الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو أبو النخبة الشيخ مصطفى بن محمد بن حسين بن إبراهيم البارودي، فرع شيخي الإسلام. قرأ على والده وعلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث والشيخ صالح الكواش وغيرهم من علماء ذلك العصر، وتقدم على صغره إماماً ومدرساً بالجامع الباشي سنة 1207 سبع ومائتين وألف، وكان ضعيف البدن متمارضاً. ولما توفي والده قدّمه الأمير حمودة باشا إلى جميع وظائف والده من مشيخة المدرسة الشمّاعية وخطبة جامع باردو وإمامة الجامع الباشي والفتيا يوم الجمعة الموفي عشرين من ربيع الثاني عام ستة عشر ومائتين وألف والمرض يومئذ يصاحبه فأقام على تلك الوظائف. وكان ذكياً عالماً فقيهاً فصيحاً حسن الصورة خيّراً إلى أن عاجله الحمام رطباً فتوفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شعبان الأكرم عام 1219 تسعة عشر ومائتين وألف، وقد رثاه شاعر عصره العالم الشريف الشيخ أحمد رزوق الكافي قاضي المحلة بقوله:[الطويل]
على النيّرِ المكنونِ في طيّ أكفانِ
…
بدورُ العلا تبكي دماملَ أجفانِ
بها ما دها العلياءَ من فقد مصطفى
…
وأسمى بينها من هموم وأحزان
سقى جدثاً واراهُ واكفُ رحمةٍ
…
وروّاهُ من سحب الرضا صوب هتّان
على مثل ذا المفتي الجليل تأسّفي
…
يجدّد مهما قد تولّى الجديدان
فتى كان كالنعمان فقها وإنما
…
بلاغته أبدته في شكل (سحبان)
وكان خبيراً بالنوازل عالماً
…
بمبدأ كل من حديثٍ وقرآنِ
فلو شاء أفتى في العلوم برأيه
…
ولكن أبى الإفتاء إلا ببرهان
فمنْ للعلا من بعد فقدان بدرها
…
أصيبتْ إذاً في العين منها بفقدان؟
ومن لعلوم الدين بعدَ أفوله؟
…
وما كان إلا شمس رشد وتبيان؟
وأن يبكي المحرابُ والمنبرُ الذي
…
علاه فمن شجو بكاه الجديدان
مضى مصطفى البارود (ي) والمجدُ مصطفى
…
وحيداً من الأشباه ليس له ثانِ
وكان الغنى للعادم المال والمنى
…
[تجود له] يمناه والقصد للعاني
وما عاد من نشر الفخار لطيّه
…
فإن غاب والآثار منه لإعلان
ولكن إلى المولى أناب فخصّهُ
…
بطيب رضا أوفى وعفو وغفران
لذلك لما مات قلت مؤرخاً
…
(لمفتٍ منيفٍ مصطفى طيبُ رضوان)
20 الشيخ أحمد البارودي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حسين بن إبراهيم البارودي تربى في حجر العز والترف، وحمل على كواهل العلوم إلى أعلى الغرف، فقرأ العلم الشريف والده ورافق أخاه شيخ الإسلام في القراءة على شيوخه، وانفرد بالقراءة على الشيخ محمد بيرم الأول فقرأ عليه قطعة من الأشموني وقطعة من الملتقى وقرأ على الشيخ محمد الشحمي شرح التهذيب للخبيصي.
ثم جلس للتدريس فأجاد بتقرير عذب، ولسان غضب، ولي الإمامة والخطبة بالجامع الجديد بعد وفاة والده في ذي القعدة الحرام سنة ست وثمانين ومائة وألف، ثم ولى تدريس المدرسة الجديدة والمدرسة العنقية. ما شئت من فصاحة لسان، وحسن بيان، وترتيل في تلاوة القرآن، وحسن رواية لأحاديث سيد ولد عدنان، يسحر الألباب بثاقب فهمه، ويرمي الأغراض فلا يخطئ صائب سهمه، وله قريحة في نظم الشعر، مع الثروة التي تنعم بها وتجمل منها بفضل العطاء والإهداء الذي استرق به الأحرار من ذوي النهي.
