الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب التوبة والزهد
الترغيب في التوبة، والمبادرة بها، وإتباع السيئةِ الحسنة
1 -
عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ اللهَ عز وجل يَبْسُطُ (1) يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ (2)، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا (3).
رواه مسلم والنسائي.
2 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. رواه مسلم.
3 -
وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ مِنْ قِبَلِ المغْرِبِ لَبَاباً مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أَرْبَعُونَ عَاماً (4) أَوْ سَبْعُونَ سَنَةً فَتَحَهُ اللهُ عز وجل لِلتَّوْبَةِ (5) يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ فَلَا يُغْلِقُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ (6).
(1) ينجلي بالرضوان: ويقبل بعفوه ورحمته، ويفتح أبواب السعادة زمن السحر.
(2)
ليرجع إلى ربه مذنب يومه، كذا سبحانه يقبل توبة من اقترف الذنوب ليلاً ويستمر سبحانه على ذلك حتى تظهر علامات الساعة وقرب يوم القيامة.
(3)
تتغير الشمس، وتطلع من جهة المغرب، وتترك جهة المشرق. كما قال تعالى:[إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء موراً (9) وتسير الجبال سيراً (10)] من سورة الطور.
[لواقع] لنازل. تمور: تضطرب. وتصير الجبال هباءً، فلا تقبل توبة، وقد عد علماء التوحيد من علامات الساعة طلوع الشمس من مغربها بعد نزول سيدنا عيسى عليه السلام إلى الأرض: ويحكم بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويكثر الأمن في زمنه، والخصب، والرخاء، والبركة، ويشرق نوره على المنارة البيضاء شرق دمشق وقت صلاة الصبح كذا قالوا. وأول الساعة من النفخة الثانية كما قال تعالى:[لا تأتيكم إلا بغتة]. ثم يخرج المهدي، والدجال، ويأجوج، ومأجوج من السد الذي حجزهم به ذو القرنين، وهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام، كذا خروج الدابة كما قال الله تعالى:[وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82)] من سورة النمل: أي تكلمهم ببطلان الأديان ما عدا دين الإسلام أهـ من كتابي (النهج السعيد في علم التوحيد) ص 156.
(4)
أي يساوي مسافة سير نحو 40 سنة أو 70 سنة.
(5)
للرجوع إلى الله عز وجل.
(6)
يقرب قيام الساعة كما قال تعالى: [إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب] =
رواه الترمذي في حديث والبيهقي، واللفظ له، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
4 -
وفي رواية له وصححها أيضاً، قال: زِرٌّ، يعني ابن حبيش: فَمَا بِرِحَ يَعْنِي صَفْوان يُحَدِّثُنِي حَتَّى حَدَّثَني أَنَّ اللهَ جَعَلَ بِالمَغْرِبِ بَاباً عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَاماً لِلتّوبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ: [يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا (1) الآية. وليس في هذه الرواية ولا الأول تصريح برفعه كما صرح البيهقي، وإسناده صحيح أيضاً.
للجنة ثمانية أبواب، الحديث
5 -
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أَبْوَابٍ: سَبْعَةٌ مُغْلَقَةٌ، وبَابٌ مَفْتُوحٌ لِلتّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ. رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد.
6 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:
= من سورة النساء. قال البيضاوي: أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: [حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن] من سورة النساء. وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر" أهـ.
فعدم قبول التوبة في حالتين:
أ - عند الاحتضار.
ب - وعند تغير شروق الشمس: حينئذ تسد أبواب الرحمة، ويخرج دخان الفتن التي تؤذن بالعذاب، وحلول الحساب وابتداء العقاب. نسأل الله السلامة ونتوب إليه جل جلاله، ونستغفر ونحمده سبحانه.
(1)
قال الله تعالى: [وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155)] من سورة الأنعام إلى أن قال جل جلاله: [فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون (158)] من سورة الأنعام.
صدف: أعرض أو صد: فضل وأضل.
[الملائكة]: أي ملائكة العذاب، أو ملائكة الموت لقبض روحه.
[آيات ربك]: أشراط الساعة. عن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب "كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما تذكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان. ودابة الأرض. وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه السلام وناراً تخرج من عدن، فلا ينفع الإيمان عند الاحتضار، أو عند ظهور هذه العلامات.
يريد صلى الله عليه وسلم الإسراع إلى الإنابة إلى الله تعالى وتجديد التوبة وعدم التسويف في فعل الصالحات خشية الاحتضار.
لَوْ أَخْطَأْتُم (1) حَتَّى تَبْلُغَ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ (2). رواه ابن ماجة بإسناد جيد.
7 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُهُ، وَيَرْزُقَهُ اللهُ الإِنَابَةَ (3). رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
من أراد أن يسبق الدائب المجتهد فليكفّ عن الذنوب
8 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْبِقَ الدَّائِبَ المُجْتَهِدَ فَلْيَكُفَّ (4) عَنِ الذُّنُوبِ. رواه أبو يعلى، ورواته رواة الصحيح إلا يوسف بن ميمون.
[الدائب]: بهمزة بعد الألف: هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.
9 -
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: المؤْمِنُ وَاهٍ رَاقِعٌ، فَسَعِيدٌ مَنْ هَلَكَ عَلى رَقْعِه. رواه البزار والطبرانيّ في الصغير والأوسط وقال: معنى واهٍ: مذنب، وراقع يعني تائب مستغفر.
10 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَثلُ المؤْمِنِ وَمَثَلُ الإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ في آخِيَّتِهِ يَجُولُ ثُمَّ يَرِجِعُ إِلى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ المؤْمِنَ يَسْهُو (5) ثُمَّ يَرِجِعُ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمْ الأَتْقِياءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمْ المؤمِنينَ. رواه ابن حبان في صحيحه.
[الآخيّة] بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مثناة تحت مشددة: هي حبل يدفن في الأرض مثنيّاً، ويبرز منه كالعروة تشد إليها الدابة، وقيل: هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة.
(1) أي فعلتم ذنوباً كثرت حتى ارتفعت درجاتها ع ص 307 - 2 ثم أدركتم الرجوع إلى الله جل وعلا. وفي ن ط: تبلغ الشمس.
(2)
أي لقبل توبتكم وصفح عنكم وأغدق عليكم رحمته.
(3)
الرجوع إلى الله جل وعلا وعقد النية على تشييد الصالحات. وفي الغريب: الإنابة الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، قال تعالى:
أ - وخر راكعاً وأناب.
ب - وإليك أنبنا.
جـ - وأنيبوا إلى ربكم.
د - منيبين إليه واتقوه
(4)
فليمتنع عن فعل السيئات.
(5)
ينسى ويغفل.
11 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ (1)، وَخَيْرُ الخطَّائِينَ التَّوَّابُونَ (2). رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم كلهم من رواية علي بن مسعدة، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
12 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ عَبْداً أَصَابَ ذَنْباً، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذنَبْتُ ذَنْباً فاغْفِرْهُ (3)، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِه (4)، فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكثَ (5) مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْباً آخَرَ، وَرُبَّمَا قالَ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً آخَرَ، فَقَالَ: يا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْباً آخَرَ فاغْفِرْهُ لِي. قالَ رَبُّهُ: علِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْباً آخَرَ، وَرُبَّمَا قالَ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً آخَرَ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْباً فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِه، فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْتُ (6) لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ. رواه البخاري ومسلم.
[قوله: فليعمل ما شاء] معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنباً استغفر وتاب منه، ولم يعد إليه بدليل قوله: ثم أصاب ذنباً آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين.
(1) كثير الأخطاء.
(2)
الذين يندمون على جريرتهم ويذمون أنفسهم على تقصيرها، ويكثرون التضرع إلى الله جل وعلا بالغفران وطلب الرضوان والعفو عما اقترفوه.
(3)
اللهم اعف وسامح.
(4)
يعاقب عليه.
(5)
انتظر زمناً طويلاً.
(6)
الذنوب الثلاثة وعفوت عنه تفضلاً. قال القسطلاني: إذا كان هذا دأبه يذنب الذنب فيتوب منه ويستغفر لا أنه يذنب الذنب ويتوب ثم يعود إليه، فإن هذه توبة الكذابين. قال أبو العباس: في المفهم: هذا الحديث يدل على عظم فائدة الاستغفار وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في القلب مقارناً للسان لتنحل به عقدة الإصرار، ويحصل معه الندم ويشهد له حديث "خياركم كل مفتن تواب" أي الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في ذنب عاد إلى التوبة، لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية أهـ ص 354 من جواهر البخاري.
13 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ المؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً كَانَتْ نُكْتَةٌ (1) سَوْدَاءُ في قَلْبِه، فَإِنْ تَابَ (2)، وَنَزَعَ (3)، واسْتَغْفَرَ (4) صُقِلَ (5) مِنْهَا، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ (6) حَتَّى يُغَلَّفَ بِهَا قَلْبُهُ، فَذلِكَ الرَّانُ الذي ذَكَرَ اللهُ في كِتَابِهِ:[كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ]. رواه الترمذي وصححه النسائي، وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم، واللفظ له من طريقين قال في أحدهما: صحيح على شرط مسلم. ولفظ ابن حبان وغيره:
إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً يُنْكَتُ في قُلْبِهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ واسْتَغْفَرَ وَتَابَ صَقُلَتْ، فَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ الحديث.
