الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِى مَا هِىَ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِىَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:"هِىَ النَّخْلَةُ".
وجه مناسبة حديث ابن عمر هذا للترجمة، مع أن محصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة، وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور هو أن ذلك مستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ رواية ابن دينار المذكورة في الباب "فحدثوني ما هي" ورواية نافع عند المؤلف في التفسير "أخبروني" وفي رواية عند الإسماعيليّ "أنبؤني" وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم "حدثوني ما هي" وقال فيها: فقالوا: أخبرنا بها فدل على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة
…
الخ، ما مر عند قوله وقال الحميدي وقوله:"إن من الشجر شجرة" أي: من جنسه شجرة، بالنصب، اسم إن، وخبرها الجار والمجرور. ومن للتبعيض.
زاد في رواية مجاهد عند المصنف في باب الفهم في العلم، قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة. فقال: كنا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتى بجُمّار، فقال:"إن من الشجر" وله عنه في البيوع: "كنت عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يأكل جُمّارًا" وقوله: "لا يسقط ورقها" في محل نصب صفة لشجرة، وهي صفة سلبية تبيّن أن موصوفها مختص
بها دون غيرها، وقوله "وإنها مثل المؤمن" بكسر الهمزة في إن، عطفا على إن الأولى.
ومثل بكسر الميم، وسكون المثلثة، في رواية أبي ذر، وبفتحهما في رواية الأصيليّ وكريمة، وهما بمعنى، ومعناهما التسوية كشِبْه وشبَه زنة ومعنى. والمثل، بالتحريك أيضًا، ما يضرب من الأمثال، وهو المثل السائر الذي شبه مضربه بمورده، ولا يقع ذلك إلا لقول فيه غرابة، والمورد الصورة التي ورد فيها ذلك القول، والمضرب هو الصورة التي شبهت بها. والنخلة هي المشبهة بالمؤمن، كما هو صريح الحديث خلافا لما في العيني، وتبعه القسطلاني من العكس، والمعنى مَثَلُ النخلة العجيب الشأن كحال المؤمن في ذلك، لكن في بعض الأحاديث كما يأتي تشبيه المؤمن بالنخلة، فيكون كل منهما قد وقع. ويستقيم كلام العيني بالنظر لغير حديث الباب.
وقوله: "فحدِّثوني" فعل أمر، أي: إن عرفتموها فحدثوني، وقوله: ما هي؟ جملة من مبتدأ وخبر سدت مسد مفعوليْ التحديث، وقوله:"فوقع الناس في شجر البوادي" أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية فجعل كلّ منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذُهلوا عن النخلة، يقال: وقع الطائر على الشجرة إذا نزل عليها.
ووجه الشبه بين النخلة والمسلم إما من جهة عدم سقوط ورقة لها، وعدم سقوط دعوة له، لما رواه الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر، قال: كنا عند رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ذات يوم، فقال:"إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا يسقط لها أبلُحَة، أتدرون ماهي؟ قالوا: لا، قال: هي النخلة لا تسقط لها أبْلُحة، ولا تسقط لمؤمن دعوة". أو من جهة بركة كل منهما، لما أخرجه المصنف في الأطعمة عن ابن عمر، قال: بينا نحن عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أتى بجُمار، فقال: إن من الشجر لَمَا بركَتُه كبركة المُسْلم". وهذا أعم من الذي قبله، وبركة النخلة
موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها. فمن حين تُطْلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعا، ثم بعد ذلك، ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك، مما لا يخفى. وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له، ولغيره حتى بعد موته.
قلت: انظر، هل يمكن أحدًا من أهل الزَّيغ أن يقول: إن النخلة لا يُنتفع بها بعد موتها؟ وإذا كان لا يمكنه ذلك، كيف يقول: إن الميت المؤمن لا ينتفع به بعد موته مع ورود تشبيهها به أو تشبيهه بها صريحًا في الأحاديث المذكورة، أو يجعل سيد البلغاء غير عارف بالتشبيه فيما قال؟ أو يجعل التشبيه مقيدًا بدون دليل منه صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالمؤمن المهتدي يعلم من هذا الحديث أن المؤمن لا ينقطع نفعه بالموت قطعًا، ووقع عند ابن حبان عن ابن عمر أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، قال:"من يخبر عن شجرة مثلها مِثْل المؤمن، أصلها ثابت وفرعُها في السماء؟ ". قال القرطُبي: فوقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه حيًا وميتًا.
وقال غيره: المراد يكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله. وروى البزَّار عن ابن عمر أيضًا، قال: قال رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم:"مثَلُ المؤمن مثَلُ النخلة ما أتاك منها نفعك". هكذا أورده مختصرًا، وإسناده صحيح. وقد أفصح بالمقصو بأوجز عبارة، ووقع في التفسير عند المصنف عن ابن عمر، قال: كنا عند النبي صلي الله تعالى عليه وسلم، فقال:"أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقُها ولا ولا ولا" فذكر النفي ثلاث مرات على سبيل الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيُؤها، ولا يبطل نفعها. قلت: انظر هذا النفي الصريح في أنها لا يبطل نفعها، وهي مشبهة بالرجل المسلم -تعلم أن قول
من قال: إن المؤمن الميت ينقطع نفعه بالموت زيغ وبهتان وافتراء.
وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو لأنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت، أو لأن لطِلْعها رائحة منْي الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة، لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين، لا يختص به المسلم.
وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خُلقت من فَضْلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، ولأنه، أيضًا، لا يختص بالمسلم.
وقوله: لا تحمل حتى تلقْح، الصواب أن يقول، لا يصلح ثمرها حتى تَلْقح، لأن تلقيحها لا يكون إلا بعد ولادتها. وقوله: قال عبد الله "ووقع في نفسي أنها النخلة: عبد الله هو ابن عمر، والنخلة، بالرفع، خبر أن، بفتح الهمزة، لأنها فاعل وقع. بيَّن أبو عُوانة في صحيحه عن ابن عمر وجه ذلك الوقوع، قال: فظننت أنها النخلةُ من أجل الجُمَّار الذي أتى به وفيه إشارة إلى أن المُلْغَز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن المُلْغِز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للمُلْغِزله بابا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه. وقوله: "فاستحييتُ" زاد في رواية مجاهِد في باب اللهم في العلم "فأردتُ أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم" وله في الأطعمة "فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحْدَثُهم". وفي رواية نافع "ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهتُ أن أتكلم فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه" وفي رواية مالك عند المؤلف في باب الحياء في العلم قال عبد الله: "فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكونَ قلتها أَحب إلى من أن يكون لي كذا وكذا". زاد ابن حبان في صحيحه: أحسبه قال: حُمر النَّعَم.
وفي رواية البزَّار عن ابن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم، فذكر هذه الآية، فقال:"أتدرون ما هي؟ " قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليَّ أنها النخلة، فمنعني أنْ أتكلم مكانُ سني. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:"هي النخلة".
ويجمع بين هذا وبين ما تقدم، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أتى بالجُمَّار، فشرع في أكله تالياً للآية، قائلا:"إن من الشجر شجرة" إلى آخره.
وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، امتحانُ العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه لهم، إن لم يفهموه. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، "أنه نهى عن الأُغلوطات"، قال الأوزاعي، أحد رواته: هي صعابُ المسائل. فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسؤول، أو تعجيزه.
وفيه التحريض على الفهم في العلم. وقد بوب له المؤلف باب الفهم في العلم.
وفيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوّب عليه المؤلف في العلم والأدب.
وفيه دليل على بركة النخلة، وما تثمره وقد بوّب عليه المصنف أيضًا.
وفيه دليل على أن بيع الجُمّار جائز، لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا بوّب عليه المؤلف في البيوع، وتعقبه ابن بَطّال لكونه من المُجْمع عليه، وأجيب بان ذلك لا يمنع من التنبيه عليه، لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار، حتى يبدو صلاحها فكأنه يقول: لعل متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك، وليس كذلك.
وفيه دليل على جواز تجمير النخل، وقد بوّب عليه في الأطعمة لئلا يظن أن ذلك من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قوله تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} [إبراهيم: 24]. إشارة منه إلى أن المراد بالشجرة النخلة.