الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"الإشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ"، وَكانَ مُتَّكئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ:"أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا؛ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سكَتَ (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2511)، كتاب: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، و (5631)، كتاب: الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر، و (5918)، كتاب: الاستئذان، باب: من اتكأ بين يدي أصحابه، و (6521)، كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة، ومسلم (87)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، والترمذي (1901)، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في عقوق الوالدين، و (2301)، كتاب: الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور، و (3019)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النساء.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"عارضة الأحوذي" لابن العربي (11/ 149)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (1/ 353)، و"المفهم" للقرطبي (1/ 282)، و"شرح مسلم" للنووي (2/ 81)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 170)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1567)، و"فتح الباري" لابن حجر (5/ 262)، و"عمدة القاري" للعيني (13/ 217)، و"سبل السلام" للصنعاني (4/ 129)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (9/ 211).
(عن أبي بكرة)، نُفَيع -بضم النون- الثقفي (رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا) -بفتح الهمزة وتخفيف اللام- للتنبيه هنا لتدل على تحقيق ما بعدها (أنبئكم)؛ أي: أخبركم كما في لفظ (1)(بأكبر الكبائر) ليس هو على ظاهره من الحصر، بل "من" فيه مقدرة، فقد ثبت في أشياء أخر -غير المذكورة هنا- أنَّها من أكبر الكبائر؛ كقتل النفس، والزنا بحليلة الجار، واليمين الغموس، واستطالة المرء في عِرْض رجل مسلم، ومنعِ فضل الماء، ومنعِ الفحل، وسوءِ الظن بالله، إلى غير ذلك مما أطلق الشارع عليه أنه من أكبر الكبائر (2).
قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله: "أكبر الكبائر" انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه: أن في الذنوب صغائر وكبائر، لكن فيه نظر؛ لأن من قال: كل ذنبٍ كبيرة، فالكبائر والذنوب عنده متواردان على شيء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟
قال: ولا يلزم من كون الذي ذُكر أنه أكبرُ الكبائر استواؤها؛ فإن الشرك بالله أعظمُ من جميع ما ذكر معه (3)(ثلاثًا)؛ أي: قالها ثلاث مرات على عادته صلى الله عليه وسلم في تكرير الشيء ثلاث مرات تأكيدًا؛ لينبه السامعَ على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره.
(1) تقدم تخريجه برقم (5918) عند البخاري.
(2)
قلت: قد نظم الشارح رحمه الله الموبقات السبع في بيتين ذكرهما في كتابه: "الذخائر لشرح منطومة الكبائر"(ص: 136) فقال:
خذِ الموبقاتِ الشركَ والقتلَ والزنا
…
وأكلَ الربا والسحرَ مع قذفِ نُهَّدِ
وأكلَكَ أموالَ اليتامى بباطلِ
…
تولِّيكَ يومَ الزحف في حرب جحَّدِ
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 170 - 171).
وفهم بعضهم منه أن المراد بقوله: ثلاثًا، عددُ الكبائر، وهو بعيد، ويؤيده رواية:"أكبرُ الكبائر الإشراكُ، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور" ثَلاثًا.
وقد اختلف السلف، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر، ومنها صغائر، وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الإسفراييني، فقالوا: ليس في الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (1)، وحكاه القاضي عياض عن المحققين (2)، واحتجوا بأن كل مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرةٌ، انتهى (3).
ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم الأشعرية؛ أبو بكر بنُ الطيب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال: بعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها؛ كما يقال: القُبلة معصية صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر.
قالوا: ولا ذنبَ عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة، غير الكفر؛ لقوله -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
وأجابوا عن الآية التي احتج بها الجمهور، وهي قوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] الآية: أن المراد: الشرك.
(1) سيأتي ذكر قوله وتخريجه قريبًا.
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (1/ 355).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 409).
وقد قال الفراء: من قرأ: كبائر، فالمراد بها: كبير، وكبير الإثم هو الشرك.
وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد؛ كقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]، ولم يرسل إليهم غير نوح.
قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة، انتهى (1).
قال النووي: وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على القول الأول (2).
وقال الغزالي في "البسيط": إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه.
قال القرطبي: ما أظنه يصحّ عن ابن عباس: أن كلَّ ما نهى الله عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32]، وقوله:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]، فجعل في المنهيات صغائر وكبائر، وفرق بينهما في الحكم؛ إذ جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن (3)؟.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": ويؤيده من روى عنه في تفسيره اللممَ بصغائر الذنوب؛ كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، رواه عنه طاوس.
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (2/ 85).
(3)
انظر: "المفهم" للقرطبي (1/ 284).
والنقل المذكور عنه أولًا. أخرجه إسماعيل القاضي، والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس رضي الله عنهما (1) -، فأولى أن يكون المراد بقوله: نهى الله عنه محمولًا على نهي خاص، وهو الذي قرن به وعيد؛ كما قيل في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيده جمعًا بين كلاميه.
