الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. قَالَ:"ارْمِ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَاّ قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.
قوله: "في حجّة الوداع" بفتح الحاء والواو وكسرهما، والفتح في الوداع على أنه اسم، والكسر فيه على أنه مصدر من المفاعلة. وقوله:"بمنى" بالصرف وعدمه، حال وقوله "يسألونه" حال من فاعل وقف، أو من الناس، أي حال كونهم سائلين منه، أو استئنافٌ بيانًا لسبب الوقوف. وقوله:"فجاء رجل" قال في "الفتح": لم أعرف اسم هذا السائل، ولا الذي بعده، في قوله "فجاء آخر" والظاهر أن الصحابي لم يسم أحداً لكثرة من سأل إذ ذاك. وقوله:"عن شيء" أي من أعمال يوم العيد: الرَّمْي والنَّحْر والحَلْق والطواف.
وقوله: "قُدم ولا أُخر" أي، بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأول حذف، أي: لا قُدّم ولا أخّر؛ لأن لا، لا تكون في الماضي إلا مكررة على الفصيح، وحسّن حذفها هنا أنه في سياق النفي، كما في قوله تعالى {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]. ولمسلم "ما سئل عن شيء قدّم أو أُخر".
وقوله: "ولاحَرَج" أي: لا شيء عليك مطلقًا، لا في الترتيب، ولا
في ترك الفدية. هذا ظاهره. وقال بعض الفقهاء: المراد نفيُ الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة "ولم يأمر بكفارة" والتفسير الأول الذي هو عدم وجوب الترتيت والفدية، هو مذهب الشافعيّ وأحمد وعطاء وطاووس ومجاهد، وقال مالك وأبو حنيفة: الترتيب واجب، يجبر بالدم. لكنَّ الدم عند مالك إنما هو في صورتين لا غير، وهما تقديم الحَلْق أو الإفاضة على الرمي، وأما ما عدا ذلك، كحلقه قبل النحر، ونحره قبل الرمي، وإفاضته قبل النحر أو الحلق، أو قبلهما معاً، فلا دم عليه على الأصح في هذه الصور الخمس.
واحتجوا بما رواه ابن أبي شَيْبَة عن ابن عباس أنه قال: من قَدَّم شيئًا من نُسُكه أو آخره فَلْيُهرِق لذلك دمًا. وابن عباس أحد من روى "أن لا حرج" فدل على أن المراد بنفي الحرج نفيُ الاثم، فأوّلوا قوله "لا حرج" أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنكم فعلتموه على الجهل منكم، لا على القصد، فأسقط عنهم الحَرَج، وعَذرهم لأجل النسيان، وعدم العلم. وبدل له قول السائل "لم أشعر" ويؤيده ان في رواية علي عند الطحاويّ، بإسناد صحيح، بلفظ "رمَيَتْ وحَلَقْتُ ونسِيتُ أن أنحر" والاستدلال بما رُوي عن ابن عباس، متُعَقّبٌ بأن في سنده إبراهيم بن مُهَاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير صحته يلزم من يأخذ به أن يوجب الدم في كل شيء من الخمسة المذكورة، ولا يخصه بالحلق أو الإفاضة قبل الرمي، وقال الطَّبري محتجًا لمذهب الشافعيّ: لم يسقط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، الحَرَج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يُجزىء، لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكمِ الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً أو ناسيًا، لكن تجب عليه الإعادة. والعجب ممن يحمل قوله "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا، يجب بتركه دمٌ، فليكنْ في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض، مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج.
واحتج النخعيّ ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره، بقوله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196]. قال: فمن حلق قبل الذبح اهْراق دمًا عنه، رواه ابن أبي شَيْبة بسند صحيح. ويجاب عنه بأن المراد "ببلوغ محله" وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتم ما أراد أنْ لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا، وأجاب الآبيُّ عن مالك بأن وجوب الدم في الأولى يخصص عموم الخبر المار، لقاعدة أخرى، وهي أن في تقديم الحلق على الرمي إلقاء التَّفَثِ عن المُحْرِم.
وروى الأثرم عن أحمد: إن كان ناسيًا أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا، فعليه الدم، لقوله في الحديث "لم أشعر"، وتُعُقِّب بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجبت إعادة السعي، وأيضا وجوب الفدية، يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبَيَّنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره.
وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قويٌّ من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج، بقوله "خذوا عني مَنَاسِكَكُم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج، وأيضًا، فالحكم إذا رتب على وصف، يمكن أن يكون معتبرًا، لم يجز اطّراحه ولا شك أن عدم الشعور وصفٌ مناسب لعدم المؤاخذة، وقد عُلِّق به الحكم، فلا يمكن اطّراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي، فما سئل عن شيء إلخ، فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقٌ غير مراعىً، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي، يتعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد، والله تعالى أعلم.