وله همة عالية، ومفاخر غالية، يركب الخيل بالسروج المحلاة ويلبس أفخر لباس. خرج للتداوي بحمام الأنف فأرسل إليه الوزير يوسف صاحب الطابع ألف محبوب فرد بها الرسول وقال له قل لسيدك لو أرسلت لنا مركوباً أو مملوكاً لقبلناه منك هدية أما المال فإنّا والحمد لله عندنا ما يكفينا فيمكنكم أن تتفضلوا به على من هو محتاج إليه. وقد راوده الأمير حمودة باشا على خطة الفتيا عدة مرات وهو يمتنع ويقسم أن لا يقبلها ويقول له إنه عنده ولله الحمد ما يغنيه عن تحمل أخطارها.
ولما توفي ابن أخيه المتقدم حلف المتقدم حلف عليه الأمير فأولاه الفتيا يوم الأحد موفى شعبان الأكرم عام 1219 تسعة عشر ومائتين وألف، فأضاف له عند ذلك خطبة باردو ودروس التجويد ودرس الجامع الباشي، فقام بإمامة باردو قياماً كلياً وباشرها بنفسه فزان المنبر والمحراب، وأتى في تلاوته وروايته ودرايته بالعجب العجاب، وقد هناه بتلك الولاية يومئذ شاعر البلاد وصديقه العالم الشريف الشيخ أحمد زروق بقوله:
حقّ الثناء لأحمداً
…
ولمثله أنْ يحمدا
بدر العلا الباروديُّ من
…
له في العلا أقصى مدى
[الكامل]
لك في العلا شرفٌ علا وفخارُ
…
ومآثر شهدت بها آثارُ
لبستْ بها وبك الليالي بهجةً
…
حتى استوى ليلٌ بها ونهار
وملأتها عدلاً ومعرفة بدا
…
للدين منها وبينك استبشار
وهدى أنرت به الشرائع فاهتدت
…
فينا بصائرُ واجتلت أبصار
حتى لقد سعدت بك الأقطار وازْ
…
دهرتْ الأعصار والأمصار
وحبتك أبكار الثناء وعونه
…
فيما تطرز وشيه الأفكارُ
ورأتك منفرد الكمال فأقسمت
…
أن لا ترى أنظارك الأنظار
تأبى المعالي ثانياً لك في العلا
…
وتجلُّ عن ذا قدرك الأقدار
ما ثاب من زمن الأعادي معشر
…
مما أتيت من العلا المعشار
عجز الأفاضل عن علاك فسلّموا
…
لك ما أتاه لغيرك المقدار
علموا بأنك خيرهم كرماً فإن
…
جاروك في قصبات سبقٍ جاروا
قصرتْ على علياك ألسنةُ الثنا
…
وطوالها عما تنيل قصار
لعظمتَ حتى لا يوافى فضلكم
…
ما كرّرتْ من مدحه الإعصار
وسمت لعزّك في المعالي همّةٌ
…
شمّاءُ دون سموّها الأقمارُ
شمساً طلعت فما انجلت لك بهجة
…
حتى علاها من علاك نهار
أخذت حظوظُ المجد فيك حقوقها
…
وازدان منك على الفخار شعار
ما لُحتَ في أفق المعالي نيّراً
…
إلاّ ليعلَم للعلوم منار
يا فخر تونس واكتمالَ بدورها
…
لولاك ما اجتنب البدور سرار
أنت الكفيل بعزّها ولعزها
…
حيث اعتزالك في الخلود قرار
لم يدركنهُ الفخر حتى لحت في
…
كبرائها، والفخر منك يُعار
فأعرتها شرفاً لها بمعيره
…
تيه على الأكفاء واستكبار
ها أنت تاج في سما أفلاكها
…
شرفٌ به لا لؤلؤ ونضار
ونظمت للمجد الخطير فريدةً
…
عقداً وإنك درّه المختار
وجمعت شمل المعلومات فأصبحت
…
جاراً يعز كما يعز الجار
ورعى اهتمامك بالمكارم سرحها
