الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترغيب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل
والترهيب من حبها والتكاثر فيها والتنافس، وبعض ما جاء في عيش النبي صلى الله عليه وسلم في المأكل والملبس والمشرب ونحو ذلك
1 -
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ (1)، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ (2)، فَقَالَ: ازهَدْ في الدُّنْيَا (3) يُحِبُّكَ اللهُ (4)، وازْهَدْ فِيمَا أَيْدِي النَّاسِ (5)
= أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار، وقال تعالى:
ب -[إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218)] من سورة البقرة.
جـ - وقال تعالى: [زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212)] من سورة البقرة.
(1)
رضي عني وقبل عملي وأسعدني.
(2)
أكرموني وزادوا في احترامي.
(3)
ارض بقليل الشيء فيها، ولا تكثر من حطامها ولا تحب زخارفها وارغب عن زينتها، وأقبل على ربك بالعبادة، وفي النهاية "أفضل الناس مؤمن مزهد" المزهد القليل الشيء. وحديث الزهري وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: هو أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره أراد أن لا يعجز ويقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال ولا صبره عن ترك الحرام أهـ.
(4)
يرحمك ويحسن إليك ويثبك.
(5)
لا تنظر إلى ما في أيدي الناس، وفي الجامع الصغير (ازهد) أي أعرض عنها بقلبك، ولا تحصل منها إلا على ما تحتاج إليه (يحبك الله) لأن الله تعالى يحب من أطاعه وطاعته لا تجتمع مع محبة الدنيا، لأن حبها رأس كل خطيئة (وازهد فيما في أيدي الناس) أي فيما عندهم من الدنيا (يحبك الناس) قال المناوي لأن طباعهم جبلت على حب الدنيا ومن نازع إنساناً في محبوبه قلاه: ومن تركه له أحبه واصطفاه. قال الدارقطني: أصول الحديث أربعة هذا منها أهـ.
وقال الحفني: الزهد لغة ترك الشيء احتقاراً له سواء كان محتاجاً له أو لا، واصطلاحاً ترك ما زاد على حاجته من الحلال، والورع ترك الحرام والشبهة في الدنيا: أي الشاغلة عن طاعة الله تعالى المترتب عليها ضياع حقوق الخلق والحق وهي المعنية بحديث "تعس عبد الدينار" الخ وحديث "الدنيا ملعونة" الخ، أما المعينة على الطاعة فممدوحة كما في حديث "نعمت الدنيا مطية المؤمن. المؤمن بها يصل إلى الخير وينجو من الشر". قال المناوي: وليس من الزهد ترك الجماع فقد قال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا فقد كان علي كرم الله وجهه أزهد الصحابة وله أربع زوجات وتسع عشرة سرية. وقال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء، وكان الجنيد شيخ القوم يحب الجماع ويقول إني أحتاج إلى المرأة كما أحتاج إلى الطعام (يحبك الناس) ولذا قيل لأهل البصرة. من سيدكم؟ فقالوا الحسن البصري فقيل: فيم سادكم؟ فقالوا احتجنا لعلمه واستغنى عن دنيانا أهـ ص 186 جـ 1.
حديث بديع جمع التربي الدينية والدنيوية فيغرس في قلب المؤمن القناعة، والرضا، والصبر، والحلم والكرم =
يُحِبُّكَ النَّاسُ. رواه ابن ماجة، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتُّهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفاً أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه وهو أصلح حالاً من خالد، والله أعلم.
2 -
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ يُحِبُّنِي اللهُ عَلَيْهِ، وَيُحِبُّنِي النَّاسُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي يُحِبُّكَ اللهُ عَلَيْهِ فالزُّهْدُ في الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي يُحِبُّكَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ مَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْحُطَامِ (1). رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلا، ورواه بعضهم عنه عن منصور عن ربعي بن حراش قال: جَاءَ رَجُلٌ. فذكره مرسلاً.
الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد.
3 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا (2) يَرِيحُ الْقَلْبَ والْجَسَدَ. رواه الطبراني، وإسناده مقارب.
من أزهد الناس
4 -
وَعَن الضَّحَّاكِ رضي الله عنه قالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ:
= والإنفاق في الخير وتشييد المحامد والمحاسن فيبعد عن اللهو والطمع والشره والبخل، وهكذا من صفات المطرودين من رحمة الله تعالى وكلما زاد الإيمان بالله أقبل العبد على الطاعات وقلل من الدنيا وجعلها سوقاً رابحة نافقة لإيجاد صالح الأعمال فيها وفرصة سانحة لفعل المكرمات. وانظر رعاك الله إلى حال الكفار، والفجار الذين غفلوا عن طاعة الله تعالى وسروا بنعيم الدنيا وبما بسط لهم فيها، وقد حكى الله جل جلاله حادثهم [الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26)] من سورة الرعد.
نعمة الدنيا فانية، وما هي بجانب النعيم الباقي إلا متعة لا تدوم كعجالة الراكب وزاد الراعي. قال البيضاوي: والمعنى أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع سريع الزوال أهـ.
(1)
أظهر السخاء والجود واجعل ما معك سهل الجنى قريب الفائدة يعود عليهم بالخير والبركة. ولسعيد بن حميد:
تمتع من الدنيا فإنك فاني
…
وإنك في أيدي الحوادث عاني
ولحاتم:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة
…
فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني
…
فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
(2)
التقلل من جمع المال يسبب راحة الضمير وسعادة الحياة ويطرد الهموم ويبعد المشاغل والوساوس، ويعطي الجسم الراحة التامة.
يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ (1)؟ قالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ (2) وَالْبِلَى (3)، وَتَرَكَ فَضْلَ زِينَةِ الدُّنْيَا (4)، وآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى (5)، وَلَمْ يَعُدَّ غَداً في أَيَّامِهِ (6)،
وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتَى. رواه ابن أبي الدنيا مرسلاً وستأتي له نظائر في ذكر الموت إن شاء الله تعالى.
(1) استفهام عن أكثر الناس قناعة وزهادة، وفي الجامع الصغير: أي أكثرهم زهداً في الدنيا.
(2)
يعني الموت ونزول القبر ووحدته ووحشته وسؤال الملكين وظلمته فيستعد له بزرع الأعمال الصالحة في حياته ليجنيها بعد مماته.
(3)
الفناء والاضمحلال والتغير والانتقال من دنيا إلى أخرى سنة الله في خلقه.
(4)
مع إمكان نيلها، واجتنب الزخرفة والبهجة وكمل باطن نفسه بآداب الشرع.
(5)
اختار الآخرة وما ينتفع بها على الدنيا وما فيها. ترك الشهوات وأقبل على الطاعات. اجتنب مجالس السوء ورغب في مجالس الذكر والعلم وصاحب الأبرار الأخيار.
(6)
لجعله الموت نصب عينيه على توالي اللحظات فيسرع في أداء حقوق الله وسداد الدين وترك المظالم، ويبيض صحيفته بكثرة الاستغفار والصلاة على المختار، وذكر الجبار القهار الغفور الوهاب. قال الشاعر أبو الفتح البستي يبين هوان الدنيا على الصالحين الذين فهموا لباب الدين:
زيادة المرء في دنياه نقصان
…
وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له
…
فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً
…
بالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصاً على الأموال يجمعها
…
أنسيت أن سرور المال أحزان
دع الفؤاد من الدنيا وزينتها
…
فصفوها كدر والوصل هجران
وأرع سمعك أمثالاً أفصلها
…
كما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
…
فطالما استعبد الإنسان إحسان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته
…
أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
…
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وكن على الدهر معواناً لذي أمل
…
يرجو نداك فإن الحر معوان
واشدد يديك بحبل الله معتصماً
…
فإنه الركن إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه
…
ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب
…
فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعاً فليس له
…
على الحقيقة إخوان وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة
…
إليه والمال للإنسان فتان
كن ريق البشر إن الحر همته
…
صحيفة وعليهما البشر عنوان
ورافق الرفق في كل الأمور فلم
…
يندم رفيق ولم يذممه إنسان
ولا يغرنك حظ جره حزن
…
فالحزن هدم ورفق المرء بنيان
لا ظل للمرء يعري من نهى وتقى
…
وإن أظلته أوراق وأفنان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده
…
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضي سيرتي
…
أبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج
…
فأنت ما بينها لا شك ظمآن
لا تحسبن سروراً دائماً أبداً
…
من سره زمن ساءته أزمان =
5 -
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ عز وجل نَاجَى مُوسى بِمَائَةِ أَلفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسى كَلَامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهُمْ (1) لِمَا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلامِ الرَّبِّ عز وجل، وَكَانَ فِيمَا نَاجَاهُ رَبُّهُ أَنْ قالَ: يَا مُوسى إِنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعْ لِي (2) الْمُتَصَنِّعُون بِمِثْلِ الزُّهْدِ (3) في الدُّنْيَا، وَلَمْ يَتَقَرَّبْ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ (4) عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَعَبَّدْ إِلَيَّ الْمتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَتِي (5) قالَ مُوسى: يا رَبَّ الْبَرِيَّةِ (6) كُلِّهَا، وَيَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وَيَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ: مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهُمْ، وَمَاذَا جَزَيْتَهُمْ؟ قالَ: أَمَّا الزُّهَّادُ في الدُّنْيَا، فَإِنِّي أَبَحْتُهُمْ جَنَّتِي (7) يَتَبَوَّؤُونَ مِنْهَا حَيْثُ شَاؤُوا، وَأَمَّا الْوَرِعُونَ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ لَمْ يَبْقَ عَبْدٌ إِلَاّ نَاقَشْتُهُ وَفَتَّشْتُهُ إِلَاّ الْوَرِعُونَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ (8)
وَأُجِلُّهُمْ وَأُكْرِمُهُمْ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الْبَكَّاؤونَ مِنْ خَشْيَتِي فَأُولئِكَ لَهُمُ الرَّفِيقُ الأَعْلَى (9) لَا يُشَارَكُونَ فِيهِ. رواه الطبراني والأصبهاني.
6 -
وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا تَزَيَّنَ الأَبْرَارُ (10) في الدُّنْيَا بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيَا. رواه أبو يعلى.
7 -
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما قالَ: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا رأَيْتُمْ مَنْ يَزْهَدُ في الدُّنْيَا فَادْنُوا مِنْهُ (11)، فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ. رواه أبو يعلى.
= يا رافلاً في الشباب الوصف منتشياً
…
من كأسه هل أصاب الرشد نشوان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم
…
يكن لمثلك في الإسراف إمعان
وكل كسر فإن الدين يجبره
…
وما لكسر قناة الدين جبران
(1)
أبغضهم أشد البغض عن أمر قبيح، المعنى أنكر هذا الصوت المنكر منهم إزاء صوت الرب جل وعلا.
(2)
يفعل ما فيه رضاي ويتزلف إلي ويتقرب.
(3)
الرغبة عن زينتها والتقلل من التعب في جمع مالها.
(4)
البعد عن الشبهات وتحري الحلال.
(5)
الخوف من عقابه جل وعلا والشوق إلى ثوابه.
(6)
سيد العالم أجمع وخالقها.
(7)
جعلتها مباحة.
(8)
أترك سؤالهم حباً في حيائهم ..
(9)
أعلى مكان في الجنة "الفردوس".
(10)
تحلى وتجمل وتكمل.
(11)
تقربوا إليه وجالسوه فإنه يلهم الصواب ويلقن الرشاد ويقول الحق. قال المناوي: أي يعلم دقائق =
صلاح هذه الدنيا بالزهادة واليقين
8 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ رَفَعَهُ قالَ: صَلَاحُ أَوِّلِ (1) هذِهِ الأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ وَالْيَقِينِ (2)، وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ (3) وَالأَمَلِ (4). رواه الطبراني، وإسناده محتمل للتحسين، ومتنه غريب.
9 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه يَرْفَعُهُ قالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: دَعُوا الدُّنْيَا لأَهْلِهَا، دَعُوا الدُّنْيَا لأَهْلِهَا، دَعُوا الدُّنْيَا لأَهْلِهَا. مَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيهِ أَخَذَ حَتْفَهُ (5)، وَهُوَ لا يَشْعُرُ. رواه البزار، وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه.
10 -
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (6).
= الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى أهـ. وفي الجامع الصغير في تفسير قوله تعالى: [يؤتي الحكمة من يشاء] أي العلم النافع المؤدي إلى العمل. قال العلقمي قال سفيان بن عيينة: الزهد ثلاثة أحرف: زاي وهاء ودال، فالزاي ترك الزينة، والهاء ترك الهوى والدال ترك الدنيا بجملتها، وحقيقة الزهد الشرعية استصغار الدنيا بجملتها واحتقار جميع شأنها، فمن كانت الدنيا عنده صغيرة حقيرة هانت عليه فالزاهد هو المستصغر للدنيا المحتقر بها الذي انصرف قلبه عنها لصغر قدرها عنه، ولا يفرح لشيء منها ولا يحزن على فقده، ولا يأخذ منها إلا ما أمر بأخذه مما يعينه على طاعة ربه، ويكون مع ذلك دائم الشغل بذكر الله تعالى، وذكر الآخرة. قال الفضيل بن عياض: جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها، وقال أحمد وسفيان الثوري وغيرهما: الزهد قصر الأمل، وقال ابن المبارك: الزهد الثقة بالله، وقال أبو سليمان الداراني: الزهد ترك ما يشغل عن الله أهـ ص 123 جـ 1.
(1)
أول وجود الإسلام، وفي زهرته وفتوته.
(2)
سكون الفهم مع ثبات الحكم مع الثقة بوجود الله والتوكل عليه جل وعلا وعقد العزيمة على طاعته والتفاني في الإخلاص له عز شأنه.
(3)
التقصير في أداء الحقوق وعدم الإنفاق في وجوه البر.
(4)
التسويف في الأعمال الصالحة وحب المال إلى درجة الميل إلى تشييد القصور ووفرة الخيرات مع الترف والبذخ.
(5)
هلاكه، معناه الذي يسلم نفسه لمطامع الحياة والاسترسال في آمال جبي الأموال وقع في الهاوية ولا يدري لماذا؟ لأن أعمال الدنيا خالية من الثواب المدخر له بعد مماته فمهما جمع من زخارف الدنيا ومات لا ينفعه شيء إلا إذا يد بماله قصور الصالحات التي أعد الله أجرها للمحسنين:
هي الدنيا تقول بملء فيها
…
حذار حذار من بطشي وفتكي
شباب بلا تقوى كغصن بلا جنى
…
يرى غير مأسوف عليه فيحطب
حتفه كذا ط وع ص 331 - 2، وفي ن د جيفه: أي إن حطام الدنيا مهما زاد قذر نتن لا يفيده في الآخرة بشيء ولا ينتفع به.
(6)
أي أفضل العبادة التي تصدر من مطيع بعيد من الرياء وحب الظهور والشهرة.
وَخَيْرُ الرِّزْقِ أَوِ الْعَيْشِ مَا يَكِفِي (1)، الشَّكُّ من ابن وهب. رواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي.
إن الدنيا حلوة خضرة
11 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ (2) خَضِرَةٌ (3)، وَإِنَّ اللهَ تَعَالى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا (4)
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا (5) وَاتَّقُوا النِّسَاءَ. رواه مسلم والنسائي.
وزاد: فَمَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ (6)
(1) الذي يسد الحاجة ويبعد الجوع.
(2)
طعم جمع المال فيها لذيذ تميل النفس إلى زينتها، يقال حلا بفمي يحلو.
(3)
نضرة زاهرة زاهية. وفي البخاري في باب المنافسة في الدنيا قوله صلى الله عليه وسلم "أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا" قال القسطلاني: فيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى الهلاك في الدين أهـ. وفي باب فضل النفقة في سبيل الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم "خضرة حلوة ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السبيل". قال القسطلاني: خضرة من حيث المنظر، حلوة من حيث الذوق، نعم المال لمن جمعه من حلال وأنفقه في جميع أنواع الخير.
(4)
جاعلكم أولياء خلفاء في إنفاق المال تتصرفون فيه تصرف المالك، وفي الحقيقة الله تعالى المنعم المعطي الوهاب الرزاق، قال تعالى:[آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7)] من سورة الحديد.
قال البيضاوي من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا لكم، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له عن النفس أهـ.
(5)
احذروا الدنيا وابتعدوا عن حيل النساء واخشوا أن يمنعنكن عن طاعة الله. فاتقوا الدنيا كذا ط وع ص 331 - 2 وهي مصححة بكشط، ولكن في ن د: فاتقوا الله. يأمرنا صلى الله عليه وسلم باليقظة والحذر من ثنتين:
أ - الدنيا، لأنها رأس كل خطيئة وسبب كل نقص، وحبها يجر الغفلة عن ذكر الله، ومشاغلها جمة تلهي عن الله.
ب - النساء لأنهن شرك المتن وحبائل الشيطان قد يسببن قطيعة الرحم أو يمنعن فعل الخير أو يكن لاهيات لاعبات مائلات مميلات لضعفاء الإيمان. وقد تقدم ثنتان في الحديث هما سببان قويان في نصر الإسلام وإشراق شمسه وبلوغ أوج عزه وطلوع كواكب نجمه متألقة في سماء الرفعة والمجد: هما الزهد واليقين.
(6)
أكثر إضراراً. يحذر صلى الله عليه وسلم من الميل إلى حب السيدات وإرخاء العنان لطلباتهن بلا محكم الشرع بينهن، قال تعالى:
[إن كيدكن عظيم]، وقال تعالى:[إن كيد الشيطان كان ضعيفا]:
إن النساء شياطين خلقنا لنا
…
نعوذ بالله من شر الشياطين
كم شخص حن إلى المرأة فمال إليها وعصى الله في طاعتها فدعته إلى فراق شقيقه وغضب قريبه والإكثار من غشيان الملاهي والتمتع بشراب الخمر، وأكتب هذا وفي يدي صحيفة تنبئ عن رجل موظف يعول أسرة كبيرة كباراً وصغاراً، ولكن أحب فتاة وروادها عن نفسها ولمس عفافها فحملت سفاحاً ثم وضعت ولداً وقبل أن يظهر أمرها للنيابة ذهب إلى مقر وظيفته وودع رئيسه وزملاءه وذهب إلى بيته فقبل أولاده الصغار وقال لهم =
عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ (1).
رب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة
12 -
وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي الله عنها قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا (2) بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهَا، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ (3) في مَالِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. رواه الطبراني بإسناد حسن.
13 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ رضي الله عنهما قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا (4) بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهَا، وَرُبَّ
= إني سأموت ودخل في حجرة وأحكم إقفال نوافذها ووجه فوهة البندقية على عنقه وانتحر فيتم أطفاله. لماذا؟ خشي الفضيحة من عاره ولطخ جبين الإنسانية بهتك عرض المرأة. ولقد صدق من قال: فتش عن المرأة فإن لها في كل جناية أصبعا.
(1)
قال العلقمي: في الحديث إن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى:[زين للناس حب الشهوات من النساء] من سورة آل عمران.
فجعلهن من عين الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. ويقع في المشاهدة حب الرجل ولده من امرأته التي هي عنده محبوبة أكثر من حبه ولده من غيرها، ومن أمثلة ذلك قصة النعمان بن بشير في الهبة. وقد قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنها ناقصة العقل والدين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين لشغله عن طلب أمور الدين وتحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد في أثناء حديث "واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" أهـ عزيزي من الجامع الصغير ص 244 جـ 3.
النساء أساس الخصومة بين المتحابين ومنبع الجرائم بين الأشرار والداء العضال الذي أعيا المصلحين الأطباء في علاج الاتحاد والتآلف والتوادد والتحابب. هذا في العموم. ولا يخلو كل عصر من فضليات النساء اللاتي لهن اليد الطولى في تشييد قصور المحامد وإيجاد صالحات الأعمال، وكن المثل الأعلى في التربية السامية والكمال، والآداب وأنجبن بنين وخدمن الوطن والدين أمثال السيدة خديجة والسيدة عائشة، ومن على شاكلتهما وحذا حذوهما إلى الآن وبذا قال الشاعر:
ولو كان النساء كمثل هذي
…
لفضلت النساء على الرجال
وقالت أخرى تبين فوائدها في العالم:
إن النساء رياحين خلقن لكم
…
وكلكم يشتهي شم الرياحين
(2)
جمع فيها المال الحلال من وجوه شريفة وطرق شرعية.
(3)
أصل الخوض المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبس في الأمر والتصرف فيه: أي رب متصرف في مال الله تعالى بما لا يرضاه الله تعالى، والتخوض تفعل منه، وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجه كيف أمكن. أهـ نهاية.
المعنى الدنيا محبوبة مائلة إلى زينتها النفس ومشتاقة إلى كثرة خيراتها، ولكن يختار المؤمن حلالها وطيبها ليعمل صالحاً به، والفاجر العاصي يستعمل هذه النعم في شهواته فيهوي بها في جهنم، لأن الذي وهب له هذه النعم سيحاسبه عليها، وهل عمل بها حسب شرع حبيبه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
(4)
بحقها، كذا د وفي ع أيضاً مصححة ص 338 - 2، وفي ن ط: بحقه.
مُتَخَوِّضٍ (1) فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاّ النَّارُ. رواه الطبراني في الكبير. ورواته ثقات.
14 -
وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَضَى نَهْمَتَهُ (2) في الدُّنْيَا حِيلَ (3) بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْوَتِهِ في الآخِرَةِ، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلى زِينَةِ الْمُتْرَفِينَ (4) كَانَ مَهِيناً (5) في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ، وَمَنْ صَبَرَ (6) عَلَى الْقُوتِ الشَّدِيدِ صَبْراً جَمِيلاً أَسْكَنَهُ اللهُ مِنَ الْفِرْدَوْسِ حَيْثُ شَاءَ. رواه الطبراني في الأوسط والصغير من رواية إسماعيل بن عمرو البجلي، وبقية رواته رواة الصحيح، ورواه الأصبهاني إلا أنه قال: كَانَ مَمْقُوتاً فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ، والباقي مثله.
لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله
15 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: لَا يُصِيبُ (7) عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً إِلَاّ نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيماً. رواه ابن أبي الدنيا، وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعاً، والموقوف أصحّ.
16 -
وَرُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَكْفِينِي مِنَ الدُّنْيَا؟ قالَ مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ، وَوَارَى (8) عَوْرَتَكَ، وَإِنْ كَانَ لَكَ بَيْتٌ يُظِلُّكَ فَذَاكَ (9) وَإِنْ كَانَتْ لَكَ دَابَّةٌ فَبَخٍ (10). رواه الطبراني في الأوسط.
(1) تارك العنان لنفسه تدله على المعاصي وترتكب الشهوات الذميمة فينفق في وجوه الشرور والعصيان وعقابه دخول جهنم، والعياذ بالله تعالى.
(2)
أي أدرك طلب نفسه وذاق حلاوة ما يتمنى في حياته. وفي النهاية النهمة: بلوغ الهمة في الشيء، ومنه النهم من الجوع.
(3)
بعد.
(4)
أي نظر إلى رغد المنعمين واطلع على خيراتهم، وأن تضجر وحسد ولم يصبر على ما أعطاه الله تعالى.
(5)
واقعة عليه كل إهانة وأذى من الملائكة البررة. وفي النهاية ملكوت اسم مبني من الملك كالجبروت والرهبوت، من الجبر والرهبة، وفي ن د: ملكوت السموات والأرض.
(6)
حبس نفسه على تحمل الجوع وقنع برزقه ورضي بالقليل ملكه الله أعلى جهة في الجنة يتمتع بنعيمها جزاء صبره في حياته.
(7)
لا ينال العبد شيئاً من خيرات الدنيا إلا حاسبه الله عليه وأخذ منه درجات سامية كانت له في آخرته.
(8)
ستر. وعورة الرجل: ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة جميع جسمها إلا وجهها وكفيها.
(9)
هذا كافيك.