14 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَباً (7)، فَإِنْ أَصْبَحَ ذَهَبَاً اتَّبَعْنَاكَ، فَدَعا رَبَّهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أُصْبِحُ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ (8) عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ (9).
(1) أي أثر قليل كالنقطة، شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما أهـ نهاية: أي يترك علامة قليلة من جراء فعل الذنب.
(2)
رجع إلى الله وندم.
(3)
أقلع عن ارتكاب المعصية، وامتنع خوفاً من الله جل وعلا.
(4)
أكثر من الاستغفار.
(5)
نظف وطهر.
(6)
وإن أذنب وارتكب خطايا تراكمت النقط على قلبه فأكسبته الغفلة والنسيان. قال النسفي: ران أي غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصي، وعن الحسن الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب، وعن الضحاك: الدنيا موت القلب. وعن أبي سليمان: الرين والقسوة زماما الغفلة ودواؤهما إدمان الصوم، فإن وجد بعد ذلك قسوة فليترك الإدام [كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون] ردع عن الكسب الرائن على القلب لممنوعون عن رؤية ربهم. قال الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم وإلا فلا يكون التخصيص مفيداً. وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في العقبى عن رؤيته. وقال مالك بن أنس رحمه الله: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقيل من كرامة ربهم لأنهم في الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة، والأول أصح، لأن الرؤيا أقوى الكرامات فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها أهـ ص 755 جـ 2.
(7)
جبل بجوار البيت الحرام كما قال تعالى: [إن الصفا والمروة من شعائر الله].
(8)
تعذيباً جديداً في العقوبة؛ من العالمين: أي من عالمي زمانهم، أو العالمين مطلقاً.
(9)
تجليت عليهم بالمغفرة لمن أناب.
قالَ: بَلْ بَابَ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ (1).
رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح.
15 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ (2). رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن.
[يغرغر] بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبِراء مكررة: معناه ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به.
16 -
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي (3)؟ قالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ (4) مَا اسْتَطَعْتَ (5)،
(1) أي أطلب قبول التوبة ونزول الرحمة إنك يا الله غفور رحيم، قال تعالى:[حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3)] من سورة غافر.
[الطول] الفضل بترك العقاب المستحق.
[المصير]: يرجع إليه جل وعلا في إثابة المطيع وتعذيب العاصي، اختار صلى الله عليه وسلم فتح باب رضوان الله وطلب عليه الصلاة والسلام إنعامه على عباده وإحسانه وتفضله ورغب عن المال، لأنه عرض زائل فان. ماذا يفيدك أيها المسلم لو حول الله لك الجبال ذهباً؟ ماذا تصنع بها.
[وكل نفس ذائقة الموت] وكل نعيم لا محالة زائل [وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ولدار الآخرة خير للذين يتقون] من سورة الأنعام.
فهل تتوب إلى ربك جل وعلا وتقبل على الأعمال الصالحات وتكثر من ذكر الله والصدقات وتدخر ثوابها عند العزيز الوهاب فتتنعم بها في آخرتك [ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97)] من سورة النحل.
إن شاهدنا وعد الله حفظ النعيم للصالح التقي أن يمده بإفضاله وإكرامه، وهذا ما طلبه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته. صلى الله عليك يا رسول الله علمت المطيعين المخلصين الزهد والقناعة والرغبة في فعل البر والخير والإكثار من طاعة الله جل وعلا والإقبال عليه سبحانه بجليل الأعمال، وكنت لنا المثل الأعلى في ترك حطام الدنيا ونبذه وتشييد المحامد والمكارم، وقد روى لنا الإمام مسلم في حديث أبي هريرة "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو أبي بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال الجوع يا رسول الله قال وأنا الذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوموا فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار" الحديث ص 275 مختار الإمام مسلم.
قال النووي: فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه من التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وشيق العيش، فإذا حصل يسر أنفق في طاة الله من وجوه البر وإيثار المحتاجين وتجهيز السرايا: أي الجيش يحارب في سبيل الله تعالى أهـ، فلعلك فهمت سر الإعراض عن الجبال أن تكون ذهباً ورغبته صلى الله عليه وسلم في قبول التوبة وفعل الصالحات لله تعالى. نسأل الله الهداية والتوفيق.
(2)
مدة عدم احتضاره وقرب خروج روحه، ففيه الحث على سرعة التوبة والندم والعمل بكتاب الله وسنة نبيه.
(3)
انصحني نصائح أعمل بها.
(4)
الزم الخوف من الله والعمل لإرضائه وتجنب سخطه واترك المعاصي وصحبة الأشرار.
(5)
قدر طاقتك ومدة استطاعتك كما قال تعالى: [فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16)] من سورة التغابن. =
واذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ (1)،
وَمَا عَمِلْتَ مِنْ سُوءٍ فَأَحْدِثْ (2) لَهُ تَوْبةً، السِّرُّ بِالسِّرِّ (3)، وَالْعَلانِيَةُ بِالْعَلانِيَةِ (4). رواه الطبراني بإسناد حسن إلا أن عطاء لم يدرك مُعاذاً، ورواه البيهقي، فأدخل بينهما رجلاً لم يسمّ.
17 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ ذُنُوبِهِ أَنْسَى اللهُ عز وجل حَفَظَتَهُ (5) ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ
= أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم، واسمعوا مواعظه وأطيعوا أوامره وأنفقوا في وجوه الخير خالصاً لوجهه.
(1)
أي سبحه ومجده وعظمه سبحانه: أي تفكر في صنعه تعالى وخلقه واحمده كما قال تعالى: [يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون (22)] من سورة البقرة.
أي أطيعوا بارئكم بارئ آبائكم وأجدادكم والأمم السابقة راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الأبرار الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين جوار الله تعالى. نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهي التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله تعالى، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء كما قال تعالى:[يدعون ربهم خوفاً وطمعاً] من سورة السجدة.
[يرجون رحمته ويخافون عذابه] من سورة الإسراء.
(فراشاً) مبسوطة سهلة منبثة (بناء) قبة مضروبة عليكم مرفوعة بلا عمد (أندادا) أشباهاً وأمثالاً في إسناد الأفعال إلى غيره: أي وحدوه واعتقدوا أنه الفعال لكل شيء.
(2)
جدد له ندماً ورجوعاً إلى الله جل وعلا.
(3)
إذا فعلت خفية فتب إلى الله في سرك وتضرع إليه جل وعلا واندم.
(4)
إذا أذنبت جهاراً فأعلن توبتك وأعلم الناس إقلاعك عما فعلت وأكثر من التضرع تنجح. قال تعالى:
أ -[وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وهو الله لا إله إلا هو الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70)] من سورة القصص.
ب - وقال تعالى: [قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101)] من سورة يونس.
جـ - وقال تعالى: [قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأ كم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة] من سورة الأعراف.
د - وقال تعالى: [فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)] من سورة الحجر.
هـ - وقال تعالى: [نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57)] من سورة يوسف.
(5)
الملائكة المرافقين الذين يحصون سيئاته كما قال تعالى: [عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18)] من سورة ق.
فيتكرم الله جل وعلا أن يلهم الملائكة بترك ذكر الذنوب تفضلاً منه جل وعلا إذا قبل التوبة ومات تاب الله عليه كما قال تعالى: [وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25)] من سورة الشورى.
جَوَارِحَهُ (1) وَمَعالِمَهُ (2) مِنَ الأَرْضِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ مِنَ اللهِ بِذَنْبٍ (3). رواه الأصبهاني.
18 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: النَّادِمُ (4) يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ، وَالمُعْجِبُ (5) يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ (6)، واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ (7) سَيَقْدُمُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَرَى
(1) أيديه وأرجله.
(2)
آثاره التي دب فيها للمعصية ومشى فيها، قال تعالى:[من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46)] من سورة فصلت.
فاتق الله يا عبد الله وأسرع بالتوبة واعمل بأوامر الله لتربح، واعلم أن عمرك محدود ولن تضمن طوله فقد وعدك الله جل وعلا أن ينسى الكتبة ماعملت من سوء ويبعد جوارحك عن الشهود عليك بما اقترفت من الذنوب، ويضيع آثار مشيك للأذى، أو لارتكاب المعاصي؛ وقد قال تعالى في محكم كتابه [ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهو يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودها بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعلمون (22) وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين (23)] من سورة فصلت.
وقال تعالى [يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله يدنهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)] من سورة النور.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لنا الدواء الناجع، ألا وهو التوبة وعقد الخناصر على طاعته سبحانه وتقوية العزيمة في عبادته، وأشار إلى السلاح القاطع الذي يخرس كل شهود على العصيان، ألا وهو الإنابة إلى الله مع ذكره سبحانه وتأدية الواجبات والابتعاد عن السيئات، قال تعالى:
أ -[ولمن خاف مقام ربه جنتان (46)] من سورة الرحمن.
ب -[هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60)] من سورة الرحمن.
جـ - وفي سورة الواقعة ذكر سبحانه وتعالى (1).
أ - الزرع.
ب - الماء.
جـ - النار، أي أنه هو السبب في إيجاد أولئك، قال جل شأنه [فسبح باسم ربك العظيم (74)] من سورة الواقعة.
قال النسفي: أي فنزع ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل: أي قل سبحان ربي العظيم أهـ لأنه جدير بذلك.
(3)
دليل مسامحته لا يرى عليه شاهداً أبداً.
(4)
الباكي على خطاياه والحزين على تقصيره، وفي المصباح: ندم إذا حزن أو فعل شيئاً ثم كرهه.