…
فنظمتها كالدر وهي نثار
رتب علوت العالمين بجمعها
…
ويجمعها تتفاوت الأقدار
بعلاك أوصاف الفخار تشرفت
…
حتى كأنك للفخار فخار
قد تفضل الأوصاف من موصوفها
…
وبحسن لابسه يزين إزار
كصفات أحمد فهي طيب ثنائه
…
وشذاه وهي ثناؤه المعطار
بدر العلا البارود (ي) صدر بدورها
…
من قد علته هيبةٌ ووقارُ
العالم العلم الشهير النير
…
الفرد الذي عنّت له الأنظار
ذو السيرة الغراء والحكم الذي
…
نصرته من آرائه الأنصار
مازال أحمدُ في شريعة أحمدٍ
…
محمودةٍ من سيره الآثار
حتى استنار به الهدى وأنار في
…
أفق الشرائع من هداه منار
وثقت يد النعمان منه بغاية
…
في الفقه دون بلوغها الأنظار
رأي له في الاعتقاد رشاده
…
يهدى به كلّ الورى استبصار
من كان مثل أبي حنيفة ماله
…
إلاّ اعتقاد الأشعريّ شعارُ
بحرٌ وأين النهر من تياره
…
في بحر علمه تغرق الأنهار
هو (ملتقى البحرينِ) من علم ومنْ
…
أدبٍ طمعاً له فيهما تيار
كل يقول لعلمه ولشعره
…
هو (أحمدٌ) في شعره (بشار)
(كابن الحسين) ابنُ الحسين وقلما
…
تتماثل الشعراء والأشعار
أو ما ترى الدّرر التي قذفتْ بها
…
أفكاره سحرتْ به الأفكار
تغدو المنابر تحته بسماعها
…
معتزةً ولو أنها أحجار
ويراع في يده اليراع وكيف لا
…
وهي البحارُ ومن ذكائه نار
الماجد الأعلى الجليل المجتبى ال
…
معطاء والمتفضل المكثار
مفتي الأنام وشيخها ورئيسها
…
نهر العلوم وروضها المعطار
مجلي غوامض ما يخوض عبابها
…
للفكر إدراك ولا إشعار
مستحضر أغناه عن تكريرها
…
نظرُ الطروس لكلها استحضار
وكأنّ فكره في الذكاء موقّد
…
وكأنّ كفّهُ للعطاء بحار
تروي أنامله الأنامَ بجودها
…
فكأنّما هي ديمةٌ مدرار
لابن الحسين محاسنٌ ومحمدٌ
…
شغفت بها الأسماع والأبصار
ذا المجدُ فيه وفي أبيه وراثةٌ
…
إذ هو منه ومن أبيه شعار
يا ابن الألى ملأ البسيطة مجدهم
…
وتعطرت بنسيمه الأقطار
مثل البدور تدفقاً
…
وتألقوا كالشمس ثم أناروا
ركبوا العزائم للمكارم والعلا
…
فلهم على صهواتها استقرار
نفحت بهم وبذكرهم حلل الثنا
…
فها بهم ولهم بها أعطار
هم خير من لاقوا وأحمد خيرهم
…
وأبوه فهو من الخيار خيار
حزتم بني البارودي كل فضيلة
…
فزتمْ فخصّكمُ بها المقدار
وأرى العلا داراً لها أبناؤكم
…
وبنوهم تأوي لتلك الدار
رفعت بكمْ رتبُ الكمال فأصبحتْ
…
أمماً وفيها أنتمُ الأقمار
في القرب منكمْ كيمياْء سعادة
…
في ضمنها تتيسّرُ الأوطار
لم يعتصم بكمُ فقير بائس
…
إلا وسار له غنى ويسار
أو ينتسبْ لكم وضيعٌ خامل
…
إلا سمتْ لسموه الأبصار
فخراً أبا العباس إنك سيد
…
شهد الأنام بها ولا إنكار
ولئن اقرّ بها العداة ففضلكم
…
يأبى لكم أن تكفر الكفار
أضمرتُ فيك مودة أولى بها
…
وأحقُّ من إضمارها الإضمار
أخفيتها حذر الوشاة فمذ طما
…
