شبهَ عمد، ويصف القتلَ، إن كان عمدًا، قال: قصد إليه بسيف أو بما يقتل مثله غالبًا، فإن أقرّ المدّعى عليه، ثبت القتل، وإن أنكر، وثَمَّ بيّنة، حكم بها، وإلا، صار الأمر إلى الأيمان (3).
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 219).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 200 - 202).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 398).
* الثاني: قد قدّمنا عن الإِمام مالك: أن السبب الموجب للقسامة عنده أن يقول المقتول: دمي عند فلان -مثلًا-، أو يشهد واحد.
قال ابن القاسم: يعتبر في هذا الشاهد أن يكون عدلًا -كما قدّمنا عنه-، وأن يكون ذكرًا، ولم يشترط ذلك أشهبُ، ومن الأسباب الموجبة للقسامة عنده من غير خلاف عنه: أن يوجد المقتول في مكان خالٍ من الناس، وعلى رأسه رجلٌ شاكٍ في السلاح، مختضبٌ بالدم، وكذلك إن شهد شاهدان بالجرح، ثم أكل وشرب وعاش مدة، ثم مات.
وقال أبو حنيفة: القسامة وجودُ القتيل في موضع هو في حفظ قوم أو حمايتهم، كالمحلة والدورِ ومسجدِ المحلة والمقبرة، فكل ذلك موجبٌ للقسامة، ولو كان الدم يخرج من أنفه ودبره وفيه، فليس بقتيل، ولو خرج من أذنه أو عينه، فهو قتيل تسوغ فيه القسامة.
وقال الشافعي: السبب الموجب للقسامة اللوثُ، قال: واللوث عندي: أن يُرى قتيل في محلة أو قرية لقومٍ بينهم عداوة ظاهرة، [ولا يشارك لأهل المحلة والقرية غيرهم، فإن ذلك لوث، فإن عدم أحد الشرطين، لم يكن لوثًا عنده.
ومنه: أن يدخل نفر دارًا، فيتفرقون عن قتيل، سواء كان بينهم عداوة ظاهرة] (1)، أو لم تكن.
ومنه: أن يزدحم الناس في موضع، كالطواف، ودخول الكعبة، أو على مصنع ماء، أو في بابٍ ضيق، فيوجد فيهم قتيل.
ومن ذلك: أن يوجد في صحراء رجلٌ مقتول بالجرح، وبقربه رجلٌ معه
(1) ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
سلاح، والدمُ على سلاحه، أو ثوبه، وليس إلى جنبه عينٌ أو أثر، ومعنى ذلك: أَلَّا يُرى بقربه سَبُع، [أ] ويُرى أثر الدم في غير الطريق (1).
إذا علمت هذا، فحاصل الشبهة الموجبة للقسامة من حيث الجملة سبع صور:
الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو ضربني، ونحو ذلك، هذا موجب القسامة عند مالك والليث، وادّعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديمًا وحديثًا.
قال القاضي: ولم يقل بهذا متفقهاء الأمصار غيرُهما، ولا روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء في الفقه، فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة (2)، واحتجّ الإِمام مالك لذلك بقصة بني إسرائيل، قوله -تعالى-:{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73] قال: فحييَ الرجل، فأخبرَ بقاتله، واحتجّ أصحابه -أيضًا- بأن تلك حالة يطلب فيها غفلة الناس، فلو شرطنا الشهادة، وأبطلنا قول المجروح، أدّى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا، قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروحُ الصدقَ، ويتجنب الكذبَ والمعاصيَ، ويتزوّد البر والتقوى، فوجب قَبولُ قوله.
الثانية: اللوثُ من غير بيّنة على معاينة القتل، وبهذا قال إمامنا، ومالك، والشافعي، والليث، ومنه في قول، وهي معتمد مذهب الشافعية: شهادةُ العدل وحده.
الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش بعده أيامًا، ثم مات قبل أن
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 219 - 220).
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 450).
يفيق منه، قال به مالك، والليث، فإنهما قالا: هو لوث، وقال غيرهما: لا قسامة، بل يجب القصاص بشهادة العدلين.
الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، ومعه آلة القتل، وعليه أثر -كما قدّمنا آنفًا- عن الشافعي، أو تفرّق جماعة عن قتيل، فهذا لوثٌ عنده كمالك.
الخامسة: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه الديَة على الطائفة الأخرى إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين جميعًا.
السادسة: أن يوجد الميّت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب لها الديَة، وقال مالك: هو هدر، وقال الإِمام أحمد، والثوري، وإسحاق: تجب ديَته في بيت المال، وروي مثله عن عمر، وعلي رضي الله عنهما.
