الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْز الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَه أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ".
قوله: قال ابن عباس: هو خَضر، لم يذكر ما قال الحُرُّ بن قيس. قال في "الفتح": ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث. وهذا التماري الذي وقع بين ابن عباس والحرّ غير التماري الذي وقع بين سعيد بن جُبير ونَوف البكّالي، فإن هذا في صاحب موسى، هل هو الخضر أو غيره؟ وذلك في موسى، هل هو موسى بن عِمران الذي أنزلت عليه التوراة أو موسى ابن مِيشا، بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها معجمة، ابن أفراييم بن يوسف عليه السلام.
قال ابن إسحاق: في المبتدأ كان موسى بن مِيشا، قبل موسى بن عمران نبيًا في بني إسرائيل. ويزعم أهل الكتاب أنه الذي صحب الخضر.
وقوله: فدعاه، أي: ناداه، وقال ابن التين: إن فيه حذفًا، والتقدير: فقام إليه فسأله، لأن المعروف عن ابن عباس التأدب مع من يأخذ عنه، وأخباره في ذلك شهيرة، والحق أنه ليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخل بالأدب، وقد روي. فمرّ بهما أُبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: يا أبا الطُّفيل هلُمَّ إلينا. وهذا صريح في المراد. وقوله: "إلى لُقيِّه" بلام مضمومة، فقاف مكسورة، فمثناة تحتية مشددة. وقوله:"بينما موسى" بينما: أصلها بين، وزيدت فيها الميم، والألف، وتلزم الإضافة إلى أجل، ومعناها بين أوقات كذا. وقد مر الكلام عليها في الرابع من بدء الوحي بأزيد من هذا.
وقوله: "في ملأ من بني إسرائيل" والملأ: الجماعة أو الأشراف خاصة، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب، عليه السلام، لأنه هو إسرائيل. ويأتي الكلام عليه في أحاديث الأنبياء. وكانوا اثني عشر ولدًا، وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم. وقوله:"جاءه رجل" هو جواب بينما، وجوابها تقدم عند الحديث المذكور الكلام عليه. والرجل، قال في "الفتح": لم أقف على تسميته. وقوله: "هل تعلم أحدًا أعلم منك" بنصب أعلم، صفة لأحد. وقوله:"قال موسى لا" وفي رواية، فقال:"لا أعلم أحدًا أعلم مني" وفي التفسير: فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه. وبين الروايتين فرق، لأن الأخيرة تقتضي الجزم بالأعلمية له، ورواية الباب تنفي الأعلمية عن غيره، عليه، فيبقى احتمال المساواة، وفي رواية عند مسلم، فقال:"ما أعلم في الأرض خيرًا وأعلم مني"، فأوحى الله إليه أني أعلم بالخير عند من هو، وإن في الأرض رجلًا هو أعلم منك.
وقوله: "فعتب الله عليه" أي: لم يرضَ قولَه شرعًا ودينًا، وآخذه به. وأصل العتب المؤاخذة، يقال: عَتَب عليه، إذا آخذه، وإنما عتب الله عليه
إذ لم يَرُدَّ ردَّ الملائكة {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]. وقيل: جاء هذا تنبيهًا له، وتعليمًا لمن بعده، ولئلا يقتدي به أحد في تزكية نفسه، والعُجْب بحاله، فيهلك، وإنما أُلجىء موسى للخضر للتأديب، لا للتعليم.
وقوله: "بلى عبدنا خَضر" بلى بوزن على، وقد مر أنها تأتي جوابًا للنفي، وتصيره إثباتا، أي هو أعلم منك بما أعْلمتَه من الغيوب، وحوادث القدر، مما لا تعلم الأنبياء منه إلا ما أُعلموا به، كما قال سيدهم وصفوتهم، صلاة الله وسلامه عليه وعليهم، في هذا المقام:"إني لا أعلم إلا ما علمني ربي"، وإلا فلا ريب أن موسى، عليه الصلاة والسلام، أعلم بوظائف النبوة، وأمور الشريعة وسياسة الأمة، ولهذا قال الخضر: إنك على علم من علم الله، علَّمك، لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه، لا تعلمه. وفي رواية الكَشميهنِيّ: بل، بإسكان اللام، والتقدير: فأوحى الله إليه لا تطلق النفي، بل قل: خضرِ، وإنما قال: عبدُنا، وإن كان السياق يقتضي أن يقول: عبد الله، لكونه أورده على طريق الحكاية عن الله تعالى، والإضافة فيه للتعظيم.
وقوله: "فإنك ستلقاه" إنما كان كذلك؛ لأن موسى لما سأل السبيل إليه، قال الله تعالى له: اطلبه على الساحل عند الصخرة، قال: يا ربَّ، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتل، فحيث فقدته، فهو هناك. فقيل: أخذ سمكةً مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوتَ، فأخبرني.
