الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه بُرْيد وجده أبو بُرْدة عن أبيه، وهذه نُكتة لطيفة. ورواته كلهم كوفيون. أخرجه البخاريّ هنا فقط، ومسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، والنسائي في العلم عن القاسم بن زكرياء، ثم قال البخاريّ: قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيّلت الماء قاع يعلوه الماء، والصفصف المستوي من الأرض.
وهذا اللفظ ظاهره التعليق، ولكنه يمكن أن يكون متصلًا؛ لأن إسحاق شيخ البخاريّ، وقد مر الكلام على "قال وقال لي" فالثانية متصلة اتفاقًا. قوله: قيَّلت، بتشديد الياء التحتانية، أي أن إسحاق، وهو ابن راهوَيه، كما يأتي، حيث روى الحديث عن أبي أسامة قال:"قيّلت الماء" فخالف في هذا الحرف.
قال الأصيليّ: هو تصحيف من إسحاق. وقال غيره: بل هو صواب، ومعناه شربت، والقَيْل شرب نصف النهار. يقال قيّلت الإبل، أي: شربت في القائلة. وتعقَّبه القُرْطبُيّ بأن المقصود لا يختص بشرب القائلة. وأجيب بأن كون هذا أصله لا يمنع استعماله على الإطلاق تجوزًا. وقال ابن دُريد: قَيْلُ الماء في المكان المنخفض إذا اجتمع فيه. وتعقبه القرطبيُّ أيضًا، بأنه يفسد التمثيل لأن اجتماع الماء إنما هو مثال الطائفة الثانية، والكلام هنا إنما هو في الأولى التي شربت وأنبتت. قال: والأظهر أنه تصحيف.
وقوله: "قاع يعلوه الماء" إلخ: هذا ثابت عند المستملي، وأراد به أن "قِيعان" المذكورة في الحديث جمع قاع، وأنها الأرض التي يعلوها الماء، ولا يستقر فيها، وإنما ذكر الصفصف معه جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وقد يستطرد. ووقع في رواية كريمة "وقال ابن إسحاق" ورجّحها العراقي. ووقع في نسخة الصَّغانيّ وقال إسحاق عن أبي أسامة" وهذا يرجح الأول. وفي هذا التعليق ذكر رجلين، أما أبو عبد الله، فالمراد به البخاري وهو أشهر من أن
يُعرَّف، وقد مر تعريفه في خطبة مقدمة الكتاب، وأما إسحاق فقط أطلقه البخاري ولم يقيده، وهو يروي عن ثلاثة اسمهم إسحاق وهم: إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، ويترجح أن المراد هنا ابن راهوية، لما روى الجَيَّاني عن سعيد بن السَّكْن أنه قال: ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب، فهو إسحاق بن راهويه، وها أنا أذكر تعريف الاثنين، وقد مر الثاني في الخامس والثلاثين من الإيمان. وأبدأ بتعريف ابن راهوَية لأنه المترجح أنه هو المراد، ولأنه هو أكثر من يروي عنه البخاري منهم، ولأنه أعلم، فأقول:
هو إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم يكنى بأبي الحسن، ويلقب براهوَيه، وإسحاق يكنى بأبي يعقوب، وإبراهيم بن مَخْلدَ بن إبراهيم بن عبد الله بن مَطَر الحَنْظليّ المَرْوَزِيّ، كان أحد أئمة الإِسلام، جمع بين الفقه والحديث والورع، طاف البلاد. قال فيه النَّسائيّ: إسحاق ثقة مأمون، أحد الأئمة. وقال أبو داود: والله لو كان في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه. وقال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن المسلمين خيرًا.
وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم لإِسحاق نظيرًا، إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وإذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به، وما عبر الجسر أفقه من إسحاق. وقال نُعيم بن حمّاد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه في دينه. وقال محمد بن أسلم الطُّوسيّ: لما مات كان أعلم الناس، ولو عاش الثَّوريّ لاحتاج إلى إسحاق.
وقال أبو داود الخَفَّاف: سمعت إسحاق يقول: لكأني انظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها. وقال: أملى علينا أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا في كتابه، فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا. وقال أحفظ سبعين ألف حديث، وأذاكر بمائة ألف حديث، وما
سمعت شيئًا قط إلا حفظته، وما حفظت شيئًا قط فنسيته. وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زُرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون فقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله منْ حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة، وقال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها.
وقال ابن حبان في "الثقات": كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا وصنف الكتب، وفرع على السنن، وذَبَّ عنها، وقمع من خالفها. وقد ناظر الشافعيّ في مسألة جواز بيع دُور مكة، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرَّازِيَّ صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه "مناقب الإِمام الشافعي" رضي الله تعالى عنه، فلما عرف فضله، نسخ كتبه، وجمع مصنفاته بمصر.
وراهويه بفتح الراء بعدها الف وبعد الألف هاء ساكنة، ثم واو مفتوحة ثم ياء مثناه من تحت بعدها هاء سكت، هكذا ضبطه ابن خِلِّكان، وضبطه العينيّ بفتح الهاء والواو وسكون الياء والهاء الاخيرتين، وبضم الهاء ممدودة. وفتح الياء آخر الحروف، وضبطه ابن خِلِّكان بهذه الأخيرة أيضًا. وإنما لقب بهذا الاسم لأنه ولد في طريق مكة، والطريق يقال لها بالفارسية "رواه" و"ويه" معناه "وجد"، فكأنه وجد في الطريق. وروي عنه قال: قال لي عبد الله بن طاهر أمير خراسان: لِمَ قيل لك ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق، فقالت المرَاوِزَةُ راهوَيْه؛ لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره ذلك، وأما أنا فلست أكره ذلك.
روى عن ابن عُيينة وابن عِلْيه وجَرير وبشر بن المُفَضّل وابن المُبارك