(10)
كلمة تقال عند المدح والرضا أهـ نهاية: أي العاقل يطلب في حياته: =
يسأل العبد يوم القيامة عن كل ما ملكه إلا ثلاثاً
17 -
وَعَنْ أَبي عَسِيبٍ رضي الله عنه قالَ: خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلاً فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبي بَكْرٍ رحمه الله فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ رحمه الله فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ (1) حَائِطَاً لِبَعْضِ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: أَطْعِمْنَا، فَجَاءَ بِعِذْقٍ (2) فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ: لَتُسْأَلُنَّ (3) عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ رحمه الله الْعِذْقَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ (4) قِبَلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَمَسْؤُولُونَ عَنْ هذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قالَ: نَعَمْ إِلَاّ مِنْ ثَلَاثٍ (5): خِرْقَةٍ كَفَّ بِهَا عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ جُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ والْقَرِّ. رواه أحمد، ورواته ثقات.
18 -
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوَى هذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يُكِنُّه (6)، وَثَوْبٌ يَوارِي (7) عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ. رواه الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي، ولفظه:
= أ - ما يقيه شر الجوع.
ب - ما يكنه ويقيه شر الحر والبرد ويغطي سوءته.
جـ - مركب وطيء سهل يجلب له الراحة ويوفر عليه التعب؛ وما زاد على ذلك ينفقه في وجوه البر ادخاراً عند الله جل وعلا.
(1)
دخل حائطاً كذا ط وع ص 338 - 2، وفي ن د: أتى حائطاً، وفي النهاية الحائط ههنا: البستان من النخيل إذا كان عليه حائطاً، وهو الجدار، وجمعه حوائط أهـ.
(2)
العرجون بما فيه من الشماريخ.
(3)
والله ليسألنكم عن هذه الأكلة الجميلة الحلوة البديعة.
(4)
التمر، تفرق أمام حضرته صلى الله عليه وسلم.
(5)
من ثلاث كذا ط وع. وفي ن د ثلاثة: خرقة قطعة من نسيج تستر العورة، أو قطعة من خبر تطرد الجوع. أو جحر يدخل كذا د وع. وفي ن ط: أو حجر يتدخل، والمعنى بيت على قدر منع الحر والبرد فقط، وما زاد عن هذه الثلاثة يحاسب الله عليها حساباً عسيراً، ففيه الترغيب في طلب ثلاثة على قدر الحاجة الواقية:
أ - ملبس.
ب - طعام.
جـ - منزل.
(6)
يقيه ويمنع عنه الأذى والسرقة. وفي النهاية: السكن: ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن، وقد كننته أكنه كناً، والاسم الكن، واستكن: استتر أهـ.
(7)
يداري، من واراه مواراة: ستره، وتوارى: استخفى.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ شَيْءٍ فَضَلَ (1) عَنْ ظِلِّ بَيْتٍ، وَكِسَرِ خُبْزٍ، وَثُوْبٍ يُوارِي عَوْرَةَ ابْنِ آدَمَ فَلَيْسَ لابْنِ آدَمَ فِيهِ حَقٌّ. قالَ الْحَسَنُ. فَقُلْتُ لِحُمْرَانَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْخُذَ؟ وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْجَمَالُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ الدُّنْيَا تَقَاعَدَتْ بِي.
[الجلف] بكسر الجيم وسكون اللام بعدهما فاء: هو غليظ الخبز وخشنه، وقال النضر بن شميل: هو الخبز ليس معه إدام.
19 -
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْجُبْلِي قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْتُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ (2) تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ (3)
تَسْكُنُهُ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ. قالَ: فَإِنِّي لِي خَادِماً؟ قالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. رواه مسلم موقوفاً.
20 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا فَوْقَ الإِزَارِ (4)، وَظِلِّ الحائِطِ، وَحَرِّ الماءِ فَضْلٌ (5) يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ. رواه البزار، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم، وحديثه جيد في المتابعات
21 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ (6)، وَأَرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ البَارِدِ. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب
22 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي (7) فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ (8)، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ (9)
(1) زيادة داعية إلى الترف يسأل الله معطيها فيم استعمله؟ من باب نصر.
(2)
زوجة ترجع إليها من عملك فتجد قرة عين وسروراً وحياة سعيدة.
(3)
منزل تسكنه كذا ط وع، وفي ن د: تسكن إليه، وفي ن د: أنت، والمعنى ثنتان ملكتهما فعدك الله من الموسرين الأغنياء:
أ - زوجة.
ب - بيت، والثالثة خادم يقضي له حاجاته لراحته فعده عبد الله بن عمر بن العاص [وفي الأصل فعده صلى الله عليه وسلم] من الملوك.
(4)
الرداء: أي الزائد عن ستر العورة.
(5)
زيادة عن حق العبد يسأل عن نعيمها.
(6)
ألم أعطك صحة ونضارة وأزيل ظمأك؟
(7)
مرافقتي في الجنة.
(8)
قدر زاد المسافر.
(9)
احذري مجالسة أصحاب الأموال والثروة.
الأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقي (1) ثَوْباً حَتَّى تُرَقِّعِيهِ. رواه الترمذي والحاكم والبيهقي من طريقها وغيرها كلهم من رواية صالح بن حسان، وهو منكر الحديث عن عروة عنها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وذكره رزين فزاد فيه:
قال عروة: فَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَجِدُّ ثَوْباً حَتَّى تُرَقِّعَ ثَوْبَهَا وَتُنَكِّسَهُ (2)، وَلَقَدْ جَاءَهَا يَوْماً مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ ثَمَانُونَ أَلْفَاً، فَما أَمْسَى عِنْدَهَا دِرْهَمٌ، قَالَتْ لَهَا جَارِيَتُها: فَهَلَاّ اشْتَرَيْتِ لَنَا مِنْهُ لِحْمَاً بِدِرْهَمٍ؟ قَالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ.
23 -
وَعَنْ أَبِي سُفيْنٍ عَنْ أَشْيَاخِهِ قالَ: قَدِمَ سَعْدٌ عَلَى سَلْمَانَ يَعُودُهُ قالَ: فَبَكَى، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ تُوَفِّي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَتَرِدُ عَلَيْهِ الْحَوْضَ، وَتَلْقَى أَصْحَابَكَ. فَقَالَ: مَا أَبْكِي جَزَعاً (3) مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا حِرْصَاً عَلَى الدُّنْيَا (4)،
وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْداً قالَ: لِتَكُنْ بُلْغَةُ (5) أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَحَوْلِي هذِهِ الأَسَاوِدُ، قالَ: وَإِنَّمَا حَوْلَهُ إِجَّانَةٌ (6) وَجَفْنَةٌ (7) وَمِطْهَرَةٌ (8)، فَقَالَ: يَا سَعْدُ: اذْكُرِ اللهَ عِنْدَ هَمِّكَ (9) إِذَا هَمَمْتَ، وَعِنْدَ يَدَيْكَ إِذَا قَسَمْتَ (10)، وَعِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ (11). رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد كذا قال:
(1) ولا تأتي بثوب جديد. ثلاثة تقربك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أ - التقليل من الدنيا.
ب - مجالسة الفقراء لا المنعمين.
جـ - التخشن والتقشف والقناعة والزهد في الملبس.
(2)
تقلبه، من نكسته نكساً، من باب قتل، والمعنى لا تتركه حتى يبلى ولا يصلح للبس.
(3)
خوفاً.
(4)
شدة الطمع. والمعنى يبكي سليمان خشية أن يسأله ربه عن هذه الأشياء التي تركها:
أ - طست.
ب - ما يوضع عليه الطعام.
جـ - إبريق.
(5)
ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب.
(6)
إناء يغسل فيه الثياب، والجمع أجاجين.
(7)
مائدة، والعرب تدعو السيد المطعام جفنة، لأنه يضعها ويطعم الناس فيها: أي مضيفة للجود والإحسان.
(8)
إداوة: أي إناء التطهير والنظافة.
(9)
عزمك على إيجاد عمل.
(10)
وزعت: أي سو بالعدل وفرق بالحق.
(11)
إذا حضرت النزاع بين متخاصمين فاعدل.
[قوله: وهذه الأساود حولي] قال أبو عبيد: أراد الشخوص من المتاع، وكل شخص سواد من إنسان أو متاع أو غيره.
24 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: اشْتَكَى سَلْمَانُ فَعَادَهُ سَعْدٌ فَرَآهُ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أخِي؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَلَيْسَ، أَلَيْسَ؟ قالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنَ اثْنَتَيْنِ مَا أَبْكِي ضَنَّاً (1)
عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا كَرَاهِيةَ
(1) بخلاً، من ضن ضنانة.
إن الإنسان خلق ليعمل في هذه الحياة ويجد في جني ثمار الصالحات بما كسبت يداه فلا يمنع الزهد أن يتقن الموظف عمله أو يحترف الصانع أو يبيع التاجر ليربح، وهكذا، فالله تعالى يقول [فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه] وهذا الشاعر نفسه تطمح إلى المعالي بكده وعرق جبينه، يقول المتنبي:
ليس التعلل بالآمال من أربي
…
ولا القناعة بالإقلال من شيمي
ولا أظن بنات الدهر تتركني
…
حتى تسد عليها طرقها هممي
لم الليالي التي أخنت على جدتي
…
برقة الحال واعذرني ولا تلم
أرى أناساً ومحصولي على غنم
…
وذكر جود ومحصولي على الكلم
بنات الدهر: أي حوادثه. محصولي: أي حصولي على مواعيد.
فيريد أن المجد يرقى إلى العلياء بكده ويكسب المال بعرق جبينه ولا يرضى الصغائر:
لا تركن إلى الهوى
…
واحذر مفارقة الهواء
يوماً تسير إلى الثرى
…
ويفوز غيرك بالثراء
ينهى الشاعر عن اتباع الشهوات. ثم يحبب الإنسان إلى التمتع بخيرات الدنيا في وجوه الحلال ويرغبه بتشييد الصالحات ذخراً له بعد مماته [والباقيات الصالحات خير].
قد عضني ناب النوائب
…
ورأيت آمالي كواذب
والمرء يعشق لذة الد
…
نيا فتفقره المصائب
وإذا تفرق درها
…
زينته حين يلذ شارب
لا تجد بالعطاء في غير حق
…
ليس في منع غير ذي الود بخل
إنما الجود أن تجود على من
…
هو للجود والندى منك أهل
إن الذي يرغب في الزهد صلى الله عليه وسلم كان راعي غنم في إبان صغره. ثم تاجر فربح مالاً وفيراً ثم عكف على طاعة ربه حتى اصطفاه الله لرسالته فكان ملكاً عادلاً ورسولاً أدى الرسالة بأمانة وشجاعة، وكان رئيس القواد فأكثر الفتوح ودانت له المعمورة ومع وفرة النعم يقول صلى الله عليه وسلم في حديثه "أجوع يوماً وأشبع يوماً" ثم قفى أثره أصحابه الأبرار وابتع منهجه المسلمون الأخيار حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها جاءها يوماً آلاف الدنانير فوزعتها ولم تجد ما تفطر عليه. هذا هو معنى الزهد أيها السادة. وليس الزهد الميل إلى الكسل والبطالة والخلو من العمل، وللشيخ عمر الأنسي:
إذا أنت لم تعمل بما أنت قائل
…
فأنت أسير الجهل أو أنت تكذب
ولا تصحبن زاداً سوى البر والتقى
…
وإلا فشر الزاد ما أنت تصحب
ولأحمد الكيواني:
يا مكثراً من ذم كل ذميم
…
ابدأ بنفسك قبل كل ملوم
هل تنجح الآداب عند معاشر
…
مع زهدهم في العلم والتعليم
الآخِرَةِ، وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْداً مَا أَرَانِي إِلَاّ قَدْ تَعَدَّيْتُ. قالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قالَ عَهِدَ إلَيْنَا أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ، وَلَا أُرَانِي إِلَاّ قَدْ تَعَدَّيْتُ (1)، وَأَمَّا أَنْتَ يَا سَعْدُ فَاتَّقِ اللهَ (2) عِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ قَسْمِكَ (3) إِذَا قَسَمْتَ: وَعِنْدَ هَمِّك (4) إِذَا هَمَمْتَ. رواه ابن ماجة ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده.
[قال الحافظ]: وقد جاء في صحيح ابن حبان أن مال سلمان رضي الله عنه جُمِعَ، فبلغ خمسة عشر درهماً، وفي الطبراني: أن متاع سلمان بيع، فبلغ أربعة عشر درهماً، وسيأتي إن شاء الله.
يا أيها الناس هلموا إلى ربكم
25 -
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ما طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَاّ بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا (5) مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ أَهْلَ الأَرْضِ إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ (6): يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلى رَبِّكُمْ (7). فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى (8). رواه أحمد في حديث تقدم، ورواتُه رواة الصحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
26 -
وروى الطبراني من حديث فضالة عن أبي أمامة قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى
(1) تجاوزت حدوده.
(2)
اخش الله وخف عقابه واعدل ولا تظلم عند حكمك، كذا ط وع ص 333 - 2، وفي ن د: فاتق الله في حكمك.
(3)
القسم إفراز النصيب: أي إذا أردت أن تعطي كل ذي حق حقه فخف ربك واعدل.
(4)
الهم ما هممت به في نفسك، وهو الأصل، ولذا قال الشاعر (وهمك ما لم تمضه لك منصب)
قال الله تعالى [إذا هم قوم أن يبسطوا] أي خف الله عند تفكيرك في الإقدام على شيء، ومع ذلك تراه رضي الله عنه خائفاً من حساب ربه "مع نفيقة".
حسبك مما تبتغيه القوت
…
والفقر فيما جاوز الكفافا
(5)
بناحيتيها.
(6)
الإنس والجن.
(7)
أقبلوا على ربكم بطاعته وذكره.
(8)
شغل عن عبادته.
اللهُ عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلى رَبِّكُمْ، فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ نَجْدُ خَيْرٍ وَنَجْدُ شَرٍّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ؟
[النجد] هنا: الطريق، ومنه قوله تعالى: وهديناه النجدين: أي الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر.
27 -
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: طُوبَى (1) لِمَنْ هُدِيَ للإِسْلامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافاً وَقَنِعَ. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً
28 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ (2) اللهُ بِمَا آتَاهُ. رواه مسلم والترمذي وابن ماجة.
[الكفاف] الذي ليس فيه فضل عن الكفاية.
29 -
وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب عن سعيد بن عبد العزيز أنَّهُ سُئِلَ مَا الْكَفَافُ مِنَ الرِّزْقِ؟ قالَ: شِبَعُ يَوْمٍ، وَجُوعُ يَوْمٍ.
30 -
وَعَنْ نُقَادَةَ الأَسَدِيِّ رضي الله عنه قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى رَجُلٍ يَسْتَمْنِحُهُ (3) نَاقَةً، فَرَدَّهُ (4)، ثُمَّ بَعَثَنِي إِلى رَجُلٍ آَخَرَ يَسْتَمْنِحُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِنَاقَةٍ، فَلَمَّا أَبْصَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهَا وَفِيمَنْ بَعَثَ بِهَا. قالَ نُقَادَةُ: فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا؟ قالَ:
(1) مكان في الجنة تظله شجرة واسعة الظلال يستظل بها الذي وفق لآداب الإسلام وعمل بها.
(2)
أرضاه باليسير، وفي النهاية: قنع يقنع قنوعاً إذا رضي، والقناعة كنز لا ينفد، لأن الإنفاق منها لا ينقطع كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي، ومنه الحديث "عز من قنع وذل من طمع" لأن القانع لا يذله الطلب فلا يزال عزيزاً، وقنع بالفتح سأل أهـ.
(3)
أي يطلب منه ناقة يأخذ لبنها، وفي النهاية منحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاها لينتفع بوبرها وصوفها زماناً ثم يردها.
(4)
لم يعطه لأن ذلك الرجل بخيل محروم من نور الله تعالى غير سعيد وغير موفق.
وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُلِبَتْ فَدَرَّتْ (1)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَ فُلانٍ لِلْمَانِعِ (2)
الأَوَّلِ، واجْعَلْ رِزْقَ فُلَانٍ يَوْمَا بِيَوْمٍ لِلَّذِي بَعَثَ بِالنَّاقَةِ. رواه ابن ماجة بإسناد حسن.
اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً
31 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً (3). وفي رواية: كَفَافاً. رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة.
32 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَاّ وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (4) أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً. رواه ابن ماجة.
(1) جاءت بلبن كثير جم.
(2)
الذي لم يرسل الناقة. دعا عليه صلى الله عليه وسلم بكثرة ماله ليشغله. وليكثر سؤاله عنه يوم القيامة وليثقل حسابه. لماذا؟ لأنه طماع جشع فالدعاء من جنس آماله. صلى الله عليك يا رسول الله. لا يرسل المسؤول الناقة فتطلب له زيادة النعم ووفرة الخيرات وكثرة الدنيا ثم تتكرم بالدعاء للموفق المحسن الصالح بقربه منك ودنو منزلته بجوارك وابتعاد مشاغل الدنيا عنه وإعطائه الرزق يوماً بيوم.
أي الفلاسفة؟ أين علماء التربية لأدلهم على معنى السعادة التي ينشدونها في مقالاتهم: هي الصحة ورزق يوم بيوم والتوفيق لعبادة الله وحده كما كافأ سيدنا رسول الله مسدي إليه المعروف بشموله برضوان الله والتقلل من الدنيا، وبذا يجني ثمرات صبره يوم القيامة ويبدل الله عسره يسراً وفقره غنى كما قال تعالى:[وإن للمتقين حسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار (59)] من سورة ص.
[مآب] مرجع [قاصرات] لا ينظرن إلى غير أزواجهن [أتراب] لدات لهم، فإن التحاب بين الأقران أثبت أو بعضهن لبضع لا عجوز فيهم ولا صبية [نفاد] انقطاع [المهاد] الممهد المفترش، مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم جهنم [غساق] صديد أهل النار [أزواج] أصناف جمة من العذاب [فوج] حكاية. ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج: أي جماعة تتبعهم في الضلال، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. إن شاهدنا المقلون في الجنة والمكثرون في النار إن لم يعملوا بالكتاب والسنة، لأنهم صرفوا أموالهم في شهواتهم الفانية ولم يدخروا لآخرتهم كما صبر الفقراء الصالحون.
(3)
أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم أهـ نهاية. سيدنا رسول الله يضرب المثل الأعلى للصالحين الراضين أن يتكرم الله عليه وعلى آل بيته بالرزق الضروري الذي يطرد الجوع فقط، وكذا كل من اتبع سنته إلى يوم القيامة رجاء ادخار الثواب في آخرته.
(4)
إذا أطلع الله الإنسان على ما أعده من النعيم للفقراء في الدنيا تمنى لو كان فقيراً ليحظى بهذا النعيم. =
33 -
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: يَتْبَعُ (1) المَيِّتَ ثَلاثٌ (2): أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ. رواه البخاري ومسلم.
34 -
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ (3) وَلَا أَمَةٍ إِلَاّ وَلَهُ ثَلَاثُ أَخِلَاّءَ (4)، فَخَلِيلٌ يَقُولُ: أَنَا مَعَكَ فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَذَلِكَ مَالُهُ، وَخَلِيلٌ يَقُولُ: أَنَا مَعَكَ، فَإِذَا أَتَيْتَ بَابَ الْمَلِكِ تَرَكْتُكَ فَذلِكَ خَدَمُهُ وَأَهْلُهُ. وَخَلِيلٌ يَقُولُ أَنَا مَعَكَ حَيْثُ دَخَلْتَ وَحَيْثُ خَرَجْتَ فَذَلِكَ عَمَلُهُ. رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح، ورواه في الأوسط، ولفظه:
قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الرَّجُلِ وَمَثَلُ الْمَوْتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخِلَاّء فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هذَا مَالِي، فَخُذْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، وَأَعْطِ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا مَعَكَ أَخْدُمُكَ، فَإِذَا مِتَّ تَرَكْتُكَ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا مَعَكَ أَدْخُلُ مَعَكَ، وأَخْرُجُ مَعَكَ، إِنْ مِتَّ وَإِنْ حَيِيتَ، فأَمَّا الَّذِي قالَ: هَذَا مَالِي فَخُذْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَهُوَ مَالُهُ، وَالآخَرُ عَشِيرَتُهُ (5)، والآخَرُ عَمَلُهُ، يَدْخُلُ مَعَهُ، وَيَخْرُجُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ.
35 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ وَعَمَلِهِ كَرَجُلٍ لَهُ ثَلاثَةُ إِخْوَةٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَصْحَابٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا مَعَكَ حَيَاتَكَ (6) فَإِذَا مِتَّ فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، وقالَ الآخَرُ: أَنَا مَعَكَ فَإِذَا بَلَغْتَ تِلْكَ
= قال الشاعر:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى
…
فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقيا
وللنفس أخلاق تدل على الفتى
…
أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
(1)
يتبع كذا د وع ص 335 - 2، وفي ن ط: يتتبع.
(2)
يرافقه في تشييع جنازته ثلاث:
أ - أقرباؤه وأصحابه.
ب - جميع ما يملك.
جـ - أعماله، وهي التي تدخل معه في قبره.
(3)
ذكر أو أنثى.
(4)
أصدقاء:
أ - ماله يرافقه في حياته.
ب - حشمه وخدمه وأقرباؤه، ولكن لا ينفعونه عند الحاكم.
جـ - العمل يرافقه بعد مماته، وفي حياته.
(5)
أسرته وأخدانه.
(6)
مدة حياتك.
الشَّجَرَةَ فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، وقالَ الآخَرُ: أَنَا مَعَكَ حَيّاً وَمَيِّتاً. رواه البزار ورواته رواة الصحيح.
36 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي (1)، وإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى (2)، أَو لَبِسَ فَأَبْلَى (3)، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى (4) مَا سِوَى ذلِكَ، فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ. رواه مسلم.
37 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِيرِ رضي الله عنه، قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَاّ مَا أكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فأَمْضَيْتَ (5). رواه مسلم والترمذي والنسائي، وتقدم أحاديث من هذا النوع في الصدقة وفي الإنفاق.
38 -
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ، والنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ: فَتَنَاوَلَهُ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَن هذا بِدِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنُّهُ لَنَا بِشَيءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: أَتُحِبُّونَ أَنُّهُ لَكُمْ؟ قالُوا: واللهِ لَوْ كَانَ حَيَّاً لَكَانَ عَيْباً فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: واللهِ لَلدُّنيا أَهْوَنُ علَى اللهِ عز وجل مِنْ هذَا عَلَيْكُمْ. رواه مسلم.
[قوله: كنفتيه] أي عن جانبيه.
[والأسك] بفتح الهمزة والسين المهملة أيضاً وتشديد الكاف: هو الصغير الأذن.
(1) أحب مالي أنا متعلق بمالي.
(2)
الذي أطعمه وتذوقه وانتفع به وانتهى.
(3)
جعله خلقاً قطعاً، يقال بلى الثوب خلق فهو بال، وبلى الميت أفنته الأرض.
(4)
تصدق أو أنفق فادخر ثواب ذلك عند الله جل وعلا، وفي المصباح أقناه أعطاه وأرضاه واقتنيت اتخذت لنفسي قنية، والمعنى يشيد بماله المكارم لتبقى ذخيرة له في حياته، وفي آخرته. فأقنى ن ط، وفي ن د وع: فاقتنى.
(5)
أي فأسرعت وأنفذت رجاء إيجاد قصور الصالحات الشامخة الذي يسطع أجرها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
39 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ قَدْ أَلْقَاهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا. رواه أحمد بإسناد لا بأس به.