قال الطيبي: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيان، فلابد من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب.
فأما الطاعة، فكل ما تكفره الصلاة مثلًا، فهو من الصغائر، وكل ما يكفره الإسلام أو الهجرة، فهو من الكبائر.
وأما المعصية: فكل معصية يستحق فاعلها وعيدًا وعقابًا أزيدَ من الوعيد أو العقاب لسبب معصية أخرى، فهي كبيرة.
وأمّا الثواب، ففاعل المعصية إن كان من المقربين، فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة؛ فقد وقعت المعاتبة في حق بعض الأنبياء على أمور لم تعد من غيرهم معصية، انتهى (2).
قال النووي: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا منتشرًا.
فروي عن ابن عباس: أنها كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (3).
(1) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(5/ 41)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(290).
(2)
تقدم تخريجه قريبًا.
(3)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (2/ 85)، وانظر:"فتح الباري" لابن حجر (10/ 410)، وعنه نقل الشارح رحمه الله.
قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حدًا في الدُّنيا (1).
قلت: قد نصَّ الإمام أحمد رضي الله عنه على هذا، وهو معتمد ما استقر عليه المذهب.
وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية: أو ورد فيه وعيد بنفي الإيمان، أو لعن فاعله.
وإلى هذا أشار ناظم الكبائر بقوله:
[من الطويل]
فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا أَوْ تَوَعُّدٌ
…
بِأُخْرَى فَسَمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ
وَزَادَ حَفِيدُ الْمَجْدِ أَوْجَا وَعِيدُهُ
…
بِنَفْيٍ لإِيمَانٍ وَلَعْنٍ مُبَعِّدِ (2)
وقال مثلما قال الإمامُ أحمد الماورديُّ من الشافعية، ولفظه: الكبيرةُ ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد.
وضبطها إمامُ الحرمين من الشافعية بضابط آخر، فقال: هي كل جريمة تؤذن بقلةِ اكتراثِ مرتكبها بالدين ورقَّةِ الديانة (3).
والحاصل: أن الصحيح المعتمد: انقسامُ الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وانقسامُ الكبائر إلى موبقات، وهي الأكبر، وإلى كبيرة.
(1) انظر: "الذخائر لشرح منظومة الكبائر للحجاوي" للشارح رحمه الله (ص: 112، 121).
(2)
انظر: "الذخائر لشرح منظومة الكبائر للحجاوي" للشارح رحمه الله (ص: 112، 121).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 410).
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار (1).
وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (2).
والتوبة واجبة من الكبائر، وكذا من الصغائر عند علمائنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم.
وحكي عن طائفة من المعتزلة عدمُ وجوب التوبة من الصغائر؛ لوقوعها مكفَّرة، ومن المتأخرين من قال بوجوب أحد أمرين: إما التوبة، أو الإتيان ببعض المكفِّرات للذنوب من الحسنات (3).
(قلنا: بلى) أنبئنا بذلك (يا رسول الله) صلى الله عليه وسلم، (قال: الإشراك بالله).
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، فقال:"الإشراك بالله"(4).
قال ابن دقيق العيد: ويحتمل أن يراد به مطلقُ الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر؛ لغلبته في الوجود، ولاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصُه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال: أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل، فيترجح الاحتمال الأول (5).
(1) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(3/ 934).
(2)
رواه القضاعي في "مسند الشهاب"(853).
(3)
انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: 178).
(4)
رواه البخاري (2510)، كتاب: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، ومسلم (88)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.
(5)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 172).
(وعقوق الوالدين) -بضم العين المهملة- مشتق من العَقِّ، وهو القطعُ، والمراد به: صدور ما يتأذى به الوالدُ من ولده من قول أو فعل، إلا في شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد (1).
وتقدم الكلام عليه في حديث المغيرة بن شعبة في باب: الذكر عقب الصلاة.
(وكان) صلى الله عليه وسلم (متكئًا)؛ أي: مضطجعًا.
قال الخطابي: كل معتمد على شيء متمكِّنٍ منه، فهو متكىء عليه (2)، (فجلس)، وفي لفظ: وجلس وكان متكئًا (3).
والجملة حالية؛ أي: للاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه، وسبب اهتمامه صلى الله عليه وسلم بذلك كونُ قول الزور أو شهادة الزور أسهلَ وقوعًا على الناس من غيرها، والتهاونُ بها أكثر؛ لأن الحوامل عليها كثيرة؛ كالعداوة والحقد والحسد وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيم ذلك (4).
(وقال) صلى الله عليه وسلم بعد جلوسه: (ألا وقول الزور، وشهادة الزور)، ألا وقول الزور وشهادة الزور، (فما زال) صلى الله عليه وسلم (يكررها حتى قلنا: ليته سكت)؛ أي: تمنينا أنه يسكت إشفاقًا عليه لما رأوا من انزعاجه في ذلك. وفي لفظ: فما زال يقولها حتى قلتُ: لا يسكت (5).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 406).
