الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"ولكنني" إذ يجور في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية وعدمه. وقوله: "من كذب علي" كذا في رواية البخاري، ليس فيه "معتمدًا"، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن شعبة، وأخرجه ابن ماجه من طريقه، وزاد فيه "متعمدًا"، وكذا أخرجه الإِسماعيلي من طريق مُعاذ عن شُعبة. والاختلاف فيه على شعبة. وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح عند أهل السنة من أن الكذب الإِخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواءً كان عمدًا أو خطأ. ويشهد لذلك دلالةُ الحديث على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره، والمخطىء وإن كان غير آثم بالإِجماع، لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ، وهو لا يشعر، لأنه وإِن لم يأثم بالخطأ قد يأثم بالإِكثار، إِذا الإِكثار مظنّة الخطأ، والثقة إذا حدّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ، يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع.
فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإِثم إذا تعمد الإِكثار، فمن ثمَّ توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإِكثار في التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت. أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله تعالى عنهم.
وقوله: "فلْيتبّوأ" بكسر اللام وسكونها، جواب الشرط الذي هو من أمر من التبوأ، أي فليتخذ لنفسه منزلًا، يقال: تبوأ الرجل المكان، إذا اتخذه مسكنًا، وهو أمرٌ بمعنى الخبر، أو بمعنى التهديد، أو التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك، أي: بوأه الله ذلك. وقال الكَرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوأ. وأوَّلها أوْلاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ "بني له بيت في النار". قال الطَّيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوأ.
رجاله ستة:
الأول أبو الوليد عبد الملك بن هشام الطَّيالِسِيّ، وقد مر تعريفه
في الحديث العاشر من كتاب الإيمان، والثاني شعبة بن الحجاج وقد مر أيضًا في الحديث الثالث منه.
الثالث: جامع بن شدّاد المُحاربيّ، الكوفي التابعي الثقة، أبو حَمْزة، وقيل أبو صخْر، روى عن عبد الرحمن النَّخعيّ، وحُمران. وروى عنه الأعمش ومِسْعر وشريك وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وأبو نعيم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العَجْليّ: شيخٌ عالٍ ثقة من قدماء شيوخ الثَّورِيّ. وذكره ابن حبان في الثقات، له نحو عشرين حديثًا، مات سنة ثماني عشرة ومئة.
الرابع: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الأسدي القرشي، أبو حارث المدني، أخو عبّاد وحمزة وثابت وخُبيب وموسى. روى عن أبيه وأنس، وعنه أبو حاتم الأعرج وابن عجلان ومالك وخلق. قال ابن عيينة: اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، وقال أحمد بن حنبل: ثقة من أوثق الناس، وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وقال مالك: كان يغتسل كل يوم، ويواصل صوم سبعة عشر: يومين وليلة. وقال العَجْلي: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال: كان عالمًا فاضلًا، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا، وكان ثقة مأمونًا، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليليّ: أحاديثه كلها يحتج بها، مات قبل هشام بن عبد الملك، أو بعده بقليل، وهشام مات سنة إِحدى وعشرين ومئة.
الخامس: أبوه عبد الله بن الزبير بن العوام، يكنى أبا بكر أولًا، ثم كني بأبي خبيب بالتصغير، الصحّابي بن الصحابي، أمير المؤمنين، وأول مولود وُلد في الإِسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق بقُباء، وأتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره، ودعى بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريقُ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا له. كان أطلس لا لحيةَ له، وكان صوّامًا قوّامًا، يبيتُ ليلةً راكعًا وليلةً ساجدًا إلى الصباح. وقيل: إِن النبيّ صلى الله
عليه وسلم أتاه في اليوم الذي ولد فيه، فسماه باسم جده أبي بكر، وكناه بكنيته، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولي الخلافة.
بايع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين، أمره الزبير بذلك. فلما جاء إلى النبي تبسم، وروي أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر، وروي عنه أنه قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله، إذهب بهذا فاهرقه حيث لا يراك أحد، فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس. قال: لعلك شربته؟ قال: نعم. قال: ولِمَ شربت الدم؟ قال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس، لا تمسك النار إلا تحلة القسم. فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.
وعن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإِسلام قارىء القرآن، أبوه حواري النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه بنت الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد وقال علي بن زيد الجَدْعانيّ: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة كثير الصيام، شديد البأس، كريم الأمهات والجدّات والخالات، إلَاّ أنه كانت فيه خلالٌ لا تصلح معها الخلافة، لأنه كان بخيلًا ضيق العطاء، سيء الخلُقُ حسودًا، كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحَنفيَّة، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما زال الزبير يعدّ منّا أهل البيت حتى نشأ عبد الله. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليًا أحسن صلاةً من ابن الزبير. وروي عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمودٌ. وقال ابن أبي مُليكة: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ثم يُصبح اليوم الثامن، وهو إلينا. وعن مجاهد أيضًا: ما
كان بابٌ من أبواب العبادة إلا تكلّف به ابن الزبير ولقد جاء سيل بالبيت، فرأيتُ ابن الزبير يطوف به سباحة.
