الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زراعة عضو استؤصل في حد
إعداد
فضيلة القاضي محمد تقي العثماني
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
ا - فموضوع هذا البحث معرفة الحكم الشرعي في مسألة زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، وإعادته إلى محله بعملية من عمليات الطب الحديث، هل يجوز ذلك شرعاً؟. وما حكم من فعل ذلك؟
2 -
وبما أن المسألة أخذت اليوم مكانها من الأهمية بفضل ما وصل إليه التقدم الطبي في مجال زرع الأعضاء الذي لم يكن متصوراً في الأزمنة الماضية، فقد يزعم الزاعمون أنها مسألة مستجدة لا يمكن أن يوجد لها ذكر صريح في كتب الفقهاء السالفين، ولكن هذا الزعم غير صحيح. والواقع أن الفقهاء المتقدمين ذكروا هذه المسألة ودرسوها من النواحي المختلفة بما يدل في جانب على مدى توسعهم في تصوير المسائل ودقة أنظارهم في بيان الأحكام، وفي جانب آخر، على أن إعادة العضو إلى محله لم يكن أمراً غير متصور في عهدهم، بل كان أمراً عرفه وجربه المتقدمون، حتى في القرن الثاني من الهجرة، إذ يتحدث عنه الإمام مالك رحمه الله تعالى بكل بصيرة طبية لا تزال صادقة حتى اليوم.
3 -
وقبل أن آتي بنصوص الفقهاء في المسألة أريد أن أحدد مجال البحث في نقاط آتية:
(1)
إذا جنى رجل على آخر، فقطع عضواً من أعضائه، ثم أعاده المجني عليه إلى محله قبل استيفاء القصاص أو الأرش، هل يؤثر ذك في سقوط القصاص أو الأرش؟ ولو أعاده بعد استيفاء القصاص، هل يؤثر ذلك فيما استوفاه من القصاص أو الأرش؟
(2)
إذا قطع عضو الجاني قصاصاً، فهل يجوز له أن يعيده إلى محله بطريق الزراعة؟ أو يعتبر ذلك إبطالاً لحكم القصاص؟ وإن أعاد الجاني عضوه المقتص منه هل يجوز للمجني عليه أن يطالبه بالقصاص مرة ثانية؟
(3)
إن زرع أحد عضوه المنفصل عنه (سواء كان في حد أو قصاص أو لسبب آخر فأعاده إلى محله، هل يعتبر ذلك العضو طاهراً؟ أو يعتبر نجساً، بحيث لا تجوز معه الصلاة، فيؤمر بقلعه مرة أخرى؟
(4)
هل يجوز للسارق المقطوعة يده أو رجله أن يعيدهما إلى محلهما؟ أو يعتبر ذلك اعتداء على الحكم الشرعي في قطع يد السارق، ولئن فعل ذلك أحد، هل تقطع يده مرة ثانية؟
وأريد أن أتكلم عن كل واحدة من هذه المسائل في فصل مستقل وبالله التوفيق.
المسألة الأولى
زرع المجني عليه عضوه
4 -
أما المسألة الأولى، وهي أن يعيد المجني عليه عضوه المقطوع إلى محله، فأول من سئل عنها وأفتى فيها فيما أعلم: إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى. فقد جاء في المدونة الكبرى:
"قلت: (القائل سحنون) أرأيت الأذنين إذا قطعهما رجل عمداً، فردهما صاحبهما فثبتتا، أو السن إذا أسقطها الرجل عمداً، فردها صاحبها فبرئت وثبتت، أيكون القود على قاطع الأذن أو قالع السن؟ (قال: أي ابن القاسم) سمعتهم يسألون عنها مالكاً، فلم يرد عليهم فيها شيئا (قال) وقد بلغني عن مالك أنه قال: في السن القود وإن ثبتت، وهو رأيي، والأذن عندي مثله أن يقتص منه. والذي بلغني عن مالك في السن لا أدري أهو في العمد يقتص منه، أو في الخطأ أن فيه العقل، إلا أن ذلك كله عندي سواء في العمد وفي الخطأ (1)
5 -
ثم تتابعت فيه الروايات عن الإمام مالك وتلامذته رحمهم لله، واتفقت الروايات جميعا على أن المجني عليه في العمد إن أعاد عضوه إلى محله، فلا يسقط به القصاص عن الجاني، سواء كان العضو قد عاد إلى هيئته السابقة أو بقي فيه عيب، أما إذا كانت الجناية خطاً فإن قضي على الجاني بالدية، ثم أعاد المجني عليه عضوه بعد القضاء، فالروايات متفقة أيضاً على أن الأرش لا يرد. وأما إذا أعاد عضوه قبل القضاء على الجاني بالدية، ففيه ثلاث روايات. وقد فصل ابن رشد الجد هذه المسألة في كتابه "البيان والتحصيل" فقال:
"وأما الكبير تصاب سنه فيقف له بعقلها، ثم يردها صاحبها فثبتت، فلا اختلاف بينهم في أنه لا يرد العقل إذ لا ترجع على قوتها. هذا مذهب ابن القاسم، وقول أشهب في كتاب ابن المواز، وروايته عن مالك.
(1) المدونة الكبرى، باب ما جاء في دية العقل والسمع والأذنين: 16/113.
والأذن بمنزلة السن في ذلك، لا يرد العقل إذا ردها بعد الحكم فثبتت واستمسكت. وإنما اختلف فيهما إذا ردهما، فثبتتا، واستمسكتا، وعادتا لهيئتهما قبل الحكم على ثلاثة أقوال: أحدهما قوله في المدونة إنه يقضى له بالعقل فيهما جميعاً، إذ لا يمكن أن يعودا لهيئتهما أبداً. وقال أشهب إنه لا يقضي له فيهما بشيء إذا عادا لهيئتهما قبل الحكم. والثالث: الفرق بين السن والأذن، فيقضى بعقل السن وان ثبتت، ولا يقضى له في الأذن بعقل إذا استمسكت وعادت لهيئتها، وان لم تعد لهيئتها عقل له بقدر ما نقصت
…
ولا اختلاف بينهم في أنه يتم له بالقصاص فيهما، وان عادا لهيئتهما (1)
6 -
فالحاصل أن القصاص لا يسقط بالإعالة في حال من الأحوال، وأما الأرش ففيه ثلاث روايات:
(1)
لا يسقط الأرش بإعادة عضو المجني عليه.
(2)
يسقط الأرش بذلك.
(3)
يسقط الأرش في الأذن ولا يسقط في السن.
