الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبي هريرة وحده، وقال فيه: فَإِذَا قالَ ذلِكَ شَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ. وإسناده حسن.
الترغيب في الصبر سيما لمن ابتلي في نفسه أو ماله
وفضل البلاءِ والمرض والحمى، وما جاء فيمن فقد بصره
الصبر ضياء
1 -
عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الطُّهُورُ (1) شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ (2)، وَسُبْحَانَ اللهِ (3) وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأُ (4)
مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ (5)، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ (6) وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ (7)،
(1) بالضم على الأفصح، والمراد به الفعل والتطهير والنظافة والنقاء من الأوساخ والأقذار والبراءة من العيوب الباطنة. قال الحفني: أي الطهارة شرط صحة في الصلاة، وإن أريد بالإيمان حقيقته أعني التصديق القلبي كان المعنى على التشبيه: أي هو كالشطر منه بجامع توقف كمال الإيمان عليه، وقال العلقمي، أي نصفه، والمعنى أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذا الوضوء إلا أنه لا يصح إلا بالإيمان فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر. وقيل المراد بالإيمان الصلاة والطهارة شرط في صحتها فصارت كالشطر، ولا يلزم من الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. وقال النووي: وهذا أقرب الأقوال.
(2)
يملأ ثوابها.
(3)
بفرض الجسمية لو مثل ثواب قائل الحمد لله وشاكر ربه لرجحت كفت ميزانه وزاد وزنها. ففيه الترغيب بكثرة الثناء على الله والإقبال عليه بأداء أوامره وشكره رجاء ثقل الميزان بكسب الحسنات.
(4)
يملأ ثواب كل منهما لو جسم لقدر حجمه كما بين السماء والأرض. قال المناوي: وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله: سبحان الله والتفويض والافتقار بقوله: الحمد لله، فعليك أخي بكثرة تسبيح الله وتحميده وتمجيده وذكره رجاء نيل أجر الله ..
(5)
قال العلقمي لأنها تمنع عن المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل يكون أجر الصلاة نوراً لصاحبها يوم القيامة؛ وقيل لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله على الله، وقيل يكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة: وفي الدنيا أيضاً على وجهه بالبهاء، بخلاف من لم يصل.
(6)
قال العلقمي أي حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، زاد النووي قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول تصدقت به وقال: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيمة يعرف بها فتكون برهاناً له على حاله ولا يسأل عن مصرف ماله.
(7)
قال العلقمي قال النووي: معناه الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر عل طاعة الله والصبر عن معصيته والصبر أيضاً على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر المحبوب لايزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب. قال إبراهيم الخواص الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة وقال الأستاذ أبو علي الدقاق حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال تعالى =
القرآن حجة لك أو عليك
وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا (1) أَوْ مُوبِقُهَا (2)
رواه مسلم.
= في أيوب [إنا وجدناه صابرا] مع أنه قال: مسني الضر [والقرآن حجة لك] أي تنتفع به إن تلوته وعملت به أو عليك إن أعرضت عنه [كل الناس] أي كل منهم يغدو: أي يتوجه نحو مايريد.
(1)
فمبعدها من النار.
(2)
أي مهلكها، قال العلقمي معناه أن كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها: أي يهلكها كأنه قيل ما حال الناس بعد ذلك؟ فأجيب كل الناس أهـ ص 394 جامع صغير. بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فوائد سبعة هن عماد الحياة ومنبع السعادة ومعين الخير وبحار المكارم وجالبة كل المحامد.
أ - النظافة والطهارة.
ب - الثناء على الله تعالى وشكره على جميع ما أنعم وتفضل.
جـ - تسبيحه وعبادته وذكره حتى لا يغفل القلب عن ربه.
د - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على أحسن وجه وأكمله، فمن صلى تلألأ وجهه نوراً، وأشرق قلبه سروراً، وامتلأ إيماناً وحبوراً والتصدق بطاقة الإجازة من العذاب والإنفاق لله شهادة صدق بصالح الأعمال، والزكاة عنوان استقامة وطهارة، وسبيل الهداية في الحياة الدنيا، وبرهان ناطق لسلوك فاعلها مناهج الأبرار الأخيار.
هـ - حبس النفس عن المكاره اتقاء السخط، والباعث على ذلك التجمل والتكمل المنبعث من أشعة الإيمان الساطعة في القلب كما قال الحفني الصبر على المصائب مع عدم الضجر أو الصبر على الأوامر والمنهيات سبب في حصول الضياء في القلب أي النور الشديد الكامل أهـ.
وفي الغريب: الصبر الإمساك في ضيق أو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو هما يقتضيان حبسها عنه، والصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبراً لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً ويضاده الذل، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً ونبه على ذلك بقوله [والصابرين في البأساء والضراء. والصابرين على ما أصابهم، والصابرين والصابرات] وسمي الصوم صبراً لكونه كالنوع له وقال عليه السلام "صيام شهر الصبر وثلاثة أيام في كل شهر يذهب وحر الصدر" وقوله تعالى [فما أصبرهم على النار] وقوله تعالى [اصبروا وصابروا] أي احبسوا أنفسكم على العبادة وجاهدوا أهواءكم، وقوله تعالى [واصطبر لعبادته] أي تحمل الصبر بجهدك، وقوله تعالى [أولئك يجزون الغرفة بما صبروا] أي بما تحملوا من الصبر في الوصول إلى مرضاة الله تعالى، وقوله تعالى [فصبر جميل] معناه الأمر والحث على ذلك، والصبور القادر على الصبر، والصبار يقال إذا كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة قال تعالى [إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور] ويعبر عن الانتظار بالصبر لما كان حق الانتظار أن لا ينفك عن الصبر بل هو نوع من الصبر، قال تعالى [فاصبر لحكم ربك] أي انتظر حكمه لك على الكافرين أهـ ص 275.
و- وجود القرآن بين أظهرنا نسمع آياته ليل نهار شاهد عدل علينا، ويكون شفيعاً لمن عمل به وتمسك بحبله واهتدى بقبسه وانتفع بآياته واسترشد بأحكامه، ويكون خصماً ألد للفاسقين والعاصين والطغاة الفاجرين. يقرأ القارئ فيتحدثون في مجالسه، ويتكلمون ويشربون التبغ وتتشتت أفكارهم وشابهوا الكفار في قول الله تعالى:[وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ الذين كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال الذين كفروا: ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29)] من سورة فصلت.
[والغوا فيه] وعارضوه بالخرافات، أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارئ (دار الخلد) دار إقامتهم. =
2 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: وَمَنْ يَتَصَبَّرْ (1) يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً (2) وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. رواه البخاري ومسلم في حديث تقدم في المسألة.
ما رزق الله عبداً خيراً له ولا أوسع من الصبر
ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة مختصراً: مَا رَزَقَ اللهُ عَبْدَاً خَيْراً لَهُ وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. وقال: صحيح على شرطهما.
3 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: أَرْبَعٌ لَا يُصَبْنَ
= (يججدون) ينكرون الحق أو يلغون (أضلانا) هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل (نجعلهما) ندوسهما انتقاماً منهما أو نجعلهما في الدرك الأسفل مكاناً أو ذلاً أهـ بيضاوي.
ثم بين صلى الله عليه وسلم أننا في الدنيا صنفان.
أ - صنف تقي نقي صالح طاهر عامل بالكتاب والسنة، وهذا هو الفائز الناجح السعيد الذي ضرب بسهم صائب وبرز في ميدان الفلاح بالسبق إلى رضوان الله ونعيمه فخلص نفسه من ربقة العذاب وأسر الشهوات فنجا.
ب - صنف خائب خاسر يسعى لحتفه بظلفه، ويسترسل في الدنايا والمعاصي فيقع في الهاوية وينحط إلى الجحيم، ويسود وجهه [يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6)] من سورة المجادلة.
لماذا؟ لأن القرآن والسنة أشرقتا بالأنوار فلم يهتد بهديهما، ولم يعمل صالحاً في حياته، وغمس في الترف والرفاهية وخلت صحيفته من كل مكرمة أو محمدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ ونسأل الله السلامة والعافية والعفو، وفي النهاية: من أسماء الله تعالى الصبور هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه قريب من معنى الحليم، والفرق بينهما أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم، ومنه "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل" أي أشد حلماً عن فاعل ذلك وترك المعاقبة عليه.
(1)
من يتكلف تحمل المصائب والمكاره يعنه الله ويساعده.
(2)
أفضل وأكثر ثواباً. يعلمنا الله تعالى طول البال، واستقبال الشدائد بصدر رحب، والتطلع إلى فرج الله ورحمته.
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها
…
فالصبر يفتح منها كل ما رتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه
…
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
…
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
إذا ما أتاك الدهر يوماً بنكبة
…
فأفرغ لها صبراً وأوسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبة
…
فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسرا
كن حليماً إذا بليت بغيظ
…
وصبوراً إذا أتتك مصيبة
فالليالي من الزمان حبالى
…
مثقلات يلدن كل عجيبة
تصبر أيها العبد اللبيب
…
لعلك بعد صبرك ما تخيب
وكل الحادثات إذا تناهت
…
يكون وراءها فرج قريب
إِلَاّ بِعَجَبٍ (1): الصَّبْرُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَذِكْرُ اللهِ، وَقِلَّةُ الشَّيْءِ. رواه الطبراني والحاكم كلاهما من رواية العوام بن جويرية، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتقدم في الصمت.
4 -
وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الزَّهَادَةُ (2) في الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلَا إِضَاعَةِ المالِ، وَلَكِنَّ الزّهَادَةَ في الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا في يَدِكَ أَوْ ثَقَ مِنْكَ بِمَا في يَدِ اللهِ، وَأَنْ تَكُونَ في ثَوَابِ المُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ. قال الترمذي حديث غريب.
الصبر نصف الإيمان
5 -
وَعَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قالَ عَبْدُ اللهِ: الصَّبْرُ نِصْفُ الإِيْمَانِ، وَالْيَقِينُ (3) الإِيمانُ كُلُّهُ. رواه الطبراني في الكبير، ورواتُهُ رواة الصحيح، وهو موقوف، وقد رفعه بعضهم.
6 -
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: الصَّبْرُ مِعْوَلُ المُسْلِمِ (4). ذكره رُزَين العبدوي، ولم أره.
(1) أربعة أشياء تصادف المؤمن هبة يندهش لها الإنسان لعروضها على حالة شاذة. وفي الغريب: العجب والتعجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف الإنسان سببه، ولهذا قيل لا يصح على الله التعجب، إذ هو علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، يقال: عجبت عجباً ويقال للشيء الذي يتعجب منه عجب، ولما لم يعهد مثله عجيب قال تعالى:[أكان للناس عجباً أو حيناً] تنبيهاً أنهم قد عهدوا مثل ذلك قبله. وها هي الأربعة.
أ - تحمل الآلام.
ب - اللين وكرم الأخلاق.
جـ - تسبيح الله وطاعته.
د - القناعة والرضا بالقليل.
(2)
ترك الشيء، والإعراض عنه، يقال زهد في الشيء وزهد عنه زهداً وزهادة، ومنه حديث علي رضي الله عنه إنك لزهيد وحديث خالد إلى غمر رضي الله عنه إن الناس قد اندفعوا في الخمر وتزاهدوا الحد. أي احتقروه وأهانوه ورأوه زهيداً، والمعنى نهاية التعفف والتقلل من الدنيا أن يكون الزاهد واثقاً بما عند الله أكثر مما في يده مالئاً قلبه اعتماداً عليه تعالى وغنى ورضا، ويصبر عند حلول المصيبة مائلاً إلى إبقائها لكثرة أجرها عند الله تعالى ففيه الترغيب بالتفويض إلى الله والصبر.
(3)
اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية، يقال علم اليقين ولا يقال معرفة اليقين، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم، قال تعالى - وفي الأرض آيات للموقنين - فالإيمان نهاية الثقة بالله تعالى.
(4)
الذي يعتمد عليه ويستعين به في إزالة همومه وتفريج غمومه، من عولت على الشيء تعويلاً اعتمدت عليه وعولت به، وفي النهاية، ومنه رجز عامر * وبالصياح عولوا علينا * أي أجلبوا واستعانوا أهـ معول كذا في ط وع ص 379 - 2 بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو: اسم آلة: أي يتعاون به المسلم على دفع مصائبه. والصبر سلوانه وقبلته في إزالة ما يكره، وفي ن د معوال.
7 -
وَعَنْ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجَباً (1) لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ لَهُ كُلَّهُ (2) خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إِلَاّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ (3)، فَكَانَ خَيْرَاً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ (4) صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ. رواه مسلم.
8 -
وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ عز وجل قالَ: يَا عِيسى (5) إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللهَ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا (6) وَصَبَرُوا (7)، وَلَا حِلْمَ وَلَا عِلْمَ (8)، فَقَال: يَا رَبِّ كَيْفَ يَكُونُ هذَا؟ قالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي (9). رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري.
9 -
وَرُوِيَ عَنْ سَخْبَرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَظَلَمَ فاسْتَغْفَرَ، وَظُلِمَ فَغَفَرَ، ثُمَّ سَكَتَ فَقَالُوا:
(1) أعجب عجباً.
(2)
إن أمره له كله خير، كذا د وع، وفي ن ط: أمره كله له.
(3)
أربعة أشياء مفرحة: حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله.
(4)
أشياء مؤلمة كارهة. النبي صلى الله عليه وسلم يبشر المؤمن بما يصيبه ويخبره أن كل شيء أحاطه كسب منه ثواباً: فإن أمده الله بنعم فحمده نال أجراً، وإن أصابته سيئة فصبر نال ثواباً فهو في الحالتين مكرم مثاب ومؤجر.
(5)
سيدنا عيسى عليه السلام وبعده أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
(6)
سلموها لله تعالى طلباً لوجه الله تعالى وثوابه فالاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد والاحتساب في الأعمال الصالحة. وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها أهـ نهاية.
(7)
تحملوا الآلام.
(8)
ليس عندهم خلقا الحلم والعلم.
(9)
أهب لهم خلق الحلم بطول البال والأناة فلا يستفزهم غضب وأرزقهم التثبت في الأمور والترتب. وفي النهاية: وفي أسمائه تعالى الحليم: أي الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منته إليه أهـ.
يبشر النبي صلى الله عليه وسلم على لسان سيدنا عيسى عليه السلام بإكرام أمته وتفضله عليهم بالسداد في الرأي والصواب في العمل والحكمة والتوفيق.
يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَهُ (1)؟ قالَ: أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ. رواه الطبراني.
[سخبرة] بفتح السين المهملة وإسكان الخاء المعجمة بعدهما باء موحدة يقول: إن له صُحبةً، والله أعلم.
10 -
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ المؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ (2) مِنَ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا (3) الرِّيحُ تَصْرَعُهَا (4) مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ (5).
11 -
وفي رواية: حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الكافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ الْمُجْدِبَةِ عَلى أَصْلِهَا لَا يُصِيبُهَا شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا (6)
مَرَّةً وَاحِدَةً. رواه مسلم.
12 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيَاحُ تفِيئُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلاءٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأُرْزِ لَا تَهْتَزُّ حَتّى تَسْتَحْصِدَ. رواه مسلم والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح:
(1) أي شيء يلحقه؟ الفريق الناجي المطمئن الذي لا يصيبه فزع ولا خوف، وهم سادة موفقون:
أ - من هم أصحاب النعمة الذين يحمدون الله عليها وينتهزون فرصة وجود الخير فيؤسسون المشروعات النافعة؟
ب - الذين يصابون بالمحن والفتن فيصبرون ولا يضجرون ولا يتألمون، حباً في ثواب الله تعالى.
جـ - الذين إذا فعلوا ذنباً أكثروا من الاستغفار وتابوا إلى الله وعملوا صالحاً.
د - الذين وقع عليهم ظلم وتعد فسامحوا وعفوا لله. تلك أربعة طوائف ناجية فائزة مفلحة يوم القيامة.
(2)
الطاقة الغضة الطرية.
(3)
تميلها.
(4)
تصرعها، كذا د وع ص 380 - 2 أي تجذبها وتحركها بشدة. وفي ن ط: تصرمها: أي تقطعها. قال القسطلاني: لأن المؤمن إن جاءه أمر الله أطاعة ومضى به فإن جاءه خير فرح به، وإن وقع به مكروه صبر ورجا فيه الأجر أهـ.
(5)
حتى تضطرب.
(6)
انقلاعها أو انكسارها من وسطها، لأن المنافق لا يتفقده الله باختياره، بل يجعل له التيسير في الدنيا ليتعسر الحال عليه في المعاد حتى إذا أراد إهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذاباً وألما أهـ ص 257 جواهر.
يخبر صلى الله عليه وسلم عن علامات المؤمن التقي المقبول عمله أن تمر عليه المحن فيصبر ويزداد طاعة، وهو عرضة للصحة وللمرض والغنى والفقر، وهكذا من تفن الدنيا ليكثر ثوابه بإقباله على ربه مهما أصيب فيحمد الله دائماً لينال أجره تعالى وافراً جزيلاً في الآخرة. وأما الكافر والعاصي فتزهر له الدنيا وتبتسم له الحياة فينعم عيشه ويصفو فيزداد كفراً أو طغياناً حتى إذا أخذه لم يفلته.
[الأرز] بفتح الهمزة وتضم وإسكان الراء بعدهما زاي: هي شجرة الصنوبر، وقيل: شجرة الصنوبر الذكر خاصة، وقيل: شجرة العرعر، والأول أشهر.
13 -
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا ابْتَلَى اللهُ عَبْداً بِبلَاءٍ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةٍ يَكْرَهُهَا إِلَاّ جَعَلَ اللهُ ذلِكَ الْبَلاءَ كَفَّارَةً (1) وَظُهُوراً مَا لَمْ يُنْزِلْ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْبَلاءِ بِغَيْرِ اللهِ عز وجل (2)، أَوْ يَدْعُو غَيْرَ اللهِ في كَشْفِهِ (3).
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات، وأمّ عبد الله ابنة أبي ذئاب لا أعرفها.
أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل
14 -
وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً (4)؟ قالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ (5) فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ (6) عَلَى
(1) ماحياً لذنوبه ونقاه تنقية.
(2)
مدة عدم إسناد هذا لغير الله وحده، بمعنى أنه يثاب ما دام يعتقد أن هذا المرض أو المحن من الله تعالى، وهو الذي يكشف الكروب وحده، فإذا حاد وضجر ويئس وأسند ما أصابه إلى غير الله وشكا لغير الله فلا ثواب له البتة، نسأل الله السلامة.
(3)
يعتقد أن الطبيب يشفيه، أو غيره يزيل همومه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".
يعلمك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر إذا أصابك مكروه رجاء ثواب الله سبحانه، وأن تتحمل الآلام في سبيل رضاه سبحانه والرضا بقضائه، وألا تلجأ إلى مخلوق في كشف هذا الضر فالله وحده مفرج الكروب مزيل الهموم كما قال محمد بن بشير:
كم من فتى قصرت في الرزق خطوته
…
ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
…
فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
…
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
…
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
قدر لرجلك قبل الخطو موضعها
…
فمن علا زلقاً من غرة زلجا
ولا يغرنك صفو أنت شاربه
…
فربما كان بالتكدير ممتزجا
فلج: غلب. ارتتج: انشق. يلج: يدخل. غرة: غفلة. زلج: زل وسقط.
(4)
محناً وشدائد.
(5)
المقارب لهم في الفضل والطاعة والإيمان.
(6)
يختبر بمقدار دينه فكثير الإيمان يرضى ويستبشر بالفرج، وينتظر الخير الكثير ويغدق بالحسنات وتزال عنه الذنوب. ويروى عن أكثم بن صيفي قال: خير السخاء ما وافق الحاجة. ومن عرف قدره لم يهلك، ومن صبر ظفر، وأكر أخلاق الرجال العفو أهـ. =
حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً (1) اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ في دِينِهِ رِقَّةٌ (2)
ابْتَلَاهُ اللهُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ (3) الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ. رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
15 -
ولابْنِ حَبَّانَ في صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه سلم أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى النَّاسُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِمْ، فَمَنْ ثَخُنَ (4) دِينُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بلاؤُهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُصِيبُهُ الْبَلاءُ حَتَّى يَمْشِيَ في النَّاسِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ (5).
16 -
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ رضي الله عنه أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَوْعُوكٌ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَوَضَعَ يَدَهُ فَوْقَ الْقَطِيفَةِ فَقَالَ: مَا أَشَدَّ حُمَّاكَ (6) يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: إِنَّا كَذلِكَ (7) يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلاءُ (8) وَيُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ، ثُمَّ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ
= قال الشاعر:
تصبر ففي اللأواء قد يحمد الصبر
…
ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب
…
جميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر
وثق بالذي أعطى ولاتك جازعا
…
فليس بحزم منك أن يردعك الضر
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا
…
يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر
تقلب هذا الأمر ليس بدائم
…
لديه مع الأيام حلو ولا مر
(1)
أي قوي الإيمان ثابت اليقين بفرج الله وإزالة الكرب.
(2)
ضعف لأنه لا يعمل بالكتاب والسنة، وتراه مقصراً في واجبات ربه سبحانه، قال الشاعر:
اصبر على نوب الزما
…
ن وإن أبى القلب الجريح
فلكل شيء آخر
…
إما جميل أو قبيح
وقال آخر:
إني رأيت الصبر خير معول
…
في النائبات لمن أراد معولا
ورأيت أسباب القناعة أكدت
…
بعرى الفتى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبا بي منزل جاوزته
…
وجعلت منه غيره لي منزلا
وإذا غلا شيء علي تركته
…
فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
(3)
أي يستمر الاختبار بالمصائب والأمراض حتى يطهر من كل الآثام، كما قال الشاعر:
بنى الله للأخيار بيتاً سماؤه
…
هموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه
…
وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
وقال آخر:
اصبر قليلاً وكن بالله معتصماً
…
لا تعجلن فإن العجز بالعجل
الصبر مثل اسمه في كل نائبة
…
لكن عواقبه أحلى من العسل
(4)
قوي وعظم.
(5)
من شدة صبره صحيفته نقية من الذنوب.
(6)
حرارتك.
(7)
نحن الأنبياء.
(8)
يسرون بدخول المصائب.
مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؟ قالَ: الأَنْبِيَاءُ. قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: الْعُلَمَاءُ. قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: الصَّالِحُونَ كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَيُبْتَلَى أَحَدُهُمْ بالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدَ إِلَاّ الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا وَلأَحَدُهُمْ كَانَ أَشَدَّ فَرَحاً (1) بِالْبَلاءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ. رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات، والحاكم واللفظ له وقال: صحيح على شرط مسلم، وله شواهد كثيرة.
17 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ الثَّوابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كانَتْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ. رواه الترمذي وابن أبي الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغراءَ، وبقية رواته ثقات، وقال الترمذي: حديث غريب، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وفيه رجل لم يسمّ.
18 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: يُؤْتَى بالشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمُتَصَدِّقِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ دِيوَان، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأَجْرُ صَبّاً حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ لَيَتَمَنَّوْنَ في الموْقِفِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ قُرِضَتْ بِالمقَارِيضِ مِنْ حُسْنِ ثَوابِ اللهِ. رواه الطبراني في الكبير من رواية مجاعة بن الزبير، وقد وُثّق.
19 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً أَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَافِيَهُ صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبّاً وَثَجَّهُ (2) عَلَيْهِ ثَجّاً. فَإِذَا دَعَا الْعَبْدُ قالَ: يَا رَبَّاهُ، قالَ اللهُ: لَبَّيْكَ يَا عَبْدِي لَا تَسْأَلُنِي شَيْئاً إِلَاّ أَعْطَيْتُكَ إِمَّا أَنْ أُعَجِّلَهُ لَكَ، وَإِمَّا أَنْ أَدّخِرَهُ لَكَ. رواه ابن أبي الدنيا.
(1) أكثر من وجود النعم لماذا؟ لزيادة أجر الحكيم الوهاب في الآخرة يتمنى أصحاب الصحة والنعيم حينما يرون ما أعده الله يوم القيامة للمرضى لو قطعت جلودهم بآلات القطع والحدادة حتى ينالوا الأجر مثلهم، وحسبك انصباب الأجر صباً بلا ميزان ولا عد.
(2)
أساله كسيل منهمر، يقال ثج الماء من باب ضرب: همل، وثججته: أسلته وصببته، و"أفضل الحج العج والثج" فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إسالة دم الهدي.
من يرد الله به خيراً يصب منه
20 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ. رواه مالك والبخاري.
[يُصِبْ منه]: أي يوجه إليه مصيبة ويصيبه ببلاء.
21 -
وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِذَا أَحَبّ اللهُ قَوْماً ابْتَلاهُمْ؛ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ. رواه أحمد ورواتُه ثقات. ومحمود بن لبيد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، واختُلِف في سماعه منه.
22 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُمْ، فَمنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ. رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب.
23 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ (1) حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيّاهَا. رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه من طريقه، وغيرُهما.
24 -
وَرُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا أَصَابَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ (2) فَمَا فَوْقَهَا حَتَّى ذَكَرَ الشَّوْكَةَ إِلَاّ لإِحْدَى خَصْلَتَيْنِ: إِمَّا لِيَغْفِرَ اللهُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْباً لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَهُ لَهُ إِلَاّ بِمِثْلِ ذلِكَ، أَوْ يَبْلُغَ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ كَرَامَةً (3) لَمْ يَكُنْ لِيَبْلُغَهَا إِلَاّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. رواه ابن أبي الدنيا.