والله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها
40 -
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِدِمْنَةِ (1) قَوْمٍ فِيهَا سَخْلَةٌ مَيِّتَةٌ فَقَالَ: مَا لأَهْلِهَا فِيهَا حَاجَةٌ؟ قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ لأَهْلِهَا فِيها حَاجَةٌ مَا نَبَذُوهَا (2)، فَقَالَ: واللهِ للدنيا أَهْوَنُ علَى اللهِ مِنْ هَذِهِ السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا فَلا أُلْفِيَنَّهَا (3) أَهْلَكَتْ أَحَداً مِنْكُمْ. رواه البزار والطبراني في الكبير من حديث ابن عمر بنحوه، ورواتهما ثقات، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة ولفظه:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِسَخْلَةٍ جَرْبَاءَ (4) قَدْ أَخْرَجَهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هذِه هَيِّنَةً عَلَى أَهْلِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلى أَهْلِهَا.
41 -
وَفي رواية للطبراني من حديث ابن عمر أيضاً نحوه، وزاد فيه: وَلَوْ كَانَتْ تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ لَمْ يُعْطِها إِلَاّ لأَوْلِيَائِهِ وأَحْبَابِهِ مِنْ خَلْقِهِ.
[الدمنة] بكسر الدال: هي مجتمع الدمن، وهو السرجين الملبد بعضه على بعض
[والسخلة] الأنثى من ولد الضأن.
[وقوله: فلا ألفينها] بالفاء وتشديد النون: أي فلا أجِدَنَّها.
42 -
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ (5) عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ. رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
43 -
وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ قَوْمٌ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1) آثار.
(2)
ما تركوها.
(3)
فلا أجدنها هالكة مميتة.
(4)
مصابة بالجرب.
(5)
تساوي.
فَقَالَ لَهُمْ: أَلَكُمْ طَعَامٌ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَلَكُمْ شَرَابٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وَتُبَرِّدُونَهُ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَإِنَّ مَعَادَهُمَا كَمَعَادِ الدُّنْيَا (1) يقُومُ أَحَدُكُمْ إِلى خَلْفِ بَيْتِهِ فَيُمْسِكُ أَنْفَهُ مِنْ نَتْنِهِ. رواه الطبراني، ورواته محتجّ بهم في الصحيح.
44 -
وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ: يَا ضَحَّاكُ: مَا طَعَامُكَ؟ قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اللَّحْمُ واللَّبَنُ. قالَ: ثُمَّ يَصِيرُ إِلى مَاذَا؟ قالَ: إِلى مَا قَدْ عَلِمْتَ. قالَ: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ضَرَبَ مَا يَخْرُجُ مِنِ ابْنِ آدَمَ مَثَلاً لِلدُّنْيَا. رواه أحمد، ورواتُه رواة الصحيح إلا عليّ بن زيد بن جدعان.
45 -
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلاً لِلدُّنْيَا وَإِنْ قَزَّحَهُ وَمَلَحَهُ، فانْظُرْ إِلى مَا يَصِيرُ؟ رواه عبد الله بن أحمد وابن حبان في صحيحه.
[قوله: قزَّحه] بتشديد الزاي: هو من القزح، وهو التابل يقال: قزحت القدر: إذا طرحت فيها الأبزار.
[وملحه] بتخفيف اللام: معروف.
إن الدنيا ملعونة
46 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ (2) مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَاّ ذِكْرُ اللهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ. رواه ابن ماجة والبيهقي والترمذي، وقال: حديث حسن.
47 -
وَعَنْ الْمُسْتَوْلِدِ أَخِي بَنِي فِهْرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلَاّ كما يَجْعَلُ أَحَدُكُم اصْبُعَهُ في هذِهِ الْيَمِّ (3)، وَأَشَارَ يَحْيى بْنُ يَحْيى بالسَّبَّابَةِ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟ رواه مسلم.
تعس عبد الدينار وعبد الدرهم
48 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
(1) أي هذا له وقت محدد ثم يقذر وينتن ويرمم، كذلك الدنيا زمنها محدد وبعد ذلك تفنى.
(2)
مطرودة من رحمة الله تعالى.
(3)
أي الدنيا قليلة القدر بمقدار وضع الأصبع في البحر.
تَعِسَ (1) عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ (2) إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ (3)، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانْتَكَسَ (4) وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ (5) في سَبِيلِ اللهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، وَإِنْ كانَ في الحرَاسَةِ كَانَ في الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ في السَّاقَةِ كَانَ في السَّاقَةِ (6)، وَإِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنَ لَهُ (7)، وَإِنْ شَفَعَ (8) لَمْ يُشَفَّعْ. رواه البخاري، وتقدم مع شرح غريبه في الرباط.
49 -
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ (9) أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا (10) مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنى. رواه أحمد ورواته ثقات، والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي في الزهد وغيره، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
(1) عثر وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك: أي هلاك ودمار وخيبة وخسران للطماع الشره الذي همه أن يجمع المال ولا يعمل صالحاً به.
(2)
ثوب خز أو صوف معلم أو سوداء معلمة، والمعنى عبد رهين تأنق بملابسه: أي يعتني بثيابه، ولا يكمل نفسه بالتقوى هو شره في الدنيا ذو مصلحة مؤقتة خالية من طاعة الله ورضاه.
(3)
إن ربح فرح وإن خسر غضب وكره وسب ولعن.
(4)
أي انقلب على رأسه وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر أهـ نهاية.
(5)
اللجام الذي يملك زمام التصرف فيها: أي ذهب بحصانه يحارب ويجاهد ورأسه ملبد وقدماه مغبرتان عليهما تراب الحرب وغبار الدفاع وعلامة الاستبسال.
(6)
الساقة: جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه، ومنه ساقة الحاج أهـ نهاية.
(7)
أي إنه متواضع سهل القياد، لين الجانب.
(8)
أي إذا كان شفيعاً لأحد في مصلحة لم يجب طلبه لهوانه على الناس، وذا من علو نفسه وكرم أخلاقه وبراءته من اللؤم والمكر والخبث وحيل الأشرار.
(9)
من أقبل عليها بشرهه وتقصيره في الأعمال الصالحة خلت آخرته، ومن أكمل نفسه وأدبها بالشرع فاز بالنعيم وقصر في أعمال دنياه الفانية ووصفها الله تعالى بقوله [وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب] من سورة الأنعام.
[ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل، أليس الله بعزيز ذي انتقام؟ (37)] من سورة الزمر.
(10)
فاختاروا الدار الآخرة الباقي نعيمها المدخر ثوابها على الدنيا الفانية التي هي سوق الأعمال، ولو ربح الإنسان فيها ما ربح لا ينفعه إلا صالح الأعمال كما قال تعالى:[ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48)] من سورة الزمر.
وعيد شديد وإقناط كلي للكفار والعصاة الذين اختاروا الدنيا فضلوا وأضلوا وظلموا وعصوا ربهم. =
[قال الحافظ]: المطّلب لم يسمع من أبي موسى، والله أعلم.
50 -
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قالَ: يَا مَعْشَرَ الأَشْعَرِيِّينَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِد الْغَائِبَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: حُلْوَةُ الدُّنْيَا (1) مُرَّةُ الآخِرَةِ، وَمُرَّةُ الدُّنْيَا حُلْوَةُ الآخِرَةِ. رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
51 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهث قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أُشْرِبَ (2)
حُبَّ الدُّنْيَا الْتَاطَ (3) مِنْهَا بِثَلاثٍ: شَقَاءٍ (4) لَا يَنْفَدُ عَنَاهُ، وَحِرْصٍ (5) لَا يَبْلُغُ غِنَاهُ، وَأَمَلٍ (6) لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، فَالدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبْتَهُ الآخِرَةُ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَيَأْخُذَهُ، وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ رواه الطبراني بإسناد حسن.
52 -
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِذْ
= وظهرت صحائف أعمالهم فيها السيئات مقيدة ثابتة في صحائفهم ناطقة بما اقترفوا في دنياهم (وحاق) أي أحاط بهم جزاؤه.
(1)
الإقدام على شيء فيها زينه الشيطان يكون حلواً على النفس مقبولاً، ولكن عاقبته في الآخرة عذاب ومرارة. حلوة، كذا د وع ص 337 - 2، وفي ن ط: حلاوة. كذا الإقدام على فعل الصالحات فيها مجاهدة النفس، وتحمل مشاق، ولكن في الآخرة نعيم مقيم وسعادة ونيل الثواب من الوهاب القدير [وكذلك نجزي المحسنين]
(2)
أي اختلط به حب الدنيا مثل اختلاط الشراب في الجسم، وفي الغريب في قوله تعالى [وأشربوا في قلوبهم العجل] قيل من قولهم: أشربت البعير شددت حبلاً في عنقه فكأنما شد في قلوبهم العجل لشغفهم به. وقال بعضهم: معناه أشرب في قلوبهم حب العجل، وذلك أن من عادتهم إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ إنجاع في البدن، ولذلك قال الشاعر:
تغفل حيث لم تبلغ شراب
…
ولا حزن ولم يبلغ سرور
والمعنى أن الدنيا شغلته وسخرته وصار هو عبداً لشهواته ذليلاً لمآربها الدنيئة.
(3)
التصق به.
(4)
تعب مستمر.
(5)
طبع لأحد له مهما جمع من المال.
(6)
ورجاء في كثرتها وأفكار في وفرة خيراتها، فمن أقبل على الله بعبادته وطاعته سعى إليه رزقه وبارك الله له فيه، ومن غفل عن طاعة الله واشتغل بالدنيا قطف غصنه الموت ولم ينفعه ما جمعه في حياته من حطام الدنيا. فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أحب الدنيا ذاق مرارة ثلاثة:
أ - شقاء.
ب - طمع.
جـ - آمال كأحلام تجلب الوساوس والمشاغل.
أما الذي يميل إلى الآخرة رزقه الله القناعة وسعادة الحياة وراحة الضمير وابتسامة الثغر وصحة البدن، والدنيا تسعى إليه راغمة خادمة فينال ما قدره الله له بسرور.
قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (1).
قال: في الدُّنْيَا رواه ابن حبان في صحيحه وهو في مسلم بمعناه في آخر حديث يأتي إن شاء الله تعالى.
53 -
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ (2) أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلى المالِ والشَّرَفِ لِدِينِهِ (3). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه.
54 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ ضارِيَانِ (4) جَائِعَانِ بَاتَا في زَرِيبَةِ (5) غَنَمٍ أَغْفَلَهَا أَهْلُهَا يَفْتَرِسَانِ وَيَأْكُلانِ بِأَسْرَعَ فِيهَا فَسَادَاً مِنْ حُبِّ المالِ والشَّرَفِ في دِينِ المرْءِ الْمُسْلِمِ. رواه الطبراني واللفظ له وأبو يعلى بنحوه، وإسنادهما جيد.
55 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ ضَارِبَانِ في حَظِيرَةٍ (6) يَأْكُلانِ وَيُفْسِدَانِ بِأَضَرَّ فِيهَا (7) مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ، وَحُبِّ المَالِ في دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ. رواه البزار بإسناد حسن.
(1) الآية قول الله تبارك وتعالى: [وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39)] من سورة مريم.
أي يوم يتحسر المسيء على إساءته والمحسن على قلة إحسانه وقت أن فرغ من الحساب وذهب هذا إلى الجنة وآخر إلى النار [أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين] تعجب، معناه أن استماعهم وإبصارهم يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صماً عمياً في الدنيا، وقد ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم وسجل على إغفالهم بأنه ضلال بين وركنوا إلى زخارف الدنيا وعصوا الله.
(2)
ما الذئبان الجائعان بأشد إفساداً للغنم من إفساد المرء المذكور لدينه، فإن الحرص على المال والجاه يوقعان في البخل والبطر والكبر المفسدات لصاحبها أهـ حفني، وفي الجامع الصغير كأنه كقيل بأفسد لأي شيء، قيل لدينه والقصد أن الحرص على المال والشرف أكثر فساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم أهـ ص 248 جـ 3.
(3)
أي ثنتان يضيعان جمال الدين:
أ - حب المال.
ب - حب التظاهر والصيت والتفاخر.
(4)
معتديان من ضرى بالشيء ضراوة اعتاده واجترأ عليه فهو ضار والأنثى ضارية، وضرى به لزمه وأولع به كما يضري السبع بالصيد.
(5)
مكان الماشية نام عن حراستها أصحابها.
(6)
مكان الوقاية، من حظرته حظراً: منعته وحزته، يقال لما حظر به على الغنم وغيرها من الشجر ليمنعها ويحفظها حظيرة.
(7)
أكثر ضرراً وأشد إفساداً من الميل إلى اثنتين:
أ - المال.
ب - الجاه. هذان يذهبان كمال دين المسلم.
56 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِيْ عَلَى الماءِ إِلَاّ ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ؟ قالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ (1). رواه البيهقي في كتاب الزهد.
57 -
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً (2)،
وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المالُ (3). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
58 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ (4). رواه أحمد والبيهقي.
وزاد: وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ. وإسنادهما جيد.
59 -
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنِ انْقَطَعَ إِلى اللهِ عز وجل كَفَاهُ اللهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسبُ
(1) من يحب الدنيا لا يخلو من عيوب، ففيه الترغيب في الزهد في زخارف الدنيا رجاء تنقية صحيفته وكسب الحسنات:
ولي نفس مقام الذل تأبى
…
ولو رفعت على السبع الشداد
ترى رفض اللئيم أجل فرضا
…
وخفر ذمامه خير اعتقاد
علام تضيق بي أعطان قومي
…
وأرض الله واسعة المهاد
ومن طلب المفاخر والمعالي
…
يهيم بحبها في كل واد
فإن ير وصلها سهر الليالي
…
وجافى جفنه سنة الرقاد
(2)
ما يحصل عنه العذاب كما قال تعالى:
أ -[ألا في الفتنة سقطوا].
ب -[ونبلوكم بالشر والخير فتنة].
جـ -[واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة].
د -[واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة] اعتبار بما ينال الإنسان من الاختبار بهم.
هـ -[والفتنة أشد من القتل] إيقاع العداوة وإشعال نار الخصام والحروب.
و- بإن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10)] من سورة البروج.
أي بلوهم بالأذى لهم جهنم بكفرهم والعذاب الزائد في الإحراق بفتنتهم، وقيل المراد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود وبعذاب الحريق ما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم أهـ بيضاوي.
(3)
حب المال يجر إلى كل معصية.
(4)
لجهله ولغباوته اختار الركون إلى الدنيا ولم يعمل صالحاً لآخرته الباقية.
وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللهُ إِلَيْهَا (1). رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب من رواية الحسن عن عمران، في إسناده إبراهيم بن الأشعث ثقة، وفيه كلام قريب.
من كانت همته الدنيا حرّم الله عليه جواري
60 -
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ (2)، وَمَنْ أَعْطَى الذِّلَّةَ مِنْ نَفْسِهِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلَيْسَ مِنَّا (3). رواه الطبراني، وتقدم في العدل حديث أبي الدحداح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه:
وَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ الدُّنْيَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ جِوَارِي (4)، فَإِنِّي بُعِثْتُ بِخَرَابِ الدُّنْيَا، وَلَمْ أُبْعَثْ بِعِمَارَتِهَا. رواه الطبراني.
61 -
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ أَصْبَحَ حَزِيناً عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطاً عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو اللهَ عز وجل، وَمَنْ تَضَعْضَعَ (5) لِغَنِيٍّ لِيَنَالَ مِمَّا في يَدَيْهِ أَسْخَطَ اللهَ عز وجل، وَمَنْ أُعْطِيَ الْقُرْآنَ (6) فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ. رواه الطبراني في الصغير، ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال في آخره:
وَمَنْ قَعَدَ أَوْ جَلَسَ إِلى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ لِدُنْيَا تُصِيبُهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ، وَدَخَلَ النَّارَ.
62 -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَحِمَ اللهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَتِي حَتَّى يُبَلِّغَهَا غَيْرَهُ: ثَلاثٌ (7) لا يَغُلُّ (8) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ للهِ (9)
(1) أسنده الله إليها تلعب به وتسخر منه تشغله وتشقيه وتتعبه.
(2)
ليس معتمداً على ربه تعالى.
(3)
ليس على طريقتنا الكاملة.
(4)
أبعد الله مكانه عني.
(5)
أذل نفسه له وخشع أمامه.
(6)
الذي أعطاه الله القرآن ولم يعمل به.
(7)
ثلاث، كذا د وع ص 339 - 2 وفي ن ط: ثلاثاً.
(8)
من الإغلال: الخيانة في كل شيء، ويروى يغل بفتح الياء من الغل، وهو الحقد والشحناء: أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق، وروي يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر، والمعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر وعليهن في موضع الحال تقديره لا يغل كائناً عليهن قلب مؤمن أهـ نهاية ص 168.
(9)
يعمل العمل لوجهه وحده خالياً من الرياء.
وَالنُّصْحُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ (1)، وَاللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ (2)، فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ (3) مِنْ وَرَائِهِمْ، إِنَّهُ مَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ (4) يَجْعَلِ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَيُشَتِّتْ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ (5)، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَاّ مَا كُتِبَ لَهُ (6)، وَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ نِيَّتُهُ يَجْعَلِ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَيَكْفِيهِ ضَيْعَتَهُ، وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ (7). رواه ابن ماجة وتقدم لفظه وشرح غريبه في الفراغ للعبادة، والطبراني واللفظ له وابن حبان في صحيحه، وتقدم لفظه في سماع الحديث.
من تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه
63 -
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه إِلى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوا صَلاةَ الْفَجْرِ (8) مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيءِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟ قالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: أَبْشِرُوا (9) وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى (10) عَلَيْكُمْ، وَلكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ (11) الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كما بُسِطَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنافَسُوهَا (12) كما تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كما أَهْلَكَتْهُمْ. رواه البخاري ومسلم.
ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم التكاثر
64 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
(1) بإعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وتنبههم عند الغفلة برفق وسد خلتهم عند الهفوة ورد القلوب النافرة إليهم، وأما أئمة الاجتهاد فببعث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم أهـ قسطلاني.
(2)
حضور مجالس الصالحين وأداء الصلاة جماعة مع الأئمة العاملين.
(3)
يحيط، كذا ط وع، وفي ن د محيط أي يعم ويستجاب كما قال تعالى:[والله من روائهم محيط]. المعنى: أن دعاء العلماء الصالحين أقرب إلى الإجابة.
(4)
طلبه وقصده.
(5)
يفرق طلباته.
(6)
ما قدر له.
(7)
مكرهة منقادة، لأن الله تعالى قدر الأرزاق لأصحابها، ولا بد أن تسعى إليهم كما قال تعالى:[الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر].
(8)
صلاة الفجر كذا ط وع، وفي ن د: صلاة الصبح.
(9)
لكم البشرى والتهنئة وارجوا وانتظروا ما يفرحكم من إقبال الخير الكثير.
(10)
أخافه.
(11)
تزداد الأرزاق.
(12)
أظهروا في جمعها التهالك على جمعها والتشاحن والمسابقة.
مَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ، وَلكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ التَّكَاثُرَ (1)، وَمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْخَطَأَ، وَلكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ التَّعَمُّدَ (2). رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
65 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ كَأَنَّهُ بَذجٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، فَيقُولُ اللهُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ (3)، وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ، فَماذَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ، فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ (4)، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ، فَيقُولُ لَهُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ، فَتَرْكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ، فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْراً، فَيُمْضَى بِهِ إِلى النَّارِ. رواه الترمذي عن إسماعيل بن مسلم، وهو المكي رواه عن الحسن وقتادة، وقال: رواه غير واحد عن الحسن ولم يسندوه.
[قوله: البذج] بباء موحدة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة وجيم: هو ولد الضأن، وشبه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصَّغَار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة.
66 -
وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: الْفَقْرَ تَخَافُونَ أَوِ الْعَوَزَ أَمْ تَهُمُّكُمُ الدُّنْيَا؟ فَإِنَّ اللهَ فَاتِحٌ عَلَيْكُمْ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَتُصَبُّ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا (5) صَبَّاً حَتَّى لا يُزِيغَكُمْ بَعْدَ أَنْ زِغْتُم (6) إِلَاّ هيَ. رواه الطبراني وفي إسناده بقية.
[العوز] بفتح العين والواو: هو الحاجة.
(1) التكاثر: التباري في كثرة المال والعز.
(2)
العمل بقصد وعزم ونية، فالله تعالى تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه.
(3)
مَلكتكه، من خوله الله مالاً، أعطاه.
(4)
تضاعف المال وثمر ولكن لا عمل صالح له فيتمنى العودة والرجوع إلى الدنيا فيرمى في جهنم.
(5)
يكثر خيرها.
(6)
زغتم، كذا ط وع أي ملتم وانحرفتم عن الجادة، وفي ن د: رغمتم أي الدنيا يزداد نعيمها فتطغيكم وتبعدكم عن صالح الأعمال. والزيغ الميل عن الاستقامة، والتزايغ التمايل قال تعالى:[فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم] أي لما فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك.
67 -
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِنْ قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُوراً، وَإِنْ قَتَلَكَ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ، وَلكِنّ أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ وَلَدُكَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ صُلْبِكَ (1)،
ثُمَّ أَعْدَى عَدُوٍ لَكَ مَالُكَ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينُكَ. رواه الطبراني.
68 -
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قالَ الشَّيْطَانُ لَعَنَهُ اللهُ (2): لَنْ يَسْلَم مِنِّي صَاحِبُ الْمَالِ مِنْ إِحْدَى ثَلاثٍ: أَغْدُو (3) عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَرُوحُ: أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقِهِ في غَيْرِ حَقِّهِ، وَأُحَبِّبُهُ إِلَيْهِ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ. رواه الطبراني بإسناد حسن.
69 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي النَّاسَ عَطَاءَهُمْ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قالَ: خُذْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الدِّيْنَارُ والدِّرْهَمُ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ. رواه البزار بإسناد جيد.
70 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمْروٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
(1) أي ذريتك إن شغلتك عن الله تعالى، ومالك الذي تنفقه في معصية كما قال تعالى:[يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16)] من سورة التغابن.
أي أن من الأزواج أزواجاً يعادين بعولتهن ويخاصمنهم، وكذا الأولاد. قال النسفي: قيل إن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فزين لهم العفو [فتنة] بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما: أي عدوان لدودان يبعدان عن الله:
أ - المال.
ب - الولد.
(2)
طرده الله من رحمته وأقصاه من رأفته.
(3)
أبكر وأصبح وأمسي: أي أجعل همي ثلاثة:
أ - أسعى لأخذ الإنسان المال الحرام.
ب - يصرف في المعاصي.
جـ - يشغف بجمعه ويبخل ويشح في إخراج زكاته.
تلك طلبات ثلاث قبلتي ومقصدي لأضل ابن آدم في ماله.
وسلم: اطَّلَعْتُ (1) في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، واطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الأَغْنِيَاءَ والنِّسَاءَ (2) رواه أحمد بإسناد جيد.
إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها
71 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ (3) الدُّنْيَا وَزِيْنَتِهَا. رواه البخاري ومسلم في حديث.
72 -
وَعَن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلى سَفَطٍ أُتِيَ بِهِ مِنْ قَلْعَةِ الْعِرَاقِ، فَكَانَ فِيهِ خَاتَمٌ فَأَخَذَهُ بَعْضُ بَنِيهِ، فَأَدْخَلَهُ في فِيهِ، فَانْتَزَعَهُ عُمَرُ مِنْهُ، ثُمَّ بَكَى عُمَرُ رضي الله عنه، فَقَالَ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ: لِمَ تَبْكِي، وَقَدْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ، وَأَظْهَرَكَ عَلى عَدُوِّكَ (4)، وَأَقَرَّ عَيْنَكَ (5)؟ فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تُفْتَحُ الدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ إِلاّ أَلقى اللهُ عز وجل بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ والْبَغضَاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَشْفَقُ (6) مِنْ ذَلِكَ. رواه أحمد بإسناد حسن والبزار وأبو يعلى.
[السفط] بسين مهملة وفاء مفتوحتين: هو شيء كالقفة أو كالجوالق.
