الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنْهُ، عَنْهُمَا قَالَا: سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَم تُحصِنْ، قَالَ:"إذَا زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ، فَاجْلِدُوها، ثُمَّ بِيعُوها وَلَوْ بِضفِيرٍ".
قَالَ ابنُ شِهاب: ما أَدرِي أَبَعدَ الثَّالِثة أَو الرَّابِعة.
وَالضَّفِيرُ: الحَبْلُ (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2046)، كتاب: البيوع، باب: بيع العبد الزاني، و (2417)، كتاب: العتق، باب: كراهة التطاول على الرقيق، و (6447)، كتاب: المحاربين، باب: إذا زنت الأمة، ومسلم (1704)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، وأبو داود (4469)، كتاب: الحدود، باب: في الأمة تزني ولم تحصن، وابن ماجه (2565)، كتاب: الحدود، باب: إقامة الحدود على الإماء.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 334)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 503)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 536)، و"المفهم" للقرطبي (5/ 121)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 113)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1455)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 162)، و"عمدة القاري" للعيني (11/ 278)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (10/ 28)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 293).
(عنه)؛ أي: عبيدِ الله بنِ عبد الله بن عتبةَ بنِ مسعود -رضي الله (عنهما) -؛ أي: عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني المتقدم ذكرُهما رضي الله عنهما (قالا: سئل) -بالبناء للمجهول- (النبيُّ) -بالرفع نائب الفاعل (صلى الله عليه وسلم عن الأمة) القِنِّ (إذا زنت ولم تحصن)، هذا لا مفهوم له؛ لأن الأمة لا يتصور إحصانُها، إذ من شرط الإحصان الحريةُ في قول جميع أهل العلم، إلا أبا ثور قال: العبد والأمة هما محصنان، يُرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون الإجماع يخالف ذلك.
وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن يُرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة، لم يرجم.
وهذه أقوال تخالف النص والإجماع، فإن الله -تعالى- قال:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع المنعقد على عدم رجم الأرقاء.
وقد وافق الأوزاعي الجمهورَ على أن العبد إذا وطىء الأمة، ثم عتقا، لم يصيرا محصنين (1).
(قال) صلى الله عليه وسلم مجيبا لسؤال من سأل عن زنا الأمة: (إن زنت، فاجلدوها).
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحدَّ ولا تثريب عليها"(2).
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 42).
(2)
رواه البخاري (2119)، كتاب: البيوع، باب: بيع المدبّر، ومسلم (1703/ 30)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود.
قال الخطابي: ومعنى "لا تثريب عليها": لا يقتصر على التثريب، وهو التعيير والتوبيخ بالذنب (1).
(ثم إن زنت) ثانيًا، (فاجلدوها) جلدًا ثانيًا، (ثم إن زنت) ثالثًا (فاجلدوها) -أيضًا- جلدًا ثالثًا.
قال العلماء: إن كان الزاني رقيقًا من ذكر أو أنثى، فحدُّه خمسون جلدةً، بكل حال، سواء كانا بكرين، أو ثيبين، في قول أكثر أهل العلم، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم، والحسن البصري، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، والعنبري، وغيرهم.
وقال ابن عباس، وأبو عبيد: إن كانا مزوجين، عليهما نصفُ الحد، ولا حد على غيرهما؛ لقوله -تعالى-:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فيدل بخطابه على أنه لا حدَّ على غير المحصَنات من الإماء (2).
وفي "الهدي": قد يقال: إن تنصيصه على التنصيف بعدَ الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن الإحصان يزيل التنصيف، ويصير حدها حدَّ الحرة، كما أن الجلد عن البكر زالَ بالإحصان، وانتقل إلى الرجم، فتبقى على التنصيف في أكمل حالتيها، وهي الإحصان؛ تنبيهًا على أنه إذا اكتفى به فيها، ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى (3).
(1) انظر: "معالم السنن" للخطابي (3/ 334).