السابعة: أن يوجد في محلة قوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال الجمهور: لا يثبت بذلك قسامة بمجرده، بل القتيل هدرٌ، قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخلطهم غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكمَ صلى الله عليه وسلم فيها بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم.
ومعتمد مذهب أحمد: حيث كانت العداوة الظاهرة تثبت القسامة، ولو كان في الموضع الذي وجد به القتيل غير العدو.
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة ونحوها يوجب القسامة، ولابد عندهم أن يوجد بالقتيل أثر.
قالوا: فإن وجد القتيل في المسجد، حلف أهل المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادّعوا على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثر.
ونحوه عن داود (1).
* الثالث: قد عُلم أن الدعوى لا يسوغ سماعها على أكثر من واحد، هذا معتمد متأخري علمائنا، وجزم به "الاقناع"(2)، و"المنتهى"(3)، و"الغاية"(4)، وغيرها.
وفي "شرح المقنع" لشمس الدين بن أبي عمرو -قدس الله روحه- ما نصه: فإن كانت الدعوى على واحد، فأقرَّ، ثبت القتل، وإن أنكرَ، وثمة بيّنة، حكم بها، وإلا، صار الأمر إلى الأيمان، قال: وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد، لم تخل من أربعة أحوال:
أحدها: أن يقول: قتله هذا، أو هذا تعمّد قتله، ويصف العمدَ بصفته، فيقال له: عيّن واحدًا، فإن القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد.
الثاني: أن يقول: تعمّدَ هذا، وهذا كان خاطئًا، فهو يدّعي قتيلًا غير موجب للقود، فيقسم عليهما، ويؤخذ نصف الديَة من مال العامد، ونصفها من مال الخاطىء.
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 144 - 146)، وعنه نقل الشارح رحمه الله الصور السبع الماضية.
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 202).
(3)
انظر: "منتهى الإرادات" للفتوحي (5/ 108).
(4)
انظر: "غاية المنتهى" للشيخ مرعي (6/ 153).
الثالث: أن يقول: عمد هذا، ولا أدري أكان قتل الثاني عمدًا أو خطأً، فقيل: لا تسوغ القسامة ها هنا؛ لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئًا، فيكون موجبها الديَة عليهما، ويحتمل أن يكون عامدًا، فلا تسوغ القسامة ها هنا، ويجب أن يعين واحدًا، والقسامة عليه، فيكون موجبها القود، فلم تجز القسامة مع هذا، فإن عاد فقال: علمت الآخر كان عامدًا، فله أن يعين واحدًا، ويقسم عليه، وإن كان مخطئًا، ثبتت القسامة حينئذٍ، ويُسأل الآخر، فإن أنكر، ثبتت القسامة، وإن أقرّ، ثبت القتل، ويكون عليه نصف الديَة في ماله؛ لأنه ثبت بإقراره، لا بالقسامة.
وقال القاضي: يكون على عاقلته، والأول أصح؛ لأن العاقلة لا تحمل اعترافًا.
الرابع: أن يقول: قتلاه خطأ، أو شبه عمد، أو: أحدهما خاطئًا، والآخر شبه العمد، فله أن يقسم عليهما، فإن ادّعى أنه قتل وليّه عمدًا، فسئل عن تفسير العمد، ففسره بعمد الخطأ، قُبل تفسيره، وأقسمَ على ما فسره به؛ لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية.
ونقل المزني عن الشافعي: لا يحلف عليه؛ لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة، فلم تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليها المال، ولنا: أن دعواه قد تحررت، وإنما غلظ في تسمية شبه العمد عمدًا، وهذا مما يشتبه، فلا يؤاخذ به، ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى، وتبين نوع القتل، لم يعتد باليمين؛ لأن الدعوى لا تُسمع غيرَ محررة، فكأنه أحلفه قبل الدعوى (1).
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 3 - 4).
وقال في "شرح الكافي": وأما الدعوى على واحد، فإن كانت عمدًا محضًا، لم يقسموا إلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وهذا بلا نزاع، وإن كان خطأ، أو شبه عمد، فالصحيح من المذهب والروايتين: ليس لهم القسامة، ولا تشرع على أكثر من واحد، وعليه جماهير الأصحاب: منهم: الخرقي، وأبو بكر، والقاضي، وجماعة من أصحابه، كالشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وابن عقيل، وغيرهم، وقدّمه في "المحرر"(1)، و"النظم"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع"(2)، وغيرهم.
وعنه رضي الله عنه: لهم القسامة على جماعة معينين، ويستحقون الدية، وهو الذي قاله الإِمام الموفق في "المقنع"(3)، و"الكافي"(4).