25 -
وَعَنْ مُحَمّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ فَلَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلٍ ابْتَلاهُ اللهُ في جَسَدِهِ (4)، أَوْ مَالِهِ، أَوْ في وَلَدِهِ، ثُمَّ
(1) يستمر أن يمنحه ما يكره من الأمراض والمصائب حتى يرتقي إلى العلياء.
(2)
حادثة.
وإذا أصابك نكبة فاصبر لها
…
من ذا رأيت مسلماً لا ينكب
(3)
المنزلة العالية في الجنة.
(4)
أي بمرض أو فقر أو فقدان ولد.
صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ عز وجل. رواه أحمد وأبو داود وأبو يَعلى والطبراني في الكبير والأوسط، ومحمد بن خالد لم يرو عنه غير أبي المليح الرقيّ. ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد، والله أعلم.
26 -
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ عز وجل لَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: انطَلِقُوا إِلى عَبْدِي فَصُبُّوا عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبّاً، فَيَحْمَدُ اللهَ، فَيَرْجِعُونَ فَيَقُولُونَ: يَا رَبّنَا صَبَبْنَا عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبّاً كَمَا أَمَرْتَنَا، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ. رواه الطبراني في الكبير.
27 -
وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضاً عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ لَيُجَرِّبُ أَحَدَكُمْ (1) بِالْبَلاءِ كَمَا يُجَرِّبُ أَحَدُكُمْ ذَهَبَهُ بِالنَّارِ، فَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ كَالذَّهَبِ الإِبْرِيزِ، فَذَاكَ الَّذِي حَمَاهُ اللهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ دُونَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي يَشُكُّ بَعْضَ الشَّكِّ، وَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الأَسْوَدِ فَذَاكَ الَّذِي افْتَتَنَ.
المصيبة تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه
28 -
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: المصِيْبَةُ تُبَيِّضُ وَجْهَ صَاحِبِهَا يَوْمَ تَسْوَدُّ الْوُجُوه. رواه الطبراني في الأوسط.
29 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَب، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذَىً، وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُّهَا إِلَاّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ. رواه البخاري ومسلم ولفظه:
مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ مِنْ وَصَبٍ، وَلا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حُزْنٍ حَتَّى الْهُمّ يَهُمُّهُ إِلَاّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة وحده.
30 -
وفي رواية له: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُشَاكُ بِشَوْكَةٍ في الدُّنْيَا يَحْتَسِبُهَا إِلَاّ قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[النصب]: التعب.
[الوصب]: المرض.
(1) يمتحن ويختبر مقدار جلده وصبره، وهو سبحانه عالم به.
31 -
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، وَطَبِيبٌ يُعَالِجُ قَرْحَةً في ظَهْرِهِ وَهُوَ يَتَضَرَّرُ فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ بَعْضُ شَبَابِنَا فَعَلَ هذَا لَعِبْنَا ذلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي لا أَجِدُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَىً (1) مِنْ جَسَدِهِ، إِلَاّ كَانَ كَفَّارَةً لِخَطَايَاهُ (2). رواه ابن أبي الدنيا، وروى المرفوع منه أحمد بإِسناده رواتُه محتج بهم في الصحيح إلا أنه قال:
ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه من سيئاته
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤذِيهِ إِلَاّ كَفَّرَ اللهُ بِهِ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ. ورواه الطبراني، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
32 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَاّ كَفَّرَ اللهُ عَنْهُ بِهَا، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُّهَا. رواه البخاري ومسلم.
33 -
وفي رواية مسلم: لا يُصِيبُ الْمُؤْمِنُ شَوْكَةٌ (3) فَمَا فَوْقَهَا إِلَاّ نَقَصَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ.
وفي أخرى: إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً.
34 -
وفي أخرى له قال: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهِيَ بِمِنَىً، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلانٌ خَرَّ عَلى طنُبِ (4) فُسْطَاطٍ
(1) مرض.
(2)
ماحياً لذنوبه.
(3)
قال النووي: أي يصيبه أي ألم ولو مثل الشوكة في الصغر فله حسنات وتكفير الذنوب، وفيه بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض، والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها، والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من عند الله تعالى ليتم له الخير ويضاعف لهم الأجر، والكافر لا يكون كذلك أهـ ص 438 جـ 2 مختار الإمام مسلم.
(4)
في ن ط لهب شدة اشتعال الخيمة التي يستظل الناس بها، وفي رواية مسلم وع ص 383 - 2 خر على طنب فسطاط. قال النووي هو الحبل الذي يشد به الفسطاط، وهو الخباء مثل الخيمة ونحوه: وفيه النهي عن الضحك =
فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ بِشَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلاّ كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ.
35 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ في نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تَعَالى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
36 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ بِمَالِهِ أَوْ في نَفْسِهِ فَكَتَمَها وَلَمْ يَشْكُهَا إِلى النَّاسِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ. رواه الطبراني، ولا بأس بإسناده.
37 -
وَرُوِيَ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَجَرَةً فَهَزَّهَا حَتَّى تَسَاقَطَ وَرَقُهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتسَاقَطَ، ثُمَّ قالَ: لَلْمُصِبَاتُ والأَوْجَاعُ أَسْرَعُ في ذُنُوبِ ابْنِ آَدَمَ مِنِّي في هذِهِ الشَّجَرَةِ. رواه ابن أبي الدنيا وأبو يعلى.
38 -
وَرُوِيَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: عَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَأَكَبَّ (1) عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَا غَمَضْتُ مُنْذُ سِبْعٍ، وَلَا أَحَدٌ يَحْضُرُنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيْ أَخِي اصْبِرْ أَيْ أَخِي اصْبِرْ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ ذُنُوبِكَ كَمَا دَخَلْتَ فِيهَا. قالَ: وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سَاعَاتُ الأَمْرَاضِ يُذْهِبْنَ سَاعَاتِ الْخَطَايَا (2). رواه ابن أبي الدنيا.
39 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا وَصَبٍ حَتَّى الْهَمّ يَهُمُّه (3)
= على مثل هذا إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه، وأما تعمده فمذموم، لأن فيه إشماتاً بالمسلم وكسراً لقلبه أهـ.
(1)
أقبل ولازمه.
(2)
أزمان المحن والأسقام تزيل أخطاء المعاصي.
(3)
يدركه الغم والكدر لم يظهر ضجره لمخلوق مثله.
إِلَاّ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ. رواه ابن أبي الدنيا والترمذي وقال: حديث حسن.
40 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: وَصَبُ (1) الْمؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَاهُ. رواه ابن أبي الدنيا، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
41 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا (2) ابْتَلاهُ اللهُ بِالحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ. رواه أحمد، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم.
42 -
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِذَا اشْتَكَى الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ (3) أَخْلَصَهُ اللهُ مِنَ الذُّنُوبِ كَما يُخَلِّصُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني واللفظ له، وابن حبان في صحيحه.
43 -
وَعَنْ عَطاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ إِنِّي أُصْرَعُ (4) وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ (5)، فَادْعُ الله لِي، قالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ (6)، فَقالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فادْعُ اللهَ لي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. رواه البخاري ومسلم.
(1) دوام الوجع ولزومه، وقد يطلق الوصب على التعب والفتور في البدن أهـ نهاية.
(2)
يمحوها.
(3)
اشتكى المؤمن كذا ط وع ص 384 - 2، وفي ن د: العبد المؤمن يطهره الله من الذنوب كما يطهر كير الحداد خبث الحديد وينقيه. وفي النهاية كما ينفي الكير. الخبث هو ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا أهـ.
(4)
أمرض بمرض عصبي. قال في المصباح: الصرع داء يشبه الجنون.
(5)
أستيقظ منه فينجلي عني بعد مدة. قال النووي: دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب أهـ ص 441.
يعطي النبي صلى الله عليه وسلم درساً عملياً لمن مرض مرضاً أعيا نطس الأطباء أن يتصبر، ويتكلف التحمل رجاء الثواب الجزيل، وهنا ننحني باللائمة على من يقتل نفسه انتحاراً فراراً من عاهة أو كربة.
(6)
لما رأت من كثرة ثواب هذا المرض اشتاقت إلى ما عند الله تعالى وطلبت منه إبقاءه، يقال كشفته فانكشف.
44 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِهَا لَمَمٌ (1) إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ لِي فَقَالَ: إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكِ، وَإِنْ شِئتِ صَبَرْتِ وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ؟ قالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ. رواه البزّار وابن حبان في صحيحه.
45 -
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ لأَصْحَابِهِ: أَتُحِبُّونَ أَنْ لَا تَمْرَضُوا؟ قالُوا: وَاللهِ إِنَّا لَنُحِبُّ الْعَافِيَةَ (2) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَمَا خَيْرُ أَحَدِكُمْ أَنْ لا يَذْكُرَهُ اللهُ (3).