7 -
ووجه الفرق بين السن والأذن على هذه الرواية الثالثة ما حكاه العتبي في المستخرجة عن ابن القاسم برواية يحيى، قال:
"وسئل (يعني ابن القاسم) عن الرجل يقطع أذن الرجل فيردها وقد كانت اصطلمت فثبتت، أيكون له عقلها تاماً؟ فقال: إذا ثبتت وعادت لهيئتها فلا عقل فيها، فإن كان في ثبوتها ضعف، فله بحساب ما يرى من نقص قوتها.
قبل له: فالسن تطرح، ثم يردها صاحبها فتثبت، فقال: يغرم عقلها تاماً، قيل له: فما فرق بين هذين عندك؟ قال: لأن الأذن إنما هي بضعة، إذا قطعت ثم ردت، استمسكت، وعادت لهيئتها، وجرى الدم والروح فيها. وإن السن إذا بانت من موضعها ثم ردت لم يجر فيها دمها كما كان أبداً، ولا ترجع فيها قوتها أبداً. وإنما ردها عندي بمنزلة شيء يوضع مكان التي طرحت للجمال، وأما المنفعة فلا تعود إلى هيئتها أبداً.
(1) البيان والتحصيل: 16/ 66 و67، كتاب الديات الثالث، وراجع أيضاً الحطاب: 6/262، والمواق: 6/ 264.
8 -
وشرحه ابن رشد ببيان الروايات الثلاثة المذكورة (1) ولكن لم يذكر أحد منهم وجه الفرق بين القصاص والأرش، على الروايات التي تقول بسقوط الأرش دون القصاص عن الجاني بعد إعادة المجني عليه عضوه المقطوع. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن القصاص إنما يجب في العمد جزاء للاعتداء القصدي من الجاني، عملاً بقوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، وبقوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ، وإن هذا الاعتداء واقع لا يزول بإعادة المجني عليه عضوه إلى محله، فلا يسقط القصاص في حال من الأحوال. أما الأرش، فإنما يجب في الخطأ الذي لا يتعمد فيه الجاني اعتداء على أحد، فليس الأرش إلا مكافأة للضرر الحاصل من فعله، واستدراكاً لما فات المجني عليه من العضو أو المنفعة، فإن عاد العضو بمنفعته الفطرية وجماله السابق، إنعدم ضرر المستوجب للأرش، فسقط الأرش.
9 -
ولكن الذي يظهر أن المختار عند المالكية عدم الفرق بين القصاص والأرش، حيث لا يسقط واحد منهما، هكذا ذكره خليل في مختصره، واختاره الدردير والدسوقي وغيرهما، وعلله الدردير بأن الموضحة إذا برئت من غير شين، فإنه لا يسقط الأرش، فكذلك الطرف إذا أعيد، فإنه لا يسقط أرشه مع كون كل منهما خطاً (2)
مذهب الحنفية في المسألة:
10 -
ثم الذي ذكر هذه المسألة بعد الإمام مالك، هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله، فقال في كتابه "الأصل":
"وإذا قلع الرجل سن الرجل، فأخذ المقلوعة سنه فأثبتها في مكانها، فثبتت، وقد كان القلع خطاً، فعلى القالع أرش السن كاملاً، وكذلك الأذن "(3)
(1) البيان والتحصيل لابن رشد: 16 /158و 159.
(2)
الدسوقي على الدر ير: 4/256 و 278.
(3)
كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الثيباني: 4/467، كتاب الديات.
فاختار محمد رحمه الله أن إعادة العضو لا يسقط الأرش عن الجاني. ثم أخذ عنه الفقهاء الحنفية فقال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله:
"واذا قلع الرجل سن رجل خطأً، فأخذ المقلوع سنه، فأثبتها في مكانها فثبتت، فعلى القالع أرشها، لأنها وان ثبتت لا تصير كما كانت، ألا ترى أنها لا تتصل بعروقها؟.. وكذلك الأذن إذا أعادها إلى مكانها، لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه في الأصل، وإن التصقت "(1)
وهنا علل السرخسي عدم سقوط الأرش بكون العضو لا يعود إلى حالته السابقة بعد الالتصاق، وفرع عليه المتأخرون أن "هذا إذا لم يعد إلى حالته الأولى بعد الثبات في المنفعة والجمال، والغالب أن لا يعود إلى تلك الحالة. وإذا تصور عود الجمال والمنفعة بالإثبات لم يكن على القالع شيء، كما لو نبتت السن المقلوع، كما ذكره الزيلعي وغيره عن شيخ الإسلام) . (2)
11 -
ولكن المسألة عند الحنفية مفروضة في جناية الخطأ، كما رأيت في عبارة الإمام محمد والإمام السرخسي، ولهذا اكتفوا بذكر سقوط الأرش، ولم أجد في كتب الحنفية حكم العمد، وأنه هل يسقط القصاص عندهم فيه بإعادة العضو أولا؟ والظاهر أنه لا يسقط وإن أعاده المجني عليه إلى هيئته، وذلك لما ذكرنا في الحديث عن مذهب المالكية (فقرة 8) من أن القصاص جزاء للاعتداء القصدي من الجاني، وهو واقع لا يزول بهذه الإعادة، فلما ذهب الحنفية إلى أن الأرش لا يسقط بها، فلأن لا يسقط بها القصاص أولى (3)
(1) المبسوط للسرخسي: 26/98، والمسألة مذكورة أيضاً في الهداية وشروحها، راجع فتح القدير: 9/227، وبدائع الصنائع: 7/315.
(2)
تبيين الحقائق للزيلعي: 6/137، والبحر الرائق: 8/305، ورد المحتار لأبن عابدين: 6/585.
(3)
رد المحتار: 6 /585و 586.
12 -
نعم، ذكر الحنفية أن القصاص يسقط فيما إذا ثبتت سن المجني عليه بنفسها، ولكن لا يقاس عليه مسألة زرع العضو وإعادته، وذلك لأمرين: الأول أن العضو المزروع لا يكون في قوة النابت بنفسه، والثاني: أن نبت السن بنفسها ربما يدل على أن السن الأولى لم يقلعها الجاني من أصلها، فتصير شبهة في وجوب القصاص، بخلاف ما أعيد بعملية، فإنه ليس في تلك القوة، ولا يدل على أن الجاني لم يستأصله. فالظاهر أن إعادة العضو من قبل المجني عليه لا يسقط القصاص عند الحنفية أيضاً كما لا يسقط عند المالكية.
