الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ".
قوله: "قال رجل" هو حَزْم بن أبي كعب الأنصاريّ، فقد أخرج الطَّيالِسيّ عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، حدث عن حَزْم بن أبي كعب أنه مر على معاذ بن جبل، وهو يصلي بقومه، فذكر الحديث في تطويله بهم. وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له بالتخفيف. قال في الإصابة: ولم أر من ترجم لحزم بن أبي كعب من القدماء إلا ابن حِبان، فذكره في الصحابة، ثم ذكره في ثقات التابعين، ولعل التابعي آخر، وافق اسمه واسم أبيه، وإلا فالقصة صريحة في كونه صحابيًا. وقد ذكره ابن مَنْده وتبعه أبو نُعيم.
وفي "الفتح" في كتاب العلم هنا قيل: هو حزم بن أبي كعب. وقال في كتاب الصلاة عند ذكر هذا الحديث. ووهم من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أُبي بن كعب. وقوله:" لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان" في رواية مما يطيل، فالأُولى من التطويل، والثانية من الإِطالة. وفلان: قيل إنه معاذ بن جبل، قال في "الفتح": بل المراد بالمبهم هنا أبي بن كعب، كما أخرجه أبو يعلي بإسناد حسن عن جابر قال: كان أُبي بن كعب يصلي بأهل قُباء، فاستفتح سورة طه، فدخل
معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أبي فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أُبيًا، فغضب النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى عُرف الغضب في وجهه، ثم قال:"إن منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة" فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب "مما يطيل بنا فلان" أي في القراءة، واستفيد منه أيضًا تسمية الإِمام وهو أبي بن كعب، والموضع وهو قباء، وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب؛ لأنها كانت في العشاء كما صرح به في كتاب الصلاة، وكانت في مسجد بني سلمة وهذه كانت في الصبح به، كما صرح به في كتاب الصلاة، وكانت في مسجد قُباء كما في الحديث المار.
ومعاذ بن جبل مر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومر أبيُّ ابن كعب في السادس عشر من كتاب العلم هذا، وقد قال عياض: ظاهر قوله "لا أكاد أدرك الصلاة" مشكلٌ؛ لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، ولعله "لأكاد أترك الصلاة" فزيدت الألف بعد لا، وفصلت التاء من الراء وجعلت دالا، وهو توجيه حسن لو ساعدته الرواية.
وقيل: معناه أنه كان به ضعف فكان إذا طول به، الإمام في القيام، لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يدرك معه الصلاة. وهو معنى حسن لكن رواه المصنف عن الفِرْيابيّ بلفظ "إني لأتأخر عن الصلاة" فعلى هذا فمراده بقوله "إنى لا أكاد أدرك الصلاة" أي: لا أقرب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحيانًا، من أجل التطويل، فعدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشىء عن تأخره عن حضورها، ومسبَّبٌ عنه، فعبر عن السبب بالمسبّب، وعلله بتطويل الإمام، وذلك لأنه إذا اعتيد التطويل منه، اقتضى ذلك أن يتشاغل المأموم عن المجيء أول الوقت، وثوقًا بتطويل الإمام، بخلاف ما إذا لم يكن يطول، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أول الوقت، وكأنه يعتمد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم
يتوجه فيصادف أنه تارة يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال:"لا أكاد أدرك مما يطوّل بنا" أي: بسبب تطويله بنا، فالتطويل سبب التأخر الذي هو سببٌ لذلك الشيء. ولا داعي إلى حمل الروايات الثابتة في الأمهات الصحيحة على التصحيف.
وقوله: "أشد غضبًا" بالنصب على التمييز، وقوله:"من يومئذ" في رواية ابن عَسَاكِر "منه من يومئذ" ولفظة: "منه" صلة أشد والمفضل عليه والمفضل، وإن كانا واحدًا، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الضمير راجع إليه، لكن باعتبارين فهو مفضل باعتبار يومئذٍ مفضل عليه، باعتبار سائر الأيام، نحو قولهم: هذا بسر أطيب منه رطبًا، وسبب شدة غضبه عليه الصلاة والسلام، إما لمخالفة الموعظة، لاحتمال تقدَّم الأعلام، ويأتي قريبًا ما يرجحه، أو للتقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلمه، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه، ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعود من مثل ذلك إلى مثله وقوله:"فقال: أيها الناس إنكم مُنَفَّرون"، أي: عن الجماعات.
وفي رواية أبي الوقت: إن منكم منفرين، ولم يخاطب المُطَول على التعيين، بل عمم خوف الخجل عليه، لطفًا به وشفقة على جميل عادته الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله:"منفرين" يحتمل أن يكون تفسيرًا للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ "أفَتَّانٌ أنت" ويحتمل أن قصة أُبيّ هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب، وكذا ذكر في هذا الغضب، ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول. وقوله:"فمن صلَّى بالناس فليخفف" أي إمامًا لهم، والتطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة لعادة آخرين.
وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه