الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لذلك لم يجمع المال بوسائل غير مشروعة، وأعطى حق المال في الزكاة والصدقات، وفي ميدان الجهاد وميدان السلام.
4 -
ورعه:
كان إنفاق عبد الرحمن فيضا متدفقا، وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على ورعه وتقواه: وقد رآه أحد الصالحين يطوف بالبيت وهو يقول: (اللهم قني شح نفسي)(1).
ووصفه أحد المقربين إليه فقال: (كان جليسا لنا ونعم الجليس، فانقلب بنا ذات يوم إلى منزله، فدخل فاغتسل، ثم أتانا بقصعة فيها خبز ولحم، ثم بكى، فقلنا: ما يبكيك يا أبا محمد! قال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهله من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا)(2).
وأتي بطعام وكان صائما. فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في بردته إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا)، ثم جعل يبكي (3).
وكان إذا أتى مكة، كره أن ينزل منزله الذي هاجر منه، وهو منزله الذي كان ينزله في الجاهلية (4)، ولا ينزله - ورعا - بعد إسلامه.
وقد ذكر المسور بن مخرمة بن نوفل بن عبد مناف بن زهرة، وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف. وكان يعدل بالصحابة وليس منهم (5) أن عبد الرحمن لما ولي الشورى كان أحب الناس إلى المسور أن يلي عبد الرحمن الخلافة، فإن تركها فسعد بن أبي وقاص، قال: (فلحقني عمرو بن العاص، فقال: ما ظن خالك بالله إن ولي هذا الأمر أحدا وهو يعلم أنه خير منه؟ فأتيت عبد الرحمن فذكرت له ذلك، فقال: من
(1) الاستيعاب (2/ 847).
(2)
الإصابة (4/ 177)، وحلية الأولياء (1/ 99 - 100).
(3)
أسد الغابة (3/ 316)، وحلية الأولياء (1/ 100)، وانظر مغازي الواقدي (1/ 311).
(4)
طبقات ابن سعد (3/ 131)
(5)
انظر المعارف (429).
قال ذلك لك؟ فقلت: لا أخبرك! فقال: لئن لم تخبرني لا أكلمك أبدا. فقلت عمرو بن العاص. فقال: فوالله لأن تؤخذ مدية فتوضع في حلقي، ثم ينفذ بها إلى الجانب أحب إلي من ذلك) (1)، وما كان خوفه من تولي السلطة إلا ورعا.
وكان يصلي قبل الظهر صلاة طويلة، فإذا سمع الأذان شد عليه ثيابه وخرج (2) إلى المسجد للصلاة.
وكان عبد الرحمن أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض (3).
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفره (4)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين» )، وروي عنه عليه السلام أنه قال:«عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض» ) (5).
وكان أمين النبي على نسائه (6)، فكان يخرج بهن، ويحج معهن، ويجعل على هوادجهن الطيالسة، وينزل بهن في الشعب الذي ليس له منفذ (7)، وقد كان مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ومع عثمان بن عفان (8)، وكانت سنة عشر الهجرية (9).
ولما استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس، وحج مع عمر أيضا آخر حجة حجها عمر سنة ثلاث وعشرين، وأذن عمر تلك السنة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فحملن في الهوادج، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فكان عثمان يسير على راحلته
(1) طبقات ابن سعد (3/ 133 - 134)
(2)
الإصابة (4/ 177).
(3)
الاستيعاب (2/ 846).
(4)
الاستيعاب (2/ 846)، وانظر الرياض النضرة (2/ 377 - 378)
(5)
الاستيعاب (2/ 846)، وانظر الرياض النضرة (2/ 378).
(6)
الرياض النضرة (2/ 378).
(7)
الإصابة (4/ 177).
(8)
مغازي الواقدي (3/ 1091).
(9)
العبر (1/ 12)، وتاريخ خليفة بن خياط (1/ 58).
أمامهن فلا يدع أحدا يدنو منهن، وينزلن مع عمر كل منزل، فكان عثمان وعبد الرحمن ينزلان بهن في الشعاب، فيقبلانهن الشعاب، وينزلان هما في أذل الشعب، فلا يتركان أحدا يمر عليهن (1).
ويبدو أن عبد الرحمن كان كثير الحج، فقد حج سنة تسع الهجرية في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وكان على الحج أبو بكر الصديق (2) رضي الله عنه، وحج مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر الهجرية كما ذكرنا.
وحج سنة إحدى عشرة الهجرية بالناس، وقيل: حج بالناس عتاب بن أسيد، ومهما يكن من أمر فإذا كان أمير الحج أو لم يكن، فقد شهد موسم الحج هذه السنة، وكان ذلك على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وفي سنة اثنتي عشرة الهجرية، حج بالناس أبو بكر الصديق واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف، فهو قد شهد الموسم أميرا أو مأمورا على كل حال.
ولما استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة الهجرية، بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس (3).
وفي سنة أربع عشرة الهجرية حج عبد الرحمن بن عوف بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم (4).
وأقام الحج سنة أربع عشرة الهجرية إلى سنة ثلاث وعشرين الهجرية عمر بن الخطاب (5) في أيام خلافته، وكان يعتبر موسم الحج مؤتمرا إسلاميا عاما لمحاسبة الولاة والأمراء، والاتصال المباشر بالرعية القادمين من أقطار الإسلام البعيدة والقريبة.
(1) طبقات ابن سعد (3/ 134)، وانظر أنساب الأشراف (1/ 465 - 466).
(2)
مغازي الواقدي (3/ 1077)
(3)
طبقات ابن سعد (3/ 134) وتاريخ خليفة بن خياط (1/ 88) و (1/ 49).
(4)
تاريخ خليفة بن خياط (1/ 98).
(5)
تاريخ خليفة بن خياط (1/ 99)