الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعبد الرزاق، وغُنْدُر وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى ابن ماجة، وبقيَّة ابن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل وإسحاق الكَوْسَح، ومحمد بن رافع، ويحيى بن مُعين، وهؤلاء من أقرانه، والذُّهْلِيّ وأبو العباس السَّرَّاج.
مات ليلة النصف من شعبان، ليلة الخميس، وقيل ليلة الأحد، وقيل ليلة السبت، سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل سنة سبع بَنْيسابور. وفي موته يقول الشاعر:
يا هَدةً ما هددنا ليلةَ الأحدِ
…
في نصف شعبان لا تنسى مدى الأبدِ
وأما إسحاق الثاني، فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاريّ، أبو ابراهيم المعروف بالسَّعْدِيّ، ذكره ابن حِبان في الثقات. وقال: كان قديم الموت، روى عن أبي أُسامة وعبد الرزاق وغيرهما. وروى عنه البخاريُّ، وربما نسبه إلى جده، توفي يوم الجمعة غرة شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
وقال الذهبي: إنه يقال له السُّغْدِيّ بمهملة مضمومة ثم معجمة ساكنة، نسبة إلى سُغْد، وهي بساتين وأماكن مثمرة. بسمرقند، وهو أحد متنزهات الدنيا، نسب إليها كامل بن مُكْرِم أبو العلاء، نزيل بُخارى، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد، إمام فاضل، وقد سكن بخارى وأحمد بن حاجب الحافظ، وأبو العباس الفضل بن محمد بن نصر، وغيرهم. وأما السَّعْدي بالمهملة المفتوحة، فهو نسبة إلى سعد، وقد مر الكلام عليه، وإسحاق بن إبراهيم في الستة نحو أربعة عشر.
ثم قال المصنف
باب رفع العلم وظهور الجهل
مقصود الباب الحث على تعلم العلم، فإنه لا يرفع إلا بقبض العلماء، كما يأتي صريحًا، وما دام من يتعلم العلم موجودًا لا يحصل
الرفع، وقد تبين في حديث الباب أنّ رفعه من علامات الساعة.
ثم قال:
وقال زبيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، ومراد ربيعة هو أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم، لا ينبغي له أن يمهل نفسه فيترك الاشتغال، لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم، أو مراده الحث على نشر العلم في أهله، لئلا يموت العالم قبل ذلك، فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه، لئلا يضيع علمه، وقيل: مراده تعظيم العلم، وتوقيره، فلا يهين نفسه، بأن يجعله عرضًا للدنيا، كما قال القائل:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
…
ولو عظموه في النفوس لعظِّما
ولكنْ أهانوه فهانَ ودنّسوا
…
مُحَيَّاه بالأطماع حتى تثلّما
قال فى "الفتح": وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم.
قلت: هذا المعنى هو الموافق للفظ صريحًا، وغير مناف للترجمة، لأن إضاعة أهل العلم لأنفسهم تؤدي إلى الازدراء بهم، وعدم المبالاة بالأخذ منهم، فيضيع العلم وهذا التعليق وصله الخطيبُ في "الجامع" والبَيْهقيَّ في "المدخل" من طريق عبد العزيز الأُوَيْسِيّ عن مالك عن ربيعة.
وربيعة هو ابن أبي عبد الرحمن فرُّوخ التَّيْمِيّ، مولاهم، أبو عثمان المَدِنيّ، المعروف بربيعة الرأي، قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد. قال أحمد: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه. وقال العَجْلِيّ وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شَيْبةْ ثقة ثبت أحد مُفتِي المدينة. وقال مُصْعَب الزُّبْيري: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالمدينة المنورة. وكان يحصى في مجلسه أربعون مُعْتَمًّا وعنه أخذ مالك. وقال يحيى بن سعيد:
ما رأيت أحدًا أفطن منه. وقال عُبيَد الله بن عمر: هو صاحب معضلاتنا، وأعلمنا، وافضلنا.
وقال سَوَّار العَنْبرَيّ: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين. وقال عبد العزيز بن أبي سَلَمة: تقولون: ربيعة الرأي، هو الله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنة منه. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكانوا يتوقونه لموضع الرأي. وقال الإمام مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يده لصديق أو غيره منه، انفق على إخوانه أربعين ألف درهم. ثم جعل يسأل إخوانه، فقيل له: أذْهَبْتَ مالك وأنت تخلق وجهك، فقال: لا يزال هذا دأبي، ما وجدت أحدًا يغبطني على جاهي.
قال بكر بن عبد الله الصنْعانِيّ: أتينا مالكًا فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، وكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: أنت الذي يحدثنا عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. قلنا: كيف حُظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير من حمل من علم؟ وكان ربيعة يكثر الكلام ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وكان يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابيٌّ دخل من البادية، فأطال الوقوف، والانصات إلى كلامه، فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه، فقال: يا أعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى. فقال: وما العَيُّ؟ فقال: ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعةُ.
وكان أبو ربيعة فَرُّوخ خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلّف عند أم ربيعة زوجته ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب فرسًا، وفي يده رمح، فنزل ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة وقال: ياعدو الله، أتهجم على منزلي؟ فقال فرَّوخ: يا عدو الله، أنت دخلتَ على حُرَمِي، فتواثبا حتى
اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس، فأتوا يعينون ربيعة، وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: لا فارقتك، فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: ايها الشيخ، لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري وأنا فَرُّوخ، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت، وقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به، فاعتنقا جميعًا وبكيا، ودخل فرُّوح المنزل وقال لامرأته: هذا ابني؟ قالت: نعم. قال: أخرجي المال الذي عندك، قالت: قد دفنته، وأنا أخرجه، ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف الناس أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمه لزوجها فرّوخ: اخرج فصل في مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها، فوقف عليها، فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قُلُنسوة طويلة، فشك أبوه فيه فقال: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: لقد رفع الله ابني، ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: أيهما أحب إليك، هذا الذي هو فيه أو ثلاثون ألف دينار؟ فقال: لا والله، بل هذا. فقالت: انفقت المال كله عليه. فقال: لا والله ما ضيعته.
قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزَّناد وربيعة متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة فضرب وحُلق نصف لحيته، فحلق هو النصف الآخر، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه؟ قال: فاقعدوني، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم. لا، لا، ثلاث مرات.
روى عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسَيّب والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج ومكحول وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد
الأنصاريّ وأخوه عبد رَبِّه بن سعيد، وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك وشُعْبة والسفيانان والليث، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم.
مات سنة ست وثلاثين ومئة، وقيل سنة ثلاثين بالهاشمية، وهي مدينة بناها السَّفَّاح بأرض الأنبار، وكان يسكنها ثم انتقل إلى الأنبار. والقول بأنه توفي سنة ثلاثين ومئة وأنه دفن بالهاشمية. التي بناها السَّفَّاح لا يمكن الجمع بينه وبين تاريخ خلافة السَّفَّاح؛ لأن السفاح ولي الخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، كذا نقله أرباب التواريخ، واتفقوا عليه.
وليس في الستة ربيعة بن أبي عبد الرحمن ولا ابن فَرّوخ سواه.