(5)
المترفع المتكبر الذي يستحسن عمله الذي يتعاظم ويتفاخر.
(6)
السخط والعذاب لأنه مراء كذاب. ينتظر المقت كذا ط وع ص 309 - 2 وفي ن د: ينتظر من الله المقت.
(7)
إنسان في الحياة أو إنسانة سيقبل يوم القيامة ويرى صحائف أعماله إن خيراً وإن شراً كما قال تعالى:
أ -[والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا =
_________
(1)
أشير إلى قوله تعالى:
أ - أفرأيتم ما تحرثون.
ب - أفرأيتم الماء الذي تشربون.
جـ - أفرأيتم النار التي تورون.
حُسْنَ عَمَلِهِ (1)، وَسُوءَ عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِها، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مُطِيَّتانِ (2)، فَأحْسِنُوا السَّيْرَ عَلَيْهِمَا إِلى الآخِرَةِ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ (3)، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً (4)، وَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِحِلْمِ (5)
اللهِ عز وجل، فَإِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ (6) نَعْلِهِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (7) خَيْراً يَرَهُ (8)،
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ]. رواه الأصبهاني من رواية ثابت بن محمد الكوفيّ العابد.
= وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10)] من سورة الحديد.
ب - وقال تعالى: [إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (6) يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (7)] من سورة المجادلة.
(1)
عند الاحتضار يبشر الله الصالح بنعيمه، والطالح بالعذاب.
(2)
موصلتان للأعمال لمن يريد التحصيل وتشييد المحامد فالإنسان خلق ليعمل وينتهز فرصة وجوده فيكد في البر والخير ويجد في المكارم كما قال تعالى: [تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور (2)] من سورة الملك.
(3)
التأجيل في التوبة ونية التأخير في عمل صالح، بل أسرعوا وتوبوا إلى الله واعملوا صالحاً؛ ففيه الترغيب في الإنابة إلى الله والعمل بكتابه وسنة نبيه وترك الآمال والأماني الكاذبة.
(4)
فجأة.
(5)
بتأجيل عقاب المذنب، والحليم من أسماء الله تعالى ومعناه الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم. سبحانه صبور مؤخر عقاب المسيء يمهل وينتظر الإنابة "ويتوب الله على من تاب" ..
(6)
أقرب شيء يملكه، ومعنى الشراك: أحد سيور النمل التي تكون على وجهها، وهذا على سبيل التقريب والتفهيم إلى أن النعيم أو العذاب مدرك بسرعة، وبعد خروج الروح يرى المؤمن الطائع ثوابه والعاصي عقابه، فالعاقل من تاب إلى الله وأسرع في الطاعة وجد في العبادة، ولا يعلم انتهاء العمل إلا الله جل جلاله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يرغب المؤمن في التوبة رجاء إدراك رحمة الله وثوابه، ويبغضه في القنوط وينفره من الكبر والغرور كما قال تعالى:[اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21)] من سورة الحديد.
(7)
مقدار رأس نملة صغيرة.
(8)
يدرك جزاءه ويتمتع بنعيمه. قال النسفي، روي أن جد الفرزدق أتاه عليه السلام ليستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال حسبي حسبي، وهي أحكم آية، وسميت الجامعة، والله أعلم أهـ.
قال البيضاوي: ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب، وقيل الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة أو من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء لقوله تعالى:[يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم (6)] من سورة الزلزلة.
أي من مخارجهم من القبور إلى الموقف متفرقين بحسب مراتبهم أهـ.
19 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: التَّائِبُ (1) مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. رواه ابن ماجة والطبراني كلاهما من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه، ورواةُ الطبراني رواة الصحيح، ورواة ابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً أيضاً من حديث ابن عباس، وزاد: وَالمسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ (2)
وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ، وقد روي بهذه الزيادة موقوفاً، ولعله أشبه.
20 -
وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: النَّدَمُ تَوْبَةٌ؟ قالَ: نَعَمْ (3). رواه ابن حبان في صحيحه.
(1) النادم على فعله المقبل على ربه بطاعته يعفو عنه ربه سبحانه ويثيبه ويحط ذنوبه ويمحو خطاياه تفضلاً، ويجعل صحيفته نقية مثل الذي ليست له ذنوب كما قال تعالى:[إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا (71)] من سورة الفرقان.
(2)
الذي يطلب إزالة ذنوبه بطلب المغفرة مع إصراره على العصيان وعكوفه على الفسوق تهجم منه على عظمة الله وسخرية منه ومجون وطمع في رحمة القادر القهار الجبار واستهزاء بالخالق المنتقم، وقد حكى الله تعالى عن اليهود والمنافقين مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمون بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحترامه ونصره كذباً وخداعاً، ولكن يصرون على عداوته ويضمرون الخصام له فخزاهم الله ولم يقبل أي عمل لهم وفضحهم كما قال تعالى في سورة المجادلة [ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساء ما كانوا يعلمون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19)] من سورة المجادلة.
قال البيضاوي فتمرنوا على سوء العمل وأصروا عليه.
إن الفساق الآن يتهاونون في حقوق الله امتهاناً بأنفسهم وتساهلاً واستهزاءً بعقولهم الضالة التائهة الغافلة عن الله فترى العصاة يسوفون في الصلاة ويؤجلون عمل الخير إلحاداً وإفساداً كما قال تعالى فيهم: [نسوا الله فنسيهم] قال في الغريب إذا نسب ذلك إلى الله فهو تركه إياهم استهانة بهم ومجازاة لما تركوه كما قال تعالى: [فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا] من سورة الأعراف.
وكما قال تعالى: [ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19)] من سورة الحشر أي تركوا ذكره عز وجل وما أمرهم به فتركهم سبحانه من ذكره بالرحمة والتوفيق. مسكين من لم يتب وماذا ينتظر.؟ والله تعالى له رقيب وحسيب فليستيقظ الإنسان من سباته وليكثر من الاستغفار في الأسحار رجاء غفرانه سبحانه: ما أحسن الخلوة فيذكر الإنسان هول الموقف وما أحاطه من نعم مولاه وماذا عمل استعداداً، وبذا يتجلى الإله برأفته ورحماته فيظله برضوانه ويكون أحد السبعة [ذكر الله خالياً ففاضت عيناه].
(3)
أجاب سيدنا أنس أن البكاء على التقصير في عمل الصالحات توبة والتضرع إلى المولى بالقول وإقلاع =
21 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ أَبِي: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ؟ قالَ: نَعَمْ. رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
22 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا عَلِمَ اللهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ إِلَاّ غَفَرَ لَهُ (1) قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ مِنْهُ. رواه الحاكم من رواية هشام بن زياد، وهو ساقط، وقال: صحيح الإسناد.
23 -
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المدْحُ (2) مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ (3) مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ (4)، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ (5)
مِنَ اللهِ
= الإصرار على العصيان وشحذ العزيمة على الطاعة وتقوية الإرادة الصارمة على العبادة مما يسبب قبول الله، ويجلب رضاه، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يبسط يده. قال النووي: بسط اليد استعارة في قبول التوبة، وخوطب العرب بأمر حسي يفهمونه وهو مجاز، فإن يد الجارحة مستحيلة في حق الله سبحانه وتعالى والعرب إذا رضي أحدهم بالشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه أهـ ص 515 مختار الإمام مسلم.
(1)
سامحه وعفا عنه.
(2)
الثناء على الله جل وعلا، ولذا فرض الصلوات الخمس وكلف الإنسان بواجبات ليشكر له فضله وإحسانه وسمى الإنسان المقصر في الطاعة جحوداً كما قال تعالى:[إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد. وإنه لحب الخير لشديد (8)] من سورة العاديات.
قال النسفي لكنود: أي لكفور: أي لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران، وإنه على كنوده يشهد على نفسه، ولأجل حب المال لبخيل ممسك، أو أنه لحب المال قوي، وهو لحب عبادة الله ضعيف أهـ قال تعالى:
أ -[وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56)] من سورة الذاريات.
ب -[ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180)] من سورة الأعراف.
(3)
شديد الانتقام بقوة وأكثر عقاباً، ومعنى الغيرة الحمية والأنفة وشدة اليقظة، يقال رجل غيور وامرأة غيور.
(4)
منع المعاصي ما ظهر منها وما بطن كالزنا والسرقة والحسد وهكذا من الأشياء القبيحة الفظيعة.
(5)
التوبة والندم. قال النووي: قال القاضي: أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم سبحانه، قال تعالى:[وهو الذي يقبل التوبة عن عباده] من سورة الشورى.
وقد فسر صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم "وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله" رواه أبو هريرة، وفي رواية للبخاري "ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين" قال القسطلاني: الفواحش كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال (المدح) المدح والثناء بذكر أوصاف الكمال أهـ، وزاد البخاري " ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" يخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يحب الذي يتحلى بثلاثة:
أ - المدح: أي يكون كثير التضرع والدعاء كما قال تعالى [ادعوني أستجب لكم] وكما قال صلى الله عليه وسلم "الدعاء مخ العبادة". =
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ (1)، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ. رواه مسلم.
لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، الحديث
24 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (2) لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ (3)، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ. رواه مسلم وغيره.
25 -
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ حُبْلى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْتُ حَدّاً (4)، فَأَقِمْهُ
= ب - شديد الغيرة باجتناب ما نهى الله عنه وترك المعاصي.
