الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البسملة في السنة النبوية
د. عبد العزيز الجاسم (1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديهم، وسار على منهجهم إلى يوم الدين، وبعد:
لقد تميز المسلم بشخصية فريدة من نوعها، لا يشاركه فيها أحد البتة.
إذ تميز بفكره وقوله وعمله، وهذه من نعم الله تعالى عليه؛ لأنه بهذه الشخصية الفريدة فاق غيره من المخلوقات، فلا يدانيه فيها أحد.
فمن هذه المميزات التسمية عند القيام بفعل بعض الأمور التي بينتها لنا السنة النبوية.
ولا يرتاب مسلم في أن التسمية لها أهمية كبيرة في حياته؛
(1) سبقت ترجمته في العدد 32.
لأنها تعني أن كل قول يقوله المسلم، أو فعل يفعله: إنما يكون باسم الله، وهذا البدء بالتسمية دليل على توحيد الله تعالى، إلى جانب تأدب الإنسان مع خالقه.
ولأهمية هذه التسمية وما تنطوي عليه من معان؛ نجد أن أول ما نزل من القرآن الكريم على نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ باسم الله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1).
فمن أجل ذلك أحببت أن أجمع الأحاديث الصحيحة والحسنة (2) التي وردت في التسمية وأن أخرجها من مصادرها، إلى جانب شرح المفردات الغريبة، مع الإشارة إلى مذاهب الفقهاء؛ إن كان الحديث يحتوي على حكم فقهي، ولا أتعرض لتفصيلات المذاهب، وبيان حججهم؛ لأن في ذلك تطويلا للموضوع، وخروجا عن المقصود.
فمن العبادات التي شرعت التسمية عند فعلها الوضوء (3):
1 -
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه (4)»
(1) سورة العلق الآية 1
(2)
أما الأحاديث الضعيفة والشديدة الضعف والموضوعة فلم أتعرض لذكرها.
(3)
بعض العامة يسمي الله تعالى عندما يصلي قبل تكبيرة الإحرام، فهذا العمل ليس من السنة.
(4)
سنن ابن ماجه - كتاب الطهارة وسننها - باب ما جاء في التسمية في الوضوء - 1/ 139 وما بعدها حديث (165). قلت: فيه كثير بن زيد، صدوق يخطئ كما في التقريب، وفيه أيضا شيخه ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، مقبول، كما في التقريب، وقال البخاري: منكر الحديث، علل الترمذي الكبير: 1/ 113. وقد جاء هذا الحديث من رواية: سعيد بن زيد، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعيسى بن سبرة مولى قريش عن أبيه عن جده، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم. أما حديث سعيد بن زيد: فقد أخرجه الترمذي حديث (26)، باب ما جاء في التسمية عند الوضوء. وأخرجه ابن ماجه حديث (398)، كلاهما من طريق يزيد بن هارون عن يزيد بن عياض عن أبي ثفال عن رباح بن عبد الرحمن أنه سمع جدته بنت سعيد أنها سمعت أباها. . . الحديث. قلت يزيد بن عياض كذبه مالك. وقال النسائي وغيره: إنه متروك، انظر المغني 2/ 752 والتقريب ص 604، وأخرجه أيضا الترمذي حديث (25) عن سعيد بن زيد، من طريق بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ثفال به. قال ابن القطان - كما في نصب الراية 1: فيه ثلاثة مجاهيل الأحوال: جدة رباح لا يعرف لها اسم ولا حال، ولا تعرف بغير هذا. ورباح أيضا مجهول الحال، وأبو ثفال مجهول الحال، مع أنه أشهرهم؛ لرواية جماعة عنه، منهم الدراوردي. اهـ. وأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند: 2/ 418 عن قتيبة بن سعيد عن محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، وأخرجه أيضا أبو داود في سننه حديث (101) باب: التسمية على الوضوء - عن قتيبة بن سعيد به مثله. وأخرجه أيضا ابن ماجه حديث (399) من طريق ابن أبي فديك عن محمد بن موسى به. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 1/ 146، من طريق ابن أبي فديك عن المخزومي به، وصححه. وتعقبه الذهبي في تلخيصه: 1/ 146، فقال: إسناده فيه لين. اهـ. قال الإمام البخاري في تاريخه 1/ 76: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه. اهـ. وأما حديث سهل بن سعد، فقد أخرجه ابن ماجه حديث (400)، من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده. وفي سنده عبد المهيمن، وهو مجمع على ضعفه. انظر الميزان: 2/ 671 والتهذيب: 6/ 432. وأخرجه الطبراني أيضا في كتابه (الدعاء)، حديث (382) 2/ 973، من طريق أبي بن عباس - أخي عبد المهيمن - وفيه ضعف، كما في التقريب 96، وانظر المغني: 1/ 32. وأما حديث عيسى بن سبرة مولى قريش، عن أبيه، عن جده: فقد أخرجه الطبراني في كتابه (الدعاء) حديث (381) وفي سنده عيسى بن سبرة، عن أبيه، عن جده، فهم مجاهيل، إذ لم أجد لهم ترجمة في كتب التراجم التي اطلعت عليها. وأما حديث عائشة أم المؤمنين: فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 1/ 3، والبزار - كما في كشف الأستار - حديث (261) 1/ 137، وأخرجه أيضا الطبراني في كتابه (الدعاء) حديث (283، 384) 2/ 973. كلهم من طريق حارثة بن محمد. قال عنه الذهبي في المغني: 1/ 44، تركوه. إذا نظرنا إلى تلك الطرق وجدنا أصلحها حديث أبي سعيد الخدري، ومع ذلك في إسناده ضعيفان ضعفهما منجبر، يمكن أن ينجبر هذا الضعف بحديث أبي هريرة وحديث سهل بن سعد، من طريق أبي بن عباس، فيكون الحديث حسنا لغيره. أما قول الإمام أحمد - كما في جامع الترمذي 1/ 38 - لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد، فمراده أنه ليس له إسناد جيد بمفرده، والله تعالى أعلم. .
صفحة فارغة
وقد اختلف العلماء فيمن ترك التسمية على الوضوء:
قال إسحاق بن راهويه: إن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيا أو متأولا أجزأه (1).
وقال ربيعة: إنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءا للصلاة ولا غسلا للجنابة (2).
(1) الجامع الصحيح للترمذي 1/ 38.
(2)
سنن أبي داود 1/ 25.
فجعل المراد من التسمية النية، لكن أرى أنه قول بعيد، فظاهر الحديث خلاف ذلك، وهو واضح في ذكر التسمية المعهودة لدى المخاطب.
وقال آخرون: معناه نفي الفضيلة، أما الوضوء فهو صحيح (1).
كما تشرع التسمية عند قراءة أم الكتاب في الصلاة، غير أن أهل العلم اختلفوا في الجهر أو الإسرار بها، كما سيأتي تفصيل لأدلة الفريقين بعد قليل.
2 -
عن أنس رضي الله عنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ (3)»
وجاء عند مسلم بلفظ: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (4)» .
وسيأتي الكلام على هذه الرواية.
3 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته بـ: بسم الله الرحمن الرحيم (5)» أخرجه الإمام
(1) انظر معالم السنن للخطابي، المطبوع بهامش تهذيب سنن أبي داود للمنذري 1/ 88.
(2)
صحيح البخاري مع الفتح - كتاب الأذان - باب ما يقول بعد التكبير - 2/ 226 وما بعدها - حديث (743). .
(3)
سورة الفاتحة الآية 2 (2){الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(4)
صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة - 1/ 299 حديث (50).
(5)
الجامع الصحيح للترمذي - باب من رأى الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) 2/ 14 حديث (245).
الترمذي في جامعه وضعفه.