رواه ابن أبي الدنيا، وفي إسناده إسحاق بن محمد الفرويّ.
ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة
46 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا ضَرَبَ عَلَى مُؤْمِنٍ عِرْقٌ (4) قَطُّ إِلَاّ حَطَّ اللهُ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط بإسناد حسن واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
(1) مقاربة المعصية ويعبر به عن الصغيرة، ويقال فلان يفعل كذا لمما: أي حيناً بعد حين، وكذلك قوله تعالى [الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم] من سورة النجم.
وهو من قولك ألممت بكذا: أي نزلت به وقاربته من غير مواقعه أهـ نهاية.
كأن ما أصابها خفف حسابها وأزال عقابها واختارت المرض لأنه يكفر ما اقترفته.
(2)
الصحة الشاملة.
(3)
ليس فضل أحدكم عدم ذكر الله له في إدخال المرض عليه كما قال تعالى:
أ -[وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154)] من سورة آل عمران.
ب -[وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179)] من سورة آل عمران.
جـ - وقال تعالى: [وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186)] من سورة آل عمران.
د - وقال تعالى: [ذلك تخفيف من ربكم ورحمة] من سورة البقرة.
هـ - وقال تعالى: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] من سورة البقرة.
و- وقال تعالى: [وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى (82)] من سورة طه.
ز - وقال تعالى: [يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59)] من سورة العنكبوت.
(4)
ما اشتد ألم عرق ينبض في الجسم إلا أزال الله بقدر هذا الأمل ذنباً وأثبت حسنة وأعلاه درجة في الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم "وإن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".
إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحا
47 -
وَعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ (1) أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً (2).
رواه البخاري وأبو داود.
48 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُصَابُ بِبلاءٍ في جَسَدِهِ إِلَاّ أَمَرَ اللهُ عز وجل الملائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ قالَ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا كَانَ يَعْمَلُ مِنْ خَيْرٍ مَا كَانَ في وَثَاقِي. رواه أحمد واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
49 -
وفي رواية لأحمد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ (3):
اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ
(1) المؤمن وكان يعمل عملاً قبل مرضه ومنعه المرض، ونيته لولا المانع مداومته عليه، أو سافر سفر طاعته ومنعه السفر من عمل الطاعات.
(2)
الله تعالى يتكرم فيعطي المريض أو المسافر ثواب الذي كان يعمله سابقاً تفضلاً وتكرماً، وحمل ابن بطال كما في القسطلاني الحكم على النوافل لا الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض، وتعقبه ابن المنير بأنه تحجر واسعا، تدخل فيه الفرائض التي شأنها أن يعمل بها، وهو صحيح، فإذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه فعلاً لأنه قام به عزماً أن لو كان صحيحاً حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يكتب له عنها أجر صلاة القائم أهـ ص 133 جواهر البخاري.
فيه أن العاقل ينتهز فرصة صحته وفراغه ويكثر من العبادة وذكر الله رجاء استدرار فضل الله ورحماته كل وقت [ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4)] من سورة الجمعة.
(3)
المتلقي الإنسان المرافق له الملازم يمينه كما قال تعالى: [ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22)] من سورة ق.
الوسوسة: الصوت الخفي وما يخطر بباله ويهجس في ضميره من حديث النفس (أقرب إليه) مثل في فرط القرب. والتلقي التلقن بالحفظ والكتابة. والقعيد المقاعد، وحكمة العليم البصير المطلع عل أخفى الخفيات كما قال النسفي زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات أهـ.
حلم وفضل من القادر أن يجعل للإنسان حفيظاً رقيباً رجاء أن يرتدع أو ينزجر فيكثر من الصالحات.
(رقيب) حافظ (عتيد) حاضر يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه (تحيد) تنفر وتهرب (سائق وشهيد) ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله (غطاءك) فأزلنا غفلتك أيها الإنسان بما تشاهده واستيقظ وانظر نتيجة أعمالك في الدنيا.
إذَا كَانَ طَلِيقاً حَتَّى أُطْلِقَهُ (1) أَوْ أَكْفِتَهُ إِلَيَّ. وإسناده حسن.
[قوله: أكفته إليّ] بكاف ثم فاء ثم تاء مثناة فوق: معناه أضمه إليَّ وأقبضه.
50 -
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا ابْتَلَى اللهُ عز وجل الْعَبْدَ المسْلِمَ بِبِلاءٍ في جَسَدِهِ، قالَ اللهُ عز وجل لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَإِنْ شَفَاهُ (2) غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ. رواه أحمد، ورواتُه ثقات.
ما من عبد يمرض مرضاً إلا أمر الله حافظه الحديث
51 -
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ عَبْدٍ يَمْرَضُ مَرَضاً إِلَاّ أَمَرَ اللهُ حَافِظَهُ (3) أَنَّ مَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَلا يَكْتُبُهَا، وَمَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ أَنْ يَكْتُبُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا كَانَ يَعْمَلُ (4) وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ. رواه أبو يَعْلَى وابن أبي الدنيا.
52 -
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجَبٌ (5) لِلْمُؤْمِنِ وَجَزَعِهِ مِنَ السَّقَمِ، وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ مَا لَهُ مِنَ السَّقَمِ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ سَقِيماً الدَّهْرَ (6)، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّمَاءِ فَضَحِكَ
(1) أشفيه وأمد في عمره فيخرج سليماً معافى.
(2)
إن برئ نقاه مرضه وأزال خطاياه، فالله تعالى يريد الخير لعباده، فليستبشر المريض بزيادة الأجر وغفران الذنوب وتبييض صحيفته، قال تعالى:
أ -[إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90)] من سورة يوسف.
ب -[واصبر وما صبرك إلا بالله] من سورة النحل.
جـ -[فاصبر إن وعد الله حق] من سورة الروم.
د -[إنما أشكو بثي وحزني إلى الله] من سورة يوسف.
هـ -[وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107)] من سورة يونس.
(3)
المرافقين له.
(4)
يتفضل الله عليه تعالى فيثيبه مثل ما كان يعمل في الزمن الماضي، والذي منعه الآن مرضه.
(5)
تعجب واستعجاب وغرابة واندهاش لحالة المؤمن التقي وخوفه من المرض، ومعناه الإنكار والذم لمن يحصل منه فزع.
(6)
اختار أن يمرض طول عمره.
فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ مِمَّ رَفَعْتَ رَأْسَكَ إِلى السَّمَاءِ (1) فَضَحِكْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجِبْتُ مِنْ مَلَكَيْنِ كَانَا يَلْتَمِسَانِ عَبْداً في مُصَلَّى كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلَمْ يَجِدَاهُ فَرَجَعَا فَقَالا: يَا رَبّنَا عَبْدُكَ فُلانٌ كُنَّا نَكْتُبُ لَهُ في يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ فَوَجَدْنَاهُ حَبَسْتَهُ في حِبَالِكَ (2)
قالَ اللهُ تبارك وتعالى: اكْتُبُوا لِعَبْدِي عَمَلَهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ في يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ، وَلَا تَنْقُصُوا مِنْهُ شَيْئاً، وَعَلَيَّ أَجْرُهُ مَا حَبَسْتُهُ، وَلَهُ أَجْرُ مَا كَانَ يَعْمَلُ. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط والبزار باختصار.
بيان أن الله يكفر سيئات المريض ويحط عنه الخطايا
53 -
وَعَنْ أَبي الأَشْعَثِ الصِّنْعَانِيِّ أَنَّهُ راحَ إِلى مَسْجِدِ دِمِشْقَ، وَهَجَّرَ الرَّوَاحَ، فَلَقِيَ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ وَالصُّنَابِحِيُّ مَعَهُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدَانِ يَرْحَمُكُمَا اللهُ تَعَالَى؟ فَقالَا: نُرِيدُ ههُنَا إِلى أَخٍ لَنَا مِنْ مُضَرَ نَعُودُهُ، فانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا حَتّى دَخَلَا عَلَى ذلِكَ الرَّجُلِ فَقَالا لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ، فَقَالَ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ وَحَطِّ الخطَايَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِذَا ابْتَلَيْتُ (3) عَبْداً مِنْ عِبَادِي مُؤْمِناً (4).
(1) مم رفعت رأسك، كذا د وع ص 385 - 2، وفي ن ط: حذف رأسك.
(2)
منعه المرض، كناية عن وجوده في شراك المرض. وفي النهاية ومنه حديث دعاء الجنازة:"اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك" من الإجارة والأمان والنصرة، ومنه الحديث "بيننا وبين القوم حبال": أي عهود ومواثيق، وكتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض: أي نور ممدود، يعني نور هداه أهـ.