جـ - التوبة والالتجاء إلى الله تعالى كما قال سبحانه: [نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50)] من سورة الحجر.
(1)
الكتب السماوية المنزلة من السماء وحي من الله جل وعلا على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لتستبين أوامره وتتجلى مقاصده فيعمل بها العبد ليتقرب إلى ربه وأشهرها أربعة: التوراة لسيدنا موسى، والإنجيل لسيدنا عيسى، والزبور لسيدنا داود، والفرقان لسيدنا محمد صلى الله عليهم وسلم كما أنه أرسل الرسل مهذبين ومرشدين ومعلمين ليبينوا للناس الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم:[منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك] من سورة النساء.
وقد قال علماء التوحيد يجب معرفة خمسة وعشرين منهم، وهم ساداتنا: آدم. إدريس. نوح. هود. صالح. إبراهيم. لوط. إسماعيل. إسحق. يعقوب. يوسف. أيوب. شعيب. موسى. هارون. ذو الكفل. داود. سليمان. إلياس. اليسع. يونس. زكرياء. يحيى. عيسى. أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليهم وسلم وأولو العزم خمسة: أي الذين صبروا وتحملوا المشاق.
محمد إبراهيم موسى كليمه
…
فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم
وإن الله تعالى ما أرسل الرسل إلا ليعرفوا الناس آلاءه، وأنه تعالى جدير بكل ثناء وخليق بكل تذلل وخشوع وعبادة وطاعة وحقيق بالتوبة إليه كما قال جل شأنه [وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49)] من سورة الأنعام.
(2)
يقسم صلى الله عليه وسلم بالقادر الذي بيده تصاريف الأمور ذي الفضل والرحمة والحلم سبحانه وتعالى.
(3)
لأماتكم وأفناكم وأوجد أمة أخرى تقع منها الخطايا، وفي هذا بشرى بقبول التوبة والترغيب في عدم اليأس وإرسال أشعة الرجاء والأمل في نفوس العاصين ليتوبوا كما قال تعالى:[قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنت لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59)] من سورة الزمر.
(4)
فعلة كبيرة تحتاج إلى رجم وطلبت إقامة الحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة توبة وندم وعزم قويّ على عدم ارتكاب الزنا.
عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ عز وجل (1). رواه مسلم.
26 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ حَدِيثاً لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَاّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلكِنْ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: كَانَ الْكِفْلُ (2) مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَورَّعُ (3) مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَاراً عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ أُرْعِدَتْ (4) وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ أَكْرَهْتُكِ؟ قالتْ لَا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ (5)، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَاّ الْحَاجَةُ (6)، فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا، وَمَا فَعَلْتِهِ قَطُّ (7)، اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ (8)، وَقالَ: لَا وَاللهِ لا أَعْصِي اللهَ (9) بَعْدَهَا أَبَداً، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوباً عَلَى بَابِهِ: إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ. رواه الترمذي وحسنه، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقُولُ: فذكر بنحوه، والحاكم والبيهقي من طريقه وغيرها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
27 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: كَانَتْ قَرْيَتَانِ إِحْدَاهُمَا صَالِحَةٌ،
(1) في تنفيذ حده خاضعة ماثلة إلى عدل الله وعقابه في الدنيا.
(2)
رجل زير.
(3)
يميل إلى عصيان الله تعالى وغشيان الفجور ويحب الفسوق.
(4)
ارتعش جسمها وبرد.
(5)
لم أرتكب فاحشة في حياتي.
(6)
الفقر الذي دعاني إلى التفريط في عرضي.
(7)
قد خفت الله من عصيانه وما بدت منك فاحشة.
(8)
النقود هبة لك.
(9)
هذا العزم بمثابة توبة قبلها الله تعالى فشكر له وسامحه وستر ذنوبه تفضلاً. لمحة رضى وثانية عطف من الزمن وجزء من الوقت أدركته سعادة الله ورضوانه فعفا عنه بسبب مرور خشيته ردحاً من الزمن، فالعاقل يتوب إلى الله في كل لحظة رجاء أن يشمله كرم مولاه سبحانه كما شمل ذلك الرجل الفحاش طيلة عمره ويتوب الله على من تاب.
وَالأُخْرَى ظَالِمَةٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ يُرِيدُ (1) الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ، فَأَتَاهُ الْمَوْتُ حَيْثُ شَاءَ اللهُ، فاخْتَصَمَ فِيهِ الملَكُ والشَّيْطَانُ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ: واللهِ مَا عَصَانِي قَطُّ فَقَالَ الْمَلَكُ: إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ يُرِيدُ التَّوْبَةَ، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا أَنْ يُنْظَرَ إِلى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ، فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ. قالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: قَرَّبَ اللهُ إِلَيْهِ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ. رواه الطبراني بإسناد صحيح، وهو هكذا في نسختي غير مرفوع.
28 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكَمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ. انْطَلِقْ إِلى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللهَ، فاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَّفَ الطَّرِيقَ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوتُ فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبلاً بِقَلْبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آَدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلى أَيَّتِهِمَا كانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ (2).
(1) أي يذهب متجهاً بنية صادقة.
(2)
تسلمته إلى نعيم الله وإحسانه بسبب غفران ذنوبه باهتمامه وسيره إلى بلد الصالحين المطيعين .. هذا رجل تاب الله عليه بسبب عزمه على السير إلى هذه القرية، فما بالك بمن أحب الصالحين وعاشرهم وأكرمهم وودهم وزارهم وحضر مجالسهم وتبرك بدعواتهم الطيبة؟ أرى أن الله كريم وعظيم يبقبله ويوفقه ويهديه إلى الخير ويغفر ذنوبه، ومن أحب قوماً حشر معهم. حسبك قوله صلى الله عليه وسلم "أنت مع من أحببت" نسأل الله السلامة. قال النووي: في باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله: (ثم أفتاه العالم بأنه له توبة) هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وإن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف. فليس موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، =
وفي رواية: فَكَانَ إِلى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا.
وفي رواية: فأَوْحَى اللهُ إِلى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلى هَذَهِ أَن تَقَرَّبِي، وَقَالَ: قِيسُوا بَيْنَهُمَا فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ.
وفي رواية: قال قتادة قال الحسن: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ نَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا. رواه البخاري ومسلم وابن ماجة بنحوه.
29 -
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ رَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَقِيَ رَجُلاً فَقَالَ: إِنّ الآخَرَ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً كُلَّهُمْ ظُلْماً، فَهَلْ تَجِدْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: إِنْ حَدَّثْتُكَ أَنَّ اللهَ لَا يَتُوبُ عَلى مَنْ تَابَ كَذَبْتُكَ، ههُنا قَوْمٌ يَتَعَبَّدُونَ، فَأْتِهِمْ تَعْبُدِ (1) اللهَ مَعَهُمْ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فاجْتَمَعَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكاً فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ المَكانَيْنِ، فَأَيُّهُمْ كانَ أقْرَبَ فَهُوَ مِنْهُمْ، فَوَجَدُوهُ أقْرَبَ إِلى دَيْرِ التَّوَّابِينَ بِأَنْمُلَةٍ فَغُفِرَ لَهُ. رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد،
ورواه أيضاً بنحوه بإِسناد لا بأس به عن عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث إِلى أن قال: ثُمَّ أَتَى رَاهِباً آخَرَ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَسْرَفْتَ وَمَا أَدْرِي (2)، وَلكِن ههُنَا قَرْيَتَانِ قَرْيَةٌ يُقَالُ لها: نَصْرَةُ، والأُخْرَى يُقَالُ لَها: كَفْرَةُ، فأَمَّا أَهْلُ نَصْرَةَ فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ (3) لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا
= فإن ورد كان شرعاً لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى [والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً (69) إلا من تاب] من سورة الفرقان.
وأما قوله تعالى [ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها] من سورة النساء.
فالصواب في معناها أن جزاءه جهنم، وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد به في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقداً تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحداً فيها فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلاً، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يدخل في النار فهذا هو الصواب في معنى الآية أهـ ص 83 جـ 17.
(1)
تطعه وتتقرب إليه سبحانه.
(2)
لا أعلم.
(3)
أي يعملون عملاً صالحاً موصلاً لنعيم الله سبحانه وتعالى.
أَهْلُ كَفْرَةَ، فَيَعْمَلُونَ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَانْطَلِقْ إِلى أَهْلِ نَصْرَةَ، فَإِنْ ثَبَتَّ فِيهَا، وَعَمِلْتَ عَمَلَ أَهْلِهَا، فَلَا شَكَّ في تَوْبَتِكَ (1)، فانْطَلَقَ يَؤُمُّها (2) حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ الْقَرْيَتِيْنِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَسَأَلَتِ الملائِكَةُ رَبَّهَا عَنْهُ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلى أَي الْقَرْيَتِينِ كانَ أقْرَبَ، فَاكْتُبُوهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلى نَصْرَةَ بِقيدِ أُنْمُلَةٍ (3) فكُتِبَ مِنْ أَهْلِهَا.
أنا عند ظن عبدي بي
30 -
وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ اللهُ عز وجل: أَنَا عِنْدَ ظَنّ عَبْدِي بِي (4)، وَأَنا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي (5)، وَاللهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ (6)
يَجِدُ ضَالَّتَهُ (7) بِالْفَلَاةِ (8)، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ
(1) أي علامة قبولك سلوكك مسلك المطيعين.
(2)
يقصدها.