تيارها ظهرت وغاب حذار
حباً أكون من الشهود وصدقه
…
بشهود حبك ما لهم أعذار
وجعلت يمنك في يمين توجّهي
…
ورجوت أن يرقى بها السيار
أربٌ يبيت سواك يملكني به
…
فالحر تملك رقّه الأحرار
أنت الذي أحييت آثار الجدا
…
والفضل منك بدا له إيثار
وعلمتُ ما لم يدر ما طرق العلا
…
فغدا ودرهم فضله دينار
وجرى على آثار سبقك كم جرى
…
بطل فعاقه عن مداك عثار
هيهات لو ركب الرياح سوابقٌ
…
ما شق إثرك للحاق غبار
بك خصّصَ التمييزُ لما ميّزتْ
…
أقدارَ أربابِ العلا الأقدار
فغدوت أنت كبير أهل الفضل ال
…
كبراء إن نسبوا إليك صغار
ما كل من نار الولاية محرزا
…
شرفاً ولا كلُّ إليه يشار
بعلاك يختتم الكمال وإنّما
…
بمديحكم تتنقل الأخبار
وقد أقام صاحب الترجمة على وجاهته ووظائفه واحترام، يباشر الوظائف على أحسن الوجوه ثم استأذن الأمير حمودة باشا في التوجه إلى حج بيت الله الحرام سنة 1127 سبع وعشرين ومائتين وألف بقصيدة وهي قوله:[الطويل]
إليك رسولَ الله شوقي يسنّدُ
…
وفرطُ غرامي فيك ما خلتُ ينفذُ
وإن فؤادي في هواك متيم
…
وجفني قريح ليس يرقى فيرقد
فسل عن غرامي فيك مرقاة منبري
…
يصدّقها المحراب والدمعُ يشهد
وسل مربعي من بعد ذاك ومضجعي
…
وما كنت ألقى في هواك وأسهد
فقربك مطلوبي ووصلك بغيتي
…
وإن زاد شوقي فيك لا شك أفقدُ
فعد لي بوصل إنّ بعدي مضت به
…
صنونُ وإني في غراميَ مبعدُ
فيا ليتني إذ كنت فيها مواصلاً
…
حبيبي وفي محرابه كنت أسجد
يجيب مناجاتي ويرحم عبرتي
…
ويؤنسني قرباً لأنّي مفرد
وأسمعه القرآن ذلك وحيه
…
وأتلو عليه ما تلا وأردد
وأنشده مدحاً لحسان مسنداً
…
[فذو العرش محمود وهذا محمد]
وبت أناجي الله ربي وإنني
…
لأشكره وصلي وإني لأحمد
وفزت بقربي منه بالأمن والمنى
…
وساعدني دهري وما كاد يسعد
فشط مزاري بعد ذاك وليتني
…
بلحد بذاك الترب فيه موسّدُ
فلله ما ألقى من الوجد كلما
…
ركاب له زفت وإني لمقعد
وإن فصلت عير بقصد ديارهم
…
وجدت له ريحاً وقالوا مفنّد
سلام على تلك الديار ومن بها
…
ففيها ديار للحبيب ومعبد
سلام على محراب مسجد وحيه
…
ومن قام فيه ليله يتهجّد
سلام على تلك البطاح من الربى
…
وإن لها نوراً يرى يتوقد
سلام على تلك الليالي وليتها
…
تعود وما ظني بها الآن تبعد
يقول لي العذال فزتَ بوصله
…
وأدركت ما تبغي وما كنت تقصد
فقلت بعادي بعد وصليَ زادني
…
غراماً وشوقي اليوم فيه مجدّد
فخلوا سبيلي إنني أطلب الدوا
…
لعل دوائي فيه تحظى به اليد
فوجهت آمالي إلى باب سيّدٍ
…
يرقُّ لحالي رحمةً ثم يسعد
هو الملك المولى الحميد مآثراً
…
فحمودة باشا السعيد المؤيد
فأشكوك يا مولاي شوقي لبعد من
…
غرامي به لا زال في الناس ينشد
قصدتك فضلا منك ترحم عبرتي
…
رضاك الذي أبغي به أتزود
لوصل رسول بعد حج وعمرة