وضعفه أيضا ابن عدي في كامله، قال رحمه الله: وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ؛ سواء قال: عن أبي خالد، أو: عن عمران بن خالد، جميعا مجهولين (1). يريد: أن أبا خالد وعمران بن خالد مجهولان.
لكن وثق أبا خالد ابن حبان، إذ ذكره في كتابه الثقات (2)، وجعله الحافظ ابن حجر مقبولا (3)، أي إذا توبع.
فالحديث بهذا السند لا تقوم به حجة، وقد جاءت طرق أخرى تقويه، فيصل إلى درجة الحسن لغيره.
لكنه لا يقوى على معارضة ما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
وقد مر بنا قبل قليل أن أهل العلم اختلفوا في الجهر أو الإسرار بالبسملة على مذهبين:
1 -
فذهب الجمهور إلى: أنه لا يجهر بها، وذلك لأمرين:
(1) الكامل 1/ 305 في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان.
(2)
5/ 514.
(3)
التقريب ص 636.
الأول: كثرة الأحاديث التي يفهم منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بالحمد لله رب العالمين، إلى جانب بعض الروايات التي صرحت بنفي قراءة البسملة.
الثاني: ضعف أحاديث الخصم التي لا تنهض لمعارضة تلك الأحاديث التي استندوا إليها.
2 -
وذهب الإمام الشافعي ومن تبعه إلى: أنه يجهر بها؛ لما يلي:
أن حديث أنس ليس فيه تصريح بنفي قراءة البسملة، وإنما يفهم منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين كانوا يقرءون أم الكتاب من قراءة البسملة.
أما من نفى السماع كما جاء في بعض الروايات؛ فلا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع (1).
وقد أعل الشافعي ومن تبعه أدلة الجمهور، ورجحوا ما ذهبوا إليه.
فالحديث الذي رواه مالك عن حميد عن أنس قال: (صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)(2) أعله الإمام
(1) انظر التقييد والإيضاح ص 99، وفتح الباري 2/ 227.
(2)
الموطأ، كتاب الصلاة، باب العمل في القراءة 1/ 81 حديث (3).
الشافعي فقال - كما في التقييد والإيضاح -:
خالفه سفيان بن عيينة، والفزاري، والثقفي، وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية، مؤتفقين (1) مخالفين له قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
قال الحافظ العراقي: (ثم رجع روايتهم بما رواه عن سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بـ (3)».
قال الإمام الشافعي: (يعني يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم)(4).
أما حديث حميد عن أنس الذي نص على ترك التسمية، فقد جاء من ثلاثة طرق، أعلها الحافظ العراقي، علما بأنها قد رويت في صحيح مسلم وغيره.
قال رحمه الله: وقد رأيت أن أبين علل الرواية التي فيها نفي البسملة من حيث صنعة الإسناد، فأقول:
(1) أي متفقين.
(2)
الحديث في مسند الشافعي - باب ومن كتاب استقبال القبلة في الصلاة ص 36. وانظر الآثار عن بعض الصحابة الذين كانوا يجهرون بالبسملة في المسند ص 36 وما بعدها.
(3)
سورة الفاتحة الآية 2 (2){الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(4)
التقييد والإيضاح ص 99.
قد ذكر ترك البسملة في حديث أنس من ثلاثة طرق، وهي:
- حميد عن أنس.
- ورواية قتادة عن أنس.
- ورواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس.
فأما رواية حميد فقد تقدم أن مالكا رواها في الموطأ عنه، وأن الشافعي تكلم فيها، لمخالفة سبعة أو ثمانية من شيوخه في ذلك.
وأيضا فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب الإنصاف ما يقتضي انقطاعه بين حميد وأنس.
فقال - أي ابن عبد البر: (ويقولون: إن أكثر رواية حميد عن أنس أنه سمعها من قتادة عن أنس.
وقد ورد التصريح بذكر قتادة بينهما، فيما رواه ابن عدي عن حميد عن قتادة عن أنس.
فآلت رواية حميد إلى رواية قتادة).