(3)
أي بمقدار ذرة صغيرة جداً. فانظر إلى سعة رحمة الله ولطفه وإدراكه من أناب إليه كما قال تعالى: [ويعفو عن كثير].
(4)
قال القاضي: قيل معناه بالغفران له إذا استغفر والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلب الكفاية، وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو، وهذا أصح أهـ نووي ص 2 جـ 17.
(5)
أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية، وأما قوله تعالى:[وهو معكم أينما كنتم] فمعناه بالعلم والإحاطة.
(6)
قال العلماء: فرح الله تعالى رضاه. وقال المازري: الفرح ينقسم إلى عدة وجوه: منها السرور والسرور يقاربه الرضا بالمسرور به فالمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره أهـ نووي ص 60 جـ 17.
بخ بخ أيها المسلم بحب الله لك التوبة: أي ترجع إليه نادماً مقصراً على درك الحسنات وتستعد للمستقبل فتعمل صالحاً ليشملك بعزه وبرضاه، وتأمل في الحديث. رجل في مفازة يملك شيئاً نفيساً عزيزاً غالياً ثميناً فتفقده فلم يجده وضاع منه وصار يبحث عنه بجد وكد ثم وجده. ما مقدار فرحه بالعثور على بغيته والحصول على ماله؟ إنه لشديد الحبور. والله تعالى كثير الرضا عن التائب أكثر من الذي وجد ما يهوى:
أ -[أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74)] من سورة المائدة.
ب -[وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64)] من سورة الأنعام.
إن شاهدنا مراقبة الله تعالى لعبده أن جعل له ملائكة تحفظ أعماله ومع ذلك يعفو سبحانه فيثق العبد بلطف سيده ويعتمد على عفوه وستره [مولاهم] الذي يتولى أمورهم ويحكم بالحق: أي العدل، ثم ساق لهم بعض نعمه [تضرعاً وخفية] معلنين ومسرين [كرب] غم ولكن تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد. فانظر إلى مدى حلم الله بعباده.
(7)
الشيء المفقود.
(8)
الصحراء: أي الأرض القفر.
شِبْراً (1) تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعَاً (2)، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِليَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِليهِ بَاعاً، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ. رواه مسلم، واللفظ له، والبخاري بنحوه.
من أقبل إلى الله عز وجل ماشياً أقبل إليه مهرولاً
31 -
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رضي الله عنه، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْفُسْطَاطِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلى اللهِ عز وجل شِبْراً تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعَاً تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَاعاً، وَمَنْ أَقْبَلَ إِلى اللهِ عز وجل مَاشِياً أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُهَرْوِلاً، واللهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، واللهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، واللهُ أَعْلى وأَجَلُّ. رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن.
32 -
وَعَنْ شُرَيْحٍ هُوَ ابْنُ الْحَرِثِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قالَ اللهُ عز وجل: يَا ابْنَ آدَمَ قُمْ (3) إِلَيَّ أَمْشِ إِلَيْكَ (4)، وَامْشِ إِلَيَّ أُهَرْوِلْ إِلَيْكَ. رواه أحمد بإسناد صحيح.
33 -
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلى بَعِيرِهِ (5)، وَقَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ. رواه البخاري ومسلم.
34 -
وفي رواية لمسلم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ (6) عَنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ،
(1) أي مقدار شبر في الطاعة والعمل الصالح.
(2)
أي أغدقت عليه الثواب مضاعفاً وآجرته أكثر إنعاماً وإحساناً، والله تعالى منزه عن الجوارح والمشابهة والمماثلة. قال النووي: ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة: أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه أهـ ص 4 جـ 17.
(3)
أخلص لي في العبادة واعمل صالحاً لي وأكثر من ذكري والصلاة على حبيبي.
(4)
أرحمك وأحسن إليك وأكثر رزقك وأمتعك بالصحة وزيادة النضارة.
(5)
وقع عليه وصادفه من قصد أهـ نووي.
(6)
فرت منه ورمحت ونفرت وانطلقت.
فَأَيِسَ مِنْهَا (1)، فَأَتَى شَجَرَةً، فاضْطَجَعَ (2) فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ (3) مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا (4)، ثُمَّ قالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (5).
35 -
وَعَنِ الحرِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ في أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ (6) فاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى: قالَ: أَرْجِعُ إِلى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فاللهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هذَا بِرَاحِلَتِهِ. رواه البخاري ومسلم.
[الدّوية] بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعاً: هي الفلاة القفر والمفازة (7).
من أحسن فيما بقي من عمره غفر له ما مضى
36 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ (8) غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ (9) أُخِذَ (10) بِمَا مَضَى وَمَا بَقِيَ. رواه الطبراني بإسناد حسن.
37 -
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
(1) جرى وراءها فلم يمسكها.
(2)
استراح ونام.
(3)
زال أمله وقل رجاؤه في العثور عليها.
(4)
زمامها وقبض عليه.
(5)
هذا تمثيل لنهاية السرور الصادر من العبد الذي وجد ناقته ليقرب لك رضا الله تعالى بتوبة عبده والرجوع إليه والأخذ في طاعته والشروع في العمل الصالح له.
(6)
كذا فنام فاستيقظ د وع ص 313، 2، ورواية مسلم وفي ن ط: فنام نومة فاستيقظ.
(7)
قال النووي من قولهم فوز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ سليم أهـ ص 61 جـ 17.
(8)
في ن د زيادة من عمره: أي تاب إلى الله وأخلص في حياته الآتية المستقبلة سامحه الله وعفا عنه ما عمله في الأزمان السابقة تفضلاً.
(9)
أخطأ في مستقبله.
(10)
حاسبه الله على الأعمال الماضية والمستقبلية ففيه الترغيب في التوبة رجاء ستر الله لما عمله سابقاً.
وسلم: إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ (1) ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ (2)، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فانْفَكَّتْ (3) حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى، فانْفَكَّتْ أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلى الأَرْضِ. رواه أحمد والطبراني بإسنادين، رواةُ أحدهما رواة الصحيح.
إذا أسأت فأحسن
38 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَرَادَ سَفَراً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَوْصِنِي. قالَ: اعْبُدِ اللهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً، قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي، قالَ: إِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ (4) وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ (5). رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة
39 -
ورواه الطبراني بإسناد، ورواتُه ثقات: عَنْ أَبي سَلَمَةَ عَنْ مُعَاذٍ قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي، قالَ: اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ (6)، واعْدُدْ نَفْسَكَ في المَوْتَى (7)، واذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ (8)،
وَعِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِهَا
(1) الزردية أي الواقية من الحديد أو النحاس.
(2)
ضيقت عليه وآلمته.
(3)
انفرجت، والمعنى أن الحسنات تذهب السيئات وتفك المسلم من عقال ذنوبه وتدفع عنه السوء وتجعله في بحبوحة الرخاء والسعادة؛ كما قال تعالى [إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114)] من سورة هود.
(4)
فاجتنب الخطأ وأجد في عملك وأكثر من الصالحات.
(5)
يزيد أدبك وتتحلى بمكارم الأخلاق وتتصف بالمحامد والمحاسن والكمال.
(6)
أي تستحضر أن الحق مطلع عليك ومراقب أفعالك فتشعر دوحة الخشوع بمعرفة جلاله وعظمته وتزداد خشيته سبحانه أمامك فتخلص العمل وتفرغ قلبك لمناجاته جل وعلا، فدائماً تستمر على التذلل له والإحسان في كل ما يسند إليك رجاء إرضاء من يراك، وفي الفتح، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من التلبس بشيء من النقائص احتراماً لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعاً عليه في سره وعلانيته أهـ ص 89 جـ 1.
وفي مجلس العمل حضر جبريل عليه السلام فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنه تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
(7)
أي ازهد ولا تطمع في الدنيا بكثرة العمل واستعد للآخرة بقرب الأجل كأنك مع من ماتوا فيسألهم ربهم عن أعمالهم فكأنك تحت الطلب كما قال تعالى: [كل نفس ذائقة الموت] فأد ما عليك من الديون.
(8)
إذا رأيت آثاره البديعة في خلقه فسبحه واحمده واشكر له نعمه. واعلم أن كل صنعة لا بد لها من صانع ويعدد الله لنا بعض صنائعه لنوحده كما قال تعالى:
أ -[أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة] من سورة النمل.
ب -[وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22)] من سورة الحجر.
جـ -[وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسى كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)] من سورة الفرقان. =
حسَنَةً (1) السِّرُّ بِالسِّرِّ، والْعَلَانِيَةُ بالْعَلَانِيَةِ. وأبو سلمة لم يدرك معاذاً.
ورواه البيهقي في كتاب الزهد من رواية إسماعيل بن رافع المدنيّ عن ثعلبة بن صالح عن سليمان بن موسى عن معاذ قالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَشَى قَلِيلاً، ثُمَّ قالَ يَا مُعَاذُ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ (2)، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ (3)، وَوَفَاءِ الْعَهْدِ (4)،
وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ (5)، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَرُحْمِ الْيَتِيمِ (6)، وَحِفْظِ الْجِوَارِ (7)، وَكَظْمِ الْغَيْظِ (8)، وَلِينِ الْكَلَامِ (9)، وَبَذْلِ السَّلَامِ (10)، وَلُزُومِ الإِمَامِ (11)،
= يسوق الله تعالى هذه الدلائل ليتأمل العبد في بدائع قدرته وجمال حكمته فيذكره.
(1)
بعدها عملاً صالحاً يمحو أثرها بعد التوبة.