قال في "الإنصاف"(5) و"شرح الكافي": جزم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، وقدّمه في "الرعايتين"، وظاهر كلام الموفق أن غير الخرقي قال ذلك، وتابعه على ذلك الشارح، وابن منجا في "شرحه"، وليس الأمر كذلك، فقد اختار ذلك جماعة غيره، فعلى هذه الرواية: هل يحلف كل واحد من المدّعى عليهم خمسين يمينًا، أو قسطه من الخمسين؟ وجهان، وعبارة "المحرر": لا قسامة على غير معين بحال، ولا قسامة على أكثر من واحد في عمد ولا خطأ، وعنه: تشرع على الجماعة فيما لا توجب القود، ويجب بها الدية (6).
(1) انظر: "المحرر" للمجد ابن تيمية (2/ 151).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 51).
(3)
انظر: "المغني" لابن قدامة (8/ 387).
(4)
انظر: "الكافي" لابن قدامة (4/ 130).
(5)
انظر: "الإنصاف" للمراداوي (10/ 145 - 146).
(6)
انظر: "المحرر" للمجد ابن تيمية (2/ 151).
قال شارحه مستدلًا لما قدمه من اعتبار عدم القود للمدعى عليه: يشترط أن يكون واحدًا، فلا تسمع على أكثر من واحد، سواء كانت الدعوى موجبة لموجب العمد، أو للخطأ في إحدى الروايتين؛ لأن في حديث قتل الأنصاري في رواية متفق عليها:"يقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع برُمته"(1)، ولأنها بيّنة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى ما عداه على الأصل.
قال: والرواية الأخرى إن كانت موجبة للقتل، فكذلك، وإن كانت موجبة للديَة، جاز على جماعة؛ لأن المال أسهل حالًا من النفس، والقسامة بيّنة يثبت بها المال ها هنا، فاستوى فيها الواحد والجماعة في الثبوت، كالشهادة، وهذا بخلاف ما فيه القود، فإن التشديد في قتل النفس أوجبَ أن يجعل القسامة على أكثر من واحد شبهة في إسقاط القود، لثبوته على خلاف الأصل.
وقال في "شرح المقنع" معلِّلًا اشتراطَ كونِ الذي عليه الدعوى واحدًا -بعدَ ذكر الحديث المذكور-: ولأنها -أي: القسامة- بيّنة ضعيفة، خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى على الأصل فيما عداه.
قال: وبيان مخالفة الأصل بها: أنها ثبتت باللوث، وهو شبهة مغلِّبَةٌ على الظن صِدْقَ المدّعي، والقودُ يسقط بالشبهات، فكيف يثبت بها يقول المدّعي ويمينِه مع التهمةِ في حقه، والشكِّ في صدقه، وقيام العداوةِ المانعةِ من صحة الشهادة عليه في إثبات حق لغيره؟ فَلأَنْ يمنع من قبول قوله وحده في إثبات حق له أولى وأحرى، وفارق البيّنة، فإنها قويت
(1) تقدم تخريجه.
بالعدد، وعدالة الشهود، وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقًا ولا نفعًا، ولا يدفعون عنها ضررًا، ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه، ولهذا تثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات.
قال في "شرح المقنع". وعند غير الخرقي من أصحابنا: أن القسامة تجري فيما لا قودَ فيه، فيجوز أن يُقسموا على جماعة، وهذا قول مالك، والشافعي (1).
الرابع: يبدأ في القسامة بأيمان المُدَّعين، فيحلفون خمسين يمينًا بحضرة الحاكم: أنه قتله، ويثبت حقُّهم عليه (2)، ويعتبر حضور المدّعى عليه وقتَ اليمين، كالبينة، وحضورُ المدّعي -أيضًا-، فإن كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة، أو واحد غير معين، أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تُسمع، وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: تُسمع، ويُستحلف خمسون منهم؛ لأن الأنصار ادّعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم. ولنا: أنها دعوى في حق، فلم تُسمع على غير معين كسائر الدعاوى، فأما الخبر، فدعوى الأنصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإن تلك من شرطها حضورُ المدّعى عليه عندهم، أو تعذر حضوره عندنا، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تُسمون قاتلَكم، ثم تحلفون عليه" الحديث، رواه الإِمام أحمد (3)، وفي
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 26 - 27).
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 202).
(3)
تقدم تخريجه.
المتفق عليه: " [يقسم] (1) خمسون منكم على رجلٍ منهم"(2)، فهذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين (3).
فإن لم يحلفوا، حلف المدّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء، هذا قول يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، ومالك، وأحمد، والشافعي.