فكأن المرض وصلة بين العبد وربه ومنحة وتطهير ونقية، ودليل محبة من الله جل وعلا، ليرضى المسلمون بحلول الأسقام ولا ينزعجوا ولا يتألموا ولا يئنوا. فالنعمة والمال والصحة وزيادة العلو في الدنيا امتحان للإنسان كما قال تعالى:[وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم] آخر سورة الأنعام.
(خلائف) يخلف بعضكم بعضاً، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها، على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السالفة على أن الخطاب للمؤمنين أهـ بيضاوي.
وقال النسفي: خلائف، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم، أو لأن بعضهم يخلف بعضاً أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها، فوق بعض في الشرف والرزق وغير ذلك ليختبركم فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال، وكيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والغني بالفقير والمالك بالمملوك أهـ.
أتيت بهذه الآية لأستدل على أن المرض نعمة تطهيرا للسيئات كما قال صلى الله عليه وسلم ولأرجو أن يصير المسلم ليزداد فضل الله عليه فيرحمه ويحسن إليه.
(3)
اختبرته بحلول سقم بجسمه.
(4)
مصدقاً بوجودي منقاداً لفعلي ومطيعاً ومثنياً علي شاكرا.
فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ فَأَجْرُوا لَهُ كما كُنْتُمْ (1) تُجْرُونَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ. رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش عن راشد الصِّنعاني، والطبراني في الكبير والأوسط، وله شواهد كثيرة.
54 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي الْمُؤْمِنَ فَلَمْ يَشْكُنِي إِلى عُوَّادِهِ (2) أَطْلَقْتُهُ مِنْ إِسَارِي (3)، ثُمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ، ثُمُّ يَسْتَأْنِفُ (4) الْعَمَلَ. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
55 -
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا يَمْرَضُ مُؤْمِنٌ (5)
وَلَا مُؤْمِنَةٌ، وَلَا مُسْلِمٌ وَلَا مُسْلِمَةٌ (6).
(1) فأجروا له كما كنتم: أي فاكتبوا له ثواب ما كان يعمل سابقاً قبل مرضه هذا، كذا ط وع ص 385 - 2 وفي ن د: فأجروا له ما كنتم، وقوله صلى الله عليه وسلم (مؤمناً) يخرج الكافر فلا ثواب له في مرضه، وفي الحديث الذي بعده: عبدي المؤمن: أي المتصف بالإيمان المنقاد المستبشر بالخير.
(2)
فلم يتألم أمام زواره.
(3)
أسري وقوتي. وفي النهاية، ومنه حديث الدعاء "فأصبح طليق عفوك من إسار غضبك"الإسار بالكسر مصدر أسرته أسراً وإساراً، والإسر القوة والحبس، ومنه سمي الأسير أهـ أي مننت عليه بالعفو وأخرجته من مرضه الحابس معافى سليماً صحيح الجسم. ثم بعثت له نضارة الصحة.
(4)
يبتدئ عمله بفتوة وقوة، قال الأزهري: استأنفت الشيء إذا ابتدأته.
(5)
الحائز صفات ثلاثة:
أ - التصديق بقلبه أن الله واحد.
ب - الإقرار بلسانه.
جـ - العامل بجوارحه بالكتاب والسنة، فلو أقر وعمل على غير علم منه، ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن، وذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق، قال تعالى:[إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4)] من سورة الأنفال.
وقيل المؤمن المنصف بالقول والعمل، وهذا مذهب أهل السنة.
(6)
المستسلم لأحكام الشرع المنقاد لأوامر الله تعالى العامل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره أهـ وجاء سيدنا جبريل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ بيان لأصلهما:
أ - التصديق بالباطن.
ب - الاستسلام والانقياد الظاهر. =
إِلَاّ حَطَّ اللهُ (1) بِهِ خَطِيْئَتَهُ، وفي رواية: إِلَاّ حَطَّ اللهُ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ. رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال:
إِلَاّ حَطَّ اللهُ بِذَلِكَ خَطَايَاهُ كما تَنْحَطُّ (2) الْوَرَقَةُ عَنِ الشَّجَرَةِ.
56 -
وَعَنْ أَسَدِ بْنِ كُرْزٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: المرِيضُ تَحَاتُّ (3) خَطَايَاهُ كما يَتَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ. رواه عبد الله بن أحمد في زوائده وابن أبي الدنيا بإسناد حسن.
57 -
وَعَنْ أُمِّ الْعَلاءِ، وَهِيَ عَمَّةُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ رضي الله عنها، قالَتْ: عَادَنِي (4) رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْعَلاءِ، أَبْشِرِي، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ كما تُذْهِبُ النَّارُ (5) خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالْفِضة. رواه أبو داود.
58 -
وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ أَخِي الْخَضِرِ رضي الله عنه، قالَ أَبُو دَاوُدَ، قال النُّفَيْليُّ هُوَ الْخَضِرُ وَلكِنْ كَذَا قالَ: قالَ إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ (6) فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ قالُوا: هذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ (7) وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأَسْقَامَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ، ثُمَّ أَعْفَاهُ اللهُ مِنْهُ كانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَان
= وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله في قوله صلى الله عليه وسلم "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته .. الخ. والإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة .. الخ" أهـ ص 148 شرح النووي.
بعنوان كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً.
(1)
محا ذنوبه.
(2)
تسقط.
(3)
تحات أي تتساقط.
(4)
زارني، يقال عدت المريض عيادة.
(5)
ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس إذا أذيبا، والمعنى يصهر المرض النفس وينقيها من أدران المعاصي ويطهرها من النجاسات ويزيل منها كل رديء.
(6)
أعلام، جمع لواء.
(7)
فرش له رداء.
كالْبَعِيرِ عَقَلَهُ (1) أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ (2) فَلمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ (3) فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الأَسْقَامُ، وَاللهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ؟ قالَ: قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا (4). رواه أبو داود، وفي إسناده راوٍ لم يسمّ.
59 -
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (5)] فَقَالَ: إِنَّا لَنُجْزَى بِكُلِّ مَا عَمِلْنَا هَلَكْنَا إذاً، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: نَعَمْ يُجْزَى بِهِ في الدُّنْيَا مِنْ مُصِيبَةٍ في جَسَدِهِ مِمَّا يُؤْذِيهِ. رواه ابن حبان في صحيحه.
60 -
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (6)] الآية، وَكُلُّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ اللّأْوَاءُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. قالَ: هُوَ مَا تُجْزَوْن بِهِ. رواه ابن حبان في صحيحه أيضاً.
[واللَّأْوَاء] بهمزة ساكنة بعد اللام وهمزة في آخره ممدودة: هي شدة الضيق.
61 -
وَعَنْ أُمَيْمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ هذِهِ الآيَةِ: [وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ (7)] الآيَةَ، وَ [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاَ يُجْزَ بِهِ] فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ
(1) قيده.
(2)
أطلقوه وفكوا أغلاله.
(3)
لأي شيء وضعوه في قيد لحبسه.
(4)
لست على طريقتنا الكاملة التي يختارها الله تعالى إذ أنه لم يختبر بمرض.
(5)
تمام الآية [ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (104)] من سورة النساء.
قال البيضاوي: أي ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب، وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح أهـ.
(6)
عاجلاً أو آجلاً.
(7)
[لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284)] من سورة البقرة.
العالم ملك لله والله يعلم كل شيء (يحاسبكم) يكافئكم ويجازيكم فلا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه.
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ هذِهِ مُبَايَعَةُ اللهِ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى والْنَّكْبَةِ والشَّوْكَةِ حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا في كُمِّهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا فَيَجِدُهَا في ضِبْنِهِ حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ الذّهَبُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ (1). رواه ابن أبي الدنيا من رواية علي بن يزيدَ عنه.
[الضِّبن] بضاد معجمة مكسورة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون: هو ما بين الإبط والكشح، وقد أضبنت الشيء: إذا جعلته في ضِبْنِك فأمسكتَه.
62 -
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ (2) فَقَالَ: انْظُرُوا مَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ (3)، فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاؤُوهُ حَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلى اللهِ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ (4) أَنْ أُبْدِلَهُ لَحْماً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ. رواه مالك مُرسَلا، وابن أبي الدنيا، وعنده:
فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: إِنّ لِعَبْدِي هذَا عَلَيَّ إِنْ أَنَا تَوَفَّيْتُهُ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا رَفَعْتُهُ أَنْ أُبَدِّلَهُ لَحْمَاً خَيْراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً خَيْراً مِنْ دَمِهِ، وَأَغْفِرَ لَهُ.
63 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَسَسْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوعَكُ (5) وَعْكاً شَدِيداً؟ فَقَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ بِأَنَّ لَكَ (6) أَجْرِيْنِ؟ قالَ: أَجَلْ (7) مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيْبُهُ أَذَىً مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلاّ حَطّ اللهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشّجَرَةُ وَرَقَهَا. رواه البخاري ومسلم.