وأما رواية قتادة فرواها مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي عن قتادة، أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك، أنه حدثه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان،
فكانوا يستفتحون بـ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها (2)».
فقد بين الأوزاعي في روايته أنه لم يسمعه من قتادة، وإنما كتب إليه، والخلاف في صحة الرواية بالكتابة معروف، وعلى تقدير صحتها؛ فأصحاب قتادة الذين سمعوه منه، أيوب وأبو عوانة وغيرهما، لم يتعرضوا لنفي البسملة كما تقدم.
وأيضا ففي طريق مسلم، الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وإن كان قد صرح بسماعه من الأوزاعي، فإنه يدلس تدليس التسوية، أي: يسقط شيخ شيخه الضعيف.
نعم لمسلم من رواية شعبة عن قتادة عن أنس: «فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (3)» .
ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع، بخلاف
(1) صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة - 1/ 299 - حديث (52).
(2)
سورة الفاتحة الآية 2 (1){الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(3)
صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة - 1/ 299 حديث (50).
الرواية المتقدمة.
وأما رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فهي عند مسلم أيضا، ولم يسق لفظها، وإنما ذكرها بعد رواية الأوزاعي عن قتادة عن أنس.
فقال: حدثنا محمد بن مهران، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك (1).
فاقتضى إيراد مسلم لهذه الرواية أن لفظها مثل الرواية التي قبلها، وليس كذلك؛ فقد رواها ابن عبد البر في كتاب الإنصاف من رواية محمد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي. .، فذكرها بلفظ:«كانوا يفتتحون القراءة بـ (3)» .
ليس فيها تعرض لنفي البسملة، موافقا لرواية الأكثرين. اهـ (4).
أما الإمام الحازمي فقد سوى بين الأمرين، وجعل من جهر بها أو أخفاها متمسكا بالسنة.
قال رحمه الله بعد أن ذكر مذاهب العلماء وحجة كل مذهب -: (والحق أن كل من ذهب إلى أي
(1) 1/ 300.
(2)
سنن الترمذي الصلاة (246)، سنن أبو داود الصلاة (782)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (813)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 114)، سنن الدارمي الصلاة (1240).
(3)
سورة الفاتحة الآية 2 (2){الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(4)
التقييد والإيضاح ص 100 وما بعدها.
هذه الروايات فهو متمسك بالسنة) (1).
فمن خلال ما تقدم يتبين لنا: أن المسألة خلافية، وأن النفس تميل إلى ترجيح قول من قال: لا يجهر بها. وذلك لما يلي:
1 -
صحة الأحاديث الدالة على عدم الجهر.
2 -
ضعف الأحاديث التي تثبت الجهر، وهي وإن كانت ترتقي إلى درجة الاحتجاج؛ فلا تصل إلى معارضة أدلة الجمهور.
3 -
عدم التسليم للحافظ العراقي ما أعل به أحاديث الجهر، فهي لا تعتبر عللا قادحة في صحة الحديث.
ومما يشرع التسمية عند فعله: إذا أراد المسلم أن يرسل كتابا إلى آخر، كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4 -
قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه؛ فإذا فيه.
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:
(1) الاعتبار ص 79.
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (2)».
ومن الأمور التي تشرع فيها التسمية: الرقية، فعندما يرقى المريض بالرقى المشروعة، يستفتح الراقي تلك الرقية بالتسمية، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
5 -
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل؛ قال: (بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين (3)» .
قال النووي رحمه الله: هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى (4).
(1) أخرجه البخاري - كتاب بدء الوحي - 1/ 32 - حديث (7)، ومسلم - كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي إلى هرقل - 2/ 1396 حديث (74)، والآية من سورة آل عمران رقم 64.
(2)
(1).
سورة آل عمران الآية 64
(3)
أخرجه مسلم - كتاب السلام - باب الطب والمرض والرقى - 4/ 1718 حديث رقم عام (2185)، والترمذي كتاب الجنائز باب ما جاء في التعوذ للمريض - 3/ 303 حديث (972) من حديث أبي سعيد الخدري بنحوه.