73 -
وَعَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ إِذْ قامَ أَعْرَابِيٌّ فِيهِ جَفَاءٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَلَتْنَا الضَّبُعُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: غَيْرُ ذَلِكَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ حِينَ تُصَبُّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبَاباً، فَيَا لَيْتَ أُمَّتِي لَا تَلْبَسُ الذَّهَبَ، رواه أحمد والبزار، ورواة أحمد رواة الصحيح.
[الضبع] بضاد معجمة مفتوحة وباء موحدة مضمومة: هي السنة المجدبة.
(1) الله تعالى تكرم وأعطاه قوة في النظر فرأى أغلب سكان الجنة الفقراء الذين لا يملكون إلا القوت الضروري، وأصحاب الأموال في النار جزاء بخلهم وشحهم وتقصيرهم في المكرمات وتأخيرهم عن إيجاد الصالحات وانغماسهم في الشهوات واتباع الملذات مع الغفلة عن ذكر الله وتحميده وشكره.
(2)
لانشغالهن في أعمالهن عن أداء حقوق الله وكما قال صلى الله عليه وسلم:
أ - يكفرن العشير.
ب - يكفرن الإحسان.
(3)
خيراتها.
(4)
نصرك عليه وأمدك بالفتوح الجمة.
(5)
أفرحك.
(6)
أخاف.
إن الدنيا حلوة خضرة
74 -
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَنَا لِفِتْنَةِ (1) السَّرَّاءِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ إِنَّكُمُ ابْتُلِيتُمْ بِفِتْنَةِ الضَّرَّاءِ فَصَبَرْتُمْ، وَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ. رواه أبو يعلى والبزار، وفيه راوٍ لم يسمّ وبقية رواته رواة الصحيح.
75 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في حَرَّةٍ (2) بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ (3)، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ هَذَا ذَهَباً تَمْضِي (4) عَلَيْهِ ثَالِثَةٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاّ شَيءٌ أَرْصُدُهُ (5) لِدَيْنٍ إِلَاّ أَنْ أَقُولَ في عِبَادِ الله: هَكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا (6)
عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَعَنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ سَارَ فَقَالَ: إِنَّ الأَكْثَرِينَ (7) هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَاّ مَنْ قَالَ: هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ،
(1) والله لأنا كثير الخوف من ابتلاء الله لكم في حالة غناكم وإرسال نعمه الجمة لكم.
(2)
الأرض ذات الحجارة السود.
(3)
جبل.
(4)
تمضي عليه ثالثة كذا ط وع ص 341 - 2 وفي ن د: يمضي على ثالثة.
(5)
أي أعده يقال رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. وأرصدت له العقوبة إذا أعددتها له، وحقيقته جعلتها على طريقة كالمترقبة له أهـ نهاية: أي أسد به الدين وأدفع به الطلب. قال القسطلاني: لا يحب صلى الله عليه وسلم على تقدير ملكه لأحد [الجبل المعروف بمكة] ذهباً أن يبقى عنده بعد ثلاث ليال من ذلك المال دينار موصوف بكونه ليس مرصداً لوفاء دين عليه في حال أن له قابلاً لا يجده أهـ ص 404 جواهر البخاري.
(6)
أي أتصدق وأنفح وأمنح، قال الإمام البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
…
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
…
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له
…
حد فيعرب عنه ناطق بفم
لو ناسبت قدره آياته عظما
…
أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
…
حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى
…
للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بعد
…
صغيرة وتكل الطرف من أمم
كالزهر في ترف والبدر في شرف
…
والبحر في كرم والدهر في همم
كأنه وهو فرد من جلالته
…
في عسكر حين تلقاه وفي حشم
كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف
…
من معدني منطق منه ومبتسم
(7)
أصحاب النعيم هم قلائل أو الأغنياء هم أقل الناس نعيماً يوم القيامة لعدم وجود ثواب لهم مدخر قد عملوه في حياتهم بالإنفاق في وجوه البر.
وَقَلِيلٌ مَا هُمْ (1)، ثُمَّ قالَ لِي: مَكَانَكَ (2) لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ، الحديث. رواه البخاري واللفظ له ومسلم، وفي لفظ لمسلم قال:
انْتَهَيْتُ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قالَ: هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. قالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ (3) أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: فِدَاكَ أَبِي (4) وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قالَ: هُمُ الأَكْثَرُونَ (5) أَمْوالاً إِلَاّ مَنْ قالَ: هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا (6) مِنْ يَدِيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، الحديث.
الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة
ورواه ابن ماجة مختصراً: الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَسْفَلُونَ (7) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَاّ مَنْ قالَ: هكَذَا وَهكَذَا، وَكَسْبُهُ مِنْ طَيِّبٍ (8).
76 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في نَخْلٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ (9) إِلَاّ مَنْ قالَ: هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَثَا بِكَفَّيْهِ (10) عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُم، الحديث. رواه أحمد، ورواتُه ثقات وابن ماجة بنحوه.
77 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: نَحْنُ الآخِرُونَ (11) الأَوَّلُونَ (12) يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَسْفَلُونَ (13) إِلَاّ
(1) هم قليل.
(2)
الزم مكانك هذا لا تفارقه حتى أحضر.
(3)
لم ألبث، وأصله، أتقارر فأدغمت الراء في الراء. قاروا الصلاة أي اسكنوا فيها ولا تتحركوا ولا تعبثوا وهو تفاعل من القرار، وأقرت الصلاة بالبر والزكاة: أي استقرت معهما وقرنت بهما أهـ نهاية.
(4)
أفديك بوالدي.
(5)
أصحاب الثروة الطائلة.
(6)
أعطى جميع جيرانه وعمم الصدقات.
(7)
الأغنياء أقل الناس منازل وأوطى إلا المنفقون في وجوه البر.
(8)
ربحه من حلال.
(9)
أصحاب رغد العيش والسعة.
(10)
رمى بكثرة: أي ينتهز فرصة وجود أمواله فينفق البدرات، ويقيم المشروعات العظيمة لأبناء وطنه من إيجاد مستشفى أو بنيان معهد علم أو مصنع يتعلم فيه أبناء الأمة الصناعة، وهكذا من ضروب الإحسان.
(11)
آخر الأمم.
(12)
أسبق الناس إلى دخول الجنة والفوز بنعيمها.
(13)
درجاتهم في الجنة منحطة متأخرة.
مَنْ قَالَ: هكَذَا وهكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَحْسي بِثَوْبِهِ (1). رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن ماجة باختصار. وقال في أوله: وَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
[قال الحافظ]: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تدور على هذا المعنى اختصرناها.
78 -
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَأَلَ عَنِّي (2)، أَوْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظرَ إِلَيَّ فَلْيَنْظُرْ إِلى أَشْعَثَ شَاحِبٍ مُشَمِّرٍ (3) لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ (4)، وَلَا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ (5)، الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ (6) وَغداً السِّبَاقُ (7)، والْغَايَةُ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ. رواه الطبراني في الأوسط.
أقلوا الدخول على الأغنياء
79 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَقِلُّوا الدُّخُولَ عَلَى الأَغْنِياءِ (8)،
فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعَمَ اللهِ عز وجل. رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
(1) يهوله بيده ويملأ ثوبه ليصرفه على المساكين المحتاجين.
(2)
الذي يستفهم عن خلاله الحميدة أو يحب أن يراه صلى الله عليه وسلم فليتأمل في صفات رجل رأسه متلبد متغير الوجه مستعد للدفاع.
(3)
نشيط. وفي النهاية: التشمير: الهم، وهو الجد فيه والاجتهاد، وفي المصباح: التشمير في الأمر: السرعة فيه والخفة. وشمرت السهم: أرسلته مصوباً على الصيد: أي اطلبني في صفات المجدين الزاهدين المتواضعين المحاربين.
(4)
ليس له بيت بناه.
(5)
نودي للجهاد فلبى واستغيث فأغاث وطلب للنجدة فأجاب.
(6)
الدنيا ميدان الأعمال وسوق التحصيل ومزرعة الثواب والتنافس والتسابق والادخار.
(7)
والآخرة الفوز وإدراك ثمرة تعب الدنيا ونهاية ما يرجى فالمحسن فيها إلى الجنة والمسيء إلى النار.
(8)
ابتعدوا عن مجالسة أصحاب الأموال خشية أن يتسرب إليكم احتقار النعم التي هي عندكم فتسخطون وتغضبون وتحقرونها. يأمر صلى الله عليه وسلم بمصاحبة الفقراء رجاء أن يكثر حمد الله تعالى على ما أنعم ويوجد الرضى وتحل القناعة وتزداد الطاعة، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" رواه أبو هريرة عن مسلم.
(أجدر) أحق (تزدروا) تحتقروا. قال ابن جرير وغيره هذا حديث جامع لأنواع من الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، وإذا نظر إلى من دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير أهـ ص 587 مختار الإمام مسلم.
فصل
80 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تِباعَاً (1) حَتَّى قُبِضَ (2).
81 -
وفي رواية قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مراراً يقول: والَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ مَا شَبِعَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعَاً مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فارَقَ الدُّنْيَا. رواه البخاري ومسلم.
82 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبِيتُ اللَّيَالِيَ (3) المُتَتَابِعَةَ وَأَهْلُهُ طَاوِياً (4) لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَإِنَّمَا كَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمُ الشَّعِيرُ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين
83 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري ومسلم.
84 -
وفي رواية لمسلم قالت: لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.
85 -
وفي رواية للترمذي قال مسروق: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَدَعَتْ لِي بِطَعامٍ، فَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ، فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ (5) إِلَاّ بَكَيْتُ. قُلْتُ: لِمَ؟ قالَتْ: أَذْكُرُ الْحَالَ الَّتِي فارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الدُّنْيَا، واللهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنِ في يَومٍ.
(1) متتابعة.
(2)
التحق بالرفيق الأعلى.
يخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن عيشة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت كلها كفافاً على قدر الحاجة مع قناعة وزهد واخشوشنة ورضا، وما مر عليه شبع مطلقاً هو وأهله حتى فارقا الدنيا، فهل من مدكر؟ فكر في حال المسلمين الآن. رزقهم واسع وعيشهم رغد فهل من مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم ويحمد ربه على ما أنعم ويطيعه سبحانه.
(3)
يظل ويستمر.
(4)
خالي البطن جائعاً لم يأكل، يقال طوى من الجوع يطوي.
(5)
أود أن أبكي زهداً في الدنيا ورغبة في اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية
86 -
وفي رواية للبيهقي قالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيةً، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا (1)، وَلكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ (2).
87 -
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها (3) نَاوَلَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَقَالَ لَهَا: هَذَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلَهُ أَبُوكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. رواه أحمد والطبراني.
وزاد: فَقَالَ: مَا هذِهِ؟ فَقَالَتْ: قُرْصٌ خَبَزْتُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ بِهذِهِ الْكِسْرَةِ. فقال: فذكره، ورواتهما ثقات.
88 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِطَعَامٍ سُخْنٍ فَأَكَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ قالَ: الْحَمْدُ للهِ، مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعَامٌ سُخْنٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. رواه ابن ماجة بإسناد حسن والبيهقي بإسناد صحيح.
إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا
89 -
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ التَّمْرِ وَيَأْكُلُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عُمَرَ مَالَكَ لَا تَأْكُلُ؟ قُلْتُ: لَا أَشْتَهِيهِ (4) يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: وَلكِنِّي أَشْتَهِيهِ، وَهذِهِ صُبْحُ رَابِعَةٍ (5) مُنْذُ لَمْ أَذُقْ طَعَاماً، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي عز وجل، فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَر، فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ في قَوْمٍ يَخْبِئُونَ (6) رِزْقَ
(1) الرزق واسع والعيش رغد، ولو أردنا لشبعنا، ولكن زهداً في الدنيا وإقبالاً على الطاعة وتقشفاً واخشوشنة.
(2)
يحب أن يبقى ليتفضل على غيره. وفي الغريب: ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضل، ومنه آثرته، وقوله تعالى:
أ -[ويؤثرون على أنفسهم] من سورة الحشر.
ب -[تالله لقد آثرك الله علينا] من سورة يوسف.
جـ -[بل تؤثرون الحياة والدنيا] من سورة الأعلى.
(3)
السيدة فاطمة رضي الله عنها كريمة المصطفى صلى الله عليه وسلم تقدم له قطعة من خبز الشعير فيخبرها صلى الله عليه وسلم أنه صبر على عدم الأكل ثلاثة أيام ابتغاء ثواب الله جل وعلا، لأن الله تعالى ينير قلب الجائع ويعطيه الحكمة والرشاد ويهب له الصواب والتوفيق.
(4)
لا أريد أكله.
(5)
صبح رابعة كذا ط وع ص 343 - 2 وفي ن د: أربعة.
(6)
يكنزون لا ينفقون وتقل الثقة بالله تعالى ويزداد الطمع في الدنيا.
سَنَتِهِمْ، وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ، فَوَاللهِ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ:[وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (1)]. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيَا (2)، وَلَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ (3)، فَمَنْ كَنَزَ دُنْيَا يُرِيدُ بِهَا حَيَاةً بَاقِيَةً، فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِيَدِ اللهِ عز وجل، أَلَا وَإِنِّي لَا أَكْنِزُ دِينَاراً، وَلَا دِرْهَمَاً، وَلَا أَخْبَأُ (4)
رِزْقاً لِغَدٍ. رواه الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب.
90 -
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: عَرَض عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ (5) ذَهَباً. قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْمَاً، وَأَجُوعُ يَوْماً، وَقَالَ ثَلاثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ (6) وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ (7). رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن زُحَر عن عليّ بن يزيدَ عن القاسم عنه، وقال: حديث حسن.
91 -
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَع هُوَ وَلَا أَهْلُهُ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رواه البزار بإسناد حسن.
(1)(60) من سورة العنكبوت وما بعدها [ولئن سألتم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64)] من سورة العنكبوت.
المسؤول عنهم أهل مكة والله الموسع، الرزق والمضيقة والآخرة دار الحياة الباقية لا موت فيها، وقال تعالى:[وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقربها ومستودعها كل في كتاب مبين (7)] من سورة هود.
غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه تفضلاً ورحمة، وإنما أتي بلفظ الوجوب تحقيقاً لوصوله وحملاً على التوكل فيه ويعلم أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقارحين كانت بعد بالقوة. محفوظ في اللوح المحفوظ أهـ بيضاوي.
(2)
ادخارها وحفظ خيراتها.
(3)
بالميل إلى زينتها وزخارفها.
(4)
لا أبقى، يقال خبأت الشيء: سترته، والخبء اسم لما خبئ. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دأبه:
أ - يزهد في الدنيا.
ب - لا يخزن نقوداً.
جـ - لا يحفظ شيئاً من متاع الدنيا لليوم التالي.
لماذا؟ ثقة بربه الرزاق واعتماداً عليه جل وعلا وإقبالاً عليه في عبادته حتى لا يمر عليه صلى الله عليه وسلم أي شاغل من متاعب الدنيا.
(5)
جبالها فرفضها صلى الله عليه وسلم، واختار ما عند الله أن يعينه على صالحات الأعمال، ورغب عن الذهب.
(6)
أظهرت الذل والخشوع له سبحانه.
(7)
أثنيت عليه جل وعلا وشكرت له فضله.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير
92 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ (1)، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رواه البخاري والترمذي.
[مصلية]: أي مشوية.
93 -
وَرُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في يَوْمٍ شَبْعَتَيْنِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. رواه الطبراني.
94 -
وَرُوِيَ أَيْضاً عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قالَ: واللهِ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَدَاءٍ (2) وَعَشَاءٍ حَتَّى لَقِيَ اللهَ عز وجل.
95 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: مَا كَانَ يَبْقَى عَلى مَائِدَةِ (3) رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ لعيه وسلم مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. رواه الطبراني بإسناد حسن.
96 -
وفي رواية له: مَا رُفِعَتْ مَائِدَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْن يَدَيْ
(1) طلبوه رضي الله عنه فتعفف وقنع وامتنع زهداً.
(2)
لم يشبع بل أكل أكلاً قليلاً، كما قال صلى الله عليه وسلم:
أ - ثلث لطعامه.
ب - ثلث لشرابه.
جـ - ثلث لنفسه.
صلى الله عليك يا رسول الله تعلمنا آداب الأكل لاكتساب الصحة التامة حتى تنقى المعدة من الطعام وتبعد من التخمة وتقوى على الطاعة، وقد نصح الأطباء الآن المرضى بالتخفيف من الطعام كما قال تعالى:[كلوا واشربوا ولا تسرفوا] وله صلى الله عليه وسلم أكلتان اثنتان فقط:
أ - الغداء.
ب - العشاء.
ولصالح بن عبد القدوس:
وغرور دنياك التي تسعى لها
…
دار حقيقتها متاع يذهب
تباً لدار لا يدوم نعيمها
…
ومشيدها عما قليل يخرب
فاقنع ففي بعض القناعة راحة
…
ولقد كسى ثواب المذلة أشعب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز
…
إن التقى هو البهى الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا
…
إن المطيع لربه لمقرب
(3)
الطبق الذي عليه الطعام، يقال ما دنى يميدني: أي أطعمني، وقيل يعشيني، وقوله تعالى:[أنزل علينا مائدة من السماء] قيل استدعوا علماً من حيث إن العلم غذاء القلوب كما أن الطعام غذاء الأبدان أهـ غريب.
المعنى يقدم الطعام على قدر الحاجة، ورأيت في حماة الإسلام في صفاته صلى الله عليه وسلم "ما أكل على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق، وكان يجيب دعوة الملوك على خبز الشعير" أهـ ص 64.
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهَا فَضْلَةٌ (1) مِنْ طَعَامٍ قَطّ. رواه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال: وَمَا رُفِعَ بَيْنَ يَدِيْهِ كِسْرَةٌ فَضْلاً حَتَّى قُبِضَ.
97 -
وللترمذي وحسنه من حديث أبي أمامة قال: مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خُبْزُ الشَّعِيرِ.
إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه
98 -
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّراً (2) فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ، مَالِي أَرَاكَ مُتَغَيِّراً؟ قالَ: مَا دَخَلَ جَوْفِي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ ذَاتِ (3) كَبِدٍ مُنْذُ ثَلاثٍ. قالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا يَهُودِيٌّ يَسْقِي إِبِلاً لَهُ، فَسَقَيْتُ لَهُ عَلَى كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ (4)، فَجَمَعْتُ تَمْراً، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ يَا كَعْبُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتُحِبُّنِي (5) يَا كَعْبُ؟ قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ (6) نَعَمْ. قالَ: إِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ (7) إِلى مَعَادِنِهِ، وَإِنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ (8)، فَأَعِدَّ لَهُ تَجْفَافاً (9). قَالَ: فَفَقَدَهُ (10)
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ قَالُوا: مَرِيضٌ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ يَا كَعْبُ (11)، فَقَالَتْ أُمُّهُ: هَنِيئاً لَكَ الْجَنَّةُ يَا كَعْبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ هذِهِ الْمُتَأَلِّيَةُ (12) عَلى اللهِ عز وجل؟ قُلْتُ: هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ:
(1) شيء زائد، من فضل فضلاً: زاد، وخذ الفضل: أي الزيادة، والفضالة بالضم اسم لما يفضل، والفضلة مثله وتفضل عليه وأفضل إفضالاً بمعنى، وفضلته على غيره تفضيلاً: صبرته أفضل منه. والفضيلة والفضل: الخير.
(2)
على وجهه علامة الجوع الذي يؤثر على الجسم فيضعفه.
(3)
أي ورح فيه الحياة: أي لم أذق طعاماً وشراباً مدة ثلاثة أيام ابتغاء صفاء الجسم لله وإشراق نور الحكمة في فؤاده ورغبة عن متاع الدنيا الزائل وحباً في الإخلاص لله تعالى.
(4)
بتمرة كذا ط وع ص 342 - 2 وفي ن د: على كل دلو تمرة بأبي أنت وأمي.
(5)
هل أنا حبيب لك؟.
(6)
أفديك بأبي، وهذا دعاء متناول لم يوجد أعز منه عندهم.
(7)
جري الماء إلى منابعه.
(8)
اختبار على صبرك ومحن تصهر إيمانك.
(9)
ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح، وفرس مجفف عليه تجفاف والجمع التجافيف أهـ نهاية. أي خذ العدة لتحمل آلام اختبار الله جل وعلا واستعد.
(10)
غاب عنه وسأل عنه فلم يجده فسأل عنه صلى الله عليه وسلم شأن الراعي الرؤوف برعيته يبحث عن أصحابه ويتطلع إلى أخبارهم ..
(11)
لك البشرى والتهنئة.
(12)
التي تحكم على الله عز وجل، ومنه حديث "من يتألى على الله يكذبه" أي من حكم عليه وحلف.
مَا يُدْرِيكِ (1) يَا أُمَّ كَعْبٍ لَعَلَّ كَعْباً قالَ مَا لَا يَنْفَعُهُ (2)، وَمَنَعَ مَا لَا يُغْنِيهِ. رواه الطبراني، ولا يحضرني إسناده إلا أن شيخنا الحافظ أبا الحسن رحمه الله كان يقول: إسناده جيد.
لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات
99 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانٍ (3) حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزاً مُرَقَّقاً حَتَّى مَاتَ.
وفي رواية: وَلا رَأَى شَاةً سَمِيطاً (4) بِعَيْنِهِ قَطُّ. رواه البخاري.
100 -
وَعَنِ الْحَسَنِ رضي الله عنه قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُوَاسِي (5) النّاسَ بِنَفْسِهِ حَتَّى جَعَلَ يُرَقِّعُ إِزَارَهُ بِالأَدَمِ (6)، وَمَا جَمَعَ بَيْنَ غَدَاءٍ وَعَشَاءٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلاءٍ (7) حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ عز وجل. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع مرسلاً.
101 -
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ (8) اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، فَقِيلَ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْخُلٌ (9)؟ قالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْخُلاً مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، فَقِيلَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ (10)، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ. رواه البخاري.
[النَّقِيُّ]: هو الخبز الأبيض الحواري.
[ثَرَّيْنَاهُ] بثاء مثلثة مفتوحة وراء مشددة بعدها ياء مثناة تحت ثم نون: أي بللناه وعجناه.
(1) ما يعلمك؟
(2)
أي تحدث بما لا يفيده ولغا وشح وقصر في الإنفاق لله، يقال: ما أغنى فلان شيئاً أي لم ينفع في مهم ولم يكف مؤونة:
وإن نلت الغنى لم أغل فيه
…
ولم أخصص بجفوتي الموالي
(3)
ما يوضع عليه الطعام عند الأكل.
(4)
أي مشوية، فعيل بمعنى مفعول. وأصل السمط: أن ينزع صوف الشاة المذبوحة بالماء الحار، وإنما يفعل بها ذلك في الغالب لتشوى أهـ نهاية.
(5)
يصلح، من أسوت بين القوم وآسيته بنفسي، وفي لغة اليمن واسيته، والمعنى يرأف بهم ويمدهم ويساعدهم ويعينهم.
(6)
بالجلد.
(7)
تباعاً: أي يستغني عن أكلة واحدة في اليوم.
(8)
أرسله رسولاً.
(9)
منخلاً كذا، ط د ن. وفي ن، مناخل وكذا ع ص ص 344 - 2.
(10)
نذريه فيطرح الهواء الحثالة.
ترفع النبي صلى الله عليه وسلم عن الدنيا
102 -
وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ رضي الله عنها أَنَّهَا غَرْبَلَتْ (1) دَقِيقاً، فَصَنَعَتْهُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رَغِيفاً، فَقَالَ: مَا هذَا؟ قَالَتْ: طَعَامٌ نَصْنَعُهُ بِأَرْضِنَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصْنَعَ لَكَ مِنْهُ رَغِيفاً، فَقَالَ: رُدِّيهِ فِيهِ، ثُمَّ اعْجِنِيهِ. رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وَغيرُهما.