شهد اليرموك مع أبيه الزبير وشهد أفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، وشهد الدار وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرَّجالة، ووجد وسط القتلى يوم الجمل وفيه بضع وأربعون جراحة، فأعطت عائشة البشير الذي بشرها بأنه لم يمت عشرة آلاف. وعن أبي عتيق أن عائشة قالت: إذا مر ابن عمر فأورينه، فلما مر ابن عمر قالوا: هذا ابن عمر، قالت له: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تنهاني عن الخروج؟ قال: رأيت رجلًا قد غلب عليك، وظننتُ أنك لا تخالفينه، يعني ابن الزبير، قالت: أما إنك لو نهيتني ما خرجت. ثم اعتزل بعد الجمل حروب علي ومعاوية، ثم بايع لمعاوية، وما أراد أن يبايع ليزيد، فامتنع وتحول إلى البيت، وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له، فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرَّة، وفتك أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحولوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد الله بن الزبير، حينئذ بالخلافة سنة أربع وستين، ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، فكان هو الخليفة، وحج بالناس ثماني حجج، ثم سار مروان فغلب على بقية الشام، ثم على مصر، ثم مات فقام ولده عبد الملك.
وقد قال مالك: كان ابن الزبير أفضل من مروان، وكان أولى بالأمر منه ومن ابنه، فغلب عبد الملك على العراق، وقتل مصعب بن الزبير، ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله، وروي عن عُروة بن الزبير أنه قال: لما كان قبل قتل عبد الله بعشرة أيام، دخل على أمه أسماء وهي شاكية، فقال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، قال لها: إِن في الموتِ
لراحة، فقالت: لعلك تمنيته لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي علي أحد طرفيك: إما قتلك فاحتسبك، وإما ظفرت بعدوك فتقرّ عيني. قال عروة: فالتفت إلى عبد الله فضحك، فلما كان في اليوم الذي قتل فيه، ودخل عليها في المسجد فقالت له: يا بني لا تقبلنَّ منهم خطةَّ تخاف فيها على نفسك الذّل مخافة القتل، فوالله لضربةُ سيفٍ في عز خيرٌ من ضربةِ سوطٍ في المذلة، فخرج وقد جعل له مصراعٌ عند الكعبة، فكان تحته، فأتاه رجل من قريش فقال له: ألا تفتح باب الكعبة فتدخله؟ فقال عبد الله: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه، والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم، وهل حرمة المسجد إلا كحرمة البيت؟ ثم تمثل:
ولستُ بِمُبتاعِ الحياةِ بِسُبةٍ
…
ولا مُرْتَقٍ من خَشْيةِ الموتِ سُلّماَ
قال: ثم شد عليه أصحاب الحجاج، فقال: أين أهل مصر؟ فقالوا: هم هؤلاء من هذا الباب، يعني أحد أبواب المسجد، فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم، ولا تميلوا عني فإني في الرعيل الأول. قال: ففعلوا ثم حمل عليهم، وحملوا معه، وكان يضرب بسيفين، فلحق رجلًا فضربه فقطع يده، وانهزموا فجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، فجعل رجل أسود يسبه، فقال له: إصبر يا ابن حام، فحمل عليه فصرعه قال: ثم دخل عليه أهل حمص من باب بني شيبة، فشد عليهم وجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم انصرف وهو يقول:
لو كان قَرْني واحدا كفيته
…
أوردته الموت وقد ذكَّيته
قال: ثم دخل أهل الأردن من باب آخر، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن، فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم أنصرف وهو يقول:
لا عهد لي بغارَة مثل السيل
…
لا ينجلي قتامُها حتى الليلِ
قال: فأقبل عليه حجرٌ من ناحية الصفا، فضربه بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا
…
ولكن على أعقابنا يقطر الدم
قال: وحماه موليان له، وأحدهما يقول: العبد يحمي ربه ويحتمي، ثم اجتمعوا عليه، فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه، ومولييه جميعًا. ولما قتل كبر أهل الشام، فقال عبد الله بن عمر: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين عليه يوم قتل.
قال يعلي بن حَرَملة: لما قُتل جاءت امرأة طويلة مكفوفةُ البصر تقاد، وعبد الله رضي الله عنه مصلوب، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقًا، ولكنه كان صوامًا قوامًا برًا. قال لها: انصرفي فإنك عجوزٌ قد خَرِفت. فقالت له: والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج في ثقيفٍ كذّابٌ ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فهو أنت.