(4)
شرح صحيح مسلم 14/ 170.
6 -
وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا (1)» .
وزاد مسلم في أوله: «كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا - ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها -: "بسم الله" (2)» .
قال القرطبي - كما في الفتح -: (فيه دلالة على جواز الرقى من كل الآلام، وأن ذلك كان أمرا فاشيا معلوما بينهم)(3).
وكذلك يشرع للمسلم أن يرقي نفسه، مبتدئا باسم الله.
7 -
فعن عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (4)» .
(1) صحيح البخاري الطب (5745)، صحيح مسلم السلام (2194)، سنن أبو داود الطب (3895)، سنن ابن ماجه الطب (3521)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 93).
(2)
أخرجه البخاري - كتاب الطب باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم 10/ 206 حديث (5745 و 5746)، ومسلم - كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظر - 4/ 1724 حديث (54).
(3)
الفتح 10/ 208، وانظر فيه سبب وضع الريق على السبابة ثم وضعها في التراب.
(4)
أخرجه مسلم - كتاب السلام باب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء - 4/ 1728 حديثة (67).
ومعنى أحاذر: أخاف منه وأخشاه (1).
وقد ثبت في السنة أن الشياطين تجول عند غروب الشمس؛ لذا شرعت تغطية الأواني مع التسمية، وإغلاق الأبواب والقرب مع التسمية أيضا.
8 -
أخرج البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان جنح الليل - أو أمسيتم - فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله عليها، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم (2)» .
ومعنى أوكوا: أي شدوا القرب بالوكاء، حتى لا يدخلها حيوان، أو يقترب منها شيطان.
ومعنى خمروا: أي غطوا الآنية إن كان لها غطاء، فإن لم يكن لها غطاء فضعوا عودا أو أي شيء عليها.
وسبب امتناع الشيطان من الاقتراب منها هو التسمية فقط، وإلا فإن الشيطان أعطي القدرة على فعل ما هو أكبر من ذلك.
(1) انظر مختار الصحاح مادة، "حذر ".
(2)
كتاب الأشربة - باب تغطية الإناء - 10/ 88 حديث (5623)، وأخرجه مسلم - كتاب الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء - 3/ 1595 حديث (97).
قال الحافظ ابن حجر: (وأظن السر في الاكتفاء بعرض العود أن تعاطي التغطية أو العرض يقترن بالتسمية، فيكون العرض علامة على التسمية، فتمتنع الشياطين من الدنو منه)(1).
كما تشرع التسمية عندما يستيقظ المؤمن من نومه خائفا من شيء رآه في نومه.
9 -
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فزع أحدكم في نومه، فليقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وشر عباده، ومن شر الشياطين أن يحضرون (2)» .
وشرعت التسمية أيضا عند خروج المسلم من بيته.
10 -
أخرج الإمام الترمذي في الجامع بسنده عن أم سلمة رضي الله عنها: أن «النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: بسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك أن نزل أو
(1) فتح الباري 1/ 72.
(2)
كتاب الدعاء للطبراني - 2/ 1309 حديث (1086). قال محققه: إسناده حسن، ولكن فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، ثم ذكر تحسين الحافظ ابن حجر له. قلت: الحديث يتقوى بمرسل الإمام في الموطأ - كتاب الشعر - باب ما يؤمر به من التعوذ - 2/ 950 من حديث خالد بن الوليد. والحديث أخرجه الترمذي - كتاب الدعوات - 5 / حديث (3527)، وأبو داود - كتاب الطب باب كيف الرقى - حديث (3893) كلاهما من طريق ابن إسحاق، وليس فيه (بسم الله).
نضل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا (1)».
وكذلك يسمي الله تعالى عند دخوله البيت ليجلس فيه ويرتاح.
11 -
فعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: ما من مبيت ولا عشاء ههنا، وإذا دخل ولم يذكر الله تعالى عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء (2)» .