(1) زق الحداد الذي ينفخ به في النار ليصهر المعادن ويذيبها ويزيل رديئها ووحشها فيخرج الإنسان من المرض نقي الصحيفة كالذهب الخالص من الحثالة.
(2)
من ملائكة الرحمة رسل الخير.
(3)
زواره.
(4)
أعطيه صحة تامة، فلا يخرج المريض إلا بخير على كل حال:
أ - إما صحة وحياة.
ب - وإما مغفرة ودخول الجنة.
(5)
تصيبك حرارة الحمى وإصابة بالغة نهاية الألم.
(6)
بأن لك كذا د وع ص 387 - 2 وفي ن ط: بأن لكم أي ثوابين.
(7)
نعم.
64 -
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ هذِهِ الأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَا لَنَا بِها (1)؟ قالَ: كَفَّارَاتٌ (2). قالَ أُبَيُّ يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنْ قَلَّتْ؟ قالَ: وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَدَعَا عَلَى نَفْسِهِ (3) أَنْ لَا يُفَارِقَهُ الْوَعَكُ حَتَّى يَمُوتَ، وَأَنْ لَا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا جِهَادٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَلَا صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ في جَمَاعَةٍ، قالَ: فَمَا مَسَّ إِنْسَانٌ جَسَدَهُ إِلَاّ وَجَدَ حَرَّهَا حَتَّى مَاتَ.
رواه أحمد وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه.
[الوعك]: الحمى.
65 -
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ الصُّدَاعَ والْمَلِيلَةَ لَا تَزَالُ بالْمُؤْمِنِ، وَإِنَّ ذَنْبَهُ مِثْلُ أُحُدٍ (4) فَمَا تَدَعُهُ (5) وَعَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.
ما يزال المرء المسلم به المليلة والصداع الحديث
66 -
وفي رواية: مَا يَزالُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بِهِ الْمَلِيلَةُ والصُّدَاعُ، وَإِنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا لأَعْظَمَ مِنْ أُحُدٍ حَتَّى تَتْرُكَهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. رواه أحمد واللفظ له وابن أبي الدنيا والطبراني، وفيه ابن لهيعة وسهل بن معاذ.
(1) أي شيء يصيبنا بها؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم أن الأمراض مزيلة للذنوب ومطهرة من العيوب، ومفرجة الكروب.
(2)
كفارات، المفردة كفارة، وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة: أي تسترها وتمحوها، وهي فعالة للمبالغة كقتالة وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الإسمية أهـ نهاية.
(3)
رأى ذلك الرجل ثواب وجود الحمى في جسمه فطلب من الله إبقاءها، وإعانته على أفعال البر وأن لا تمنعه عن:
أ - الحج.
ب - الجهاد.
جـ - أداء الفرائض في جماعة.
هكذا يكون الإيمان بالله، والتحلي بلباس التقوى، يستقبل المرض مع طلب الاستعانة من الله على أداء العبادات كاملة.
(4)
لو قدر وزنها لساوت جبل أحد بمكة.
(5)
فما تتركه إلا وهرت صحيفته من كل الأخطاء وتنقى فلا يبقى شيء قليل يساوي ذرة من حب الخردل من الذنوب.
[المليلة] بفتح الميم بعدها لام مكسورة: هي الحمى تكون في العظم.
67 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَزَالُ الْمَلِيلَةُ وَالصُّدَاعُ بِالْعَبْدِ والأَمَةِ، وَإِنَّ عَلَيْهِمَا مِنَ الْخَطَايَا مِثْلَ أُحُدٍ فَمَا تَدْعُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ. رواه أبو يعلى ورواتُه ثقات.
68 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ صُدِعَ رَأْسُهُ في سَبِيلِ اللهِ فاحْتَسَبَ (1) غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ. رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن.
69 -
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: صُدَاعُ (2) الْمُؤْمِنِ وَشَوْكَةٌ يُشَاكُهَا، أَوْ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَرَجَةً، وَيُكَفِّرُ عَنْهُ بِهَا ذُنُوبَهُ. رواه ابن أبي الدنيا، ورواتُه ثقات.
إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفر ذلك عنه كل ذنب
70 -
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ لَيَبْتَلِي (3) عَبْدَهُ بِالسَّقَمِ (4) حَتَّى يُكَفِّرَ ذَلِكَ عَنْهُ كُلَّ ذَنْبٍ. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
71 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ الرَّبَّ سبحانه وتعالى يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لَا أُخْرِجُ أَحَداً مِنَ الدُّنْيَا أُرِيدُ أَغْفِرُ لَهُ حَتّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ خَطِيئَةٍ في عُنُقِهِ بِسَقَمٍ في بَدَنِهِ، وَإِقْتَارٍ (5) في رِزْقِهِ. ذكره رُزَين، ولم أره.
72 -
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً جَاءَهُ الْمَوْتُ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئاً لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ (6) بِمَرَضٍ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
(1) طلب الثواب من الله جل وعلا وصبر، أزال الله جميع خطاياه السابقة التي اقترفها قبل مرضه.
(2)
مرض في الدماغ.
(3)
ليختبر صبره ويمتحن خلقه.
(4)
المرض، ومنه قول سيدنا إبراهيم الخليل "إني سقيم".
(5)
تضييق. أخبر صلى الله عليه وسلم أن المرض والفقر عاملان هادمان يبيدان الذنوب. فليرض الفقير بحاله فصحيفته طاهرة نقية من الخطايا التي تحسب على الأغنياء.
(6)
ولم يختبر بسقم.
عليه وسلم: وَيْحَكَ (1) مَا يُدْرِيكَ (2) لَوْ أَنَّ اللهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ يُكَفِّرُ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ. رواه مالك عنه مرسَلاً.
73 -
وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُصْرَعُ صَرْعَةً مِنْ مَرَضٍ إِلاّ بَعَثَهُ اللهُ مِنْهَا طَاهِرَاً. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير، ورواتُه ثقات.
74 -
وَعَنْ جَابِرٍ، رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟ قالَتِ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَما يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. رواه مسلم.
[تزفزفين] روي براءين وبزاءين، ومعناهما متقارب: وهو الرِّعدة التي تحصل للمحموم.
إن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه الحديث
75 -
وَعَنْ أُمِّ الْعَلاءِ رضي الله عنها قالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ كما تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ. رواه أبو داود.
76 -
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ حِينَ يُصِيبُهُ الْوَعَكُ والْحُمَّى كَحَدِيدَةٍ تَدْخُلُ النَّارَ فَيَذْهَبُ خَبَثُهَا وَيَبْقَى طِيبُهَا (3). رواه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد.
77 -
وَعَنْ فَاطِمَةَ الْخُزَاعِيَّةِ رضي الله عنها قالَتْ: عَادَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَهِيَ وَجِعَةٌ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ فَقَالَتْ: بِخَيْرٍ إِلَاّ أَنَّ أُمَّ مِلْدَامٍ قَدْ بَرَحَتْ بِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اصْبِرِي، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَبَثَ ابْنِ آدَمَ
(1) كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر أهـ نهاية.
(2)
ما يعلمك أن المرض كان خيراً له لو أصابه.
(3)
كما أن النار تصهر المعادن وتذيبها وتزيل رديئها كذلك المرض يشتد على الجسم، فتكرم الله تعالى بإزالة الذنوب التي اكتسبها أيام الصحة. إذن المرض نعمة لا نقمة يسر به المؤمن تطهيراً له وتنظيفاً من أدران المعاصي.
كما يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح.
إن الله ليكفر عن المسلم خطاياه بحمى ليلة
78 -
وَعَنِ الْحَسَنِ رضي الله عنه رَفَعَهُ، قالَ: إِنَّ اللهَ لَيُكَفِّرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ خَطَايَاهُ كلَّهَا بِحُمَّى لَيلَةٍ. رواه ابن أبي الدنيا من رواية ابن المبارك عن عمر بن المغيرة الصنعاني عن حوشب عنه، وقال: قال ابن المبارك: هذا من جيد الحديث.
79 -
وَعَنْهُ رضي الله عنه قالَ: كَانُوا يَرْجُونَ في حُمَّى لَيلَةٍ (1) كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ. رواه ابن أبي الدنيا أيضاً، ورواته ثقات.
80 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ وُعِكَ لَيْلَةً (2) فَصَبَرَ وَرَضِيَ بِهَا عَنِ اللهِ عز وجل خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمَّهُ. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الرضا وغيره.