مذهب الشافعية:
13 -
ثم تكلم في المسألة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فقال في كتاب الأم: " وإذا قطع الرجل أنف رجل أو أذنه أو قلع سنه فأبانه، ثم إن المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه، أو خاط الأنف أو الأذن، أو ربط السن بذهب أو غيره، فثبت وسأل القود فله ذلك، لأنه وجب له القصاص بإبانته، (1)
وذكر النووي رحمه الله هذه المسألة في الروضة، فألحق بها مسألة الدية، فقال: "قطع أذن شخص، فألصقها المجني عليه في حرارة الدم، فالتصقت، لم يسقط القصاص ولا الدية عن الجاني، لأن الحكم يتعلق بإبانة، وقد وجدت) (2)
فاتضح بهذه النصوص أن مذهب الشافعي في هذا مثل المختار من مذهب المالكية أن إعادة العضو المجنى عليه لا يسقط القصاص ولا الأرش.
مذهب الحنابلة:
14 -
وأما الحنابلة، فلهم في هذه المسألة وجهان. وقد ذكرهما القاضي أبو يعلى، فقال:
"إذا قطع أذن رجل فأبانها، ثم ألصقها المجني عليه في الحال فالتصقت، فهل على الجاني القصاص أم لا؟ قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا قصاص على الجاني، وعليه حكومة الجراحة، فإن سقطت بعد ذلك بقرب الوقت أو بعده كان القصاص واجباً، لأن سقوطها من غير جناية عليها من جناية الأول، وعليه أن يعيد الصلاة. واحتج بأنها لو بانت لم تلتحم، فلما ردها والتحمت كانت الحياة فيها موجودة، فلهذا سقط القصاص.
(1) كتاب الأم للشافعي: 6 /52 تفريع القصاص فيما دون النفس من الأطراف.
(2)
روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي: 9/197، وراجع أيضاً المجموع شرح المهذب: 17/252.
وعندي أن على الجاني القصاص، لأن القصاص يجب بالإبانة، وقد أبانها. ولأن هذا الإلصاق مختلف في إقراره عليه، فلا فائدة له فيه، (1)
وكذلك ذكر ابن قدامة القولين، ولم يرجح واحداً منهما، وكذلك فعل أبوإسحاق ابن مفلح (2) وذكر المرداوي وشمس الدين ابن مفلح القولين، واختار قول القاضي انه لا يسق القصاص (3) واختار البهوتي قول أبي بكر في أنه يسقط القصاص والأرش كلاهما (4)
القول الراجح في المسألة:
15 -
والقول الراجح عندنا ما ذهب إليه الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية، وجماعة من الحنابلة أن زرع المجني عليه عضوه لا يسقط القصاص أو الأرش من الجاني، لأن القصاص جزاء للاعتداء الصادر منه، وقد حصل هذا الاعتداء بإبانة العضو، فاستحق المجني عليه القصاص في العمد، والأرش في الخطأ، فلا يسقط هذا الحق بإعادة عضوه إلى محله، وذلك لأمور:
(1)
ان إعادة العضو من قبل المجني عليه علاج طبي للضرر الذي لحقه بسبب الجناية، وان البرء الحاصل بالعلاج لا يمنع القصاص والأرش، كما في الموضحة، إن عالجها المجني عليه فبرىء، فإنه لا يمنع حقه في استيفاء القصاص أو الأرش. فكذلك العضو إذا أعيد بعد الإبانة من الجاني، فإنه لا يؤثر فيما ثبت له على الجاني من قصاص أو أرش.
(2)
ان إعادة العضو من قبل المجني عليه، وإن كان يستدرك له بعض الضرر، فإن العضو لا يعود عادة إلى ما كان عليه من المنفعة والجمال، فإسقاط القصاص أو الأرش فيه تفويت لحق المجني عليه بعد ثبوته شرعاً.
(1) المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين، لأبي يعلى: 2 /267و 268.
(2)
المغني لابن قدامة: 9/422، والشرح الكبير: 9/431.
(3)
الإنصاف للمرداوي: 10/ 100، والفروع لابن مفلح: 5/655.
(4)
كشاف القناع للبهوتي: 5/641، وشرح منتهى الإرادات: 3/296.
(3)
إن القصاص أو الأرش قد ثبت بالقلع يقيناً، وذلك بالنصوص القطعية، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله، وليس هناك نص من القرآن والسنة يفيد سقوط القصاص بإعادة العضو.
16 -
ولما ثبت أن إعادة المجني عليه عضوه لا يسقط القصاص عن الجاني، فلو قطع رجل عضوه المزروع مرة ثانية، هل يجب فيه القصاص مرة أخرى؟ قد صرح أكثر الفقهاء بأنه لا يجب، وعلل بعضهم بأن العضو المزروع لا يعود إلى هيئته الأصلية في المنفعة والجمال، فهذا الإلصاق لا يعتد به، قال الموصلي الحنفي رحمه الله تعالى:
"والمقلوع لا ينبت ثانياً، لأنه لا يلتزق بالعروق والعصب، فكان وجود هذا النبات وعدمه سواء، حتى لو قلعه إنسان لا شيء عليه (1)
ومقتضاه أنه لا يجب القصاص ولا الأرش، لأنه جعل النبات وعدمه سواء، ولكن اليوم أمكن في كثير من الأعضاء المقلوعة أن تعاد فتلزق بالعروق والعصب، فلا يتأتى فيها التعليل الذي ذكره الموصلي، فالظاهر في حكم أمثالها أنه لا يوجب القصاص، لأن العضو المزروع، وإن التزق بالعروق والعصب، فإنه عضو معيب لا يكون بمثابة العضو الأصلي، فلا يقطع به العضو الصحيح في أصل خلقته. ولكن يجب أن يلزم به الأرش على الجاني الثاني. وهو قول الحنابلة. قال البهوتي رحمه الله:
" (وإن قلعه) أي ما قطع ثم رد فالتحم (قالع بعد ذلك فعليه ديته) ولا قصاص فيه، لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة لنقصه بالقلع الأول"(2)
(1) الاختيار لتعليل المختار، للموصلي: 5/ 39.
(2)
شرح منتهى الإرادات للبهوتي: 3/ 296.