والمراد بذكر الله: التسمية.
كما تشرع التسمية عندما يركب المسلم الإبل.
12 -
أخرج الإمام أحمد بسنده عن محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله عز وجل، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم (3)» .
(1) كتاب الدعوات - 5/ 490 - حديث (3427)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في المسند - 6/ 306. والطبراني في كتاب الدعاء - 2/ 986 - حديث (411).
(2)
المسند 3/ 383. قلت: ورجال إسناده ثقات.
(3)
المسند 3/ 494 عن محمد بن حمزة عن أبيه. وأخرجه أيضا في 4/ 221 عن أبي لاس الخزاعي، وله قصة، وأخرجه الدارمي - كتاب الاستئذان - باب ما جاء أن على كل ذروة بعير شيطانا - 2/ 285 وما بعدها عن محمد بن حمزة عن أبيه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد - 10/ 131. قال الهيثمي:(رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن حمزة، وهو ثقة). قلت: ليس كما قال الإمام الهيثمي، بل هو مقبول، أي إذا توبع كما في التقريب ص 475، وقد توبع عند الإماء أحمد 4/ 221 من حديث أبي لاس، وفي سنده ابن إسحاق وقد عنعن، فكلا الطريقين لا يخلو من ضعف، لكنه ضعف منجبر، فيقوي أحدهما الآخر فيصل إلى درجة الحسن لغيره والله أعلم. وذكره في المطالب العالية - 2/ 157 - حديث (1924) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعا بنحوه. قال محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في الحاشية: قال البوصيري: رجاله ثقات.
والتسمية ليست خاصة بالإبل، بل تشرع التسمية عندما يركب المسلم أي دابة.
13 -
فعن علي بن ربيعة قال: كنت ردفا لعلي رضي الله عنه، فلما وضع رجله في الركاب، قال:(بسم الله)، فلما استوى على ظهر الدابة قال:(الحمد لله) ثلاثا، (الله أكبر) ثلاثا، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (1) {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} (2) ثم قال:(لا إله إلا أنت سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، ثم مال إلى أحد شقيه فضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يضحكك؟ فقال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم، فصنع كما صنعت، فسألته كما سألتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليعجب إلى العبد، إذا قال: لا إله إلا أنت، إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: عبدي عرف
(1) سورة الزخرف الآية 13
(2)
سورة الزخرف الآية 14
أن له ربا يغفر ويعاقب (1)».
وهذا لا يقتصر على ركوب الدابة، بل يشمل كل ما يركبه المسلم من المصنوعات الحديثة، كالسيارة والطائرة وغير ذلك.
ومن الأمور التي تشرع فيها التسمية: عندما يرسل المسلم كلب الصيد أو القوس إلى الصيد.
14 -
فعن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبي الله: إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال صلى الله عليه وسلم:«أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم، فأدركت ذكاته فكل (2)» .
(1) المستدرك على الصحيحين - 2/ 98 وما بعدها. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. واقرأ الذهبي في تلخيصه - 2/ 98 وما بعدها. قلت: فيه فضيل بن مرزوق، وهو صدوق يهم، كما في التقريب، وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء - 2/ 1160 من عدة طرق، منها الضعيف الذي ينجبر ضعفه، ومنها الصحيح، انظر هذه الطرق من ص 1158 إلى ص 1164.
(2)
أخرجه البخاري - كتاب الذبائح والصيد، باب صيد القوس - 9/ 604 وما بعدها، حديث (5478). ومسلم - كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة - 3/ 1532 - حديث (8).
ويلحق بالكلب: الباز والصقر وأنواع الطيور الأخرى المعلمة. وفي الحديث دليل على جواز اقتناء كلب الصيد، ويكون مستثنى من الحديث الذي حرم اقتناء الكلاب من غير حاجة.
وكذلك على المسلم أن يسمي الله على الذبيحة المقدور عليها.
