الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ".
قوله: "وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني" الواو فيه للعطف على قوله: أولًا "عن عبد الرحمن"، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، فهو موصول، ووهم من زعم أنه معلق، وأفاد بهذا الإِسناد فائدتين:
إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية الأولى.
والثانية: زيادة طريق أبي هُريرة التي زاد، فيها التقييد بعدم بلوغ الحنث.
وقوله: "لم يبلغوا الحنِث" هو بكسر المهملة وسكون النون بعدها مثلثة، وحكي عن الداودي أنه ضبطه بفتح المعجمة والموحدة، وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول. والمعنى: لم يبلغوا الحُلُم فتكتب عليهم الآثام.
قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى القلم، والحنث الذنب. قال الله تعالى:{وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} وقيل: المرادُ بلغ إلى زمان يُؤاخذ بيمينه إذا حَنَثْ. وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يُؤاخذ بما يرتكبه فيه، بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر، لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحب له أشد، والرحمة له أوفر. وعلى
هذا، فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة. وبهذا صرح كثيرٌ من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا يتصور منه ذلك، إذ ليس بمخاطب.
وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال: ولعل هذا هو السر في الغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة، ويقوي الأول قوله في بقية الحديث:"بفضل رحمته إياه" لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإِثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونًا مثلًا واستمر على ذلك فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم، يقتضي الإِلحاق، وكون الامتحان بهم يخف بموتهم يقتضي عدمه، وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد؟ محل بحث، والذي يظهر أن أولاد الصُلب يدخلون، ولاسيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، وفي التقييد بكونهم من صُلبه، ما يدل على إخراج أولاد البنات.
وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعليم الدين، وفيه جواز الوعد، وأن أولاد المسلمين في الجنة، لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء، وكون أولاد المسلمين في الجنة قاله الجمهور، ووقفت طائفة قليلة، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين، على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة الذي أخرجه مسلم بلفظ "تُوفيّ صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا، ولم يدركه، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث. قال: والجواب عنه أنه لعله نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.