(2)
خشيته والرهبة منه بإخلاص القلب، كما قال تعالى:[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر كل نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18)] من سورة الحشر.
قال النسفي: أي في أوامره فلا تخالفوها، وعبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران. وكرر الأمر بالتقوى تأكيداً، أو اتقوا الله في أداء الواجبات؛ لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي، لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد: وهو أن الله خبير؛ وفيه تحريض على المراقبة، لأن من علم وقت فعله أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه أهـ.
(3)
القول يطابق الواقع والأخبار توافق الحق.
(4)
تنفيذ ما اتفق عليه كما قال تعالى.
[وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم لله عليكم كفيلا] من سورة النحل.
قال البيضاوي: أي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهـ.
وأنا أقول: وأيضاً الوفاء بالعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله والتحلي بمكارم الأخلاق.
(5)
المحافظة على الوديعة وتسليمها كاملة وحفظ الأسرار للأخيار والابتعاد عن السرقة والأذى وفعل الإضرار.
(6)
الرأفة بالذي مات والده وتقدم الخير والمساعدة له وإكرامه والعناية بشؤونه ومراعاة تثمير ماله وحفظه وعدم اغتياله أو إضراره، كما قال تعالى:[فأما اليتيم فلا تقهر (9)] من سورة الضحى.
(7)
إكرام الجار ومراعاة حرمته وتقديم صنوف الخير له كما قال تعالى: [والجار ذي القربى والجار الجنب] أي الذي قرب جواره، وقيل الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين، والجنب البعيد الذي لا قرابة له وعنه عليه الصلاة والسلام "الجيران ثلاثة فجار له ثلاث حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد، وهو المشرك من أهل الكتاب" أهـ بيضاوي.
(8)
الإمساك عن الغضب وحبس الانتقام والكف عن إمضاء العقاب كما قال تعالى: [والكاظمين الغيظ].
(9)
طيبه وعذوبة ألفاظه وبديع أسلوبه وحسن خطابه ورشيق عباراته كما قال الشاعر:
فيه السماحة والفصاحة والتقى
…
والبأس أجمع والحجى والخير
(10)
إفشاؤه كما قال صلى الله عليه وسلم حينما سئل "تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" قال القسطلاني من المسلمين فلا نخص به أحداً تكبراً أو تجبراً أهـ.
(11)
اتباع أوامر الحاكم واستماع نصائحه وطاعته وعدم بث الفتن ضده كما قال تعالى: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] من سورة النساء.
وملازمة العلماء ومجالسة الأخيار الأبرار الأصفياء وحضور الجماعات في المسجد واختيار الأصحاب في الله لله.
وَالتَّفَقُّهِ في الْقُرْآنِ (1)، وَحُبِّ الآخِرَةِ (2)، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ (3)،
وَقِصَرِ الأَمَلِ (4) وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَأَنْهَاكَ أَنْ تَشْتِمَ مُسْلِمَا (5)، أَوْ تُصَدِّقَ كَاذِباً، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقاً،
(1) تفهم آياته والتبحر في معرفة أسراره والعكوف على تلاوته والإكثار من ذكره والتفكر في معناه كما قال تعالى:
أ -[ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب (269)] من سورة البقرة.
ب - وقال تعالى: [ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله] من سورة لقمان.
جـ - وقوله صلى الله عليه وسلم "ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين".
(2)
الاستعداد ليوم القيامة والإيمان به، لأنه لا بد منه كما قال تعالى:[وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7)] من سورة الحج.
(3)
الخوف من يوم تشتد فيه الأهوال وتعظم فيه المسؤولية كما قال تعالى: [وقفوهم إنهم مسؤولون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34)] من سورة الصافات.
أي احبسوهم في الموقف فإنهم مسؤولون عن عقائدهم وأعمالهم [مستسلمون] منقادون لعجزهم وانسداد الحيل عليهم يسأل الرؤساء والأتباع، وبين الله تعالى سبب عقابهم [إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بلى جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43)] من سورة الصافات.
أرأيت هذه الحكاية يمثلها الله تعالى لعباده المصدقين الآن العاملين بالكتاب والسنة ليخشوا الله ويستعدوا ليوم، وصفه الرب جل جلاله [لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (285)] من سورة البقرة.
(4)
عدم استرسال الأماني الحلوة والركون إلى زخارف الدنيا بانتظار سعة الرزق وزيادة الأموال وتشييد القصور وتسويف في عمل البر وفعل الخير وتأجيل غرس الصالحات وبذر الطيبات، فالمؤمن يقنع ويجد ويعمل عملاً طيباً من وقته.
(5)
يحذر من سب المسلم وأذاه والركون إلى الكاذب الفاجر أو يرد كلام الصالح المتقي ويغير أقواله افتراء عليه أو يعلن الحرب على رئيسه ويخاصمه ويوقد نار العداوة ويبث الفتن والمخالفة وقد اشترط صلى الله عليه وسلم الطاعة بالعدل واتباع الحق. أما إذا خالف الإمام وفعل ما يغضب ربه فليجتنبه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل الإنسان يركن إلى ربه ويخشاه ويؤدي حقوقه، ولا يخاف إلا ربه وحده، يريد صلى الله عليه وسلم أن يتحلى المسلم بست عشرة صفة: الخوف الداعي إلى إيجاد الصالحات، والصدق، والوفاء، والأمانة، والشرف والضمير النقي، ومراقبة الخالق، والعطف على المسكين واليتيم، وحسن الجوار؛ وحبس النفس عن الغضب وطيب القول، وإفشاء التحية، وموافقة الأمير، والتزود بتعليم الكتاب والسنة والاشتياق إلى ملاقاة الرب جل وعلا مع الاعتقاد بالجزاء إن خيراً وإن شراً، وعدم الغرور وكبح جماح الشيطان الغرور الذي يبعث الشر والجشع وجمع الدنيا والضرب بسهم في الأعمال الصالحة وإصابة المرمى في تشييد المكارم ووجود آثارها ظاهرة جليلة (قيمة المرء ما يحسنه) قال المتنبي: =
أَوْ تَعْصِيَ إِمَامَاً عَادِلاً، وَأَنْ تُفْسِدَ فِي الأَرْضِ. يَا مُعَاذُ اذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ وَحَجَرٍ، وَأَحْدِثْ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً. السِّرُّ بِالسِّرِّ، والْعَلانِيَةُ بِالْعَلانِيَةِ.
40 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: اتَّقِ اللهَ (1) حَيْثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ (2) تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ (3).
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
= ومن يجد الطريق إلى المعالي
…
فلا يذر المطي بلا سنام
ولم أر في عيوب الناس شيئاً
…
كنقص القادرين على التمام
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
…
مخافة فقر فالذي فعل فقر
عليكم بداري فاهدموها فإنها
…
تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
…
وأعرض عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه
…
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
(1)
أي اخش الله سبحانه في كل زمان ومكان وراقبه، واعلم أنه مطلع عليك فلا تعصه. قال النووي: أي اتقه في الخلوة كما تتقيه في الجلوة بحضرة الناس كما قال تعالى.
[ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم] الآية من سورة المجادلة. والتقوى كلمة جامعة لفعل الواجبات وترك المنهيات أهـ.
(2)
إذا أخطأت فتب واشفعها بفعل صالح ليزيل أثر ما بدر منك ويبعد ما تركته الهفوة من جفوة. قال النووي: أي إذا فعلت سيئة فاستغفر الله تعالى منها وافعل بعدها حسنة تمحها. هذه السيئة المتعلقة بحق الله تعالى، أما السيئة المتعلقة بحق العباد من الغضب والغيبة والنميمة فلا يمحوها إلا الاستحلال من العباد ولا بد أن يعين له جهة الظلامة فيقول قلت عليك كيت وكيت. وفي الحديث دليل على أن محاسبة النفس واجبة قال صلى الله عليه وسلم "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" وقال الله تعالى:[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدم لغد] من سورة الحشر.
(3)
استعمل مع العالم حسن المعاملة بإظهار الأدب ولين الجانب والبشاشة واللطف والحلم. قال النووي: الخلق الحسن كلمة جامعة للإحسان إلى الناس، وإلى كف الأذى عنهم أهـ. ولنا قدوة حسنة بسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل عليه السلام حين نزل قوله تعالى:[خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199)] من سورة الأعراف.
قال في تفسير ذلك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك، وقال تعالى:
أ -[ادفع بالتي هي أحسن] الآية، وقال تعالى.
ب -[وإنك لعلى خلق عظيم (4)] من سورة القلم.
كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن يأتمر بأمره وينزجر بزواجره ويرضى لرضاه ويسخط لسخطه عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث بيان أن المرء يسود بثلاثة ويرقى إلى العلياء:
أ - تقوى الله في السر والعلانية.
ب - فعل الخير وإيجاد البر الجالب لحسن المعاملة.
جـ - مكارم الأخلاق والتحلي بآداب الشرع، ولابن الوردي:
سارع إلى فعل الجميل وقلد الـ
…
أعناق حسنى فالزمان عواري
واجعل إلى الأخرى بدارك بالتقى
…
تغنم فما الدنيا بدار بدار =
41 -
وروى أحمد بإسناد جيد عن أبي ذرّ ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: سِتَّةُ أَيَّامٍ (1)، ثُمَّ اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا يُقَالَ لَكَ بَعْدُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ في سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلانِيَتِه (2)، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ (3)، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَداً شَيْئاً، وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ (4)، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً (5).