103 -
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ: لَمْ يَكُنْ يُنْخَلُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الدَّقِيقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَاّ قَمِيصٌ وَاحِدٌ. رواه الطبراني في الصغير والأوسط.
104 -
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قالَ: أَلَسْتُمْ في طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم، وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ. رواه مسلم والترمذي.
105 -
وفي رواية لمسلم عن النعمان قالَ: ذَكَرَ عُمَرُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي (2) مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ.
[الدقل] بدال مهملة وقاف مفتوحتين: هو رديء التمر.
106 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: إِنْ كَانَ لَيَمُرُّ بِآلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأَهِلَّةُ (3) مَا يُسْرَجُ في بَيْتِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سِرَاجٌ (4)، وَلَا يُوقَدُ (5) فِيهِ نَارٌ إِنْ وَجَدُوا زَيْتاً ادَّهَنُوا بِهِ (6).
(1) أخرجت النخالة وصفت الدقيق، يقال نخلت الدقيق نخلاً، والنخالة قشر الحب ولا يأكله الآدمي كذا في المصباح، والمنخل: ما ينخل به، وبكسر الميم اسم آلة، وتنخلت كلامه: تخيرت أجوده، وانتخلت الشيء أخذت أفضله، والنخال الذي ينخل التراب في الأزقة لطلب ما سقط من الناس.
(2)
يستمر طيلة النهار يلتوي: أي يصبر على ألم الجوع، ومنه " وجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا" أي تتلوى، يقال لوى عليه إذا عطف وعرج.
(3)
الشهور العربية.
(4)
لا يضيء مصباح.
(5)
لا تشتعل.
(6)
جعلوه دهناً لأجسامهم ليزيل الرطوبة ويمنع البرد.
وَإِنْ وَجَدُوا وَدَكاً (1) أَكلُوهُ. رواه أبو يعلى، ورواته ثقات إلا عثمان بن عطاء الخراساني وقد وُثق.
107 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: أَرْسَلَ إِليْنَا آلُ أَبِي بَكْرٍ بِقَائِمَةِ شَاةٍ (2) لَيلاً، فَأَمْسَكْتُ (3)، وَقَطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ قَالَتْ: فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَطَعْتُ. قالَ: فَتَقُولُ لِلَّذِي تُحَدِّثُهُ هذَا عَلى غَيْرِ مِصْبَاحٍ. رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح والطبراني.
وزاد: فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنينَ عَلَى مِصْبَاحٍ؟ قالَتْ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا دُهْنٌ غَيْرُ مِصْبَاحٍ لأَكَلْنَاهُ.
108 -
وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: واللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلى الْهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثُمَّ الْهِلالِ ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ في أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ. قُلْتُ: يَا خَالَةُ، فَما كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ (4): التَّمْرُ والْمَاءُ إِلَاّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِيرَانٌ مِنَ
(1) دسم اللحم ودنه الذي يستخرج منه. الله أكبر بيت النبوة أسمى قدراً من بيت الملوك قاطبة:
أ - يضيئة نور الله الطبيعي.
ب - لا يوجد فيه طبخ مدة من الزمن.
جـ - خال من أنواع المطاعم والمشارب اللذيذة الممتعة.
لماذا؟ لهوان الدنيا على الله لم يجعل لحبيبه منها إلا القوت الضروري فقط، وحب الدنيا صفة من صفات الكفار كما قال تعالى:[الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد (3)] من سورة إبراهيم.
وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور، ومن تعاليمه الزهد في الدنيا والإقبال على الله بطاعته واختيار نعيم الآخرة والإعراض عن نعيم الدنيا كما أعرض عنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ويبغونها] ويبغون لها زيغاً ونكوباً عن الحق ليقدحوا في القرآن وليطمعوا في زخارف الحياة وغفلوا عن الله. إنك يا رسول الله ضربت مثلاً عالياً في الزهادة ورضيت بالقليل حباً في سمو الدرجات، وكنت للمسلمين قدوة حسنة فجزاك الله خيراً.
(2)
قطعة من الشاة.
(3)
قبضت على اللحم، والذي يقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو السيدة عائشة قطعت اللحم وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القابض عليها ويعملان هذا على ظلام. أرأيت أزهد من هذا؟ أكبر من كل ملك وأجل إنسان اصطفاه الله وزوجه رضي الله عنها يأتي لهما رزق ساقه الله إليهما فيأخذان في إنضاجه وتهيئته للعشاء بلا ضوء، لماذا؟ لحقارة الدنيا وزينتها عند الله ورسوله.
(4)
أما التمر فأسود، وهو الغالب على تمر المدينة فأضيف الماء إليه ونعت بنعته إتباعاً والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان فيسميان معاً باسم الأشهر منهما كالقمرين والعمرين أهـ نهاية ص 191.
الأَنْصَارِ: وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَايحُ (1) فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ (2). رواه البخاري ومسلم.
رضا النبي صلى الله عليه وسلم وآله بالقليل من الدنيا
109 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَعُ مِن التَّمْرِ فقَدْ كَذَبَكُمْ (3)، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُرَيْظَةَ أَصَبْنَا شَيْئاً مِنَ التَّمْرِ وَالْوَدَكِ. رواه ابن حبان في صحيحه.
110 -
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنه قالَ: شَكَوْنَا إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجُوعَ، وَرَفَعْنَا ثِيَابَنَا عَنْ حَجَرِ حَجَرٍ (4) عَلى بُطُونِنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ حَجَرَيْنِ. رواه الترمذي.
111 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً فَوَجَدْتُهُ جَالِساً، وَقَدْ عَصَبَ بَطْنَهُ (5) بِعِصَابَةٍ، فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلى أَبي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُليْمٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ قَدْ رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: مِنَ الْجَوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ: هَلْ
(1) نوق أو شياه ينتفع بلبنها.
(2)
يشرب صلى الله عليه وسلم من لبنها ويسقينا منه.
إخبار أن عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أصناف.
أ - تمر.
ب - ماء.
جـ - لبن.
وتلك لعمري نهاية الزهد: أي نفس الآن تعيش على ذلك وترضى أن يمر عليها أيام وليالي على تمر وماء أو ينتظر جاره أن يهديه لبناً. إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رغب عن متاع الدنيا واختار ما عند الله وجد في العبادة ليل نهار حتى ورمت قدماه ولسانه لا يفتر لحظة عن ذكر الله وجاهد وجالد وأشرقت كواكبه متلألئة في سماء المحامد والصالحات يستضيء بأنواره المسلمون إلى [يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار (48)] من سورة إبراهيم.
عن علي رضي الله عنه تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب، وعن ابن مسعود وأنس رضي الله تعالى عنهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة.
(3)
لم يخبر بالواقع الحق.
(4)
عن حجر حجر هكذا ط وع ص 346 - 2، وفي ن د: عن حجر، أي وأحد الصحابة وضعوا حجراً على بطونهم ليضغط على المعدة فلا تؤلمهم حرارة الجوع فأراهم صلى الله عليه وسلم حجرين موضوعين لهذا الغرض ليزداد صبرهم وليكثر إيمانهم وليقوى يقينهم.
(5)
شده وربطه.
مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَراتٍ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلّ عَنْهُمْ (1). فذكر الحديث رواه البخاري ومسلم.
112 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، وَجِبْرِيلُ عليه السلام عَلى الصَّفَا (2)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَا جِبْرِيْلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى لآلِ مُحَمَّدٍ سَفَةٌ (3) مِنْ دَقِيقٍ وَلَا كَفٌّ (4) مِنْ سَوِيقٍ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَدَّةً (5) مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَرَ اللهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟ قالَ: لَا وَلكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ، فَنَزَلَ إِلَيْكَ (6) بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ أَنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّداً وَيَاقُوتاً وذَهَباً وَفِضَّةً فَعَلْتُ، فَإِنْ شِئْتَ نَبِيّاً مَلِكاً، وَإِنْ شِئْتَ نَبيّاً عَبْداً فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ (7) فَقَالَ: بَلْ نَبِيّاً عَبْداً ثَلاثاً. رواه الطبراني بإسناد حسن والبيهقي في الزهد وغيره.
113 -
ورواه ابن حبان في صحيحه مختصراً من حديث أبي هريرة، ولفظه قال: جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ إِلى السَّمَاءِ، فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هذَا الْملَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ أَمَلِكاً أَجْعَلُكَ أَمْ عَبْداً رَسُولاً؟ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا، بَلْ عَبْداً رَسُولاً (8).
(1) ما عندنا لا يكفي اثنان ولكن بفضل الله يشبعان.
(2)
جبل بجوار البيت الحرام.
(3)
ما يستف.
(4)
قدر ملء كف من السويق: وهو ما يعمل من الحنطة والشعير، ومنه أكثر شربي السويق ملتوتاً.
(5)
رجفة وصوت مزعج.
(6)
أرسلني إليك.
(7)
أظهر اللين والخشوع لربك.
(8)
أريد أن أكون عبداً: أي أظهر التذلل لك والخضوع. وفي الغريب العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى ولهذا قال [ألا تعبدوا إلا إياه] العبد على أربعة أضرب: الأول عبد بحكم الشرع، وهو الإنسان الذي يصح بيعه وابتياعه نحو [العبد بالعبد، =
114 -
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أُتِيتُ بِمَقَالِيدِ الدُّنْيَا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (1) عَلَى قَطِيفَةٍ مِنْ سُنْدِسٍ (2) رواه ابن حبان في صحيحه.
115 -
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ لَبَنٌ وَعَسَلٌ فَقَالَ: شَرْبَتَيْنِ في شَرْبَةٍ، وَأُدْمَيْنِ (3) فِي قَدَحٍ، لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، أَمَا إِنِّي لَا أَزْعُمُ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللهُ عز وجل عَنْ فَضُولِ الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَتَوَاضَعُ للهِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ اللهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ، وَمَنِ اقْتَصَدَ (4) أَغْنَاهُ اللهُ، ومَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ (5) أَحَبَّهُ اللهُ، رواه الطبراني في الأوسط.
116 -
وَعَنْ سُلْمَى امْرَأَةِ أَبي رَافِعٍ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم فَقَالُوا: اصْنَعِي لَنَا طَعَاماً مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكْلُهُ، فَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ إِذاً لَا تَشْتَهُونَهُ الْيَوْمَ، فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ شَعِيراً فَطَحَنْتُهُ وَنَسَفْتُهُ (6) وَجَعَلْتُ مِنْهُ خُبْزَةً، وَكَانَ أُدْمُهُ الزَّيْتُ، وَنَثَرْتُ عَلَيْهِ الْفُلْفُلَ
= وعبداً مملوكاً لا يقدر على شيء]. الثاني: عبد بالإيجاد، ذلك ليس إلا لله وإياه قصد [إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً (93)] من سورة مريم.
والثالث عبد بالعبادة والخدمة، والناس في هذا ضربان عبد الله مخلصاً وهو المقصود بقوله [ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً (3)] من سورة الإسراء.
[نزل الفرقان على عبده][إن عبادي ليس لك عليهم سلطان][كونوا عباداً لي] وعبد للدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم "تعس عبد الدينار" أهـ ص 321.
(1)
أبيض.
(2)
مارق من الديباج.
(3)
ما يؤتدم به مائعاً كان أو جامداً وأدم جمع إدام مثل كتاب وكتب: بيت النبوة فوق بيت الملك يضاء بنور الله تعالى ليس فيه النور الصناعي وخلا من متاع الدنيا وأهله زهاد:
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا
…
يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
يدعو صلى الله عليه وسلم إلى الله ولا يطمع في شيء ما وتأتي إليه صلى الله عليه وسلم آلاف الدنانير فيوزعها لله يسوق الله تعالى له صلى الله عليه وسلم كوب لبن ومقدار كوب عسل فيستغني عنهما زهادة وقناعة ثقة بالله المقيت، ويبين أن هذا حلال من الطيبات من الرزق، ولكن يخشى سؤال الله تعالى عن هذه النعمة زائدة عن الحاجة، ولقد صدق صلى الله عليه وسلم "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم".
(4)
راعى الحد الأوسط في الإنفاق.
(5)
استعد للآخرة وترك الأمل ولم يسوف في الصالحات.
(6)
تعرضه للهواء ليزيل الذي لا يؤكل، يقال نسفت الريح التراب: اقتلعته وفرقته.
فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِمْ وَقُلْتُ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ هذَا. رواه الطبراني بإسناد جيد.
117 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ أُخِفْتُ (1) في اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ (2) في اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِيَ وَلِبَلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ (3) إِلَاّ شَيءٌ يُوَارِيهِ (4) إِبْطُ بِلالٍ. رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ومعنى هذا الحديث] حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَارِباً مِنْ مَكَّةَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تَحْتَ إِبْطِهِ، انْتَهَى.
مالي وللدنيا
118 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: نَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ (5). قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ: لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً (6)؟ فَقَالَ: مَالِي وَلِلدُّنْيَا (7) مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَاّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا. رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
والطبراني ولفظه قال: دَخَلْتُ علَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ في غُرْفَةٍ كَأَنَّهَا بَيْتُ حَمَّامٍ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا عَبْدَ اللهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كِسْرَى وَقَيْصَرُ يَطَؤُونَ عَلَى الْخَزِّ وَالدِّيْبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلى هذا الْحَصِيرِ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِكَ؟ قالَ: فَلَا تَبْكِ يَا عَبْدَ اللهِ، فَإِنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَنَا الآخِرَةُ (8) وَمَا أَنَا والدُّنْيَا، وَمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَاّ كَمَثَلِ رَاكِبٍ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ سَارَ وَتَرَكَهَا. ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب بنحو الطبراني.
(1) لقد أخافني الله: أي حصل مني خوف.
(2)
لأقد أذاني الناس أثناء دعوتهم إلى الله أي تحملت الأذى والمشقة.
(3)
فيه الحياة.
(4)
يداريه ويخفيه.
(5)
جعل خطوطاً.
(6)
فرشاً ليناً ومهاداً وطيئاً وقد وطؤ الفراش فهو وطئ.
(7)
أي شيء لي والدنيا وليس وجودي في الدنيا إلا مثل المسافر المستظل مدة تحت شجرة، ثم بعد منها هكذا الدنيا كحلم نائم، وبعد نصحو ونستيقظ للدار الباقية.
(8)
أي لنا النعيم الباقي بطاعة الله.
[قوله: كأنها بيت حمام] هو بتشديد الميم: ومعناه أن فيها من الحر والكرب كما في بيت الحمام.
مثل النبي صلى الله عليه وسلم ومثل الدنيا
119 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشاً أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: مَالِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مِثلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَاّ كَرَاكِبٍ سَارَ في يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا. رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي.
120 -
وَعنه رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلى حَصِيرٍ قالَ: فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِير نَحْوَ الصَّاعِ، وَقَرَظٍ (1)
في نَاحِيَةٍ في الْغُرْفَةِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فقَالَ: مَا يُبْكِيكَ
(1) ورق السلم ليدبغ به الإهاب وقيل شجر البلوط، وفي النهاية أهب جمع إهاب، وهو الجلد، وقيل إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ فأما بعده فلا والعطلة المنتنة التي هي في دباغها، ومنه الحديث لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق. قيل كان هذا معجزة للقرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما تكون الآيات في عصور الأنبياء، وقبل المعنى من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له، ومنه الحديث "أيما إهاب دبغ فقد طهر" أهـ. ما هذه الحقارة المتناهية للدنيا عند سيدنا رسول الله الذي طبق ذكره الآفاق وشرح الله صدره ورفع له ذكره مع ذكره جل وعلا في الأذان والصلاة والإقامة وأمرنا بالصلاة عليه والإيمان به، يحدث عمر ابن عباس: ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم سوى:
أ - رداء.
ب - حصير.
جـ - قبضة شعير.
د - جلد.
فأخذته الرأفة والشفقة على حبيبه واغرورقت عيناه، فنظر إليه سيدنا رسول الله وسأل عن سبب بكائه، وأنه علم خزائن كسرى وقيصر. أعلمت الجواب الشافي والبلسم الوافي لنا الآخرة، هذه القدوة الحسنة للمسلمين رجاء أن يجدوا في العمل الصالح ويزهدوا في الدنيا ويؤدوا حقوق الله تعالى ولا يطمعوا في كثرتها ولا يغتروا بزخارفها كما قال جل شأنه [وللدار الآخرة خير] قال الغزالي: فالدنيا غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها، وذمها خالقها، جديدها يبلى وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت وخيرها يفوت أهـ ص 183 جـ 3 إحياء، وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيراً ويقول:
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها
…
إن اغترارً بظل زائل حمق
ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال:
أحلام نوم أو كظل زائل
…
إن اللبيب بمثلها لا يخدع
وقال ابن مسعود: ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مردودة، وفي ذلك قيل: =
يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ وَمَالِي لَا أَبْكِي! وَهذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ في جَنْبِكَ وَهذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَاّ مَا أَرَى، وَذَاكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ في الثِّمارِ وَالأَنْهَارِ، وَأَنْتَ نَبيُّ اللهِ وَصَفْوَتُهُ وَهذِهِ خِزَانَتُكَ. قالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ ولَهُمُ الدُّنْيَا؟ رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
ولفظه قالَ عُمَرُ رضي الله عنه: اسْتَأْذَنْتُ علَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ في مَشْرُبَةٍ (1) وَإِنَّهُ لَمُضْطَجِعٌ عَلَى خَصَفَةٍ (2) إِنَّ بَعْضَهُ لَعلَى التُّرَابِ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفاً، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لإِهَاباً (3)
عَطِناً، وَفي نَاحِيَةِ الْمَشْرُبَةِ قَرَظٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَصَفْوَتُهُ، وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلى سُرُرِ الذَّهَبِ وَفُرشِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، فَقَالَ: أُولئِكَ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ وَهِيَ وَشِيكَةُ الانْقِطَاعِ، وَإِنَّا قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنا في آخِرَتِنَا. رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس أن عمر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه.
[المشربة] بفتح الميم، والراء وبضم الراء أيضاً: هي الغرفة.
[وشيكة الانقطاع]: أي سريعة الانقطاع
= وما المال والأهلون إلا ودائع
…
ولا بد يوماً أن ترد الودائع
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره
…
ونال من الدنيا سروراً وأنعما
كبان بنى بنيانه فأقامه
…
فلما استوى ما قد بناه تهدما
هب الدنيا تساق إليك عفواً
…
أليس مصيرك ذاك إلى انتقال
وما دنياك إلا مثل فيءٍ
…
أظلك ثم آذن بالرحيل
وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أن لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها، وفي ذلك قيل:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
…
له عن عدو في ثياب صديق
(1)
الغرفة، كذا في النهاية.
(2)
الجلة التي يكنز فيها التمر، ومنه الخصف وهو ضم الشيء إلى الشيء لأنه شيء منسوج من الخوص ومنه الحديث "كان له خصفة يحجرها ويصلي عليها. أسمى من الملك وأثاثه فرش من خصوص. نهاية الزهد يا رسول الله.
(3)
لجلداً مرق شعره وأنتن في الدباغ، والمعطون المنتن المتمرق في الشعر، يقال عطن الجلد فهو عطن ومعطون. يشهد سيدنا عمر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة أشبه بالكوخ على نسيج الخوص ويعلق راوية كإناء للماء ليطهر وليتنظف وليشرب منه، ووجهه صلى الله عليه وسلم يتلألأ سروراً من هذه الحالة هو راض قانع مستبشر فرح ذو ثقة بثواب الله تعالى المدخر له ولمن صبر من أمته. قال سيدنا عيسى =
121 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ لِرسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيرٌ مُزَمَّلٌ (1)
بِالْبَرْدِي عَلَيْهِ كِسَاءٌ أَسْوَدُ قَدْ حَشَوْنَاهُ بِالْبَرْدِي، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَيْهِ، فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَائِمٌ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَآهُما اسْتَوَى جَالِساً فَنَظَرَا فَإِذَا أَثَرُ السَّرِير في جَنْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُؤْذِيكَ خُشُونَةُ مَا نَرَى مِنْ فِرَاشِكَ وَسَرِيرِكَ، وَهذَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى فِرَاشِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا تَقُولا هذَا، فَإِنَّ فِرَاشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ في النَّارِ، وَإِنَّ فِرَاشِي وَسَرِيري هذَا عَاقِبَتُهُ إِلى الْجَنَّةِ. رواه ابن حبان في صحيحه من رواية الماضي بن محمد.
122 -
وَعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً (2) حَشْوُهُ لِيفٌ.
123 -
وفي رواية: كانَ وِسَادُ (3) رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
124 -
وَعَنْهَا رضي الله عنها قالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فرَأَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَطِيفَةً (4) مَثْنِيَّةً (5)، فَبَعَثَتْ إِلَيّ بِفِرَاشٍ حَشْوُهُ
= عليه السلام: يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا، وفي معناه قيل:
أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا
…
وما أراهم في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما
…
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال عيسى عليه السلام: يا طالب الدنيا لتبر، طلبك الدين أبر.
(1)
مغطى بنوع من الثياب والجمع أبراد وبرود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صفر تلبسه الأعراب أهـ نهاية.
يشهد أبو بكر وعمر أن أثاث رسول الله، وهو أفضل من جميع ملوك الدنيا قاطبة سرير يلف عليه نوع من النسيج وحصل على جنبه تأثير خشونة أعواد السرير فتأثرا وغضبا ورجوا من الله تعالى عزة كسرى وقيصر وأبهة ملكهما وزيادة نعيمهما، فنهاهما صلى الله عليه وسلم وحبب إليهما الرضا، وهذه الحالة على شريطة طاعة الله الموصلة إلى نيل رضوانه وإحسانه.
(2)
جمع أديم أدم بفتحتين وضمتين: جلد مدبوغ.
(3)
كان وساد كذا ط وع ص 348، وفي ن د كان وسادة، وفي النهاية الوساد والوسادة: المخدة والجمع وسائد، وقد وسدته الشيء فتوسده إذا جعلته تحت رأسه.
(4)
كساء له خمل.
(5)
مربوطة بحبلين بأحد طرفيها ويسمى ذلك الحبل الثناية، ومنه حديث عمر "كان ينحر بدنته مثنية": أي معقولة بعقالين.
الصُّوفُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: فُلانَةُ الأَنْصَارِيَّةُ دَخَلَتْ فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَذَهَبَتْ فَبَعَثَتْ إِليَّ بِهذَا، فَقَالَ: رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ. فَوَاللهِ لَوْ شِئْتُ (1) لأَجْرَى اللهُ مَعِي جِبَالَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ. رواه البيهقي من رواية عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد.
125 -
ورواه أبو الشيخ في الثواب عن ابن فضيل عن مجالد عن يحيى بن عباد عن امرأة من قومهم لم يسمّها قالت: دَخَلْتُ علَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَمَسَسْتُ فِرَاشَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ خَشِنٌ، وَإِذَا دَاخِلُهُ بُرْدِيٌّ (2) أَوْ لِيفٌ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمؤْمِنِينَ إِنَّ عِنْدِي فِرَاشاً أَحْسَنَ مِنْ هذَا وأَلْيَنَ. فذكره أطول منه.
126 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: لَبِسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الصُّوفَ واحْتَذَى (3) المخصُوفَ، وَقالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَشِعاً وَلَبِسَ حِلْساً خَشِناً (4). قِيل لِلْحَسَنِ: مَا الْبَشِعُ؟ قالَ: غَلِيظُ الشَّعِيرِ، مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُسِيغُهُ (5) إِلَاّ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ. رواه ابن ماجة والحاكم كلاهما من رواية يوسف بن أبي كثير وهو مجهول، عن نوح بن ذكوان، وهو واهٍ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعنده خشناً موضعُ بَشِعاً.