81 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ هذِهِ؟ قالَتْ: أُمُّ مِلْدَمٍ (3)، فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ، فَلَقَوْا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللهُ، فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شِئْتُمْ (4)؟ إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللهَ فَكَشَفَهَا عَنْكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُوراً (5)؟ قالُوا: أَوَ تَفْعَلُ (6)؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: فَدَعْهَا (7). رواه أحمد، ورواتُه رواة الصحيح، وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه، ورواه الطبراني بنحوه من حديث سلمان، وقال فيه:
فَشَكَوُا الْحُمَّى إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا شِئْتُمْ؟ إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللهَ فَدَفَعَهَا عَنْكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُمُوهَا وَأَسْقَطَتْ بَقِيَّةَ ذُنُوبِكُمْ؟ قالُوا: فَدَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ.
(1) مدة وجودها ليلة تزيل ذنوب ما سبق.
(2)
أصابته الحمى طيلة ليلة فلم يتألم ولم يشك ولم يضجر.
(3)
اسم الحمى.
(4)
أي شيء تريدونه؟
(5)
آلة تطهير وتنظيف من الذنوب.
(6)
أو تفعل، كذا د وع ص 389 - 2 وفي ن ط أو تفعله. فاختاروا رضي الله عنهم إبقاءها لتكون مطهرة لهم ومنقية ومذهبة الخطايا.
(7)
فاتركها اعتماداً على الله وتفويض الأمور إليه.
82 -
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ مَا جَزَاءُ الحُمَّى؟ قالَ: تَجْرِي الْحَسَنَاتُ عَلَى صَاحِبِهَا مَا اخْتَلَجَ (1) عَلَيْهِ قَدَمٌ أَوْ ضَرَبَ عَلَيْهِ عِرْقٌ. قالَ أُبَيُّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمَّى لَا تَمْنَعُنِي خُرُوجاً في سَبِيلِكَ وَلَا خُرُوجَاً إِلى بَيْتِكَ، وَلَا مَسْجِدِ نَبِيِّكَ. قالَ: فَلَمْ يُمَسَّ أُبَيٌّ قَطُّ إِلَاّ وَبِهِ حُمَّى. رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وسندُه لا بأس به. محمد وأبوه ذكرهما ابن حبان في الثقات وتقدم حديث أبي سعيد بقصة أبيّ أيضاً.
83 -
وَعَنْ أَبي رَيْحَانَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ (2)
جَهَنَّمَ، وَهِيَ نَصِيبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني كلاهما من رواية شهر بن حوشب عنه.
84 -
وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قالَ: الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنّمَ فَمَا أَصَابَ الْمُؤْمِنَ مِنْهَا كَانَ حَظَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ. رواه أحمد بإسناد لا بأس به.
85 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: الْحُمَّى حَظ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ. رواه البزار بإِسناد حسن.
(1) تحرك واضطرب: أي تنال الحسنات ويدرك الأجر من الله تعالى مدة وجود ألم في الجسم ففرح أبي بذلك وطلب من الله تعالى إبقاء الألم في جسمه رجاء كسب الثواب على شريطة أن لا يعوقه عن الجهاد في حرب أعداء الدين أو يمنعه عن أداء فريضة الحج أو يعوقه عن صلاة الجماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بخ بخ يتمنى أُبي رضي الله عنه وجود مرض جالب لسمو الدرجات مع إعانة الله تعالى على تشييد الصالحات: أي يتمنى مرضاً خفيفاً لطيفاً لا يحول بينه وبين أعمال الصالحين المجاهدين المتقين.
(2)
سطوع الحر وفورانه. فاحت القدر تفوح وتفيح: إذا غلت، وقد أخرجه مخرج التمثيل والتشبيه: أي كأنه نار جهنم في حرها أهـ نهاية.
يتكرم الله تعالى على عبده الصالح في حياته أن يدرك حرارة مرض الحمى، وهو حظه الذي قدر له من جهنم كما قال تعالى:[وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً (71) ثم ننجي الذين اتقوا وننذر الظالمين فيها جثياً (72) من سورة مريم]
وفي الآخرة يمر على طريقها مر الكرام ويبعد الله عنه لهبها. قال النسفي: وعند علي وابن عباس رضي الله عنهم واردها داخلها والمراد النار، ولقوله عليه الصلاة والسلام: الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، وتقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فإن نورك أطفأ لهبي، وعن الحسن وقتادة، الورود: المرور على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار: هو مس الحمى جسده في الدنيا لقوله عليه الصلاة والسلام "الحمى حظ كل =
فصل
86 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ عز وجل قالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي (1) بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ. رواه البخاري والترمذي ولفظه:
قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الله عز وجل: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْ عَبْدِي فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزَاءٌ عِنْدِي إِلَاّ الْجَنَّةَ.
87 -
وفي رواية له: مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ.
88 -
وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَعْنِي عَنْ رَبِّهِ تبارك وتعالى أَنَّهُ قالَ: إِذَا سَلَبْتُ مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ إِذْ هُوَ حَمِدَنِي (2) عَلَيْهِمَا. رواه ابن حبان في صحيحه.
عزيز على الله أن يأخذ كريمتي مؤمن ثم يدخله النار
89 -
وَعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَزِيزٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَأْخُذَ كَرِيمَتِيْ مُؤْمِنٍ ثُمَّ يُدْخِلَهُ النَّارَ. قالَ يُونُسُ: يَعْنِي عَيْنَيْهِ. رواه أحمد والطبراني من رواية عبد الرحمن بن عثمان الحاطبيّ.
90 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:
= مؤمن من النار" وقال رجل من الصحابة لآخر: أيقنت بالورود؟ قال نعم، وأيقنت بالصدر، قال لا، ففيم الضحك وفيم التثاقل؟ أهـ ص 33 جـ 3.
(1)
قال القسطلاني عبدي: أي المؤمن، بمحبوبتيه: أي عينيه لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه، والجنة أعظم العوض، لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها أهـ ص 258 جواهر البخاري.
يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرض بعينيه فزال نورهما بنعيم دائم وعز مقيم، وأن الله تعالى اختار له الأصلح والأحسن والفوز بدخول الجنة، فليصبر وليحتسب وليرض ليدرك هذا الأجر.
(2)
شكر فعلي هذا ورضي وسبح واستغفر وأكثر من الطاعة: أي إذا قرن فقد عيني العبد برضاه وعدم سخطه وشكر ربه عوضه الله خيراً منهما بالجنة، ففيه الترغيب باستقبال المرض بالصبر وتحمل ألمه، والترهيب من الضجر والسآمة والملل والصخب والشكوى والسخط خشية حصول المرض، ووقوعه بلا أجر فيخسر المريض دنياه وآخرته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لَا يَذْهَبُ اللهُ بِحَبِيبَتَيْ عَبْدٍ فَيَصْبِرَ وَيَحْتَسِبَ إِلَاّ أَدْخلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ. رواه ابن حبان في صحيحه.
91 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ اللهُ: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَي عَبْدِي فَصَبَرَ واحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ. رواه أبو يعلى، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه.
92 -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا ابْتُلِيَ عَبْدٌ بَعْدَ ذَهَابِ دِينِهِ بِأَشَدَّ مِنْ ذَهَابِ بَصَرِهِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِبَصَرِهِ فَصَبَرَ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، لَقِيَ اللهَ تبارك وتعالى وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ. رواه البزار من رواية جابر الْجُعْفي.
93 -
وَعَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَنْ يُبْتَلَى عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ باللهِ، وَلَنْ يُبْتَلَى عَبْدٌ بِشَيْءٍ بَعْدَ الشِّرْكِ باللهِ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَهَابِ بَصَرِهِ، وَلَنْ يُبْتَلَى عَبْدٌ بِذَهَابِ بَصَرِهِ إِلَاّ غَفَرَ اللهُ لَهُ. رواه البزّار من رواية جابر أيضاً.
94 -
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَذْهَبَ اللهُ بَصَرَهُ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ كانَ حَقّاً عَلَى اللهِ وَاجِباً أَنْ لَا تَرَى عَيْنَاهُ النَّارَ. رواه الطبراني في الصغير والأوسط.
95 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ جِبْرِيلَ عليه السلام عَنْ رَبِّهِ تبارك وتعالى قالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا ثَوَابُ عَبْدِي إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْهِ (1) إِلَاّ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِي (2) وَالْجِوَارَ في دَارِي (3). قالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْكُونَ حَوْلَهُ يُرِيدُونَ أَنْ تَذْهَبَ أَبْصَارُهُمْ (4).
رواه الطبراني في الأوسط.
(1) أخذت كريمتيه كذا ط وع ص 391 - 2 وفي ن د: أذهبت.
(2)
أتجلى عليهم برضواني فيرون جلالي وعظمتي، ولا أسخط عليهم أبداً من جراء رضاهم في الدنيا.
(3)
سكن الجنة.
(4)
اشتياقاً إلى رؤية الله جل وعلا. =