المسألة الثانية
إعادة الجاني عضوه المقطوع بالقصاص
17 -
أما المسألة الثانية، فهي أن الجاني إذا قطع عضوه في القصاص، فأعاده إلى محله بعد استيفاء القصاص، هل يعتبر ذلك مخالفة لأمر القصاص، فيقتص منه مرة أخرى؟ أو لا يعتبر؟
18 -
فجزم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بأن القصاص قد حصل بإبانة عضو الجاني مرة، فلو أعاده إلى محله فإنه لا يلغى استيفاء القصاص السابق، فلا يقتص منه مرة ثانية، وان ترك العضو المزروع في محله لا يعتبر مخالفة لأمر القصاص. قال رحمه الله تعالى بعد بيان المسألة الأولى (وهي إعادة المجني عليه عضوه إلى محله) :
"وإن لم يثبته المجني عليه، أو أراد إثباته فلم يثبت (1) وأقص من الجاني عليه، فأثبته، فثبت، لم يكن على الجاني أكثر من أن يبان منه مرة، وان سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود، لأنه قد أتى بالقود مرة إلى أن يقطعه لأنه ألصق به ميتة "(2)
فظهر أن الجاني لم يمنعه من ذلك، ولا يقطع عضوه مرة ثانية، لمخالفته لموجب القصاص. وأما ما ذكره الشافعي رحمه الله من الأمر بقطعه بسبب إلصاق الميتة فسيجيء الكلام على ذلك تحت المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى.
19 -
وأما الحنابلة، فعندهم في هذه المسألة قولان، أحدهما موافق للشافعية، وجزم به ابن قدامة في المغني، فقال:
"وإن قطع أذن إنسان، فاستوفي منه، فألصق الجاني أذنه، فالتصقت، وطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك، لأن الإبانة قد حصلت، والقصاص قد استوفي، فلم يبق له قبله حق
…
والحكم في السن كالحكم في الأذن " (3)
(1) إن هذا ليس قيداً احترازياً للحكم، وإنما صور المسألة فيما يمكن فيه القول بالاقتصاص مرة ثانية على أساس أن المجني عليه لم يعد عضوه إلى محله، فكيف يعيده الجاني؟ فذكر أن هذا النظر غير صحيح، لأن الواجب على الجاني هو الإبانة مرة واحده، وقد حصل. ويؤخذ منه بالبداهة أن الحكم كذلك بالأولى إذا أثبت المجني عليه عضوه، فإن حالى الجاني والمجني عليه يصير سواء في تلك الصورة.
(2)
كتاب الأم للشافعي: 6 /25، وبمثله صرح النووي في روضة الطالبين: 9 /137و 138.
(3)
المغني لابن قدامة: 9/423، ومثله في الشرح الكبير: 9/431.
وكذلك جزم القاضي أبو يعلى بأنه لا يقتص منه ثانياً. فقال رحمه الله:
"فإذا قطعنا بها أذن الجاني، ثم ألصقها الجاني، فإن قال المجني عليه: ألصق أذنه بعد أن أثبتها، أزيلوها عنه، قلنا: بقولك لا نزيلها، لأن القصاص وجب بالإبانة وقد وجد ذلك "(1)
ولكن جزم ابن مفلح في الفروع بأنه يقتص من الجاني مرة ثانية، فقال:
"ولو رد الملتحم الجاني أقيد ثانية في المنصوص"(2) واختاره المرداوي والبهوتي أيضاً. قال البهوتي:
"ومن قطعت أذنه ونحوها كمارنه قصاصاً، فألصقها فالتصقت، فطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك، لأنه استوفى القصاص. قطع به في المغني والشرح. والمنصوص أنه يقاد ثانياً، اقتصر عليه في الفروع، وقدمه في المحرر وغيره. قال في الإنصاف "(3) في ديات الأعضاء ومنافعها: أقيد ثانية على الصحيح من المذهب. وقطع به في التنقيح هناك وتبعه في المنتهى. قال في شرحه: للمجني عليه إبانته، ثانياً، نص عليه، لأنه أبان عضواً من غيره دواماً، فوجبت إبانته منه دواماً لتحقيق المقاصة " (4)
20 -
وأما المالكية، فقد ذكروا إعادة المجني عليه عضوه، كما نقلنا عنهم في المسألة الأولى، ولم يذكروا إعادة الجاني عضوه بعد القصاص بهذه الصراحة التي وجدناها في كتب الشافعية والحنابلة. ولكن وجدت للمسألة ذكراً مختصراً في كلام ابن رشد رحمه الله، حيث يقول:
"فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتها، فعادت أذن المقتص منه أو عينه فذلك، وإن لم يعودا، وقد كانت عادت سن الأول أو أذنه فلا شيء له، وإن عادت سن المستقاد منه أو أذنه، ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه كرم العقل. قاله أشهب في كتاب ابن المواز "(5)
(1) كتاب الروايتين والوجهين: 2/268، ثم تكلم هل يأمره الإمام بإزالتها لكونها نجسة؟ وسيأتي الكلام على ذلك في مسألة النجاسة إن شاء الله.
(2)
الفروع لابن مفلح: 5/655.
(3)
الإنصاف للمرداوي: 10/ 100.
(4)
كشاف القناع للبهوتي: 5/ 641.
(5)
البيان والتحصيل لابن رشد: 16/67.
وحاصله أن إعادة الجاني عضوه انما لا يؤثر في القصاص، إذا كان المجني عليه أعاد عضوه أيضاً، أما إذا لم يعد المجني عليه وأعاده الجاني، فإن الجاني يغرم العقل.
21 -
وأما الحنفية، فلم أجد عندهم مسألة إعادة الجاني عضوه، ولكن ذكر في الفتاوى الهندية عن المحيط مسألة تشابه ما نحن فيه، وهي ما يلي:
"إذا قلع الرجل ثنية رجل عمداً، فاقتص له من ثنية القالع، ثم نبتت ثنية المقتص منه، لم يكن للمقتص له أن يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانياً "(1)
وهذا يدل على أن الأصل عند الحنفية أن المجني عليه إنما يستحق إبانة عضو الجاني مرة واحدة، وليس من حقه أن يبقي العضو فائتاً على الدوام، فالظاهر أن مذهبهم مثل مذهب الشافعية في هذه المسألة، وذلك لأمور:
(1)
إنهم أجازوا بقاء الثنية النابتة بنفسها، ولم يروها معارضة لمقتضى القصاص، مع أنها أحكم وأثبت من السن الملصقة، وأكثر منها نفعاً، فالظاهر أن السن المزروعة أولى أن لا تكون معارضة لمقتضى القصاص.
(2)
قد ذكرنا في المسألة الأولى أن المجني عليه إذا أعاد عضوه إلى محله، فإن ذلك لا يؤثر في ما ثبت على الجاني من القصاص والأرش، بل يجب القصاص كما كان يجب عند عدم الزرع. فيقاس على ذلك زرع الجاني عضوه، وأنه لا يؤثر في ما استوفي من قصاص. وإلا فليس من الإنصاف أن يزرع المجني عليه عضوه، ويمنع الجاني من ذلك بتاتاً.