(1) لو أردت لحول الله الجبال لي ذهباً، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يرض متاع الدنيا، ويعطي درساً عملياً في الزهد والإقبال على الله بطاعته فقط كما حكى الله تعالى عن أهل العلم [فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون (80)] من سورة القصص.
أصحاب الدنيا الغافلون عن الله يتمنون نعيم الدنيا، ولكن العلماء يرفضون متاعها. وهل رأيت أصبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالته هو وأهله، تأتي جارة صالحة مؤمنة وتقدم فراشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيرفضه ويطمئنها أن الجبال تراوده أن تصير ذهباً وفضة فيرغب عنها زهداً فيها، هكذا يكون الناصح الواعظ المرشد يعمل بعلمه قبل قوله.
(2)
نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد.
(3)
يلبس الحذاء المرقع، وفيه هو قاعد يخصف نعله، أي كان يخرزها، ومنه شعر العباس يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
من قبلها طبت في الظلال وفي
…
مستودع حيث يخصف الورق
أي في الجنة حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة أهـ نهاية.
(4)
أي كساء ممتهناً، وفي المصباح: كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله. والحلس: بساط يبسط في البيت، وفي النهاية حديث أبي بكر رضي الله عنه "كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطية وميتة قاضية".
(5)
يسهل انزلاقه من الحلق، من ساغ الشراب: سهل انحداره وأساغه وجرعة: حسوة منه.
127 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ. رواه مسلم وأبو داود والترمذي، ولم يقل: مرحل.
[المرط] بكسر الميم وإسكان الراء: هو كساء من صوف أو خزّ يُؤتزر به.
[والمرحل] بتشديد الحاء المهملة مفتوحة: هو الذي فيه صور الرحال.
128 -
وَعَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنِ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قالَ: أَخْرَجَتْ لَنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها كِسَاءً مُلَبَّداً وَإِزَاراً غَلِيظاً قالَتْ. قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذَيْنِ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.
[قوله: ملبداً]: أي مرقّعاً، وقد لبَدْت الثوب بالتخفيف، ولبدته بالتشديد، يقال للرقعة التي يرقع بها صدر القميص اللبدة، والرقعة التي يرقع بها قبّ القميص القبيلة.
129 -
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنهما قالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةً (1) لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في بَيْتِ أَبي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَجِدْ لِسُفْرَتِه، وَلَا لِسَقائِه (2) مَا يَرْبِطُهُمَا بِه، فَقُلْتُ لأَبي بَكْرٍ: وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئاً أَرْبُطُ بِهِ إِلَاّ نِطَاقِي؟ قالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ وَارْبُطِي بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِوَاحِدٍ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. رواه البخاري.
[النطاق] بكسر النون: شيء تشدّ به المرأة وسطها لترفع به ثوبها عن الأرض عند قضاء الأشغال.
130 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيةٌ لَهَا عَلَيْهَا دِرْعٌ ثَمَنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تَزْهُو عَلى أَنْ تَلْبَسَهُ في الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1) طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستمر فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به.
(2)
ظرف الماء من الجلد ويجمع على أسقية، ويربط بضم الباء وكسرها.
فَما كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ (1) بِالْمَدِينَةِ إِلَاّ أَرْسَلَتْ إِليَّ تَسْتَعِيرُهُ. رواه البخاري
131 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ (2) إِلَاّ شَطْرُ شَعِيرٍ في رَقٍ لي (3)، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ (4) عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ (5) فَفَنِيَ. رواه البخاري ومسلم والترمذي.
ما تركه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
132 -
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحرِثِ رضي الله عنه قالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمَاً وَلَا دِيناراً، وَلا عَبْداً، وَلا أَمةً، وَلا شَيئاً إِلا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ التي كانَ يَرْكَبُهَا وَسِلاحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا لابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً (6).
رواه البخاري.
(1) تزين لزفافها، والتقيين: التزيين، والقينة: الأمة غنت أو لم تغن والماشطة.
(2)
صاحب حياة ذو روح.
(3)
جلد. وفي رواية: رف 350 - 2 - ع
(4)
بارك الله لي فيه مدة طويلة.
(5)
قدرته أي لما أحصته وتوجهت همتها إليه وتعلقت به فني. وقد كنا عائلة خمسة إخوة يأكلون في إناء واحد وتأتي الذرة فتوضع في مخازنها، وكذا القمح فكان أحدنا المتصرف ينفق ويبيع، ولا تنقص المخازن حتى تأتي الزراعة الجديدة والغلة الحديثة وكنا نلمس البركة وندرك خير الألفة ونجني ثمرة المحبة، ولما كلنا وحسبنا وعددنا وتفرقنا نقص المحصول ونفدت الذرة أو القمح من المخازن ولم يكف ما نتج فاشترينا.
(6)
رسول الله صلى الله عليه وسلم فارق الدنيا بجليل الأعمال الصالحة الطيبة المثمرة وترك فيها:
أ - مركباً.
ب - سلاح الجهاد والدفاع لتعرف أمته أن عزها في شجاعتها وشممها وحسن استعدادها.
جـ - صدقة جارية. ما ترك ضيعة أو ذهباً أو قصوراً.
لماذا؟ لزهده، ولأن الفقر يقرب إلى الله تعالى كما قال سبحانه:
أ -[أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا]. قال الغزالي وجاء في التفسير على الزهد في الدنيا.
ب - وقال جل شأنه [إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً] قيل معناه أيهم أزهد فيها فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال.
جـ - وقال جل شأنه [من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب].
د - وقال تعالى للمثل الأعلى للزهد الذي أقبل على ربه بالطاعات ليل نهار وجاهد وجالد [ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزاوجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132)] من سورة طه.
التاريخ الصحيح نقل لنا أخبار عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد الثقات بذلك، وقد حضر آلاف من المسلمين في عصره فلما وجدوا له شيئاً. لماذا؟ لزهده. يا عجباً الذي دانت له المعمورة وخضعت له الأكاسرة وذلت له الجبابرة وسار ذكره مسير الشمس وطار صيته وعظم جاهه لا يترك إلا بغلة وسلاحاً، نعم لأنه صلى الله عليه وسلم يريد ما عند الله تعالى ولتتأس به أمته وتترك التطاحن والتشاحن والتكالب على حب الدنيا ولتقبل على الله الرزاق الحي الموجود، قال الشاعر:
يا راقد الليل مسروراً بأوله
…
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك
…
قد كان في الدهر نفاعاً وضرارا =
133 -
وَعَنْ عُلَيِّ بْنِ رِبَاحٍ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه يَقُولُ: لَقَدْ أَصْبَحْتُمْ وَأَمْسَيْتُمْ تَرْغَبُونَ فِيمَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَزْهَدُ فِيهِ، أَصْبَحْتُمْ ترْغَبُونَ في الدُّنْيَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزْهَدُ فِيهَا، وَاللهِ مَا أَتَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةٌ من دَهْرِهِ إِلَاّ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَهُ قالَ: فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَسلِفُ. رواه أحمد ورواتُه رواة الصحيح، والحاكم إلا أنه قال:
مَا مَرَّ بِهِ ثَلاثٌ مِنْ دَهْرِهِ إِلَاّ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لَهُ، وقال: صحيح على شرطهما. ورواه ابن حبان في صحيحه مختصراً:
كَانَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم أَزْهَدَ النَّاسِ في الدُّنْيَا، وَأَصْبَحْتُمْ أَرْغَبَ النَّاسِ فِيهَا.
134 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: وَدِرْعُهُ (1) مَرْهُونَةٌ (2) عِنْدَ يَهُودِيٍّ في ثَلاثِينَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ (3). رواه البخاري ومسلم والترمذي.
135 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هذِهِ السَّاعَةَ؟ قالَا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: وَأَنَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَوا رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فلمَّا رأَتْهُ الْمَرْأَةُ قالَتْ: مَرْحَباً (4) وَأَهْلاً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ فُلانٌ؟
= يا من يعانق دنيا لا بقاء لها
…
يمسي ويصبح في دنياه سفارا
هلا تركت من الدنيا معانقة
…
حتى تعانق في الفردوس أبكارا
إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها
…
فينبغي لك أن لا تأمن الدارا
(1)
وقايته من حديد على صدره.
(2)
مودعة عند يهودي على أخذ شيء، يقال رهنته المتاع بالدين رهناً: حبسته به فهو مرهون. والدرع: الزردية.
(3)
يضرب صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى في الزهد فيعطي شيئاً لليهودي ويأخذ منه شيئاً من الشعير لينفق ويتصدق ويكرم ويجود، [فإن مع العسر يسرا] ويرغب في القناعة ويحث على العمل، ومن أصابه عسر استلف ويجد ليسدد الدين.
(4)
أتيت مكاناً رحباً واسعاً، وأتيت أهلاً للضيافة، كما قال الشاعر:
فقالت لنا أهلاً وسهلاً وزودت
…
جنى النحل بل ما زودت منه أطيب
قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ (1) لَنَا الماءَ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الْحَمْدُ للهِ مَا أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، وَقالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ (2)،
فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرُوُوا قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رواه مالك بلاغاً باختصار ومسلم، واللفظ له والترمذي بزيادة، والأنصاري المبهم: هو أبو الهيثم بن التيهاني بفتح المثناة فوق وكسر المثناة تحت وتشديدها، كذا جاء مصرحاً به في الموطأ والترمذي، وفي مسند أبي يعلى ومعجم الطبراني من حديث ابن عباس أنه أبو الهيثم وكذا في المعجم أيضاً من حديث ابن عمر؛ وقد رُويت هذه القصة من حديث جماعة من الصحابة مصرح في أكثرها بأنه أبو الهيثم، وجاء في معجم الطبراني الصغير والأوسط وصحيح ابن حبان من حديث ابن عباس وغيره أنه أبو أيوب الأنصاري، والظاهر أن هذه القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم، ومرة مع أبي أيوب. والله أعلم، وتقدم حديث ابن عباس في الحمد بعد الأكل.
[العذق] هنا بكسر العين وهو الكباسة والقِنْو، وأما بفتح العين فهو النخلة.
رفض النبي صلى الله عليه وسلم للدنيا
136 -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فاستَسْقَى (3)، فَأُتِيَ بِمَاءٍ وَعَسَلٍ، فَلَمَّا وَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ بَكَى وانْتَحَبَ (4) حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ بِهِ
(1) يأتي بماء عذب جميل الطعم حلو المذاق.
(2)
اترك الشاة التي تدر باللبن. سيدنا رسول الله وصاحباه أبو بكر وعمر ضيوف الأنصاري فيقدم لهم القرى، وتقابلهم السيدة المصونة العفة النقية المتحجبة الطاهرة بالبشاشة واللطف والأدب، ولقد ساق الله إليهم هذه النعم الجليلة.
أ - التمر.
ب - الماء القراح.
جـ - اللحم، فشكروا الله وحمدوه وأثنوا عليه جل وعلا ثم تواصلوا بالعمل الصالح استعداداً لسؤال الله جل وعلا عن هذه الأكلة.
(3)
طلب أن يشرب فقدم له صنفان.
أ - ماء.
ب - عسل.
(4)
بكى بصوت طويل ومد، والنحيب والانتحاب بمعنى واحد.
شَيْئَاً (1)، وَلَا نَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمَّا فَرَغَ قُلْنَا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ مَا حَمَلَكَ عَلَى هذَا الْبُكَاء؟ قالَ: بِيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ رَأَيْتُهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئاً، وَلَا أَرَى شَيْئاً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الذِي أَرَاكَ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِكَ (2)، وَلَا أَرَى شَيْئاً قالَ: الدُّنْيَا تَطَوَّلَتْ لِي، فَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي (3)، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّكَ لَسْتَ (4) بِمُدْرِكِي. قالَ أَبُو بَكْرٍ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ (5)، وَخِفْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ خَالَفْتُ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَحِقَتْنِي الدُّنْيا (6). رواه ابن أبي الدنيا والبزار، ورواته ثقات إلا عبد الواحد بن زيد، وقد قال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا كان فوقه ثقة، ودونه ثقة، وهو هنا كذلك.
137 -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قالَ: اسْتَسْقَى (7) عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شِيبَ (8) بِعَسَلٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَطَيِّبٌ (9) لكِنِّي أَسْمَعُ اللهَ عز وجل نَعَى (10) عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ
(1) أن في نفسه ألماً.
(2)
تصد وتدفع، أي تمثلت لي على هيئة شيء يتصل بي.
(3)
تنحي واذهبي وتباعدي.
(4)
فألهمها الله جل وعلا أن تبشره أن زخارفها لا تحيط به وهي ممنوعة عنه، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم محصن [والله يعصمك من الناس].
(5)
صعب على نفسي أن يتصل به حب الدنيا. لماذا؟ يطلب سقياً فيقدم له الماء والعسل. ما هذه النعم؟ وما هذه الزينة؟ رضي الله عنك يا أبا بكر قد كنت شديد الرغبة في طاعة الله متأسياً برسول الله متبعاً أثره؛ ولقد بلغ من إكرام الله تعالى لك أن أرسل إليك سيدنا جبريل "هل أنت راض عن الله؟ كما أن الله راض عنك" فلا غرو أن تخشى زخارف الدنيا ونقرأ عنك هذا الحديث العذب لنعلمه لأبنائنا رجاء الإقبال على الله تعالى والزهد في الدنيا. وفقنا الله جل وعلا على النهج نحو منهجك والسير على نبراس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(6)
أدركني نعيم الدنيا فيسألني الله تعالى.
(7)
طلب السقي أو الاستسقاء: أي طلب أن يعطى ما يشرب.
(8)
خلط.
(9)
لجميل الطعم حلو المذاق حسن الرواء.
(10)
عاب عليهم يقال نعيت على الرجل أمراً إذا عبته به ووبخته عليه ونعى عليه ذنبه: أي شهر به أهـ نهاية سيدنا عمر مع جلالة زهده ونهاية ورعه واتفاق المؤرخين على عدله وتقواه، يخشى أن يشرب كوباً حلواً في حياته خوفاً من سؤال ربه يوم القيامة، وأنه استذاق هذا الحلو وقرأ هذه الآية [ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20)] من سورة الأحقاف.
أي عند تعذيبهم بالنار يقال لهم أخذتم حظكم من الدنيا، وقد فزتم به فلم تعملوا صالحاً، وعن عمر رضي الله عنه لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي أهـ نسفي. الهون الهوان. وقال تعالى:[ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145)] من سورة آل عمران.
ثواب الدنيا الغنيمة، تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد. ثواب الآخرة إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخرة، والله يجزي من لم يشغلهم شيء عن الجهاد والدفاع عن الدين وفعل الخير.
فَقَالَ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، فَلَمْ يَشْرَبْهُ. ذكره رزين، ولم أره.
ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره
138 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رَأَى في يَدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ دِرْهَمَاً فَقَالَ: مَا هذَا الدِّرْهَمُ؟ قالَ: أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ بِهِ لأَهْلِي لَحْماً قَرِمُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَكُلَّ مَا اشْتَهَيْتُمْ (1) اشْتَرَيْتُمْ، مَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ (2) لابْنِ عَمِّهِ وَجَارِهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هذِهِ الآيَةُ:[أَذَهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا] رواه الحاكم من رواية القاسم بن عبد الله بن عمر، وهو واهٍ، وأراه صححه مع هذا، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أدرك جابر بن عبد الله فذكره، وتقدم حديث جابر في الترهيب من الشبع.
[قوله: قرِموا إليه] أي اشتدت شهواتهم له، والقَرَم: شدة الشهوة للحم حتى لا يصبر عنه.
139 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ المؤمِنِينَ وَقَدْ رَقَّعَ (3) بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِرِقاعٍ (4) ثَلاثٍ لَبَّدَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. رواه مالك.
140 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلى الْمِنْبَرِ عَلَيْهِ إِزَارٌ عَدَنِيٌّ (5) غَلِيظٌ ثَمَنُهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ خَمْسَةٌ، وَرَيْطَةٌ كُوفِيَّةٌ (6) مُمَشَّقَةٌ (7) ضَرْبَ اللَّحْمِ (8)، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ حَسَنَ الْوَجْهِ. رواه الطبراني بإسناد حسن، وتقدم في اللباس مع شرح غريبه.
كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة. الحديث
141 -
وَعَنْ محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سمع عليّ بن أبي طالب يقول:
(1) أكل شيء يتعلق به حب أنفسكم تحضرونه؟
(2)
يتحمل الجوع ويحسن إلى قريبه أو جاره.
(3)
جعل مكان القطع خرقة واسمها رقعة وجمعها رقاع وغزوة ذات الرقاع سميت بذلك: لأنهم شدوا الخرق على رجلهم من شدة الحر لفقد النعال.
(4)
قطع متلبدة رقاع.
(5)
رداء صنع عدن.
(6)
ثوب رقيق لين والجمع رياط وريط، صنع الكوفة.
(7)
مصبوغة: أي لها لون يقال ثوب ممشق: أي مصبوغ، ويقال أمشقت الثوب إمشاقاً: صبغته بالمشق بكسر الميم المغرة والمغرة كما في المصباح الطين الأحمر، والأمغر في الخيل الأشقر.
(8)
هو الخفيف اللحم الممشوق المستدق كما في صفة موسى عليه السلام أنه ضرب من الرجال أهـ نهاية.
إِنَّا لَجُلوسٌ مَعَ رِسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المسْجِد إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلاّ بُرْدَةٌ (1) لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوَةٍ (2)، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَكَى (3) لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ (4)، وَرَاحَ فِي حُلَّة، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ، وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ قالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ: نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ (5)، وَنُكْفَى الْمَؤُونَةَ (6)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لأَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ. رواه الترمذي من طريقين تقدم لفظ أحدهما مختصراً، ولم يسم فيهما الراوي عن عليّ، وقال: حديث حسن غريب، ورواه أبو يعلى ولم يسمه أيضاً، ولفظه:
أنتم اليوم خير أم إذا غُدِيَ على أحدكم بجفنة من خبز ولحم
عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قالَ: خَرَجْتُ في غَدَاةٍ (7) شَاتِيَةٍ، وَقَدْ أَوْبَقَنِي (8) الْبَرْدُ فَأَخَذْتُ ثَوْباً مِنْ صُوفٍ كَانَ عِنْدَنَا، ثُمَّ أَدْخَلْتُهُ في عُنُقِي، وَحَزَّمْتُهُ عَلَى صَدْرِي أَسْتَدْفِئُ بِهِ، واللهِ مَا فِي بَيْتِي شَيءٌ آكُلُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ في بَيْتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ لَبَلَغَنِي (9)، فَخَرَجْتُ في بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَة، فَانْطَلَقْتُ إِلى يَهُودِيٍّ في حَائِطٍ (10) فاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ ثَغْرَةٍ (11) في جِدَارِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَعْرَابِيُّ هَلْ لَكَ في دَلْوٍ (12) بِتَمْرَةٍ. قُلْتُ: نَعَم، افْتَحْ لِي الْحَائِطَ، فَفَتَحَ فَدَخَلْتُ فَجَعَلْتُ أَنْزِعُ الدَّلْوَ (13) وَيُعْطِينِي تَمْرَةً حَتَّى مَلأْتُ كَفِّي، قُلْتُ: حَسْبِي مِنْكَ الآنَ، فَأَكَلْتُهُنَّ، ثُمَّ جَرَعْتُ
(1) كساء صغير مربع، ويقال كساء أسود صغير أهـ مصباح.
(2)
بالية ممزقة تسد ثغرتها فروة من جلد.
(3)
رأف به صلى الله عليه وسلم ورثى لحاله وتذكر ما كان فيه من سعة العيش ورغده، وقد زال وجاء إليه الفقر.
(4)
على أي حال تكونون إذا أصبح أحدكم في ملابس جديدة وأمسى في غيرها من شدة الترف وكثرة النعيم وتقدم له طعام شهي وخلفه أشهى وأحلى منه، وبنيتم لكم قصوراً شاهقة ومنازل شامخة وقد حصل والحمد لله. الآن سنة 1375.
(5)
نخلص لطاعة الله تعالى.
(6)
نقضي حاجاتنا فأخبر صلى الله عليه وسلم أن حالتهم على القلة أفضل من حالة الأغنياء أصحاب الثروة والضيعات، وأنهم على الحالة الأولى أكثر ثواباً لو أغناهم الله.
(7)
صبيحة يوم بارد ممطر.
(8)
أهلكني وآلمني.
(9)
لنلته ووصلني.
(10)
بستان.
(11)
شق.
(12)
في إخراج الماء كل دلو تأخذ تمرة أجراً على هذا.
(13)
أخرجه من البئر.
مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ جِئْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ في الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَعَ عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَطَلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ في بُرْدَةٍ لَهُ مَرْفُوعَةٍ بِفَرْوَةٍ، وَكَانَ أَنْعَمَ غُلامٍ بِمَكَّةَ، وَأَرْهَفَهُ عَيْشاً (1)، فَلَمَّا رآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَرَأَى حَالَهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، فَذَرِفَتْ (2) عَيْنَاهُ فَبَكَى، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إِذَا غُدِيَ (3) عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةٍ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَرِيحَ عَلَيْهِ بِأُخْرَى، وَغَدَا في حُلَّةٍ، وَرَاحَ في أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَما تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ قُلْنَا: بَلْ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ. قالَ: بَلْ أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ (4).
شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بيته
142 -
وَعَنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَاهَا يَوْماً فَقَالَ: أَيْنَ ابْنَايَ؟ يَعْنِي حَسَناً وَحُسَيْناً، قالَتْ: أَصْبَحْنَا، وَلَيْسَ في بَيْتِنَا شَيْءٌ يَذُوقُهُ (5) ذَائِقٌ، فَقالَ: عَلِيٌّ: أَذْهَبُ بِهِمَا، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَبْكِيَا عَلَيْكِ، وَلَيْسَ عِنْدَكِ شَيْءٌ، فَذَهَبَ إِلى فُلانٍ الْيَهُودِيِّ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَوَجَدَهُمَا يَلْعَبَانِ في شَرَبَةٍ (6) بَيْنَ أَيْدِيهِمَا فَضْلٌ مِنْ (7) تَمْرٍ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَلا تَقْلِبُ (8) ابْنَيَّ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ الْحَرُّ؟ قالَ: أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ في بَيْتِنَا شَيءٌ (9)،
فَلَو جَلَسْتَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى أَجْمَعَ
(1) أكثر رفاهة ونعمة وسعة من الرزق.
(2)
دمعت، وذرف الدمع: سال.
(3)
جاء إليه غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس: أي أقبل عليه أنواع الطعام صباحاً ومساءً وغمر بالنعيم وأغدق بالخير وكثرت عنده حاجات المعيشة ووفرت ملابسه وزاد ترفه.
(4)
حالتكم الآن أفضل وأكثر قبولاً للأعمال الصالحة.
(5)
يطعمه طاعم.
(6)
حوض يكون في أصل النخلة وحولها يملأ ماء لتشرب أهـ نهاية، أي يلعبان في فناء واسع.
(7)
زيادة.
(8)
ألا تردهما، يقال قلبته قلباً: حولته عن وجهه: أي أود أن تذهبهما إلى البيت اتقاء الحر.
(9)
بيته ليست فيه أطعمة ولا شيء مع علو كعبه وإذاعة صيته، ولكنه رضي بالقليل زهداً في الدنيا. وهذا الشاعر محمود باشا سامي البارودي:
والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر
…
وإنما صفوه بين الورى لمع
لو كان للمرء فكر في عواقبه
…
ما شان أخلاقه حرص ولا طمع
وكيف يدرك ما في الغيب من حدث
…
من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهر يغر وآمال تسر وأعمال تمر وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضربه
…
وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يا أيها السادر المزور من صلف
…
مهلاً فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب وخذ ما قد خلقت له
…
لعل قلبك بالإيمان ينتفع =
لِفَاطِمَةَ فَضْلَ تَمَرَاتٍ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى اجْتَمَعَ لِفَاطِمَةَ فَضْلٌ مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَهُ فِي خِرْقَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَحَمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَدَهُمَا، وَعَلِيٌّ الآخَرَ حَتَّى أَقْلَبَهُمَا (1). رواه الطبراني بإسناد حسن.