والكذّاب المختار بن أبي عُبيد الثقفيّ. ثم رحل عُروة بن الزبير إلى عبد الملك، فرغب إليه في إنزاله من الخشبة فاسعفه فأنزل قال ابن أبي مُليكة: كنت أول من بشر أسماء بنزوله من الخشبة، فدعت بمركنٍ وشبٍّ يمان، وأمرتني بغسله فكنا لا نتناول عضوًا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو ونضعه في اكفانه. ثم نتناول العضو الآخر الذي يليه فنغسله، ثم نضعه في اكفانه حتى فرغنا منه، ثم قامت فصلت عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعةٌ حتى ماتت وقتل معه مئتان وأربعون رجلًا، وإن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة.
بدأ الحجاج بحصاره أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين، وكان قتله رحمه الله يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثلاث وسبعين. وحج الحجاج بالناس في ذلك العام، ووقف بعرفة وعليه درعٌ ومِعْفَر، ولم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة، فكان الحصار ستة أشهر وسبعة عشر يومًا.
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة وثلاثين حديثًا،
ذكر البخاريُّ منها ستة. روى عن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان، وخالته عائشة، وسفيان بن أبي زُهير وغيرهم، وروى عنه أخوه عُروة وابناه عامر وعبّاد، وابن أخيه محمد بن عُروة، وأبو ذُبيان خليفة بن كعب، وعطاء البنانيّ وآخرون.
وخبيْبٌ الذي كني به هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذي مات من ضربه إذ كان عمر واليًا بالمدينة للوليد، وكان الوليد قد أمره بضربه، فمات من أدبه ذلك، فوداه عمر بعده.
السادس: الزُّبير بن العوّام بن خُويلد الأسدي القُرشيّ، أحد العشرة المبشرين بالجنة، حَوارِيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمته صلى الله عليه وسلم، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راضٍ. كانت أمه تكنيه أبا الطاهر بكنية أخيها الزبير بن عبد المطلب، واكتنى هو بابنه عبد الله فغلبت عليه.
أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل ثمان سنين. وكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه ليرجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدًا. وكان نوفل بن خويلد عمه هو الذي يليه بعد موت أبيه العوام، وكانت أمه صفية تضربه وهو صغير، وتغلظ عليه، فعاتبها نوفل، وقال: ما هكذا يُضرب الولد، إنك لتضربين ضرب مبغضةٍ، فرجزت فيه صفية:
من قال إنيّ أبغضه فقد كذب
…
وإنما أضربه لكي يلَبّ
ويهزم الجيش ويأتي بالسَّلَبْ
…
ولا يكن لماله خبًّا مُخِبّ
يأكل ما في البيت من تمر وحبّ
وروى عن عروة أنه قال: قاتل الزبير وهو غلامٌ بمكة رجلًا فكسر يده. فمر الرجل محمولًا على صفية، فسألت عنه فقيل لها، فقالت: كيف رأيت زَبْرًا أم أقطًا وتمرًا أو مشمعَّلًا سقر؟ وعن عروة وابن المسيب: أول رجل سل سيفه في الإِسلام الزبير، وذلك أن الشيطان نفح نفخة، فقال: أخذ رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فاقبل الزبير يشق الناس بسيفه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لك يا زُبير؟ فقال: أُخبرت أنك أُخذت، فصلى عليه ودعا له، ولسيفه.
وروي عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال:"الزبير ابن عمتي وحواريي من أُمتي". وقال أيضًا: "لكل نبيّ حواريّ، وحواريّي الزبير" وسمع ابن عمر رجلًا يقول: أنا ابن الحواري، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا. وآخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكة، فلما قدم المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين الزبير وبين سلَمة بن سَلَامة بن وَقْش.