وقال الحسن: يستحلف المدّعى عليهم أولًا خمسين يمينًا، ويبرؤون، فإن أبوا أن يحلفوا، استحلف خمسون المدّعين إنّ حقنا قِبَلكم، ثم يقبلون الدية، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ولكن اليمين على المدّعى عليه" رواه مسلم (4).
وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل: بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ويغرمون الدية، واحتجّوا لذلك أن سيدنا عمر رضي الله عنه قضى به.
ولنا: ما في "الصحيحين" من حديث سهل بن [أبي](5) حثمة، وما فيهما يقضي على غيره، ولا يقضي عليه غيرُه مما عارضه من الأحاديث التي لا تساويه في الصحة.
وتختص الأيمان بالوارث الذكور دون غيرهم، فتُقسمَ بينهم على قدر
(1) ما بين معكوفين ساقطة من "ب".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 16).
(4)
رواه مسلم (1711)، كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
ما بين معكوفين ساقط من "ب".
إرثهم، ويجبر كسر. وهذا مذهب الشافعي -أيضًا-.
وعن مالك: أنه قال: ينظر إلى من عليه أكثر اليمين، فيجبر عليه، ويسقط عن الآخر، والله تعالى الموفق (1).
الخامس: إذا حلف الأولياء، استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمدًا، إلا أن يمنع منه مانع، روي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، وأبو ثور، وابن المنذر.
وعن معاوية، وابن عباس، والحسن، وإسحاق: لا يجب بها إلا الدية، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لليهود:"إما أن تَدُوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحربٍ من الله"(2)، ولأن أيمان المدعين إنما هي لغلبة الظن وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها، لقيام الشبهة المتمكنة، ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح، فلا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين، وبه قال الشافعي في معتمد مذهبهم.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "يقسم خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيُدفع إليكم بِرُمَّته"(3)، وفي رواية مسلم:"ويُسَلَّم إليكم"(4)، وفي لفظ:"وتستحقون دمَ صاحبكم"(5)، وأراد: دم القاتل؛ لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين، ولأنها حجة يثبت بها العمد، فيجب بها القود كالعمد.
(1) انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 28 - 29، 33 - 34).
(2)
رواه النسائي في "السنن الكبرى"(5988).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
رواه البخاري (6769)، كتاب: الأحكام، باب: كتاب الحاكم إلى عماله، والقاضي إلى أمنائه، ومسلم (1669/ 6)، كتاب: القسامة، باب: القسامة.
وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة بالطائف (1)، وهذا نص، ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطًا للدم، فإن لم يجب القود، سقط هذا المعنى (2).
تتمات:
صفة يمين القسامة أن يقول: واللهِ الذي لا إله إلا هو، عالمِ خائنةِ الأعين وما تخفي الصدور، لقد قتل فلانُ بنُ فلانٍ الفلاني -ويشير إليه- فلانًا ابني، أو أخي، ونحوه، منفردًا بقتله ما تركه فيه غيره، عمدًا أو شبه عمد أو خطأ بسيف، أو بما يقتله غالبًا، ونحو ذلك، فإذا اقتصر على لفظة: والله، كفى، ويكون بالجر، فإن نطق به مضمومًا أو منصوبًا، أجزأه.
قال القاضي: ولو تعمده؛ لأنه لحنٌ لا يحيل المعنى، وبأي اسم من أسماء الله -تعالى-، وصفة من صفات ذاته حلف، أجزأه إذا كان إطلاقه ينصرف إلى الله.
ويقول المدعى عليه في يمينه إذا حلف: واللهِ! ما قتلته، ولا شاركت في قتله، ولا فعلت شيئًا مات منه، ولا كان سببًا في موته، ولا مُعينًا على موته.
فإن لم يحلف المدعون، أو كانوا نساءً، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء.
فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، وداه الإِمام
(1) رواه أبو داود في "المراسيل"(269)، ومن طريقه: البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 127)، عن قتادة وعامر الأحول، عن أبي المغيرة، به. قال البيهقي: وهو منقطع.
(2)
انظر: "شرح المقنع" لابن أبي عمر (10/ 39 - 40).
من بيت المال، فإن تعذر، لم يجب على المدعى عليه شيء، وإن رضوا بيمينه، فنكل، لم يحبس على المعتمد، ولزمته الدية، ولا قصاص (1).
وفي رواية مرجوحة عن الإِمام أحمد: أنه إذا امتنع من اليمين، يحبس حتى يحلف (2)، وهو قول أبي حنيفة، والله -تعالى- الموفق.
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (4/ 204 - 205).
(2)
انظر: "المحرر" للمجد ابن تيمية (2/ 151).