22 -
فالراجح عندي مذهب الشافعية وجماعة من الحنابلة، وهو مقتضى مذهب الحنفية، أن القصاص يحصل بإبانة العضو مرة واحدة، ولكل واحد من الفريقين الحرية في إعادة عضوه بعملية طبية إذا شاء. فلو فعل ذلك الجاني، ولم يفعله المجني عليه، فإن ذلك مبني على أن كل واحد يتصرف في جسمه بما يشاء، ولا يقال إن عمل الجاني مخالف لمقتضى القصاص، كما إذا أعاده المجني عليه، ولم يعده الجاني، فإن ذلك لا يؤثر في أمر القصاص، وكل واحد يختار في معالجة ضرر جسمه ما يتيسر له، ولا سبيل إلى إحداث المساواة بين الناس في علاج أجسامهم. والله سبحانه أعلم.
(1) الفتاوى الهندية: 6/11 - الباب الرابع من الجنايات.
المسألة الثالثة
هل العضو المزروع في المسألتين نجس؟
23 – كل ما قدمنا كان يتعلق بمسألة القصاص، وإنما نظرنا إلى الآن في مسألة زراعة العضو المقطوع من حيث إنه يعارض مقتضى الحكم بالقصاص أو لا؟ وقد رجحنا مذهب جمهور الفقهاء أن الزراعة لا تؤثر في أمر القصاص شيئاً، فما كان ثابتاً قبل الزراعة، يبقى ثابتاً بعدها، وما استوفي قبلها، لا يحكم بإعادته بعدها.
24 -
وننتقل الآن إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز للمجني عليه أو الجاني ديانة أن يعيد عضوه المبان إلى محله؟ وهل يعتبر ذلك العضو طاهراً أم نجسأ؟ وهل تجوز الصلاة معه أو لا تجوز؟
25 – وإنما نشأت هذه المسألة، لأن الفقهاء قد اختلفوا في العضو المبان من الحي، هل هو طاهر أم نجس؟ فذهبت جماعة إلى أن كل ما أبين من الحي فهو نجس على الإطلاق، استدلالا بقوله عليه السلام:
((ما قطع من حي فهو ميت)) (1)
وبما رواه أبو واقد الليثي رضي الله عنه، قال:
((قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: ما يقطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة)) (2)
فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن هذا الحكم عام لكل حي، فقال في كتاب الأم:
"وإذا كسر للمرأة عظم، فطار، فلا يجوز أن ترقعه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا. وكذلك إن سقطت سنه صارت ميتة، فلا يجوز له أن يعيدها بعد ما بانت
…
وإن رقع عظمه بعظم ميتة أو ذكي لا يؤكل لحمه، أو عظم إنسان فهو كالميتة، فعليه قلعه، وإعادة كل صلاة صلاها وهو عليه. فإن لم يقلعه جبره السلطان على قلعه (3)
(1) أخرج الحديث بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك: 4/239، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه وأقره الذهبي.
(2)
أخرجه الترمذي في الصيد، باب ما جاء ما قطع من الحي فهو ميت، رقم:(1508) و (1509)
(3)
كتاب الأم للشافعي: 1/ 54 - باب ما يوصل بالرجل والمرأة.
وما نقلنا عنه في المسألة الثانية من قوله:
"وإن سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية، لم يقطعه الوالي للقود،
لأنه قد أتى بالقود مرة، إلا أن يقطعه، لأنه ألصق به ميتة" (1)
فهو في هذا السياق. فكأن الإمام الشافعي رحمه الله، حسب ما يبدو من كتاب الأم، لا يرى في إعادة الجاني عضوه مانعاً من حيث مخالفته لمقتضى القصاص، ولكنه لا يراه جائزاً من حيث أن العضو المبان نجس، فلا يجوز إلحاقه بالجسم، ولو ألحقه أمره السلطان بالقلع، لكونه مانعاً من صحة الصلاة.
26 -
ولكننا إذ نراجع كتب الشافعية المعتبرة، نجد أن معظمهم اختاروا طهارة جزء الآدمي، وإن بان منه حال حياته، فيقول النووي رحمه الله:
(الأصل أن ما انفصل من حي فهو نجس، ويستثنى الشعر المجزور من مأكول اللحم في الحياة
…
ويستثنى أيضاً شعر الآدمي، والعضو المبان منه
…
فهذه كلها طاهرة في المذهب، (2)
وقال الشربيني الخطيب رحمه الله:
"والجزء المنفصل من الحيوان الحي ومشيمته كميتته، أي ذلك الحي، إن طاهراً فطاهر، وإن نجساً فنجس
…
فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر، ومن غيرها نجس) (3)
ويقول الرملي، رحمه الله:
والجزء المنفصل بنفسه أو بفعل فاعل من الحيوان الحي كميتته طهارة وضدها
…
فاليد من الآدمي طاهرة، ولو مقطوعة في سرقة " (4)
ويذكر الشبراملسي تحته:
"انظر لو اتصل الجزء المذكور بأصله وحلته الحياة، هل يطهر ويؤكل بعد التذكية أولا؟ ونظيره ما لو أحيا الله الميتة ثم ذكيت، ولا يظهر في هذه إلا الحل، فكذا الأولى (5)
(1) كتاب الأم: 6/ 52.
(2)
روضة الطالبين: 1/ 15.
(3)
مغني المحتاج: 1/80.
(4)
نهاية المحتاج: 1/218.
(5)
حاشية نهاية المحتاج: 1/228.
وهذا يدل على أن العضو المبان من الآدمي الحي طاهر مطلقاً. وأما العضو المنفصل من غيره، فإنما يحكم بنجاسته إذا لم يتصل بعد الإبانة بمحله الأصلي، فلو اتصل وحلته الحياة، عاد طاهراً.
27 -
وإن هذه النصوص بظاهرها معارضة لما نقلنا عن كتاب الأم. فلعل ما في كتاب الأم رجع عنه الشافعي بعد ذلك، أو اختار الفقهاء الشافعية قولاً يخالف رأيه، وعلى كل، فالمذهب عند الشافعية الآن طهارة العضو المبان من الآدمي. وعليه فلا يؤمر بقلعه إذا أعاده إلى محله، ولا يحكم بنجاسته وفساد صلاته.
28 -
أما الحنفية، فالأصل عندهم أن الأعضاء التي لا تحفها الحياة، كالظفر، والسن، والشعر، لا تنجس بإبانتها من الآدمي الحي. ولكن الأعضاء التي تحفها الحياة، مثل الأذن، والأنف وغيرهما، فإنا تنجس بعد إبانتها من الحي. ولكن قرر المتأخرون منهم أنها ليست نجسة في حق صاحبها، فلو أعادها صاحبها إلى أصلها، لا يحكم بنجاستها، وإنما هي نجسة في حق غيره. فلو زرعها غير المقطوع منه في جسمه كانت نجسة. وهذا أيضاً إذا لم تحفها الحياة. أما إذا حفتها الحياة بعد الزرع، فلا نجاسة في حق الغير أيضاً.