= وتوخ فعل المكرمات تبرعا
…
فالمكرمات حميدة الآثار
كن عالماً في الناس أو متعلما
…
أو سامعا فالعلم ثوب فخار
من كل فن خذ ولا تجهل به
…
فالحر مطلع على الأسرار
والعلم مهما صادف التقوى يكن
…
كالريح إذا مرت على الأزهار
هل يستوي العلماء والجهال في
…
فضل أم الظلماء كالأنوار
لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا
…
وإن أظللته أوراق وأفنان
لا تغترر بشباب ناعم خضل
…
فكم تقدم قبل الشيب شبان
فالروض يزدان بالأنوار ناعمه
…
والحر بالعدل والإحسان يزدان
(1)
أي انتظر ستة أيام وتمثل ثم افهم الذي أقوله لك من حسن المواعظ ولباب الإرشاد.
(2)
الزم خوف الله في كل أمورك خفيها وظاهرها.
(3)
إذا أذنبت فتب واعمل صالحاً وأحسن نيتك وافعل الخير.
(4)
اعتمد على الله وعلى نفسك في قضاء مصالحك واترك التواكل والتباطؤ وتعهد شؤونك بنفسك، وصغير الأمور ككبيرها، وإن ركبت وسقطت عصاك فانزل وخذها وقوي في نفسك العزيمة والاعتماد على النفس وقوة الإرادة. والسوط معروف وجمعه أسواط وسياط قال تعالى:[سوط عذاب] أي ألم سوط عذاب، والمراد الشدة والمراد في الحديث لا تتهاون ولا تطلب شيئاً من أحد، ولو سقط ما في يدك فعل حقارته هاته.
(5)
لا تودع عندك أمانة خشية أن لا تقوم بحفظها، وتؤديها كاملة تامة، ينصح صلى الله عليه وسلم بأربعة:
أ - التقوى.
ب - إتقان العمل والتوبة عن الإساءة ثم الإحسان.
جـ - الاعتماد على النفس.
د - عدم قبول الودائع إذا آنس الإنسان عدم حفظها. وقد بين الله تعالى فوائد التقوى في قوله عز شأنه:
1 -
[ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار (11)] من سورة الطلاق.
2 -
[ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11)] من سورة التغابن.
3 -
[ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب] من سورة الطلاق.
4 -
[ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4)] من سورة الطلاق.
5 -
[ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5)] من سورة الطلاق.
فأنت ترى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشوق أبا ذر للدرس الجديد ويسوق المرغبات المحسنات، ويدعوه إلى العمل بما يقوله صلى الله عليه وسلم وتفهمه وعض النواجذ على إدراكه وفهمه رجاء أن يثمر أدب الشرع:
وإنما المرء حديث بعده
…
فكن حديثاً حسناً لمن وعى
ما اعتن لي يأس يناجي همتي
…
إلا تحداه رجاء فاكتمى.
42 -
وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءَ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَوْصِنِي. قال: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَأَتْبِعْهَا (1) حَسَنَةً تَمْحُهَا. قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِنَ الْحسَنَاتِ (2) لا إِلهَ إِلَاّ اللهُ؟ قالَ: هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ. رواه أحمد عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه عنه.
43 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: إِنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً (3) وفي رواية: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً في أَقْصَى الْمَدِينَةِ (4)، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا (5)، فَأَنا هذَا (6) فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ (7) لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قال: وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئاً، فَقَامَ فانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً فَدَعَاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ [وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ (8) وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ (9) إِنَّ الْحَسَناتِ (10)
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى للذَّاكِرِينَ (11)]. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ هذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً. رواه مسلم وغيره.
(1) إذا هفوت فأزل ما أخطأت بإتقان عملك وفعل الحسنات رجاء عفو الله سبحانه لك، قال الشاعر:
وإذا استسقى لك ذو الإساءة عثرة
…
فأقله إن ثواب ذلك أوسع
لا تجزعن عن الحوادث إنما
…
خرق الرجال على الحوادث لا يجزع
(2)
سأله أبو الدرداء رضي الله عنه عن كلمة التوحيد فعدها صلى الله عليه وسلم من أفضل أعمال البر، ففيه التوبة والذكر والتسبيح والدعاء والصدقات وأنواع الطاعة تعد حسنات فتجلب رضا الله تعالى وإحسانه.
(3)
وضع الفم على الوجه على سبيل الحب والود والتلذذ.
(4)
جهة بعيدة منها.
(5)
أي شيئاً غير ملامستها ومجامعتها. منها ما دون كذا في ن ع ص 314 - 2 وفي ن د: منها دون.
(6)
أنا واقف بين يديك خاضع لحكم الله في تنفيذ حده.
(7)
أي فعلت هذا، والله تعالى لم يفضحك بإظهار عملك للناس.
(8)
الصبح والظهر والعصر.
(9)
المغرب والعشاء ويدخل فيه ساعة السحر التهجد والاستغفار والندم والتضرع إلى القادر جل وعلا التواب.
(10)
الصالحات وفروع العبادة. قال النووي: معنى عالجت: أي تناولت واستمتعت بها، والمراد بالمس الجماع ومعناه استمتعت بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلا الجماع (كافة) أي كلهم. هكذا تستعمل كافة حالاً، ولا يضاف فيقال كافة الناس ولا الكافة. وهذا تصريح بأن الحسنات تكفر السيئات. واختلفوا في المراد بالحسنات هنا فنقل الثعلبي أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة .. وقال مجاهد: هو قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقاً أهـ ص 79 جـ 17.
(11)
عظة للمتعظين [واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115)] من سورة هود. =
من فعل ذنوباً كثيرة فهل له من توبة؟
44 -
وَعَنْ أَبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ الْمَمْدُودِ أَنَّهُ أَتَّى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ (1) كُلَّهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئَاً، وَهُوَ في ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلا دَاجَةً (2) إِلَاّ أَتَاهَا، فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قالَ: فَهَلْ أَسْلَمْتَ (3)؟ قالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لا إِله إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قالَ: تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ (4)،
وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ. قالَ: وَغَدَرَاتِي (5) وَفَجَرَاتِي (6)؟ قالَ: نَعَمْ (7) قالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى (8).
رواه البزار والطبراني
= أي تصبر على فعل الطاعات واحبس نفسك عن اتباع المعاصي. قال البيضاوي: عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلاً على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص.
(1)
أي كان شديد الفجور والفسوق وارتكب كل ذنب.
(2)
الحاجة الصغيرة، والداجة الحاجة الكبيرة أهـ نهاية.
(3)
دخلت في الإسلام بالنطق بالشهادتين وثبت على توحيد الله جل وعلا وعزمت على طاعة الله سبحانه.
(4)
تعمل صالحاً وتجعل لك في الطيبات ذكراً حسناً وتتقي الله وتجتنب المعاصي ليبدل الله ذنوبك حسنات كما قال الله تعالى: [إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً (70) ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا (71)] من سورة الفرقان.
أو قد عزم الرجل على فعل الخير. ومنها المحافظة على الصلاة، وقد رأيت قول من أصاب قبلة هذه الآية لي أي صلاتي مذهبة لمعصيتي مختصة بي أو عامة للناس كلهم. وقال القسطلاني: فيه عدم الحد في القبلة، ونحوه، وسقوط التعزير عمن أتى شيئاً منها وجاء تائباً نادماً، وقال ابن المنذر: فيه أنه لا حد على من وجد مع أجنبية في لحاف واحد، والله أعلم ص 196 جواهر البخاري.
(5)
أفعالي الذميمة التي نقضت فيها العهد ونكثت وخنت، يقال: غدر به: نقض عهده.
(6)
ارتكابي المعاصي وفعل الموبقات، من فجر العبد فجوراً: فسق وزنى، وفجر الحالف فجوراً وكذب، وفي النهاية: التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله. الفجار جمع فاجر وهو المنبعث في المحارم والمعاصي أهـ.
(7)
أجاب صلى الله عليه وسلم بغفران ذنوبه إذا تاب وأناب.
(8)
اختفى عن أعين الناظرين إليه، ففيه الترغيب بالسرعة في الرجوع إلى من فتح أبواب التوبة لعباده رجاء إدراك رحمته إنه غفور رحيم شكور [ومن يغفر الذنوب إلا الله؟].
آيات الترغيب في التوبة من الذنوب
أ - قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه] من سورة التحريم.
ب - وقال تعالى: [وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31)] من سورة النور.
جـ - وقال [والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136)] من سورة آل عمران. =
واللفظ له، وإسناده جيد قوي، وشطب قد ذكره غير واحد في الصحابة إلا أن البغوي
= د - وقال عز شأنه [أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74)] من سورة المائدة.
هـ - وقال عز شأنه: [إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تب الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً (18)] من سورة النساء.
و- وقال تعالى: [ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً (71)] من سورة الفرقان.
ز - وقال تعالى: [فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7)] من سورة غافر.
ح - وقال تعالى: [إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً (70)] من سورة الفرقان.
ط - وقال الله تعالى: [قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم (53)] من سورة الزمر.
ي - وقال تعالى: [استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10)] من سورة نوح.
ك - وقال تعالى: [وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4)] من سورة هود.