15 -
فعن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله: ليس لنا مدى، فقال:«ما أنهر الدم، وذكر اسم الله فكل، ليس الظفر والسن، أما الظفر فمدى الحبشة، وأما السن فعظم (1)» ، وند بعير فحبسه، فقال:«إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا (2)» فقد علق الحديث حل الذبيحة على أمرين، هما:
(1) صحيح البخاري الذبائح والصيد (5503)، صحيح مسلم الأضاحي (1968)، سنن الترمذي الأحكام والفوائد (1491)، سنن النسائي الضحايا (4410)، سنن أبو داود الضحايا (2821)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 463).
(2)
أخرجه البخاري - كتاب الذبائح والصيد - باب ما أنهر الدم من القصب - 9/ 631 حديث (5503). ومسلم - كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم - 3/ 1558 حديث (20). قال في النهاية 1/ 13: الأوابد جمع آبدة، وهي التي قد تأبدت، أي: توحشت ونفرت من الإنس.
1 -
إنهار الدم: أي إسالته.
2 -
والتسمية.
ومن المعروف أن الأمر المعلق على أمرين، لا يكتفى فيه إلا باجتماعهما، وينتفي بانتفاء أحدهما، فلا بد من وجود الإنهار والتسمية معا على الذبيحة، حتى تكون حلالا (1).
والمراد من قوله: " وذكر اسم الله " أن يقول الذابح: (بسم الله)، كما جاء في رواية عند مسلم:" فليذبح باسم الله "(2).
أما الأضحية فعند ذبحها يسمي الله تعالى ويكبر، كما جاء في صحيح مسلم.
وعندما يتناول المسلم ما أباحه الله له؛ فعليه أن يسمي الله تعالى عندما يبدأ بطعامه أو شرابه، حتى لا يشركه الشيطان في شيء من ذلك (3).
16 -
فعن عمر بن سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام: سم الله، وكل بيمينك،
(1) انظر الفتح الرباني 9/ 628.
(2)
كتاب الأضاحي - 3/ 1552 - حديث (3).
(3)
انظر صحيح مسلم - حديث رقم عام (2017) والفتح 9/ 522.
وكل مما يليك (1)». فما زالت تلك طعمتي بعد.
وإذا نسي المسلم التسمية في بداية طعامه أو شرابه، ثم تذكر بعد شروعه، فحينئذ يشرع له أن يسمي الله تعالى حين ذكر.
17 -
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي أن يذكر الله في طعامه؛ فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره، فإنه يستقبل طعاما جديدا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب به (2)» .
ومن الأمور التي يسن فيها البسملة عند إرادة الوقاع، كما جاءت بذلك السنة النبوية.
18 -
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو أن أحدكم إذا أتى أهله، قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره (3)» ، وفي رواية:«لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله (4)» ، وفي رواية:«فرزقا ولدا لم يضره الشيطان (5)» ، وفي رواية: «فإن كان بينهما ولد لم يضره
(1) أخرجه البخاري - كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين 9/ 521 حديث (5376)، ومسلم كتاب الأشربة، باب آداب الشراب وأحكامهما 3/ 1599 حديث رقم عام (2022).
(2)
أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن، ص 226، حديث (226)، وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء 2/ 1213، حديث (889)، وحسن المحقق إسناده.
(3)
صحيح البخاري الوضوء (141)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، سنن ابن ماجه النكاح (1919)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 286)، سنن الدارمي النكاح (2212).
(4)
صحيح البخاري الدعوات (6388)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 286)، سنن الدارمي النكاح (2212).
(5)
صحيح البخاري بدء الخلق (3271)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، سنن ابن ماجه النكاح (1919)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 243)، سنن الدارمي النكاح (2212).
الشيطان، ولم يسلط عليه (1)»، وفي رواية:«ثم قدر بينهما في ذلك أو قضي ولد لم يضره شيطان أبدأ (2)» ، وفي رواية:«فإنه إن يقدر (3)» بالمضارع.
