الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ".
قوله: على حمارٍ أتانٍ، بالتنوين فيهما، على النعت أو بدل الغَلَط، أو بدل البعض من الكل، لان الحمار يطلق على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، وبدل كل من كل نحو"شجرة زيتونة"، وروي بإضافة حمارٍ إلى أتان، أي: حمار هذا النوع، وهو الأتان واستنكرها السُّهَيْليّ وقال: إنما يجوزه من جوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان والحمار اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، كما مر، كقولك بعير. وقد شذ "حمارة" في الأنثى.
وأتان بفتح الهمزة، وشذ كسرها، هي الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى "أتانة" حكاه يونس، وأنكره غيره، وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى للاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة، لانهن أشرف، وهو قياس صحيح من حيث النظر، إلا أن الخبر الصحيح لا يدفع بمثله. وعورض أيضًا بأن العلة ليست مجرد الانوثة فقط، بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنها فطنة الشهوة.
وقوله: "قد ناهزت" أي: قاربت، وقوله:"الاحتلام" أي: البلوغ الشرعيّ، وهو مشتق من الحلُمُ، بضم اللام، وهو ما يراه النائم، واختلف في سن ابن عباس عند وفاة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقيل:
عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة. وقوله: "بمنى" بالصرف وعدمه، باعتبار كونه علم المكان، أو البقعة، والأجود الصرف، وكتابته بالألف. وسميت بذلك لما يمنى، أي: يراق، بها من الدماء. وقوله:"إلى غير جدار" أي إلى غير سترة، قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزَّار بلفظ "والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يصلي المكتوبة ليس بشيء يستره" والتحقيق أن هذا كان في حجة الوداع بمنى. وما وقع لمسلم عن ابن عُيينة من أنه كان بعرفة شاذ، لا يعول عليه. وقول النَّوويّ: إن ذلك يحمل على أنهما قضيتان، متعقبٌ بأن الأصل عدم التعدد، ولاسيما مع اتحاد مخرج الحديث.
وقوله: "بين يدي بعض الصف" هو مجاز عن الأمام، بفتح الهمزة، لأن الصف ليس له يد، وبعض الصف يحتمل أن يراد به صف من الصفوف، أو بعض من أحد الصفوف. ويعيِّن المراد رواية المصنف في الحج بلفظ "حتى سرت بين يدَي بعض الصف الأول". وقوله:"وارسلت الأتان ترتع" أي تأكل. "وترتع" مرفوع، والجملة في محل نصب على الحال من الاتان. وهي حال مُقدَّرة؛ لأنها لم تكن ترتع في تلك الحال، وإنما أرسلها قبلُ مقدرًا كونها على تلك الحال. وجوَّز ابن السَّيِّد فيه أن يريد "لترتع"، فلما حذف الناصب رفع، كقوله تعالى:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] وقيل: ترتع تسرع في المشي، والأول أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في الحج "نزلت عنها فرتعت". وقوله:"ودخلت الصف" عند الكَشْمَيهنِي فدخلت، بالفاء وقوله:"فلم ينكِر ذلك عليَّ أحد" وفي رواية فلم ينكر ذلك علي "بفتح الكاف"، أي: فلم ينكره عليَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا غيره.
وفيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة واستدل ابن
عباس على الجواز بعدم الإنكار لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة لأن ترك الإنكار أكثر فائدة، وذلك أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور، وصحة الصلاة معًا، ويستفاد منه أن ترك الإنكار حجة على الجواز، بشرطه وهو انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نفى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضا، كان الإنكار يمكن بالإشارة، كما لا يقال: لا يلزم مما ذكر اطلاع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على ذلك، لاحتمال ان يكون الصف حائلًا دون رؤية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، له لأنا نقول: قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يرى في الصلاة من ورائه، كما يرى من أمامه، وقد مر قريبًا أنه مر بين يدي بعض الصَّف الأول، فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك، لكان توفر دواعيهم على سؤاله صلى الله تعالى عليه وسلم، عما يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطلاعه على ذلك.
واستدل المصنف به على ما ترجم له من أن التحمل لا يشترط فيه كمال الاهلية، وإنما يشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر، كما يأتي تحريره. وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وتقريره مقام حكاية قوله، إذ لا فرق بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء. والمراد بالصغير، في الترجمة، غير البالغ، وذكر الصبي معه من باب التوضيح، ويحتمل أن يكون لفظ الصبي يتعلق بقصة محمود، ولفظ الصغير يتعلق بهما معًا.
واستدل به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخًا لحديث أبي ذَرٍ الذي عند مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة والكلب الأسود وتعقب بأن مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عباس وهو راكبه، وذلك لا يضر لكون سترة الإمام سترة لمن خلفه،