(2)
انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 49).
(3)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (5/ 44).
وقال داود الظاهري: على الأمة نصف الحد إذا زنت بعدما زوجت، وعلى العبد جلدُ مئة بكل حال.
وعنه في الأَمة إذا لم تزوج روايتان:
إحداهما: لا حدَّ عليها.
والأخرى: تُجلد مئة؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] خرجت منه الأمة المحصنة بقوله: {أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فيبقى العبد والأَمَة التي لم تحصن على مقتضى العموم.
وقال: ويحتمل دليل الأمة في الخطاب أن لا حدّ عليها؛ كقول ابن عباس.
وقال أبو ثور: الرقيقان إذا لم يحصنا بالتزويج، فعليهما نصفُ الحد، وإن أحصنا، فعليهما الرجمُ؛ لعموم الأخبار فيه، قال: ولأنه حدّ لا يتبعَّض، فوجب تكميله؛ كالقطع في السرقة.
ولنا: ما ذكرنا من الأحاديث، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد حجةٌ على ابن عباس وموافقيه.
وجعل داود على الأمة إذا لم تحصن مئة، وخمسين إذا أحصنت؛ نبذًا للشريعة، وخلاف ما شرع الله تعالى؛ فإنه تعالى ضاعف عقوبة المحصَن على غيره، فجعل الرجم على المحصن، والجلدَ على البكر، وداودُ عكس الأمر، فلا جَرَمَ وجب اتباع ما شرع اللهُ ورسوله، وطرحُ ما خالفه.
وأما مفهوم الخطاب الذي تمسك به أبو ثور، فقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: إحصانُها إسلامُها، ثم إن أبا ثور خالف نصَّ قوله
تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على المحصنات من الأرقاء، كما خرقه داود في تكميل الجلد على العبيد، وتضعيف جلد الأبكار على المحصنات (1).
وفي "زوائد المسند" للإمام عبد الله بن الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمة له سوداءَ زنت لأجلدَها الحدَّ، فوجدتها في دمها، فأتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، فقال:"إذا تعالَّتْ من نفاسها، فاجلدها خمسين"(2).
وفي رواية: فأتيتها، فوجدتها لم تجفَّ من دمها، فأتيته فأخبرتُه، فقال:"إذا جفت من دمها، فأقم عليها الحد، أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم" رواه أحمد، وأبو داود (3).
وفي "صحيح مسلم" من حديث علي رضي الله عنه: أنه قال: يا أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحدَّ، من أحصنَ منهن ومن لم يحصنْ؛ فإن أَمة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثةَ عهد بنفاسٍ، فخشيتُ إن أنا جلدتها أن أقتلَها، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أحسنت"(4).
وفي "موطأ الإمام مالك" عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 49 - 50).
(2)
رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "زوائد المسند"(1/ 136).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(1/ 95)، وأبو داود (4473)، كتاب: الحدود، باب: في إقامة الحد على المريض.
(4)
رواه مسلم (1705)، كتاب: الحدود، باب: تأخير الحد عن النفساء.
من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا (1).
(ثم) إن زنت الأَمَةُ بعد ذلك (بيعوها)، ولا تقتنوها؛ لعدم ردعها عن الفاحشة (ولو بضفير).
و (قال) الإمام أبو بكر محمد (ابنُ شهاب) الزهري التابعيُّ: (لا أدري أبعدَ) المرةِ (الثالثةِ) أمرَ ببيعها، (أو) بعد المرة (الرابعة).
وفي حديث أبي هريرة في "الصحيحين": "ثم إن زنت الثالثة، فليبعها، ولو بحبل من شعر"(2).
ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، وذكر فيه في الرابعة الحدَّ والبيع (3).
قال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى-: (والضفير) -بفتح الضاد المعجمة وكسر الفاء فتحتية ساكنة فراء-: (الحبل) العظيم المفتولُ من شعر، فَعيل بمعنى مفعول.