(2)
المرجع السابق، (11/ 66).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2511).
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (5/ 263).
(5)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (5631).
قال ابن دقيق العيد: اهتمامه عليه الصلاة والسلام بشهادة الزور يحتمل أن يكون لأنها أسهلُ وقوعًا على الناس، والتهاونُ بها أكبرُ، ومفسدتها أيسرُ وقوعًا؛ لأن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوقُ ينبو عنه الطبع، وأمّا قول الزور، فالحوامل عليه كثيرة، فحسُنَ الاهتمامُ بها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها.
قال: وأما عطفُ الشهادة على القول، فينبغي أن يكون تأكيدًا للشهادة؛ لأنا لو حملناه على الإطلاق، لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك.
وإن كان بعض الذنوب منصوصًا على عِظَمه؛ كقوله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112].
وبالجملة: فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده.
قال: وقد نصّ الحديث الصحيح على أن الغيبة والنميمة كبيرة، والغيبة تختلف بحسب القول المغتاب به.
فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا يساويها الغيبة بقبح الخلقة والهيئة مثلًا (1).
وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام؛ لأن كل شهادة زور قولُ زور، بغير عكس، ويحمل قول الزور على نوع خاص منه.
قال في "الفتح": والأولى ما قاله الشيخ ابنُ دقيق العيد، ويؤيدُه وقوع شكٍّ في ذلك في حديث النبي، فدل على أن المراد شيء واحد.
قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصَّل بها إلى
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 173).
الباطل؛ من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظمُ ضررًا منها، ولا أكثرُ فسادًا بعد الشرك بالله منها (1).
وزعم بعضهم أن المراد بشهادة الزور في هذا الحديث: الكفر؛ فإن الكافر شاهد بالزور، وهو ضعيف.
وقيل: المراد: من يستحل شهادة الزور، وهو بعيد (2).
ويدل على أن المراد بقول الزور: شهادة الزور: حديث خُرَيم -بضم الخاء المعجمة- بنِ فاتك -بالفاء والتاء المثناة فوق بينهما ألف ثم كاف- رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصبح، فلما انصرف، قام قائمًا، فقال:"عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراكَ بالله" ثلاث مرات، ثم قرأ:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30 - 31]، رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه (3).
وقد روى ابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تزولَ قدمُ شاهدِ الزور حتى يوجبَ اللهُ له النارَ"(4).
(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (1/ 282).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 412).
(3)
رواه أبو داود (3599)، كتاب: الأقضية، باب: في شهادة الزور، و (2299)، كتاب: الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور، وابن ماجه (2372)، كتاب: الأحكام، باب: شهادة الزور.
(4)
رواه ابن ماجه (2373)، كتاب: الأحكام، باب: شهادة الزور، والحاكم في "المستدرك"(7042).
ورواه الطبراني في "الأوسط" ولفظه: قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الطير لتضربُ بمناقيرها، وتحرِّكَ أذنابَها من هولِ يومِ القيامة، وما يتكلم به شاهدُ الزور، ولا تفارق قدماهُ الأرضَ حتى يُقذفَ به في النار"(1).
وفي الحديث من الفوائد: استحباب إعادة الموعظة ثلاثًا؛ لتفهم، وانزعاج الواعظ في وعظه؛ ليكون أبلغ في الوعي والزجر عن فعل ما ينهى عنه.
وفيه: غلظُ أمر شهادة الزور؛ لما يترتب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبُها متفاوتة.
وضابط الزور: وصفُ الشيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذبَ والباطلَ، وقد يضاف إلى الشهادة، فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه تسمية لابس ثوبي زور، ومنه الشعر الموصول زورًا.
وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]؛ أي: لا يحضرون الباطل.
وفيه: إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجًا، وتمنى عدمِ غضبه؛ لما يترتب على الغضبان من تغير المزاج (2).
فائدة:
قسم ابنُ العربي الكذبَ على أربعة أقسام:
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7616). وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (3/ 156)، وعنه نقل الشارح رحمه الله هذه الأحاديث.
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 412 - 413).
أحدها -وهو أشدها-: الكذبُ على الله، قال تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32].
الثاني: الكذبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهو هو أو نحوه.
الثالث: الكذبُ على الناس، وهي شهادة الزور؛ من إثبات ما ليس بثابت، أو إسقاط ما هو ثابت.
الرابع: الكذبُ للناس، قال: ومن أشد الكذب الكذبُ في المعاملات، وهو أحد أركان المفاسد الثلاثة فيها، وهي الكذب، والعيب، والغش.
والكذب وإن كان محرمًا، سواء قلنا: كبيرة أو صغيرة، فقد يباح عند الحاجة، وقد يجب في مواضع ذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى (1) -، والله الموفق.
(1) انظر: "عمدة القاري" للعيني (13/ 218).