الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السابع عشر لا يباع فيها إلا الكمبيالات وتصرف فيها النقود، ولكن دعت الحاجة بعد ذلك الملوك في أوروبا إلى الاستدانة من الماليين للقيام بالحروب وصارت تلك القراطيس التي على الحكومات تباع في (البورصات)، وبدخول العالم التجاري في دور جديد من التقدم دخلت هي أيضا وصارت تباع فيها أسهم الشركات على اختلاف أنواعها، وأصبحت الآن مسارح تمثل فيها المضاربات التي شغف كثيرون بها ولم تخل (بورصة) منها.
-
المضاربات:
لا شك في أن التأمل وبعد النظر من أجل الصفات التي يلزم كل تاجر التحلي بها، ولا خلاف في أنهما خلتان ممدوحتان فيه. وقد أبان " آدم سميث "(أن كل مشتغل في هذه الدنيا يدخل في مكسبه شيء لم يكن ليربحه، ولا نظره في العواقب وخصوصا من كان من ذوي المكانات العالية المحفوفة بالمخاطر ولما كان الغرض من هذا النظر في العواقب تقدير حالة السوق في المستقبل بحيث يمكن التاجر الكسب بقدر الإمكان) كان مفيدا للتجارة في أحوال كثيرة منها:
أنه يمنع القحط. والتاريخ يشهد كيف عرف سيدنا يوسف الصديق عليه السلام أن مصر سيحل بها قحط وقت أن جاء أحدهم يستفتيه " في: {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} (1). حيث قال:
(1) سورة يوسف الآية 46
{تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} (1){ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} (2){ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (3). وبهذه الوسيلة كان سببا في نجاتهم من القحط وصارت مصر في ذلك الوقت مشد رحال التجار إلى أقصى الأقطار.
ومنها أنه يمنع ارتفاع الأسعار؛ لأن التجار بواسطة نظرهم في العواقب يخدمون التجارة خدمة كبرى فهم يشترون السلع من الجهة التي تباع فيها رخيصة ويبيعونها في السوق التي تباع فيها غالية، فتقل بذلك كمية المعروض من البضائع في السوق الأولى وتزيد في الثانية فتتساوى الأثمان.
مثال ذلك: إذا كان القمح غاليا في السودان ورخيصة في مصر، فإن حسن نظر بعض التجار يدلهم على شراء هذه السلعة من مصر، فيقل المعروض منها وبيعها في السودان حيث يزيد المعروض بهذه الطريقة فيهبط سعرها. أو هم يشترون الصنف وقت كثرته وقلة طلبه ويخزنونه لحين قلته وكثرة طلبه فيربحون هم ويربحون غيرهم في المستقبل بتسهيل الحصول على حاجاتهم منه فتنتظم الأسعار أيضا. فإذا كان نتاج القطن في إحدى السنين
(1) سورة يوسف الآية 47
(2)
سورة يوسف الآية 48
(3)
سورة يوسف الآية 49
وافرا، أو سعره هابطا، فإن كثيرين من التجار وهم أعلم بقراءة المستقبل يعرفون العام الذي يكون فيه النتاج قليلا (1)، فلا يبيعون كل ما يشترونه، بل يبيعون جزءا منه فقط ويحفظون الباقي استعدادا للطوارئ في المستقبل. وهم بعملهم هذا ينظمون الأسعار:
أولا: لأنهم باختزانهم بعض النتاج يقللون المعروض منه في السوق فيرتفع سعره نوع ارتفاع في سنة الوفرة، ولا يخفى ما في ذلك من الفائدة لأصحاب القطن.
ثانيا: لأنهم عند حلول العام القليل الحاصلات الذي دلهم عليه بعد نظرهم يضيفون ما أودعوه في خزائنهم إلى المعروض منه وتكون النتيجة اعتدالا في أسعاره بدل ارتفاعها، وربما كان سعره في تلك السنة كالسنة الأولى أو كان الفرق بينهما قليلا. على أن كثيرين لم يقتصر بعد نظرهم على اختزان البضائع أو معالجة التجارة المعقولة (بل تعدوا طورهم وطفقوا يخترقون حجب المستقبل بأوهامهم واندفعوا في تيار الاتجار بالتخمين بانين كل معاملاتهم على سلع مجهولة وموكولة للمصادفة، أو متجرين بأشياء لا يقصد استلامها، بل يقصد ربح الفروق أو متجرين بالفروق حتى أصبحوا خطرا يتهدد الحالة التجارية، وداء فتاكا بالصالح العام.
(1) هذا ضرب من التوقع الظني المبني على التجربة والاجتهاد، وقد يكون فيه ضرب من التخمين.