قوله: "وكان يتَّبع"، بتشديد المثناة الفوقية، وقوله:"أثر الحوت في البحر" روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل موسى يقدم عصاه، يفرج بها عنه الماء، ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يَمَسُّ شيئًا من البحر إلاّ يبسَ حتى يصير صخرة، فجعل موسى يعجب من ذلك حتى انتهى إلى جزيرة في البحر، فلقي الخضر. وقوله: "فقال لموسى" فتاه، هو يُوشع بن نُون، فإنه كان يخدمه ويتبعه، ولذلك سماه فتاه، وزعم ابن العربي أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذه من لفظ الفتى، وأنه خاص بالرقيق، وليس
بجيد لأن الفتى مأخوذ من الفتاء وهو الشباب، وأطلق ذلك على كل من يخدم المرء. سواءًا كان شابًا أو شيخًا؛ لأن الأغلب أن الخدم تكون شبانًا. وقوله:"أرأيت" أي: ما دهاني، وقوله:"إذ أوَيْنا إلى الصخرة" يعني الصخرة التي رقد عندها موسى عليه السلام، أو الصخرة التي دون نهر الزَّيْت، وذلك أن موسى لما رقد اضصرب الحوت المُمَلَّح، ونزل في البحر معجزة لموسى، أو الخضر عليهما السلام. وقيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل، ونزلا ليلًا على شاطىء عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة رَوْح الماء وبرده، عاشت. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش، ووقع في الماء. وقوله:"فإني نسيت الحوت" أي فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت.
وقوله: "وما أنسانيه إلَاّ الشيطان أن أذكُرَه" أي: وما أنساني ذكره إلَاّ الشيطان فإن "أن أذكره" بدل من الضمير، وهو اعتذار عن نسيانه، بشغل الشيطان له بوساوسه. والحال، وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها، لكنه لما ضرَي بمشاهدة أمثالها عند موسى وألِفَها، قلَّ اهتمامه بها. ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة. وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه.
وقوله: "قال ذلك" أي: فقدان الحوت. وقوله: "ما كنا نبغ" أي: نطلب؛ لأن فقد الحوت جُعل آية، أي علامة على الموضع الذي فيه الخَضرِ، وقوله:"فارتدَّا على آثارهما" أي: فرجعا في الطريق التي جاءا فيه يقُصَّان. وقوله: "قصصًا" أي يتبعان آثارهما اتباعا، أو مقتصين، حتى أتيا الصخرة. وقوله:"فوجدا خَضرًا" فكان من شأنهما الذي قص الله عز وجل في كتابه، أي من قوله تعالى {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ
…
} [الكهف: 66] إلى آخر ذلك.
وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنّت، والرجوع إلى
أهل العلم عند التنازع، والعمل بخبر الواحد الصدوق، وركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه، ومشروعية حمل الزاد في السفر، ولزوم التواضع في كل حال، ولهذا حرص موسى على الالتقاء بالخضر، عليهما السلام، وطلب التعلم منه، تعليمًا لقومه أن يتادبوا بأدبه، وتنبيها لمن زكّى نفسه، أن يسلك مسلك التواضع، وإطلاق الفتى على التابع، واستخدام الحُر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناس، وقبول الهبة من غير المسلم، واستدل به على أن الخضر نبي لعدة معان، كقوله:"وما فعتله عن أمري" وكاتباع موسى رسول الله له، ليتعلم منه، وكإطلاق أنه أعلم منه، وكإقدامه على قتل النفس، لما شرحه بعد وغير ذلك.
وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، والإغضاء على بعض المنكرات مخافة أن يتولد منه ما هو أشد، وإفساد بعض المال لإصلاح معظمه، كخِصاء البهيمة للسِّمَن، وقطع أذنها لتتميز، ومن هذا مصالحة ولي اليتيم السلطان على بعض مال اليتيم، خشية ذهابه بجميعه فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك، لاطلاع الله تعالى عليه.
وقال ابن بّطال: قول الخضر: وأما الغلام فكان كافرًا، هو باعتبار ما يؤول إليه أمره ان لو عاش حتى يبلغ، واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله، ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء، قبل البلوغ وبعده. ويحتمل أن يكون جواز تكليف المميز قبل أن يبلغ كان في تلك الشريعة، فيرتفع الإشكال، وفيه جواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه، ومحل ذلك إذا كان على غير سَخَط من المقدور، وفيه أن المتوجه إلى ربه يُعان، فلا يسرع إليه النَّصب والجوع، بخلاف المتوجه إلى غيره، كما في قصته في توجهه إلى ميقات ربه، وذلك في طاعة ربه، فلم يُنقل عنه أنه تعب، ولا طلب غذاء، ولا رافق أحدًا. وأما في توجهه إلى مدين، فكان في حاجة