فهذه الروايات المتعددة أخرجها الإمام البخاري في صحيحه متفرقة.
والمراد من قوله: " إذا أتى أهله " الإرادة، كما جاء في بعض الروايات التي تقدمت معنا قبل قليل، فتشرع التسمية عند الوقاع، أي قبل الشروع فيه (4).
أما المراد بالضرر المنفي الذي جاء في روايات الحديث المتعددة، فقد اختلف أهل العلم في تفسيره والمراد منه.
قال القاضي عياض - كما في شرح صحيح مسلم -:
(قيل: المراد بأنه لا يضره: أنه لا يصرعه شيطان.
وقيل: لا يطعن فيه شيطان عند ولادته بخلاف غيره.
(1) صحيح البخاري بدء الخلق (3283)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، سنن ابن ماجه النكاح (1919)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 286)، سنن الدارمي النكاح (2212).
(2)
صحيح البخاري النكاح (5165)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، سنن ابن ماجه النكاح (1919)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 286)، سنن الدارمي النكاح (2212).
(3)
أخرجه البخاري مع الفتح - كتاب الوضوء - باب التسمية على كل حال وعند الوقاع 1/ 242، حديث (141) و 6/ 335، حديث (3271) و 6/ 337 حديث (3283) و 9/ 228 حديث (1565) و 11/ 191 حديث (6388) و 3/ 379 حديث (7396)، ومسلم - كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع - 2/ 1058، حديث (116)، وأبو داود - كتاب النكاح، باب في جامع النكاح - 2/ 249 حديث (2061)، والترمذي - كتاب النكاح، باب ما يقول إذا دخل على أهله - حديث (1092).
(4)
انظر فتح الباري حديث 9/ 228
ثم قال: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء) (1) اهـ.
وقال الداودي - كما في الفتح -:
(معنى "لم يضره ": أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته من المعاصي)(2).
وقال مجاهد - كما في الفتح -:
(إن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه)(3).
ومال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح قول مجاهد.
قلت: قول مجاهد رحمه الله بعيد عن الصواب، إذ الحديث صريح في نفي الضرر عن المولود بعد ولادته، بدليل روايات الحديث المتقدمة، ومنها:«لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه (4)» .
ولا يخفى على أحد معنى التسليط، ومتى يكون.
ومن الأمور التي تشرع فيها التسمية: وضع الميت في لحده.
(1) شرح صحيح مسلم للنووي 10/ 5.
(2)
فتح الباري 9/ 229. وانظر بقية الأقوال فيه.
(3)
فتح الباري 9/ 229.
(4)
صحيح البخاري بدء الخلق (3283)، صحيح مسلم النكاح (1434)، سنن الترمذي النكاح (1092)، سنن أبو داود النكاح (2161)، سنن ابن ماجه النكاح (1919)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 243)، سنن الدارمي النكاح (2212).
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله (1)» .
وهكذا تكون التسمية آخر العهد لهذا المسلم الذي ودع هذه الحياة الفانية، وانتقل إلى عالم آخر مختلف كل الاختلاف عن حياته التي ودعها، والتي كابد فيها إلى أن لقي ربه.
الخاتمة:
من خلال استعراضي لأحاديث التسمية اتضح لي ما يلي:
1 -
أهمية التسمية في حياة المسلم.
2 -
حفظ الله تعالى للمسلم الذي التجأ إليه وطلب منه العون.
3 -
تسلط الشيطان على الإنسان وقدرته العجيبة، وفي الوقت نفسه ضعفه إن استعان المسلم بربه، واعتصم به من شره.
(1) أخرجه الإمام أحمد 2/ 40 و 59 و 127 وما بعدها. قلت: ورجال إسناده ثقات، والترمذي - كتاب الجنائز، باب ما يقول إذا أدخل الميت القبر - 3/ 364 حديث (1046)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
4 -
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليم أمته بما ينفعها ويجلب لها الخير والسعادة في الدارين.
وصلى الله وسلم على نبينا ومعلمنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.