تنبيه:
استدل علماؤنا ومَنْ وافقهم بهذا الحديث وغيره على أن السيد له إقامةُ الحدِّ على رقيقه القِنِّ حيث كان الحدُّ جَلْدًا، وبهذا قال أكثر العلماء، ورُوي نحوُ ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد، وأبي أسيد الساعديين، وسيدة نساء العالمين فاطمةَ الزهراء -رضوان الله عليهم-، ومن التابعين: علقمة، والأسود، والحسن، والزهري، وغيرهم، ومن الأئمة: مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.
(1) رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 827).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2119)، وعند مسلم برقم (1703).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 376)، وأبو داود (4471)، كتاب: الحدود، باب: في الأمة تزني ولم تحصن.
وقال ابن أبي ليلى: أدركتُ بقايا الأنصار يجلدون ولائدَهم في مجالسهم الحدودَ إذا زنوا (1).
وعن الحسن بن محمد: أن فاطمةَ عليها السلام حدَّتْ جاريةً لها زنت (2).
وعن إبراهيم: أن علقمةَ والأسودَ كانا يُقيمان الحدود على من زنى من خدم عشائرهم؛ كما رواه سعيد في "سننه"(3).
وقال الحنفية: ليس له ذلك؛ لأن الحدود إلى السلطان، ولأن من لا يملك إقامةَ الحد على الحر، لا يملكه على العبد؛ كالصبي، ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار، ويعتبر ذلك شروط؛ من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنا، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه كحدِّ الأحرار، ولأنه حقٌّ لله، فيفوض إلى الإمام؛ كالقتل والقطع.
ولنا: الأحاديثُ المتقدمة، وفي حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" رواه الدارقطني (4)، ولأن السيد يملك تأديبَ أَمَته وتزويجَها، فملكَ إقامةَ
(1) رواه ابن الجعد في "مسنده"(98).
(2)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 362)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(28278).
(3)
ورواه عبد الرزاق في "المصنف"(13605)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(28285).
(4)
رواه الدارقطني في "سننه"(3/ 158). وتقدم تخريجه قريبا عند الإمام أحمد وأبي داود.
الحدِّ عليها كالسلطان، وبهذا فارقَ الصبيَّ.
إذا ثبت هذا، فيملك السيدُ إقامة الحد على رقيقه بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون جلدًا؛ كحد زنا، وشرب مسكر، وحد قذف، فأما القتلُ في الردة، والقطعُ في السرقة، فلا يملكها إلا الإمام، وفي رواية: يملكها السيد، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم:"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
وروي: أن ابن عمر قطع عبدًا سرق، وكذلك عائشة، وعن حفصة: أنها قتلت أمةً لها سحرتها، وقد أنكر عثمان على حفصة ذلك.
الثاني: كونُ السيد حرًا مكلفًا، عالمًا به وبشروطه، ولو فاسقًا، أو امرأة.
الثالث: أَلَّا يكون له فيه شرك، وأن يكون كله في الرِّق، فلا يملك إقامةَ الحد على عبده المشترك، ولا على المبعَّض.
الرابع: أَلَّا تكون أمته مزوجة، فإن كانت مزوجة، لم يملك إقامةَ الحد عليها، كما لا يملك إقامته على رقيق موليه، ولا فرق في الرقيق بين كونه مكاتبًا أو مرهونًا أو مستأجرًا، وليس للسيد إقامته إلا بعد ثبوته، إما بإقرار الرقيق الإقرارَ الذي يثبت به الحدُّ إذا علم شروطه، أو ببينة يسمعها إن كان يحسن سماعها، ويعرف شروط العدالة، نعم إن ثبت بعلمه، فله إقامتُه، بخلاف الإمام أو نائبه، فليس لهما إقامةُ الحدود بعلمِهما، والله تعالى الموفق (1).
(1) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 51 - 53).