143 -
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: حَضَرْنَا (2)
عِرْسَ عَلِيٍّ وَفاطِمَةَ،
= إن الحياة لثوب سوف تخلعه
…
وكل ثوب إذا ما رث ينخلع
(لمع) بقية الماء المنقطع في الأرض. فلم يغتر بالدنيا وزخارفها الإمام علي رضي الله عنه ولم يفكر إلا في طاعة الله تعالى هو وأهل بيته. السادر الشوم المتكبر (المزور) الرجل الذي لا يبالي بما فعل، كناية عن الكبر، نقلت هذا الشعر لأصور لك صورة من كلام الفصحاء الذين أعربوا عن دنايا الدنيا، ولن تجد قدوة حسنة في زهدها مثل بيت النبوة صلى الله عليه وسلم الذي لا يجد شيئاً.
(1)
حتى أقلبهما كذا ع ص 353 أي صرفهما من هذا الفناء إلى المنزل وفي النهاية. كان يقول لمعلم الصبيان: اقلبهم: أي اصرفهم إلى منازلهم، وفي ن د أقبل بهما، وفي ن ط أقلباهما. يلعب الحسن والحسين في جهة واسعة بين النخيل فيخشى جدهما صلى الله عليه وسلم عليهما الشمس فيجلس معهما مدة انتظار أن يجمع علي وزوجه رضي الله عنهما التمر ثم يذهبون إلى المنزل بيت النبوة وبيت علي ليس فيهما شيء من حطام الدنيا يأتي القوت كل يوم أولاً أولاً على قدر الحاجة.
(2)
ليلة الزفاف واجتماع العروسين في عقد شرعي ونكاح حلال، كان عشاء من وجد تمراً وزبيباً وأثاث العروسة جلد محشو بليف فقط. هذا لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يتأسى بها الآن؟ من يزهد؟ من يقنع؟ من يرضى بما قسم الله له؟ ويهدأ ويطمئن ويقبل على الله بأعماله الصالحة فقط، ويفهم قول الله تبارك وتعالى [فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36)] من سورة الشورى.
ما عند الله من الثواب: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بجميع ماله فلامه الناس. أهـ نسفي. فانتظار نعيم الله في الآخرة هو الذي دعا هؤلاء الأبطال إلى التقلل من الدنيا وليضربوا المثل الأعلى في الزهد. وأما الكفرة والفسقة والأغنياء اللاهون عن الله المضيعون حقوق الله المترفون المنعمون في الدنيا فقد حكى الله عنهم [ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك] من سورة المؤمن.
[بالكتاب] بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية، وفرح بالدنيا ولم يعمل صالحاً [يسجرون] يحرقون وقد بين الله سبب العذاب [ذلكم بما كنتم تفرحون] أي تبطرون وتتكبرون وتتفاخرون وتتطاولون بوفرة مالكم [بغير الحق] وهو الشرك والطغيان وشدة الترف وحرمان حقوق الله والفقراء [تمرحون] تتوسعون في الفرح [بعض الذي نعدهم] أي نرينك قتلهم وأسرهم وهزيمتهم واندحارهم ثم يرجعون إلينا لنجازيهم بأعمالهم، أي أن نعذبهم في حياتك أو نعذبهم في الآخرة أشد العذاب.
وإن شاهدنا الدرس الوافي في عاقبة الترف والغفلة عن الله عذابه الأليم في الدنيا والآخرة. =
فَمَا رَأَيْنَا عِرْساً كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ، حَشَوْنَا الْفِرَاشَ، يَعْنِي مِنَ اللِّيفِ، وَأُوتِينَا بِتَمْرٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلْنَا، وكانَ فِرَاشُهَا لَيْلَةَ عِرْسِهَا إِهَابَ كَبْشٍ. رواه البزار.
[الإهاب] الجلد، وقيل: غير المدبوغ.
144 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: لَمَّا جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ إِلى عَلِيٍّ بَعَثَ مَعَهَا بِخَمِيلٍ (1) قالَ عَطَاءٌ: مَا الْخَمِيلُ؟ قالَ: قَطِيفَةٌ وَوِسادَةٌ مِنْ أُدُمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِذْخِرٌ (2) وَقِرْبَةٌ كَانَا يَفْتَرِشَانِ الْخَمِيلَ وَيَلْتَحِفَانِ بِنِصْفِهِ.
رواه الطبراني من رواية عطاء بن السائب، ورواه ابن حبان في صحيحه عَنْ عَطاءٍ بْنِ السَّائِبِ أَيْضاً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قالَ: جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ في خَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ أُدُمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ.
زهد الصحابة رضي الله عنهم في الدنيا ورضاهم بالقليل منها
145 -
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قالَ: كَانَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ في مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقاً (3)، فَكَانَتْ إِذَا كانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ في قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهُ، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عِرْقَهُ، قالَ سَهْلٌ: كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَيْهَا مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَرِّبُ ذلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذلِكَ.
= وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يكسبون آلاف الدراهم وتوزع من وقتها صدقة وادخار ما عند الله، وترى معيشتهم التقلل من الدنيا ما أمكن. لماذا؟ لأن الله تعالى يقول:[لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198)] من سورة آل عمران.
قال النسفي: والخطاب لكل أحد أو للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره ولأن مدره القوم، ومقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل لا يغرنكم، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه (متاع) أي تقلبهم متاع قليل، وأراد قلته في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه، وكل زائل قليل أهـ ص 158.
رسول الله يزوج بنته للإمام علي ويشرح هذه الآيات للمسلمين: بزهده وقناعته، وأنه ليس في بيته ولا ببيت ابن عمه شيء إلا قليلاً من تمر وقطيفة فرش وغطاء. هكذا يكون المرشد الواعظ يبدأ بنفسه وأهله كي ينفع العلم والتعليم. ولذا سرى الإسلام في المعمورة سريان الدم في شرايين الجسم أو طلع نوره فعم الدنيا.
(1)
كل ثوب له خمل من أي شيء.
(2)
نبات معروف ذكي الريح، وإذا جف ابيض أهـ مصباح.
(3)
نبات يطبخ. وفي القاموس يجلو ويحلل ويلين ويفتح ويسر النفس نافع للنقرس والمفاصل وعصير أصله ترياق وجع الأذن والسن والشقيقة.
وفي رواية: لَيْسَ فِيهَا شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ. رواه البخاري.
146 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: وَالَّذِي لَا إلهَ إِلَاّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ ولَقَدْ قَعَدْتُ يَوْماً عَلَى طَرِيقِهمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَاّ لِيَسْتَتْبِعَنِي (1) فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ (2) ثُمَّ مَرَّ عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلا لِيَسْتَتْبِعَنِي، ثُمَّ مَرَّ أَبُوا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم فَتَبَسَّمَ حِينَ رآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي، وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قالَ: أَلْحِقْ وَمَضى فَأَتْبَعْتُهُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَوَجَدَ لَبَناً (3) في قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هذَا اللَّبَنُ؟ قالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ أَوْ فُلانَةُ قالَ: يَا أَبَا هِرٍّ (4) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: أَلْحِقْ إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي، قالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ (5) عَلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ (6) بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا (7) شَيْئاً، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا (8)،
وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا فَسَاءَنِي ذلِكَ (9) فَقُلْتُ: وَمَا هذَا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هذَا اللَّبَنِ شُرْبةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاؤُوا أَمَرَنِي، فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي (10) مِنْ هذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُدُّ (11) فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا واسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قالَ: يَا أَبَا هِرٍّ (12) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ، فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ
(1) ليستتبعني كذا ع ص 353 - 2، وفي ن ط ليشبعني.
(2)
أدركني وذهب.
(3)
هذا اللبن جاء هدية.
(4)
يا أبا هر كذا ن ع، وفي ن ط يا أبا هريرة.
(5)
لا يلتجئون إلى قرابة، وليس لهم مال.
(6)
أرسل.
(7)
ولم يأخذ منها شيئاً تعففاً وقناعة وإيثار الأضياف الصالحين المساكين.
(8)
أخذ منها تبركاً ..
(9)
تكدر أبو هريرة لحرمانه.
(10)
كان يرجو أن ينال شيئاً.
(11)
غنىً.
(12)
يا أبا هر كذا ن ع، وفي ن ط يا أبا هريرة.
إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قال: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ؟ قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ لَا أَجِدُ مَسْلَكاً (1) قالَ: فَأَرِنِي (2)، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَسَمَّى (3) وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ (4). رواه البخاري وغيره، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
زهد الصحابة رضي الله عنهم
147 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً رضي الله عنه قالَ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنِّي كنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِشَبَعِ بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَلَا يَخْدُمُنِي فَلانٌ وَفُلانَةٌ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بالْحَصْبَاءِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَسْتَقْرئُ (5) الرَّجُلَ الآيَةَ هِيَ مَعِيَ لِكَيْ يَنْقَلِبَ (6) بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكانَ خَيْرَ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ في بَيْتِه حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ (7) الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا. رواه البخاري والترمذي، ولفظه:
قالَ: إِنْ كُنْتُ لأَسْأَلُ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الآيَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ، أَنَا أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ، مَا أسْأَلُهُ إِلَاّ لِيُطْعِمَنِي شَيْئاً، وَكُنْتُ إِذَا سأَلْتُ جَعْفَرَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَبَ بِي إِلى مَنْزِلِهِ، فَيَقُولَ لامْرَأَتِهِ: يَا أَسْمَاءُ أَطْعِمِينَا، فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي، وَكَانَ جَعْفَرُ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ. وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكَنِّيهِ بَأَبِي الْمسَاكِينِ.
(1) سلوكاً: أي أملأت أوعية الطعام وشبعت.
(2)
تقربه مني، فأرني كذا في ن ع، وفي ن ط فأدني.
(3)
قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(4)
الباقية.
(5)
أطلب منه القراءة.
(6)
يرجع إلى منزله.
(7)
العكة من السمن أو العسل: هي وعاء من جلود مستدير يختص بهما. وهو بالسمن أخص سيلاناً.
أبو هريرة راوي الحديث الفقيه الذي دعا له صلى الله عليه وسلم بالحفظ كان في شدة الجوع: وليس في بيته شيء ويحتاج إلى من يزيل ألم جوعه ويسد رمقه ويلعق إناء السمن قوتاً، هذا هو معنى الزهد يا أخي فأين نحن الآن من هذا العصر الزاهر الباهر الذي أنجب الله فيه أبرار قادة سادة سيرتهم أذكى من المسك الأذقر، ورضي الله عنهم وأرضاهم ونفع بهم إلى يوم القيامة.
رضى الصحابة بالقليل من الدنيا
148 -
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ، فَمَخَطَ (1) في أَحَدِهِمَا، ثُمَّ قالَ: بَخٍ بَخٍ (2) يَمْتَخِطُ أَبُو هُرَيْرَةَ في الْكَتَّانِ (3) لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأخِرُّ فيما بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ مِنَ الْجُوعِ مَغْشِيَّاً عَلَيَّ (4)، فَيَجِيءُ الْجائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي يَرَى أَنَّ بِيَ الْجُنُونَ (5)، وَمَا هُوَ إِلَاّ الْجُوعُ. رواه البخاري والترمذي وصححه.
[المشق] بكسر الميم: المغرة، وثوب ممشق: مصبوغ بها.
149 -
وَعَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلَّى بالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ (6) مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، حَتَّى يَقُولُ الأَعْرَابُ: هؤُلاءِ مَجَانِينُ أَوْ مَجَانُونَ، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً. رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح، وابن حبان في صحيحه.
[الخصاصة] بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين: هي الفاقة والجوع.
150 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ، فَجِئْتُ أُرِيدُ الصُّفَّةَ فَجَعَلْتُ أَسْقُطُ، فَجَعَلَ الصِّبْيَانُ يَقُولُونَ: جُنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ، قالَ: فَجَعَلْتُ أُنَادِيهِمْ وأَقُولُ: بَلْ أَنْتُمُ الْمَجَانِينُ حَتَّى انْتَهَيْنَا (7) إِلى الصُّفَّةِ، فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِقَصْعَتَيْنِ مِنْ ثَرِيدٍ، فَدَعَا عَلَيْهَا أَهْلَ الصُّفَّةِ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ كَيْ يَدْعُوَنِي حَتَّى قامَ الْقَوْمُ، وَلَيْسَ في الْقَصْعَةِ إِلَاّ شَيْءٌ في نَوَاحِي الْقَصْعَةِ، فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَارَتْ لُقْمَةً فَوَضَعَهُ عَلَى أَصَابِعِهِ
(1) أخرج مخاطه من أنفه.
(2)
كلمة تقال عند الرضا بالشيء.
(3)
نبات تؤخذ أليافه للنسيج وله بذر يعتصر ويستصبح به.
(4)
مغمى عليه من شدة ألم الجوع.
(5)
من شدة الإغماء يحضر الآتي فيظن أن به مرض الجنون. أرأيت أبدع من هذا الزهد والتفاني وحب الله والإعراض عن حطام الدنيا؟. وانظر إلى حالة من استفاد بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(6)
يسقطون من شدة الجوع، وفي الغريب وعبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة.
(7)
انتهينا كذا ن ط وع ص 355، وفي ن د انتهيت.
فَقَالَ لِي: كُلْ بِاسْمِ اللهِ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا زِلْتُ آكُلُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعْتُ (1) رواه ابن حبان في صحيحه.
151 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: أَقَمْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِالْمَدِينَةِ سَنَةً فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا لَنَا ثِيَابٌ إِلا الأَبْرَادُ الْخَشِنَة (2) وَإِنَّهُ لَيَأْتِي عَلَى أَحَدِنَا الأَيَّامُ مَا يَجِدُ طَعَاماً يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَأْخُذُ الْحَجَرَ فَيَشُدُّ بِهِ عَلَى أَخْمُصِ (3) بَطْنِهِ ثُمَّ يَشُدُّهُ بِثَوْبِهِ لِيُقِيمَ صُلْبَهُ. رواه أحمد وراوتُه رواة الصحيح.
بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالخير لأصحابه على القليل من الدنيا
152 -
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى الْجُوعِ في وُجُوهِ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْدَى (4) عَلَى أَحَدِكُمْ بِالْقَصْعَةِ مِنَ الثَّرِيدِ، وَيُرَاحُ عَلَيْهِ (5) بِمِثْلِهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ؟ قالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ (6). رواه البزار بإسناد جيد.
153 -
وَعَنْ أَبي بَرْزَةَ رضي الله عنه قالَ: كُنَّا في غَزَاةٍ لَنَا فَلَقِينَا أُنَاساً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَجْهَضْنَاهُمْ عَنْ مَلَّةٍ لَهُمْ، فَوَقَعْنَا فِيهَا فَجَعَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا، وَكُنَّا نَسْمَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ مَنْ أَكَلَ الْخُبْزَ سَمِنَ (7)، فَلَمَّا أَكَلْنَا ذَلِكَ الْخُبْزَ جَعَلَ أَحَدُنَا يَنْظُرُ في عِطْفَيْهِ هَلْ سَمِنَ؟. رواه الطبرانين رواتُه رواة الصحيح.
[أجهضاهم] أي أزلناهم عنها وأعجلناهم.
رضى الصحابة رضي الله عنهم بالقليل من الدنيا
154 -
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
(1) معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإثبات البركة في القليل إذ أشبع الله أبا هريرة من لقمة واحدة، حي على أهل الفلاح البركة من الله.
(2)
والأبراد: نوع من الثياب جمع برد. الأبراد الخشنة كذا ع، وفي ن د البراد الخشنة، وفي ن ط: البراد المتفتقة.
(3)
بطنه الجائع، والمخمصة المجاعة: وخمص الشخص خمصاً فهو خميص: إذا جاع.
(4)
يبكر ويصبح.
(5)
يمسي.
(6)
حالتكم الآن على الفقر خير من كثرة الخير عند الله جل وعلا.
(7)
كثر لحمه وشحمه، وفي المثل "سمن كلبك يأكلك" واستسمنه: عده سميناً، والسمن اسم منه.
عليه وسلم، وَأَمَّرَ (1) عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ رضي الله عنه نَلْتَقِي عِيرَ (2) قُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَاباً مِنْ تَمْرٍ لَمْ نجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالُوا: نَمَصُّهَا كَما يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا (3)
الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ فَنَأْكُلُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. رواه مسلم.
155 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ وَهُمْ سَبْعَةٌ، قالَ: فَأَعْطَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ تَمَرَاتٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ تَمْرَةٌ. رواه ابن ماجة بإسناد صحيح.
156 -
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رضي الله عنه قالَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ
(1) جعله أميراً، يقال أمرته تأميراً فتأمر، وأمرته فائتمر: أي سمع وأطاع.
(2)
إبلاً بأحمالها آتية من الشام.
(3)
ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خبط بالتحريك فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل. قوم غزاة على رأسهم سيدنا أبو عبيدة يذهبون إلى الجهاد ولمحاربة الكفار ويصدون تجارتهم ويمنعون سيرهم، ويظهرون هيبة الإسلام وشوكته وسلطانه ويخيفون عدو الدين، ومع هذا طعامهم تمرة تمرة، ويا ليتها تؤكل بل تمص، هذا هو سر الزهد. يحاربون لنصر دين الله لا طمعاً في مال أو غنيمة ويدخرون ما عند الله، وبهؤلاء سطع نوع الإسلام وتأسست أركانه وثبتت قواعده لإيمانهم بالله ورسوله، ولأن القرآن أثمر وترعرعت أفنانه فعلموا [كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185)] من سورة آل عمران.
وعد ووعيد للمصدق والمكذب (زحزح) بعد ونجا ولم يغتر بلذات الدنيا وزخارفها، شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، هذا لطالب الدنيا.
يذكر في هذا التفسير قول الله تبارك وتعالى [الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172)] من سورة آل عمران.
[القرح] الجرح [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174)] من سورة آل عمران.
روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوبهم فذهبوا.
هذا نوع من قتال أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ لترى أيها القارئ اعتماد المجاهدين على الله وثقتهم به سبحانه، والزهد في الدنيا لثواب الله.
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ شَيْئاً يَأْكُلُهُ، فَيَأْخُذُ الْجِلْدَةَ (1) فَيَشْوِيهَا فَيَأْكُلُهَا، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئاً أَخَذَ حَجَراً (2) فَشَدَّ صُلْبَهُ. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع بإسناد جيد.
157 -
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قالَ: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ (3) رَمَى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُوا (4) مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَالَنَا طَعَامٌ إِلَاّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ (5) كما تَضَعُ الشَّاةُ مَالَهُ خِلْطٌ. رواه البخاري ومسلم.
[الحبل] بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة.
[والسمر] بفتح السين المهملة وضم الميم: كلاهما من شجر البادية.
إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء
158 -
وعن خالد بن عمير العدويّ قال: خطبنا عتبة بن غزوان رضي الله عنه وَكَانَ أَمِيراً بِالْبَصْرَةِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَاّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ (6)، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عَامَاً لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْراً (7)، وَاللهِ لَتُمْلأَنَّ (8)، أَفَعَجِبْتُمْ؟ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعِينِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِيْنَ عَاماً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ، وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَاّ وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ (9) أَشْدَاقُنَا
(1) الجلد كذا ط وع ص 356 - 2، وفي ن د: الحلد.
(2)
ربط بطنه ليعطيه قوة ومناعة بالضغط على المعدة انتظاراً لفرج الله.
(3)
جاهد وحارب.
(4)
نحضر الغزوات ونهجم على الأعداء في بلادها.
(5)
يقضي حاجته، وفي النهاية: أي لا يختلط نجوهم بعضه ببعض لجفافه ويبسه فإنهم كانوا يأكلون خبز الشعير وورق الشجر لفقرهم وحاجتهم. إن هؤلاء يحاربون لنصر دين الله وإذاعة كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يريدون غنائم أو مالاً أو جاهاً، فلا غرو إذا أغدق الله عليهم بصنوف نعمه.
(6)
ما بحضرتكم كذا ع، وفي ن ط ما يحضرنكم.
(7)
نهاية أسفله أي إنها واسعة جداً.
(8)
ليملؤها الله تعالى من العصاة.
(9)
جرحت.
فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً (1) فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، واتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا أَصْبَحَ أَمِيراً عَلَى مِصْرٍ (2) مِنَ الأَمْصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيماً وَعِنْدَ اللهِ صَغِيراً. رواه مسلم وغيره.
[آذنت] بمد الألف: أي أعلمت.
[بصرم] هو بضم الصاد وإسكان الراء: بانقطاع وفَناء.
[حذاء] هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ممدوداً، يعني سريعة.
[والصبابة] بضم الصاد: هي البقية اليسيرة من الشيء.
[يتصابها] بتشديد الموحدة قبل الهاء: أي يجمعها.
[والكظيظ] بفتح الكاف وظاءين معجمتين: هو الكثير الممتلئ.
إنما لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان
159 -
وَعَنْ أَبي مُوسى رضي الله عنه قالَ: لَوْ رَأَيْتَنَا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لَحَسِبْتَ أَنَّمَا رِيحُنَا (3) الضَّأْنُ، إِنَّمَا لِباسُنَا الصُّوفُ، وَطَعامُنَا الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ والماءُ. رواه الطبراني في الأوسط، ورواتُه رواة الصحيح، وهو في الترمذي وغيره دون قوله: إِنما لِبَاسُنَا إلى آخره، وتقدم في اللباس.
160 -
وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي الله عنه قالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ فمِنَّا مَنْ مَاتَ (4) لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ بِهِ إِلَاّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ
(1) فأخذت شملة.
(2)
مدينة عامر حاضرة. يخطب الناس هذا الأمير الصالح أن نعيم الدنيا زائل، ويطلب الجد في صالح الأعمال للآخرة اتقاء عذاب الله ويشوق إلى نضارة الجنة ويحذر من الركون إلى زخارف الدنيا ويخبر عن حاله وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلة الطعام وخشونة عيش مع جهاد في سبيل نصر دين الله ويستغيث بالله أن يجيره من نفسه ويتمنى قبول أعماله عنده سبحانه.
(3)
ريحنا الضان كذا د وع ص 357 - 2؛ وفي ن ط: ريحنا ريح الضأن.
(4)
من مات لم يأكل، وفي ن د من مات ولم يأكل.
لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدُبُهَا (1). رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود باختصار.
[البردة]: كساء مخطط من صوف، وهي النمرة.
[أينعت] بياء مثناة تحت بعد الهمزة: أي أدركت ونضجت.
[يهدبها] بضم الدال المهملة وكسرها بعدها باء موحدة: أي يقطعها ويجنيها.
حديث وفاة أبي ذر رضي الله عنه
161 -
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي ابْنَ الأَشْتَرِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَهُوَ بالرَّبَذَةِ فَبَكَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: أَبْكِي فَإِنَّهُ لا يَدَ لِي بِنَفْسِكَ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُ لَكَ كَفَنَاً، قالَ: لَا تَبْكِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قالَ: فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعِي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَاتَ في جَمَاعَةٍ وَقَرْيَةٍ، فلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرِي، وَقَدْ أَصْبَحْتُ بِالفَلاةِ أَمُوتُ، فَرَاقِبِي (2) الطرِيقَ، فَإِنَّكَ سَوْفَ تَرَيْنَ (3) مَا أَقُولُ، فَإِنِّي واللهِ مَا كَذَبْتُ (4) وَلَا كُذِّبْتُ (5). قالَتْ: وَأَنَّى ذَلِكَ (6)، وَقَدِ انْقَطَعَ الْحَاجُّ؟ قالَ: رَاقِبي الطّرِيقَ. قالَ: فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا هِيَ بِالْقَوْمِ تَخُبُّ (7) بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ كَأَنَّهُمُ الرَّخَمُ (8)، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيْهَا فَقَالُوا: مَالَكِ (9)؟ فَقَالَتِ: امْرُؤٌ (10) مِنَ الْمُسْلِمِينَ
(1) يقطعها. يخبر سيدنا خباب رضي الله عنه عن جهاده وأصحابه في سبيل الله لا ينتظرون إلا ثوابه ولا يودون إلا رضاه، ولا يبتغون إلا إعلاء كلمة الله، وكانوا يستقبلون الموت بصدر رحب استشهاداً: ولن يجدوا لمن مات كفناً، ولكن من أحياه الله جل وعلا أدرك ثمرة الانتصار وجنى زهرة الفوز وذاق لذة النجاح وربح في الدنيا بكثرة خيراتها ووفرة فتوحها؛ وفي الآخرة بالأجر المدخر كما قال تعالى:
أ -[وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186)] من سورة آل عمران.