نذير بالعقاب على الشرك، وبشير بالثواب على التوحيد [يمتعكم] يعيشكم في أمن ودعة ولا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة، وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين. إن شاهدنا طلب الاستغفار والتوبة، وهذا ما يريده كل نبي من الأنبياء رجاء رحمة الله وإغداق نعمه وزيادة الأرزاق وإزالة الآفات ووضع البركة في النعم المعطاة كما حكى الله أيضاً عن سيدنا شعيب عليه السلام [ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهرياً إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعداً لمدين كما بدت ثمود (95)] من سورة هود.
[رحيم] عظيم الرحمة للتائبين [ودود] فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار [رهطك] قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم ص 3 جـ 10 لقتلناك برمي الحجارة فصاح بهم جبريل فهلكوا [جاثمين] ميتين. وأن النبي صلى الله عليه وسلم رؤوف بأمته يرغب في التوبة ابتغاء نيل ثواب الله تعالى. قال النووي: أصل التوبة الرجوع عن الذنب ولها ثلاثة أركان: الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لا يعود إليها أبداً، فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع، وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأوصلها الندم، وهو ركنها الأعظم. واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة وأنها واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أم كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السنة بالشرع، وعند المعتزلة بالعقل؛ ولا يجب على الله قبولها إذا وجدت بشروطها عقلاً عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرماً وفضلاً وعرفنا قبولها بالشرع والإجماع خلافاً لهم، وإذا تاب من ذنب ثم ذكره هل يجب تجديد الندم. قال ابن الأنباري: يجب، وقال إمام الحرمين: لا يجب، وتصح التوبة من ذنب وإن كان مصراً =
ذكر في معجمه أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلاً.
= على ذنب آخر، ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت، وتوبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها، وغيره مظنون، والله أعلم ص 60 جـ 17.
حقيقة التوبة
قال الغزالي: التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور: علم وحال وفعل أما العلم فهو معرفة عظم ضرر المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندماً إذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضي وبالاستقبال، أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابساً له، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما بالماضي فيتلافى ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، فالعلم هو الأول، وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة، واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم بها القلب بحيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس، وقد كان في ظلمه فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه، وقد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالسابق والمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال عليه الصلاة والسلام "الندم توبة" إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه، قيل في حد التوبة إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ أو نار في القلب تلتهب وصدع في الكبد لا ينشعب أو خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء. قوال سهل بن عبد الله التستري: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال أهـ ص 4 جـ 2.
واعلم أن وجوب التوبة ظاهر بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث مسلم "يا أيها الناس توبوا إلى الله" وقول الله تعالى: [وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31)] من سورة النور.
وقول الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا] من سورة التحريم.
والنصوح الخالص لله تعالى الخالي عن الشوائب، ويدل على فضل التوبة قول الله تعالى [إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (222)] من سورة البقرة.
قال الغزالي وهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدر على أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل مستغنياً عن قائد يقوده في كل خطوة، فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه: وإما بصير يهدى إلى أول الطريق ثم يهتدي بنفسه، وكذلك الناس في طريق الدين إما قاصر يفتقر إلى سماع نص من كتاب الله وسنة رسوله أو سعيد يتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه نور الإيمان. ثم قال معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله المقرب إلى الشيطان، ولا يتصور إلا من عاقل ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان، والشهوات جنود الشيطان، والعقول جنود الملائكة، وتكمل الشهوات في الصبا والشباب، فإن كمل العقل وقوي كان أول شغله قمع جنود الشيطان بكسر =
أن رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَوِيلٌ شَطْبٌ.
= الشهوات ومفارقة العادات الملائمة للإنسان كما حكى الله تعالى عن إبليس [لأحتنكن ذريته إلا قليلا] وقد قيل:
فلا تحسبن هنداً لها العذر وحدها
…
سجية نفس كل غانية هند
فالتوبة فرض عين في حق كل شخص. وكل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه إذ لم يخل عنه الأنبياء كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب أو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى. أولا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام "إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة" الحديث، ولهذا أكرمه الله تعالى [ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر] من سورة الفتح.
وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره؟ أهـ ص 9 جـ 4.
وفي بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب.
أولاً: الإصرار والمواظبة.
ثانياً: وأن يستصغر الذنب.
ثالثاً: وأن يفرح بالصغيرة ويبجح بها.
رابعاً: وأن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه كما قال تعالى: [ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8)] من سورة المجادلة.
خامساً: أن يذكر الذنب بعد إتيانه، أو يأتيه في مشهد غيره.
سادساً: أن يكون المذنب عالماً يقتدى به، وفي شروط التوبة:
أ - الندم: أي توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، وعلامته طول الحسرة وانسكاب الدمع وطول البكاء والفكر.
ب - أن يكون بطلان النزوع بسبب قوة اليقين وصدق المجاهدة السابقة إذ بلغ مبلغاً قمع هيجان الشهوة حتى تأدبت بأدب الشرع. وفي بيان أقسام العباد في دوام التوبة:
أولاً: أن يتوب العاصي ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره، ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه، وتسمى التوبة النصوح.
ثانياً: تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبار الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب يقترفها لا عن عمد وتجريد قصد، ولكن يبتلى بها ثم يندم وتسمى النفس اللوامة، والأولى النفس الساكنة المطمئنة الراضية، قال تعالى:[الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة] من سورة النجم.
ثالثاً: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات وترك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان، هو يود لو أقدره الله تعالى على قمعها وكفاء شرها، وعند الفراغ يتندم، وتسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله فيهم [وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم] من سورة التوبة.
رابعاً: أين يتوب ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء الفرارة من الخير، ويخاف على هذا سوء الخاتمة، وأمره في مشيئة الله، نسأل الله حسن الخاتمة. ثم بين الغزالي أن الحسنات المكفرة للسيئات إما بالقلب بالتضرع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة والعفو ويتذلل تذلل العبد الآبق ويضمر الخير للمسلمين والعزم على الطاعات، وإما باللسان فبالاعتراف بالظلم =
والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرُّواة، وظنه اسم رجل، والله أعلم.
= والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسي وعملت سوءاً فاغفر لي ذنوبي ويكثر من ضروب الاستغفار، وأما بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات. وفي الآثار ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال كان العفو عنه مرجواً: أربعة من أعماق القلب؛ وهي التوبة أو العزم على التوبة وحب الإقلاع عن الذنب وتخوف العقاب عليه ورجاء المغفرة له. وأربعة من أعمال الجوارح: وهي أن تصلي عقب الذنب ركعتين ثم تستغفر الله تعالى بعدهما سبعين مرة وتقول: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم تتصدق بصدقة ثم تصوم يوماً. وفي بعض الآثار تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلي ركعتين. وفي بعض الأخبار تصلي أربع ركعات. وكان بعض الصحابة يقول كان لنا أمانان ذهب أحدهما، وهو كون الرسول فينا، وبقي الاستغفار معنا؛ فإن ذهب هلكنا، قال الله تعالى [وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33)] من سورة الأنفال.
فوائد التوبة كما قال صلى الله عليه وسلم
أ - يتجلى الله تعالى على التائب برضوانه وإحسانه "يبسط يده".
ب - تفتح له أبواب رحماته فتدركه نعمه "باب مفتوح".
جـ - تدل توبته على سعادته وإنعامه وقبوله.
د - يعد من خير الناس التواب.
هـ - يسعه حلم الله وعفوه "غفرت لعبدي".
و- ويجلي قلبه بالتوبة ويزيل الصدأ [الران].
ز - يدخل في الصالحين الذين زهدوا في الذهب واختاروا التوبة "الصفا ذهباً".
ح - يغير التائب صحائف أعماله بأحسن منها بتشييد الصالحات والمحامد "فأحدث توبة".
ط - يأمل التائب أن ينال من خيرات الله وكراماته "النادم ينتظر".
ي - ربما تصادفه العناية بالسعادة بسبب التوبة فيدخل الجنة "الكفل".
ك - قد تون العزيمة مسببة لغفران الكبائر "قاتل مائة".
ل - يحظى بفرح ربه به "لله أفرح".
م - يقبل الله تعالى على التائب أضعاف أضعاف إقبال عبده عليه بطاعته "أهرول".
ن - قد تسبب التوبة غفران الماضي والإحسان في المستقبل "من أحسن فيما بقي".
س - يوسع التائب على نفسه ويزيل الضيق ويذهب الهم ويبعد الكروب "عمل حسنة فانفكت حلقة".
ع - يعمل التائب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبوصيته "إذا أسأت فأحسن".
وقد سمى علماء الصوفية النفس بحسب قربها إلى ربها بالطاعة، وإخلاص العبادة والاستقامة:
أ - المطمئنة.
ب - اللوامة.
جـ - المسولة.
د - الأمارة بالسوء.
هل تجدد معي التوبة لله ونعزم علىطاعة الله والعمل بكتاب الله وسنة رسول الله رجاء أن يقبلنا الله الذي غمرنا بنعمائة وحبانا بأفضاله الجدير بعبادته، والإخلاص له والخوف منه كما قال تعالى:[أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24)] من سورة الملك.
[مكباً] يعثر كل ساعة ويعصي ربه كل وقت ويخر على وجهه صاغراً غير معتمد على ربه الرزاق [سوياً] مطيعاً قائماً على الحق مرتكناً إلى القوي ربه سالماً من الأخطاء، وتكرم الخالق جل وعلا بخلق الحواس لتنتفعوا بها فتسمعوا المواعظ وتنظروا صنائعه فتجلوه بحق وتتفكروا في بدائع خلقه فتعتبروا وتتوبوا [ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26)] من سورة الملك. =