الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يشتري منه كمية القطن التي ينتظر أن يحصل عليها كلها أو بعضها.
وهنا يجد الزارع من الخير له أن يقبل هذا العرض بدلا من الالتجاء إلى الاقتراض بالربا.
أما السعر فإنه قد يكون قطعيا. وقد يتفق على أن يحدد بعد مدة ينص عليها في العقد بحيث إذا حلت هذه المدة ولم يحدده البائع فإنه يتم حتما تحديده بسعر السوق الرسمية في آخر يوم لهذه المدة.
ومن هذا نرى أن موضوع العقد غير موجود حين التعاقد كما أنه لهذا غير مقدور التسليم في الحال، والثمن مع هذا وذاك غير معروف للطرفين على النحو الذي يرضاه الفقهاء (1).
(1) فيه جهالة الثمن، وبيع كالئ بكالئ.
(2)
البيع آجلا والتسليم عاجلا:
وقد يكون موضوع العقد -أي: الكمية التي يراد بيعها من القطن- تحت يد البائع وقت التعاقد، وبعد إبرام الاتفاق يتسلمها التاجر المشتري حقيقة، إلا أن الثمن يتأخر تحديده للوقت الذي يريده البائع ويقبله المشتري، وإلا صار تعيينه بسعر السوق في آخر يوم للفترة التي قد اتفق على تحديد السعر فيها.
ومعنى ذلك أن القدر المبيع موجود لدى البائع وقد سلمه فعلا للمشتري حين الاتفاق، ولكن الثمن غير محدد أو معروف إلا بصفة عامة كما هو الأمر في الحالة السابقة.
تقرير هاتين الطريقتين:
مما تقدم، نرى أن الفرق الجوهري بين هاتين الطريقتين لبيع المنتج قطنه هو: أن التسليم في الطريقة الثانية يكون عاجلا بعد الاتفاق؛ لأن السلعة موضوع البيع موجودة فعلا لديه. أما في الأولى فالتسليم يتأخر حتما؛ لأن موضوع العقد لا يكون موجودا بعد لدى البائع، بل قد لا يكون القطن قد وضعت بذرته في الأرض.
أما الثمن في الحالتين، فالغالب أن يكون تحديده مؤجلا كما رأينا، وإن كان المزارع يتسلف بعض هذا الثمن من التاجر ليستطيع القيام بما تتطلبه الزراعة من نفقات، مثل ثمن البذرة والسماد والمصاريف الأخرى التي نعرفها جميعا. ويضطر الزارع إليها حتى أنه قد لا يصل القطن إلى حظيرة التاجر إلا ويكون المنتج قد اقترض عليه نصف ثمنه أو يزيد.
(285)
وسواء أكان المنتج مضطرا لهذا الصنيع، أم كان غير مضطر، ولكنه لجأ إلى البيع على (الكونتراتات) أملا في ربح أكثر مما لو باع بسعر قطعي. فإن لهذه الطريقة ضررها وخطورتها عليه نفسه. ويكفي أن نشير إلى بعض عيوبها وخطرها كما يلي:
أ- قد يلعب التاجر هنا دور المرابي الذي يقرض بفائدة فاحشة وهو يتظاهر بالعمل على عون المنتج
ومساعدته مستغلا حاجته.
ب- قد لا يكون المنتج مضطرا، ولكنه قد سبق بطمعه ورغبته في ربح لا يصل إليه لو انتظر، حتى يظهر المحصول ويبيعه بسعر وقته، ثم قد يغريه إمكان تسلفه جزءا غير قليل من ثمن محصوله الذي يظهر بعد بالإسراف، ثم إذا ظهر وتحدد السعر نهائيا، وجد أنه خسر خسارة كبيرة ينوء بها.
ج- أن المنتج قد يتورط بهذا في ارتباطات مع التاجر، قد لا يستطيع الوفاء بها، كما قد يضطر لقطع السعر وتحديده في فترة يهبط فيها لكثرة العرض والتهافت على القطع من كثيرين.
رأي رجال الاقتصاد:
(286)
وهذا الذي نقول من خطر البيع بهذه الطريقة أي البيع على (الكونتراتات) لا يبعد عما يراه علماء الاقتصاد أنفسهم، وها هو ذا الأستاذ زكي عبد المتعال يذكر في هذا ما يحسن أن ننقله عنه بنصه:
(كثر استعمال هذا النوع من البيوع بين التجار والمزارعين، وهو في ظاهره حسن خلاب حيث يقبض البائع جزءا من الثمن قبل التسليم، فيساعده ذلك في الإنفاق على زراعته. أما في الحقيقة فإنه عمل ضار بالبائع، وبالسوق نفسها، وبثروة البلاد، وهي طريقة
انفردت بها مصر دون غيرها من البلاد.
ويرجع وجه الضرر في هذه الطريقة " إلى " أن البائع يطمع دائما في ارتفاع السعر وتحسن السوق فتقعده آماله عن إصدار أمر بقطع السعر في أول الموسم القطني، ويظل متأخرا كسائر الزراع إلى أواخر مهلة عقود البيع التي تنتهي عادة في شهر مارس.
فإذا اقترب الموعد، أصدر معظم الزراع أوامرهم للتجار بقطع السعر، وتترى على السوق في هذه الفترة أوامر عدة فيشرع التجار عند وصول الأوامر إليهم في بيع كميات من القطن على المكشوف مساوية للكميات التي اشتروها طبقا لهذه الطريقة، فتكثر المبيعات، وتزيد كمية المعروض، ويهبط السعر في السوق تبعا لقانون العرض والطلب، ثم يحاسب التجار المزارعين على سعر إقفال البورصة في ذلك اليوم).
علاج هذه الحالة:
لست من رجال علم الاقتصاد، ومع هذا لا أرى بأسا في الإشارة إلى ما قد يكون علاجا لهذه الحال، وأعتذر عما في ذلك من الخروج قليلا عن موضوع البحث، وهو بيان حكم الشريعة الإسلامية في العمليات التي تتناول أهم محصول زراعي في مصر أي: دون النظر إلى ما قد يكون أو لا يكون من ضرر اقتصادي في بعضها. ولكن لعل هذا الضرر يكون هو العامل الأساسي