29 -
أما الأصل المذكور فقد بينه ابن نجيم بقوله:
"إن أجزاء الميتة لا تخلو: إما أن يكون فيها دم أو لا، فالأولى كاللحم نجسة، والثانية ففي غير الخنزير والآدمي ليست بنجسة إن كانت صلبة، كالشعر والعظم بلا خلاف
…
وأما الآدمي ففيه روايتان: في رواية نجسة
…
وفي رواية طاهرة لعدم الدم، وعدم جواز البيع للكرامة " (1)
ولكن جاء في الفتاوى الخانية:
"قلع سن إنسان، أو قطع أذنه، ثم أعادهما إلى مكانه وصلى، أو صلى وفي كفه سنه أو أذنه، تجوز صلاته في ظاهر الرواية"(2)
30 -
والمسألة مذكورة في التجنيس، والخلاصة، والسراج الوهاج أيضاً، كما في البحر ورد المحتار. واستشكلها بعض العلماء بالأصل المذكور، فإن الأذن تحفها الحياة، فينبغي أن تصير نجسة بالإبانة على ما ذكرنا من أصل الحنفية. وأجاب عنه المقدسي، كما نقل عنه ابن عابدين بقوله:
"والجواب عن الإشكال أن إعادة الأذن وثباتها إنما يكون غالباً بعود الحياة إليها، فلا يصدق أنها مما أبين من الحي، لأنها بعود الحياة إليها صارت كأنها لم تبن، ولو فرضنا شخصاً مات، ثم أعيدت حياته معجزة، أو كرامة، لعاد طاهراً"(3)
(1) البحر الرائق: 1/ 106.
(2)
فتاوى قاضي خان: 1 /17- فصل في النجاسة تصيب الثوب.
(3)
وهذا عين الدليل الذي استدل به الشبراملسي من الشافعية في حاثية نهاية المحتاج، وقد مر قريباً.
وعلق عليه ابن عابدين بقوله:
"أقول: إن عادت إليها الحياة فمسلم، لكن يبقى الإشكال لو صلى وهي في كمه مثلاً، والأحسن ما أشار إليه الشارح (أي صاحب الدر المختار) من الجواب بقوله وفي الأشباه
…
إلخ، وبه صرح في السراج (أي حيث قال: والأذن المقطوعة والسن المقطوعة طاهرتان في حق صاحبهما، وإن كانتا أكثر من قدر الدرهم) فما في الخانية من جواز صلاته ولو الأذن في كمه، لطهارتها في حقة، لأنها أذنه " (1)
وعبارة الأشباه التي أشار إليها ابن عابدين نصها ما يلي:
"الجزء المنفصل من الحي كميته، كالأذن المقطوعة والسن الساقطة إلا في حق صاحبه فطاهر وإن كثر "(2)
31 -
وتبين بهذه النصوص الفقهية أن العضو المبان من الآدمي ليس نجساً في حق صاحبه عند الحنفية، وكذلك إذا حفته الحياة بعد الإعادة، فإنه ليس نجساً في حق أحد. وإنما النجس عند الحنفية في حق الغير ما أبين من الآدمي فلم تحفه الحياة بالإعادة. فثبت أن الحكم عند الحنفية في مسألتنا مثل المختار من مذهب الشافعية، أن إعادة عضو المبان إلى محله ليس نجساً، فلا يمنع منه، ولا تفسد به الصلاة.
32 -
فأما المالكية، فإن المعتمد عندهم أن ما أبين من الآدمي ليس نجساً.
قال الدردير في الشرح الكبير:
"فالمنفصل من الآدمي مطلقاً طاهر على المعتمد". وقال الدسوقي تحته:
"أي بناء على المعتمد من طهارة ميته، وأما على الضعيف فما أبين منه نجس مطلقاً
…
على المعتمد من طهارة ما أبين من الآدمي مطلقاً، يجوز رد سن قلعت لمحلها لا على مقابله " (3)
(1) رد المحتار: 1/207، ومنحة الخالق: 1/107.
(2)
الأشباه والنظائر مع الحموي، الفن الثاني - كتاب الطهارة: 1/203.
(3)
الدسوقي على شرح خليل: 1/54.
"ئم ذكر الحطاب أن القول بالنجاسة، على كونه مرجوحاً، إنما يؤثر في ابتداء الإعادة فيمنع منه الرجل ابتداء، ولكن إذا رد الإنسان السن إلى موضعه، فثبت والتحم جازت صلاته على هذا القول أيضاً.
"وفي البرزلي: إذا قلع الضرس وربط لا تجوز الصلاة به، فإن رده والتحم، جازت الصلاة للضرورة "(1)
وذكر الزرقاني عن المدونة أن القول بالنجاسة، (وإن كان ضعيفاً كما أسلفنا) يستثنى منه مواضع الضرورة. قال رحمه الله:
"وعلى عدم طهارة ميته لا ترد سن سقطت، وعلى طهارته ترد. وظاهره وإن لم يضطر لردها على هذا، بخلافه على الأول، فيجوز للضرورة كما في شرح المدونة، وروى عن السلف عبد الملك وغيره أنهم كانوا يردونها ويربطونها بالذهب"(2)
33 -
فظهر أن الراجح في مذهب المالكية طهارة العضو المبان، فيجوز إعادته إلى محله، ولو عاد وثبت والتحم، حكم بطهارته وجواز الصلاة فيه على القولين جميعاً.
34 -
والحنابلة عندهم في ذلك روايتان. قال ابن مفلح:
"وإن أعاد سنه بجرارتها، فعادت فطاهرة، وعنه نجسة"(3)
ولكن رجح المرداوي الطهارة، وذكر أن عليه الأكثرين، قال رحمه الله:
"فإن سقطت سنه فأعادها بجرارتها، فثبتت، فهي طاهرة. هذا المذهب وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم، وعنه أنها نجسة
…
وكذا الحكم لو قطع أذنه فأعادها في الحال. قاله في القواعد" (4)
(1) مواهب الجليل للحطاب: 1/121.
(2)
الزرقاني على مختصر خليل: 1/29.
(3)
الفروع لابن مفلح: 1/ 370.
(4)
الإنصاف للمرداوي: 1/ 489.