وهاجر الهجرتين، وكان رجلًا طويلًا، إذا ركب تخط رجلاه الأرض. وقال عثمان بن عفان: لما قيل له استخلف الزبير، فقال: أما إنه لأخيرهم وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه يقول حسان بن ثابت:
أقامَ على عهد النبي وهديه
…
حواريُّه والقول بالفعل يُعْدل
أقام على منهاجه وطريقه
…
يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي
…
يصول إذا ما كان يوم مجمل
وإنّ امرءًا كانت صفية أمه
…
ومن أسد في بيته لمرفل
له من رسول الله قربى قريبة
…
ومن نصرة الإِسلام مجد مؤثل
فكم كربةٍ ذب الزبير بسيفه
…
عن المصطفى والله يعطي ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب خشها
…
بأبيض سباق إلى الموت يرفل
فما كان فيهم ولا كان قبله
…
وليس يكون الدهر ما دام يذبل
وروى البخاري عن عائشة: أنها قالت لعروة: كان أبواك من الذين استجابوا لله ورسوله بعدما أصابهم القرْح، تريد أبا بكر والزبير. وروي عن جابر قال: قال لي النبي، صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة:"من يأتيني بخبر القوم"، فانتدب الزبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لكل نبي حواريًا، وحواريي الزبير. وروى يعقوب بن سُفيان عن مُطيع بن الأسود
أنه أوصى إلى الزبير، فأبى، فقال: أسألك بالله والرحم إلَاّ ما قبلت، فإني سمعت عمر يقول: إن الزبير ركن من أركان الدين. وروى الحُميدي أنه أوصى إليه عثمان والمقداد بن مسعود وابن عوف وغيرهم، فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. وروى يعقوب بن سفيان أن الزبير كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فكان لا يدخل بيته منها شيئًا، يتصدق به كله. وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور فى كتاب الخمس من البخاري بطولها.
وثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه مرتين: يوم أحد ويوم قريظة، فقال: إرم فداك أبي وأمي. وروي عن هشام بن عُرْوة عن عَبّاد بن حمزة بن الزبير أنه قال: كانت على الزبير عمامة صفراء مُعْتَجرًا بها يوم بدر، ونزلت الملائكة عليها عمائم صفر، وشهد الحديبية والمشاهد كلها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لن يلج النار أحدٌ شهد، بدرًا أو الحديبية". وقال أبو إسحاق السَّبيعي: سألت مجلسًا فيه أكثر من عشرين رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان أكرم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: الزبير وعلي بن أبي طالب.
وكان الزبير وعلي وطلحة وسعد بن أبي وقاص ولدوا في عام واحد، وكان الزبير تاجرًا مجدودًا في التجارة. وقيل له يومًا: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لأني لم أشتر غبنًا، ولم أرد ربحًا، والله يبارك لمن يشاء. ومن كثرة ماله أنه مات وله أربع نسوة، وأوصى بالثلث، وأصاب كل امرأة منهن ألف ألف ومئتا ألف، ومجموع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف. شهد الزبير وطلحة الجمل، فلما التقى الفريقان كان طلحة أول قتيلٍ، وقاتل الزبير ساعةً، وناداه علي وانفرد به، فذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: أما إنك ستقاتل عليًا وأنت له ظالم. فذكر الزبير ذلك، فانصرف عن القتال نادمًا
مفارقًا للجماعة التي خرج فيها، منصرفًا إلى المدينة، فسمع ابن جُرْمُوز ذلك، وهو عبد الله أو عُمير أو عمر أو عُميرة السَّعدي، فقال: أتى يؤرِّشُ بين الناس ثم تركهم، والله لا تركته، ثم اتبعه فلما لحق به ورأى الزبير أنه يريده، أقبل عليه فقال له ابن جرموز: أذكرك الله. فكف عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارًا، فقال الزبير: قاتله الله يذكرنا الله ثم ينساه، ثم غافله ابن جرموز فقتله. وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين. وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل بمحل يقال له وادي السّباع بناحية البصرة ودفن ثَمَّة، ثم حُوَّل إلى البصرة وقبره بها مشهور يُزار ولما أتى قاتل الزبير عليًا برأس الزبير. استأذن عليه فلم يأذن له، وقال للآذن: بشر قاتل ابن صفية بالنار. ويقال: إن الذي استأذن له على علي ابن عباس فقال ابن جرموز:
أتيت عليًا برأس الزبير
…
أرجو لديه به الزِّلْفَة
فبشر بالنار إذ جئته
…
فبئس البشارة والتُّحفة
وسيانَ عندي قتل الزبير
…
وضرطة عير بذى الجحفة
وروي عن الأحنف أنه قال: لما بلغ الزبير سفوان، موضعًا بالبصرة، كمكان القادسية من الكوفة، لقيه النَّعِر، رجلٌ من بني مُجاشِع، فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إليّ فأنت في ذمتي لا يُوصل إليك. فأقبل معه وأتى إنسان الأحنف، فقال: هذا الزبير قد لقي بسفوان. فقال: ما شاء الله كان قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف، ثم يلحق ببنيه وأهله، فسمعه عُميرة بن جُرموز وفضالة بن جابس ونفيع، في غواة من غوات بني تميم، فركبوا في طلبه، فلحقوه مع النعر، فأتاه عُميرة بن جُرْمُوز من خلفه، وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزبير، وهو على فرسٍ له يقال له ذو الخمار، حتى إذا ظن أنه قاتله نادى صاحبيه: يا نفيع يا فضالة، فحملوا عليه حتى قتلوه. وهذا أصح من الأول. وكانت سنه يوم قتل سبعًا وستين سنة وقيل ستا وستين.