ب -[وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا (166)] من سورة آل عمران.
جمع المسلمين، وجمع المشركين، يريد أن ما كان من غزوة أحد فهو كائن بقضائه ليتميز المؤمنون.
جـ -[ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (129) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس] من سورة آل عمران.
(نداولها) نصرفها بينهم
…
فيوم علينا ويوم لنا
…
ويوم نساء ويوماً نسر
(2)
انتظريه.
(3)
تبصرين.
(4)
ما غيرت الأخبار ولفقت في الأقوال.
(5)
عشت صادقاً ما كذبني أحد ما.
(6)
كيف ذلك وقد خلت الطريق من زوار بيت الله وانتهى وقت الحج.
(7)
تسرع.
(8)
طائر يأكل العذرة، وهو من الخبائث، وليس من الصيد: ولهذا لا يجب على المحرم الفدية بقتله، لأنه لا يؤكل أهـ. مصباح.
(9)
ماذا تريدين؟
(10)
رجل.
تُكَفِّنُوهُ (1) وتُؤْجَرُوا فِيهِ؟ قالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قالَتْ: أَبُو ذَرٍّ، فَفَدَوْهُ بِآبَائِهمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَوَضَعُوا سِيَاطَهُمْ في نُحُورِهَا (2) يَبْتَدِرُونَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّكُمُ النَّفَرُ الَّذِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيكُمْ مَا قالَ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ حَيْثُ تَرَوْنَ، وَلَوْ أَنَّ لِي ثَوْبَاً مِنْ ثِيَابي يَسَعُ كَفَنِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلَاّ فِيهِ، فَأَنْشُدُكُمْ (3) بِاللهِ لا يُكَفِّنُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ عَرِيفاً (4) أَوْ أَمِيراً (5) أَوْ بَرِيداً (6)
فَكُلُّ الْقَوْمِ قَدْ نَالَ مِنْ ذلِكَ شَيْئاً
(1) تحضرون ما يستره بعد موته وتشيعونه.
(2)
أي أقبلوا عليه يسرعون إلى رؤيته.
(3)
أقسم به.
(4)
القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم فعيل بمعنى فاعل، والعرافة عمله أهـ نهاية.
(5)
حاكماً أسند إليه عمل.
(6)
رسول أخبار وساعياً، وفي الحديث "إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد": أي لا أحبس الرسل الواردين علي. قال الزمخشري: البرد جمع بريد أهـ. أي أنا بريء أن يصيبني شيء من ثلاثة:
أ - ولي عمل.
ب - إداري رأس قوماً وحكم.
جـ - واسطة بين قوم يحمل أمانة والأشياء التي معه ليس له فاختار رجلاً من سكان المدينة لم يرأس أسرته؛ ولم يرع عملاً أسند إليه فيصبح راعياً مسؤولاً، ولم يكن رسولاً لأي إنسان.
سيدنا أبو ذر لم يجد كفناً ولم يجد أي شيء في بيته. لماذا لأنه صحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول الله تعالى له [فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44) واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ (45)] من سورة الزخرف.
إن شاهدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على حق، وكذا أصحابه وقد زهدوا في الدنيا، فالطمع فيها على غير حق وغرور فيجب علينا أن نقتدي بالزاهدين الصابرين ونعمل صالحاً. هذا أبو ذر الذي انتفع بتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم وتغذى بلبان القرآن، وسرح نظرك في سورة الدخان تجد ما حكى الله عن الأغنياء الطغاة والكفرة العصاة وجمعوا آلافاً مؤلفة وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة وتركوها للورثة ولم يعد عليهم شيء منه، قال تعالى:
[كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوماً آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33)] من سورة الدخان.
(مقام) محافل مزينة ومنازل حسنة (ونعمة) وتنعم (فاكهين) متنعمين (فما بكت) مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم (منظرين) ممهلين إلى وقت آخر (العذاب) من استعباد فرعون وقتله أبناءهم (عالياً) متكبراً (على علم) عالمين لكثرة الأنبياء فيهم.
ثم وصف سبحانه وتعالى حال المتقين الزاهدين المطيعين الله ورسوله المتبعين سنته [إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) ولا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلاً من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59)] من سورة الدخان".
يأمن الصالحون الزاهدون يوم القيامة المكاره ويخاف المترفون الأغنياء، فالصالحون ملابسهم ما رقّ من الديباج وما غلظ منه (سندس وإستبرق) يتآنسون ويتقابلون في مجالسهم، وهو أتم للأنس والمحبة =
إِلَاّ فَتَىً مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَ الْقَوْمِ قالَ: أَنَا صَاحِبُكَ، ثَوْبَانَ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي وَأَحَدُ ثَوْبَيَّ هذَيْنِ اللَّذِيْنِ عَلَيَّ. قالَ: أَنْتَ صَاحِبِي. رواه أحمد، واللفظ له، ورجالُه رجال الصحيح، والبزار بنحوه باختصار.
[العيبة] بفتح العين المهملة وإسكان المثناة تحت بعدها موحدة: هي ما يجعل المسافر فيها ثيابه.
162 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ: إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوا في أَعْنَاقِهِمْ، مِنْها مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رواه البخاريّ والحاكم مختصراً، وقال: صحيح على شرطهما.
163 -
وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قالَ: اسْتَكْسَيْتُ (1) رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَسَانِي خَيْشَيْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَكْسَى (2) أَصْحَابي. رواه أبو داود من رواية إسماعيل بن عياش.
[الخيشة] بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت بعدهما شين معجمة: هو ثوب يتخذ من مشاقة الكتاب يغزل غليظاً وينسج رقيقاً.
164 -
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: عَادَ خَبَّاباً نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: أَبْشِرْ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ تَرِدُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْحوْضَ فَقَالَ: كَيْفَ بِهذَا؟ وَأَشَارَ إِلى أَعْلَى الْبَيْتِ وأَسْفَلِهِ، وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
= وقرناهم بأزواج حسناء حوراء: أي شديدة سواد العين والشديدة بياضها، وهو غاية في الرونق والنضارة، تمر عليهم أصناف الفواكه الشهية الهنية الشيقة، أمنوا زوالها وانقطاعها والموت إذ ذاقوا الموت في الدنيا، ولا عذاب فصرف العذاب عنهم، ودخول الجنة نجاح وفوز (فارتقب) أي انتظر يا محمد ما يحل بالطغاة الكفرة والفسقة.
هنيئاً لك يا أبا ذر تلك عاقبة صبرك وزهدك وحبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم تطمع في الدنيا ولم تطمع في مال وتوصي بإبعاد ثلاثة:
أ - رئيس الجماعة.
ب - حاكم ظالم راع.
جـ - محمل أمانة ليست ملكه. واخترت صالحاً خالصاً ماله من حلال.
(1)
طلبت منه كسوة وملابس.
(2)
أكثر أصحابي كسوة.
وسلم إِنَّما يَكْفِي أَحَدَكُمْ كَزَادِ الرَّاكِبِ. رواه أبو يَعْلَى والطبراني بإسناد جيد.
165 -
وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قالَ: جَاءَ مُعَاوِيَةُ إِلى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعُودُهُ (1) فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا خَالُ مَا يُبْكِيكَ، أَوَجِعٌ يُشْئِزُكَ أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قالَ: كَلَاّ، وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْداً لَمْ نَأْخُذْ بِهِ، قالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّمَا يَكْفِي مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ (2) وَمرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَجِدُنِي الْيَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ. رواه الترمذي والنسائي، ورواه ابن ماجة عن أبي وائل عن سمرة بن سهم عن رجل من قومه لم يسمّه، قال: نَزَلْتُ على أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ فَجَاءَهُ مُعَاويَةُ، فذكر الحديث بنحوه.
ورواه ابن حبان في صحيحه عن سمرة بن سهم قال: نَزَلْتُ علَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَطْعُونٌ (3)، فَأَتَاهُ مُعَاوِيةُ فذكر الحديث. وذكره رزين، فزاد فيه:
فَلَمَّا مَاتَ حُصِرَ مَا خَلَّفَ (4) فَبَلغَ ثَلاثِينَ دِرْهَماً وَحُسِبَتْ فِيهِ الْقَصْعَةُ الَّتِي كَانَ يَعْجِنُ فِيهَا وَفِيهَا يَأْكُلُ.
[يُشئزك] بشين معجمة ثم همزة مكسورة وزاي: أي يقلقك، وزنه ومعناه.
166 -
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ سَلْمَانَ الْخَيْرِ رضي الله عنه حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ عَرَفُوا مِنْهُ بَعْضَ الْجَزَعِ، فَقَالُوا: مَا يُجْزِعُكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ وَقدْ كانَتْ لَكَ سَابِقَةٌ فِي الْخَيْرِ، شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَغَازِيَ حَسَنَةً وَفُتُوحاً عِظَاماً. قالَ: يُجْزِعُنِي أَنَّ حَبِيبَنَا صلى الله عليه وسلم حِينَ فَارَقَنَا عَهِدَ إِلَيْنَا، قالَ لِيَكْفِ الْمَرْءَ مِنكمْ (5) كَزَادِ الرَّاكِب، فهذَا الَّذِي أَجْزَعَنِي (6)،
فَجُمِعَ مَالُ سَلْمَانَ فَكَانَ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمَاً. رواه ابن حبان في صحيحه.
(1) يزوره في مرضه.
(2)
أي يكفي وجود خادم ومركب يساعد على نصر دين الله.
(3)
أصابه مرض الطاعون.
(4)
عد ما ترك.
(5)
ليكفي مثل زاد الراكب المرء.
(6)
خوفني. =
167 -
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ بُدَيْمَةَ قالَ: بِيعَ مَتَاعُ سَلْمَانَ رضي الله عنه فَبَلَغَ أَرْبَعَةَ
= خلاصة نتائج الزهد في الدنيا وثمرات التقلل منها كما قال صلى الله عليه وسلم:
1 -
يسبب الزهد حب الله.
2 -
يجلب الراحة التامة والنعمة العامة. (يريح القلب).
3 -
يجلب له الخير ويدفع عنه الضير.
4 -
يدخل الجنة (أبحتهم).
5 -
الزهد زينة المتقين وحلية الفضلاء العاملين (تزين الأبرار).
6 -
يدل على تقدم الأمة وعنوان رقيها وبزوغ شمسها (صلاح أول هذه الأمة).
7 -
الإقبال على الدنيا دمار وخراب (أخذ حقه).
8 -
يتجنب العاقل زخارف الدنيا (اتقوا الدنيا).
9 -
التمتع بزينة الدنيا يحرمه من نعيم الآخرة (قضى نهمته).
10 -
كثرة الترف والتزود بنعيمها نقص درجات عند الله (لا يصيب عبد).
11 -
أخذ القليل منها دليل الحكمة ومنبع السعادة (ما سد جوعتك).
12 -
يقتدي الزاهد بخير الخلق صلى الله عليه وسلم وصاحبيه (لتسألن عن هذا).
13_
يأخذ من الدنيا حقه (بيت يكنه).
14 -
يبعد من حساب الله يوم القيامة على نعمه (ما فوق الإزار).
15 -
يوصل إلى الدرجات العالية المجاورة لمكان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم (اللحوق بي).
16_
يشبه الزاهد في الأخلاق سيدنا سلمان (إجانة وجفنة ومطهرة).
17 -
يعود الكرم فينفق الزاهد طمعاً في اليسر والرخاء وانتظار فرج الله وسعة رزقه (ملكان).
18 -
الزاهد مقبل على ربه بورعه (هلموا إلى ربكم).
19 -
الزاهد له الجنة (طوبى).
20 -
يفوز بدعوة مستجابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل في زمرة آله (اللهم اجعل).
21 -
يشيعه عمله فقط (يتبع الميت).
22 -
خليله عمله فقط.
23 -
يأخذ كفايته وينبذ ما لا ينفعه (مالي مالي).
24 -
يختار أطيب الرائحة ويلفظ النتن القذر (جدي رأسك).
25 -
ينظر الزاهد إلى الدنيا نظرة احتقار وكراهة كما ينظر الله إليها (جناح بعوضة).
26 -
يبتعد الزاهد عن شيء لعنه الله (ملعونة الدنيا).
27 -
يتجنب العثور والانكباب والسقوط على وجه لحرصه على الدينار وتحمل الذل لأجل الجنيه (تعس وانتكس) أي عاود المرض كما بدأ به، وهو دعاء بالخيبة، وإذا شيك أصابته شوكة لا قدرة على إخراجها بالمنقاش، وهو معنى قوله فلا انتقش، يقال نقشت الشوكة أخرجتها بالمنقاش، وإن كان في الحراسة: أي يكون في مقدم الجيش خشية هجوم العدو، الساقة مؤخر الجيش.
28 -
يكره الزاهد الدنيا ويحب الآخرة (أضر).
29 -
يسعى إلى إدراك النعيم الباقي الحلو اللذيذ فيقبل على الأعمال الصعبة الصالحة بصدر منشرح وثغر باسم (حلاوة الدنيا مرة الآخرة).
30 -
الزاهد يقظ منتبه لمصلحته (وهم في غفلة).
31 -
الطماع في الدنيا مضيع آداب دينه أشد من الذئب الضاري (بأفسد لها). =
عَشَرَ دِرْهَمَاً. رواه الطبراني، وإسناده جيد إلا أن عليّاً لم يدرك سلمان.
= 32 - جامع المال في فتنة تلعب به الدنيا لعب الكرة "الدنيا دار".
33 -
طالب الدنيا لا يساعده الله، محروم من معانته، والزاهد فيها منصور موفق مساعد، والله في عونه "من انقطع إلى الله".
34 -
طالب الدنيا غضبان يعلن الحرب على ربه ساخط على قضائه "من أصبح حزيناً".
35 -
مهما أعطى الشره الطماع يتمثل الفقر والجوع بين عينيه "ثلاث لا يغل عليهن".
36 -
أهل الدنيا في شقاق وتنافس وقتال وعداوة "ما الفقر أخشى عليكم".
37 -
يموت طالب الدنيا فيتحسر على عدم وجود ثمرته يوم القيامة "كأنه بذج".
38 -
ما جمعه طالب الدنيا يتمثل يوم القيامة عدواً ألد "ليس عدوك".
39 -
طالب الدنيا ألعوبة الشيطان ومصيدة له يقع في شرك الردى "لن يسلم مني".
40 -
يدخل الزاهد الجنة مع السابقين الفائزين "اطلعت".
41 -
طلاب الدنيا في مصائب وشقاق وكدر وهموم "لا تفتح الدنيا".
42 -
أهل اليسار والغنى في فتن "فالفتنة الثراء".
43 -
أهل الفقر خفاف صحفهم بيضاء "إن الأكثرين هم الأقلون".
44 -
تقرب صفات الفقير من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سأل عني" صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله تاريخ ناصع البياض وسيرتك طاهرة نقية ذكية، ولقد صبرت في الحياة كما قال الله تعالى لك [واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين] ولقد علمتنا يا رسول الله الزهد كالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ودعوتنا إلى صالح الأعمال لتبقى في صحائفنا: وزهدتنا في الدنيا وأخبرتنا أن فرعون وقومه جمعوا الدنيا وتركوها ومالهم في النار كما قال تعالى [فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي سيهابن (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر. فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68)] من سورة الشعراء.
عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله وأصحابه
أي في كيفية معيشتهم في أيام حياتهم وبيان كيفية معيشته عليه الصلاة والسلام في أيام حياته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى.
1 -
لم يشبع صلى الله عليه وسلم من طعام "تباعاً".
2 -
طعامه الخبز والحنطة يظل طوال الليالي جائعاً وأهله "طاوين".
3 -
أدمه الزيت.
4 -
اختار صلى الله عليه وسلم أن يجوع يوماً ويشبع آخر ولم يختر كثرة الذهب "بطحاء مكة ذهباً".
5 -
يحب الفقر وكذا من يحبه "تجفافاً".
6 -
يتواضع في أكله ويتقشف، وليس له خوان.
7 -
خبزه خشن غير مرقق.
8 -
يكتفي بضوء الله في بيته "ما يسرج ولا يوقد في بيته نار".
9 -
يربط بطنه بحجرين من شدة الجوع "حديث أبي طلحة". =
[قال الحافظ]: ولو بسطنا الكلام على سيرة السلف وزهدهم لكَان من ذلك مجلدات
= 10 - معاملة حسنة متواضعة "لا بل عبداً"ز
11 -
استعداده وزاده في الحياة مثل زاد المسافر "كراكب استظل".
12 -
يجلس على حصير تؤثر في جنبه، وأثاث بيته مخدة ليف من أدم "فراشي وسريري عاقبته إلى الجنة".
13 -
يرقع ثوبه ويخصف نعله، وفي بيته في مهنة أهله "احتذى المخصوف".
14 -
يسافر معه سفرة وسقاء فقط فلم يجد إلا نطاق السيدة أسماء "فشقيه باثنين".
15 -
توفي صلى الله عليه وسلم ولم يترك شيئاً إلا مركباً وسلاحاً "بغلته البيضاء".
16 -
إذا احتاج إلى شيء أخذه من جاره اليهودي "يستسلف".
17 -
توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة.
18 -
قدم إلى صديقه أبي بكر رضي الله عنه شراباً حلواً فأبى أن يشربه وبكى فانتحب، وكذا سيدنا عمر "أخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا".
19 -
يرقع سيدنا عمر ثوبه "برقاع ثلاث لبد".
20 -
كرى سيدنا علي رضي الله عنه نفسه "يا أعرابي هل لك في دلو بتمرة".
21 -
ليس في بيت فاطمة شيء "أين ابناي الحسن والحسين".
22 -
عرس فاطمة رضي الله عنها كان على تمر وزيت، ومخدتها ليف من جلد ونبات وقربة وخميل.
23 -
يفرح سيدنا سهل بن سعد وأصحابه أن يضيفوا امرأة على أكلة سلق.
24 -
أبو هريرة رضي الله عنه يستقرئ الناس في الطريق ليطعموه من شدة الجوع (فسألته عن آية).
25 -
ينظر إلى أهل الصفة من شدة الجوع كأنهم مجانين (فيضع رجله على عنقي).
26 -
سيدنا عبد الله بن شقيق روى شدة جوعه (ما يجد طعاماً يقيم به صلبه).
27 -
سيدنا أبو عبيدة وجند يقابلون تجارة كفار قريش ويصدونهم وزادهم التمر (يعطينا تمرة تمرة غصها).
28 -
لا يجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً (فيأخذ الجلدة فيشويها).
29 -
سيدنا سعد بن أبي وقاص يحارب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعامهم ورق الشجر (الحبلة والسمر).
30 -
سيدنا خباب بن الأرت يروي الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم نجد ما نكفنه إلا بردة).
31 -
سيدنا أبو ذر بالربذة ولم يجدوا ما يكفنه وقال لامرأته (فراقبي الطريق).
32 -
سبعون من أهل الصفة يلبسون ما يستر العورة فقط (إزار أو كساء).
33 -
سيدنا عتبة بن عبد السلمى طلب كسوة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيشتين)
34 -
كل آمال الصاحب رضي الله عنه أن يحظى بخادم ومركب ويعد نفسه من السعداء الأغنياء (يشئزك).
35 -
سيدنا هاشم بن عتبة يبكي من شدة الخوف من الله تعالى ومع هذا وجدوا عنده ثلاثين درهماً.
36 -
سيدنا سليمان يرتدع فؤاده من حساب الله جل وعلا مع أنه جاهد في الله حق جهاده وعد ماله خمسة عشر درهماً، هذه أخبار الثقات الرواة عن رسول الله وأصحاب رسول الله.
أرأيت لو جمعنا الله يوم القيامة في صعيد واحد من لدن آدم إلى فناء الدنيا، ماذا في صحيفة هؤلاء الزاهدين وأين هم وملوك العالم من البذخ والنعيم؟.
اقرأ التاريخ وتزود بمعلومات صحيحة عن آثار الأمم التي دالت، والأمم الحالية هل تجد مثل أعمال سيدنا رسول الله وأصحابه، ثم اقرأ قوله تعالى في سورة النساء (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً (40) فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً (41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً (42)] من سورة النساء.
قال البيضاوي: لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة وهي النملة الصغيرة. وإن يكن. =
لكنه ليس من شرط كتابنا، وإنما أملينا هذه النبذة استطراداً تبركاً بذكرهم ونموذجاً لما تركنا من سيرهم، والله الموفق من أراد، لا ربّ غيره.
= مثقال الذرة حسنة يضاعف ثوابها وعطي صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل عطاء جزيلاً، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم (بشهيد) يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، وجئنا بك يا محمد تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم واستجماع شرعك مجامع قواعدهم. يود الكفرة والعصاة أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا أولم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء لا يقدرون على كتمان العصيان، لأن جوارحهم تشهد عليهم أهـ. الله أكبر عروس القيامة يسطع نوره شاهداً وشفيعاً. لماذا؟ لزهده في الدنيا وطاعة ربه فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وأخلص لربه، ويعجبني قول النسفي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله [وجئنا بك على هؤلاء شهيداً] فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حسبنا أهـ، نعم حسبه.
وفقنا الله للعمل بكتاب الله وسنته إنه قدير.
وفي بيان الزهد وآدابه حديث عمر رضي الله عنه رواية الترمذي وابن ماجة قال لما نزل قوله تعالى [والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم] قال صلى الله عليه وسلم تباً للدنيا تباً للدينار والدرهم فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة؛ فأي شيء ندخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته. ويبين الغزالي درجات الزهد:
(1)
وهي السفلى أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها ويكفها.
(2)
الذي يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه.
(3)
العليا أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده. وأما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه:
(1)
السفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار، ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب.
(2)
أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذات الموعود بها في جنته من الحور والقصور.
(3)
العليا أن لا يكون له رغبة إلا في الله؛ وفي لقائه فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها، بل هو مستغرق الهم بالله تعالى، وهو الذي أصبح وهمومه هم واحد، وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى، لأن من طلب غير الله فقد عبده، وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه، وطلب غير الله من الشرك الخفي، وهذا زهد المحبين وهم العارفون لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه. وأما انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه:
(1)
كل ما سوى الله فينبغي أن يزهد فيه حتى يزهد في نفسه.
(2)
أن يزهد في كل صفة للنفس فيها متعة.
(3)
أن يزهد في المال والجاه كما قال تعالى:
أ -[زين للناس حب الشهوات] من سورة آل عمران.
ب -[إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة] من سورة الحديد.
جـ -[ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى (41)] من سورة النازعات. والهوى حظوظ النفس.
د -[قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل] من سورة النساء.
الزاهدون المحبون لله تعالى فقاتلوا في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص، وانتظروا إحدى الحسنيين، وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ويبادرون إليه مبادرة الظمآن للماء البارد، حرصاً على نصرة دين الله أو نيل رتبة الشهادة، وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة حتى إن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما احتضر الموت على فراشه كان يقول: كم غزوت بروحي وهجمت على الصفوف طمعاً في الشهادة، وأنا =