وبهذا القول جزم البهوتي أيضاً (1) وهو مؤيد بما رواه أبو يعلى عن الإمام أحمد رحمه الله برواية الأثرم في مسألة القصاص نفسها. قال:
"ونقل الأثرم عنه في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف، فيأخذ المقتص منه فيعيد، بجرارته، فيثبت، هل تكون ميتة؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، فقيل له: يعيد سنه؟ قال: أما سن نفسه فلا بأس، وهذا يدل على الطهارة، لأنه بعض من الجملة، فلما كانت الجملة طاهرة كان أبعاضها طاهرة"(2)
35 -
فثبت بما أسلفنا - والحمد لله - أن الراجح في المذاهب الأربعة جميعاً: أن الرجل إذا أعاد عضوه المبان إلى محله، فإنه يبقى طاهراً، ولا يحكم بنجاسته، ولا بفساد صلاته، ولا يؤمر بقلعه من هذه الجهة.
36 -
فلما ثبت أن إعادة العضو لا يخالف مقتضى القصاص، ولا يستلزم النجاسة، ظهر أنه مباح لا بأس به. والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الرابعة
إعادة العضو المبان في حد
37 -
والمسألة الرابعة: إذا أبين عضو رجل في حد شرعي، كالسرقة والحرابة، هل يجوز للمحدود أن يعيده إلى محله بعد استيفاء الحد؟ وهل يعتبر ذلك افتياتاً على الحد الشرعي؟
(1) شرح منتهى الإرادات: 1/ 155.
(2)
كتاب الروايتين والوجهين: 1/ 202.
38 – وإن هذه المسألة لم أجدها في كلام الفقهاء، ولعل وجه ذلك أن إبانة العضو في الحد إنما يتصور في اليد أو الرجل، لأن الحد الذي يبان فيه عضو من الأعضاء ينحصر في سرقة أو حرابة. والعضو المبان في كل واحد منهما يد أو رجل. ولعل الفقهاء لم يتصوروا إعادتهما إلى محلهما بعد الإبانة. والوضع لا يزال حتى الآن، كما كان في عهد الفقهاء، فإن تجارب الطب الجديد، وإن فتحت آفاقاً جديدة في مجال الجراحة وزرع الأعضاء، ولكنها لم تنجح إلى اليوم في إعادة هذه الجوارح إلى محلها نجاحاً كاملاً. وإن الأيدي والأرجل المزروعة، على ما تكلف من النفقات الباهظة، وتتطلب الجهد الشاق، لا تعمل عملها السابق، حتى أن الأعضاء المصنوعة من الخشب أو الحديد تفيد المريض أكثر بالنسبة إلى الأعضاء الأصلية المزروعة. وجاء في دائرة المعارف البريطانية:
“If the delicate sheaths constining the nerves are cut، however، as must happen if a nerve is partially or completely severd، regeneration may not be possible. Even if regeneration occures، it is unlikely to be complete
…
Defective regeneration is the main reason why limb grafts usually are unsafisfactory. A mechanical artificial limb is likely to be of more value to the patient” (1) .
"إن قطع الخلاف النحيف الذي يحوي الأعصاب، كما يقع لزاماً حينما يبان عصب من الأعصاب كلاً أو جزءاً، فإن نشأتها الثانية غير ممكنة. ولو نشأت من جديد، فإن كون النشأة كاملة متعذرة
…
وان هذا النقص في نشأتها الثانية هو السبب الأكبر في كون زراعة الجوارح غير ناجحة. والظاهر أن عضواً مكانيكياً مصنوعاً أكثر إفادة للمريض".
وذكر في محل آخر:
“Replacement of servered hands and arms has been tried in a few patients، and some of the results appear to have been worth-while: replacement of lower limbs seem much less justifiable، because the patient is likely to be better off with an artifical leg” (2)
"إن إعادة اليدين والعضدين المقطوعتين قد حولت في بعض المرضى، وان بعض النتائج تبدو معتدة بها. ولكن يبدو أن المبرر لإعادة الجوارح السفلية (كالأرجل) أقل بكثير، لأن المريض يكون أحسن حالة باستعمال رجل مصنوعة".
(1) Encyclopaedia Britannica V. 28 P. 747 ed 1988.
(2)
Micropaedia، Britannica V. 11 P. 899 ed 1988.
39 -
وقد راجعت بعض الأطباء الموثوق بهم فأيدوا هذا المعنى، وأكدوا أن إعادة اليد أو الرجل لا تكون ناجحة، ولما كانت إعادة اليد أو الرجل أمراً لا يقع، حتى في زماننا، فالبحث عن حكمه الشرعي بحث نظري بحت لا علاقة له بالواقع
العملي، بخلاف مسألة القصاص، فإنه يمكن أن يبان فيه أي عضو من أعضاء البدن بما فيها الأعضاء الممكن زرعها وإعادتها، فلا يخلو البحث فيها عن فائدة عملية، ولذلك ذكرتها بشيء من البسط والتفصيل.
40 -
أما البحث عن مسألة العضو المقطوع في السرقة أو الحرابة، فلا يتعلق بالواقع العملي، فالمناسب أن لا نخوض فيها قبل وقوعها، وكان السلف يكرهون الخوض في مسائل لم تقع بعد، ويقولون:
" لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ".
41 -
ولذلك، فلا أرى البحث في هذه المسألة حتى نشاهدها تقع عياناً، ولكني أريد أن أذكر الأصل الذي تبتنى عليه المسألة لو فرضنا أنها وقعت، ليكون مساعداً في استخراج الحكم حينئذ.
وذلك أن المسألة لها منزعان:
42 -
المنزع الأول: أن نقيس الحد على القصاص، فنقول: قد ثبت بما أسلفنا في مبحث القصاص أن المختار عند جمهور الفقهاء أن القصاص ينتهي حكمه بإبانة العضو، وليس من جملة القصاص أن يبقى العضو فائتاً إلى الأبد، فكذلك الحد، إذا أقيم مرة بإبانة اليد أو الرجل، انتهت وظيفة الحد، وليس المقصود تفويت اليد أو منفعتها على سبيل الدوام، ولذلك يجوز للسارق والمحارب أن يستعمل يداً أو رجلاً مصنوعة. فلا مانع من أن يزرع يده المقطوعة.
43 -
والمنزع الثاني: أن بين الحد والقصاص فرقاً، وهو أن المقصود من القصاص أن يصيب الجاني ضرر مماثل لضرر المجني عليه، وذلك يحصل بإبانة عضوه، فإن الجناية الصادرة من الجاني لم تتجاوز أن تقطع عضواً، ولم تكن مانعة من إعادته إلى محله إذا اختار المجني عليه ذلك. فكذلك استيفاء القصاص يحصل بمجرد الإبانة، ولا يمنع ذلك أن يعيد الجاني عضوه إلى محله. بخلاف إبانة العضو في الحد، فإنه ليس مقابلا لضرر مماثل، وإنما هو مقدر من الله تعالى عقوبة ابتدائية، وحيث قد فرض الله سبحانه وتعالى قطع اليد أو الرجل فليس المقصود منه فعل الإبانة، وإنما المقصود إبانته لتفويت منفعته على الجاني، ولو أجزنا للجاني أن يعيده مرة أخرى، فإن ذلك تفويت لمقصود الحد.
44 -
فالنظر في المسألة موقوف على أن المقصود من الحد هل هو إيلام الجاني بفعل الإبانة فقط، أو المقصود تفويت عضوه بالكلية؟ وعلى الأول تجوز الإعادة، وعلى الثاني لا تجوز. ولكل من الاحتمالين دلائل. ولا يجب علينا القطع بأحدهما الآن، لكون المسألة غير متصورة الوقوع حتى اليوم. ولئن وقعت فسيشرح الله تعالى صدر الفقهاء حينذاك بما فيه رضاه إن شاء الله تعالى.
د. محمد تقي العثماني
زراعة عضو استؤصل في حد
إعداد
فضلية الشيخ
محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
من البدهي شرعاً وعقلاً أن الحدود الشرعية والقصاص إنما شرعت زجراً وتنكيلاً لذوي النفوس الشريرة والأخلاق السيئة عن ممارسة الجرائم وارتكاب الفواحش حتى يعيش المجتمع الإنساني في سلامة وأمن واستقرار في الأرواح والممتلكات والأعراض، وحتى يكون الجزاء عادلاً في موجبات الحدود والتشفي كافياً في موجبات القصاص فتنقطع العداوة وتنحسم الضغائن والأحقاد التي تسبب الإقدام على قتل الأبرياء جزافاً كما كانت عليه الجاهلية قبل الإسلام. قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن الجزيري: إن من الناس من لا يردعهم عقل ولا يمنعهم الحياء ولا تزجرهم الديانة ولا تردهم المروءة والأمانة فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة من أصحابها على وجه المجاهرة أو خفية على وجه الاستسرار وفيه من الفساد ما لا يخفى فناسب شرع هذه الزواجر في حق المستسر والمجاهر في سرقتي الصغرى والكبرى حسما لمادة الفساد وإصلاحاً لأحوال العباد (1)
(1) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: 4/157.
وعلى هذه الحكمة العادلة في تشريع الحدود والقصاص دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في القصاص والحدود مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة المائدة: الآية 33] وقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة المائدة: الآية 38] . ومثل قوله تعالى في القصاص: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [سورة البقرة: الآية 178: 179]
ومن الأحاديث:
ما روى البخاري: عن عروة عن عائشة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد امرأة. قالت عائشة وكانت تأتي بعد ذلك ، فارفع حاجتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتابت وحسنت توبتها.))
وروى الترمذي: عن عبد الرحمن بن محيريز قال: ((سألت فضالة بن عبيد عن تعليق اليد في عنق السارق أمن السنة هو؟ قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه)) . رواه الخمسة إلا أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف لكن الترمذي حسنه وأخرج أن علياً رضي الله عنه قطع يد سارق فمروا به ويده معلقة في عنقه.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" معلقاً على الحديث الآنف الذكر: فيه دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه لأن في ذلك من الزجر ما لا مزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وما جره إليه ذلك الأمر من الخسارة بمفارقة ذلك وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة من الانزجار ما تنقطع به وساوسه الرديئة. وختاماً للبحث أنقل للقارىء الكريم تعليقات بعض المفسرين على قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة المائدة: الآية 38] ، أؤيد بها رأيي في عدم جواز زراعة العضو المقطوع بحد أو قصاص، قال الإمام محمد رشيد رضا في تعليقه على الآية: هذا تعليل للحد أي اقطعوا أيدهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيىء ونكالا وعبرة لغيرهما فالنكال مأخوذ من النكل وهو بالكسر قيد الدابة ونكل عن الشيء عجز عنه أو امتنع صرفه عنه فالنكال ما ينكل الناس عنهم عن أن يسرقوا، ولعمر الحق أن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم وكذا على أرواحهم لأن الأرواح كثيراً ما تتبع الأموال إذا قاوم أهلها السراق عند العلم بهم:{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، فهو غالب على أمره حكيم في صنعه وفي شرعه فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة (1)
وقال ابن كثير في التعليق على قوله تعالى: {جزاء بما كسبا نكالا من الله} أي مجازي على صنيعهما السيىء في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك نكالا من الله أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك (2)
(1) تفسير المنار: 6/ 380.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/569.
وقال الطبري في التعليق على قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} الآية، لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود فإنه والله ما أمر بأمر قط إلا وهو صلاح وما نهى عن أمر قط إلا وهو فساد (1)
وقال محمد بن علي الصابوني في التعليق على قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} الآية، وهذه العقوبات تعتبر بحق رادعة زاجرة تقتلع الشر من جذوره وتقضى على الجريمة في مهدها وتجعل الناس في أمن وطمأنينة (2) واستقرار. قال فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف في التعليق على قوله تعالى:{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} [سورة البقرة: الآية 66] .
يقال نكل به تنكيلاً إذا صنع به صنيعاً يحذر غيره والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك وأصله من النكل وهو القيد الشديد واللجام لكونهما مانعين وجمعهما أنكالا وسميت العقوبة أنكالا لأنها تحذر غير من نزلت به ارتكاب ما أوجبها (3)
وقال الدكتور محمد محمود حجازي: حد الله هذا الحد جزاء للسارق ونكالا للغير ومنعاً له حتى لا يقع في مثل ما وقع فيه، فإن قطع اليد ميسم الذل والعار الذي لا يمحى أبداً والله عزيز لا يغالب في كل ما سنه لنا من قوانين (4)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه " السياسة الشرعية ": وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآية، ولا يجوز بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو الإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدى ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله، وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده فيكون الوالي شديداً في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تستر به الأم رقة ورأفة لفسد الولد وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحاً بحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجام وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة فكذلك شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغاؤه بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره لأن الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة اليسيرة وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد، وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده. اهـ. بهذه التعليقات أعود فأؤكد رأيي أنه لا تجوز الرأفة بالجاني والعطف عليه بإعادة عضوه الذي قطع حداً أو قصاصاً. وبالله التوفيق.
الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ
(1) الطبري: 6/229.
(2)
روائع البيان تفسير آيات الأحكام: 1/557.
(3)
صفوة البيان: ص 19.
(4)
التفسير الواضح.