…
فأبلغه منك السلام فتسعد
وأسأله عند اللقاء شفاعة
…
إليكم وملكاً دائماً ليس ينفد
فحقق رجائي فيك يا خير سيد
…
وأنجد ولا تمنع فإنك منجد
وإني ختمت المدح فيه مصلياً
…
على من به ختمُ المديح ينضّدُ
سلامي عليه كلما هبت الصبا
…
وما قام في أيكٍ هخزارٌ يغرّد
فلم يأذن له فاستعطفه ثانياً بالقصيدة الطويلة وهي قوله: [الرمل]
أركبُ الصّعب ولا يستصعبُ
…
ومقامي بمقامي أصعبُ
وعتادي باعتنائي لكم
…
راحتي الكبرى وذلك المطلب
وهو أني بهوائي شرف
…
وانتظاري بلقائي يعزب
ولذيذ العيش بالبعد له
…
من مذاق الصبر طعمٌ مكربُ
كريه منه بقرب لكمُ
…
نعمة عظمى ورزق طيب
يعذب العذب ولكن إن تكن
…
علة بالذوق لا يستعذب
فزلال الماء في ذوق الذي
…
هام فيكم علقم لا يشرب
جرعةٌ من مائكم تكفي وإنْ
…
لم يكن زادٌ كفاني العشبُ
أولا أعزُب من ذكري لكمْ
…
بمديح، وهو مما يعجب؟
لا ةعمر الله ما يفضله
…
من مذاق الشهد عندي مشرب
تنجلي بالمدح فيكمْ فكرتي
…
لمعانٍ ليس عنها يرغب
لم تكنْ عندي ولا في طاقتي
…
بل ولا عنها مديح يعرب
خالطَ الشوقُ غرامي فبدا
…
لي ممّا لم أكن أحتسب
كلّما يذكرني ذكركمُ
…
هزّني من جانبيَّ الطّربُ
يا بنات الحيّ من ذات القنا
…
يا غصونَ البانَ لا تحتجبوا
حمّلوا البدر سناءً منكمُ
…
إنّني أرجوه إذ ما يقرب
يا بدوراً أشرقت في ناظري
…
دونكم هذا فؤادي فاغربوا
وهو وقف عليكم حبس
…
أفترضون به إذ يخرب؟
من حقوق الحب ما عنه احتوى
…
جفن عيني حب قوم أغربوا
من حقوق الحب ما عنه احتوى
…
جفن عيني حب قوم أغربوا
واقبلوا في الرق أيضاً خبّةً
…
فارحموا إن شئتمُ أو عذّبوا
كل فعل منكم عدل متى
…
إن يكن رقي إليكم ينسب
أقبلوا رقي ففيكمْ كرمٌ
…
وارحموا ذلي فأنتم عرب
أدركوني يا عريب المنحنى
…
أدركوا صبّاً إليكمْ يرغبُ
أسرعوا لي إنني مضنى بكم
…
قبل أن أقضي ودوني الحجبُ
لا تقولوا إنني أسلو الهوى
…
ما لقلبي في هواكم تعب
ليس ما أرجو ولا بي مطلب
…
غير ما أني له مرتقب
من رضاً عني وعفوٍ، إنه
…
من جميل العفو أن لا تغصبوا
متِّعوني وصلكم أو شرّفوا
…
من هواكم بذلوا ما كسبوا
لكن الحكمُ الإلهيُّ اقتصى
…
قرب أقوام وقومٍ تحجب
فقلوبٌ قاسياتُ أبعدت
…
وعقول راسخات تجذب
وعيونٌ ساهرات أمِّنتْ
…
وجفونٌ نائمات ترهب
ومطايا صافنات أتعبت
…
لخطايا مثقلات تنهب
في سطور بخطايا سطِّرتْ
…
بمدادٍ من دموعي تكتب
فلسانُ الحال فيها كتبت:
…
يمّمُوا لنجداً فنعم المذهب
هذه الكثبان منها قربتْ
…
وإلى طيبة يسعى الطيب
أطيب الأيام يوم قيل لي
…
فيه هذي طيبةٌ والكثب
هذه طيبةُ دارُ المصطفى
…
عينها الزرقا لديكم فاشربوا
هذه حضرة من قيل له
…
ليلة الإسراء: أنت الأقرب
هذه الرحمة حامت حولكم
…
مزنها الهامي عليكم صيّب
هذه جنة عدن فتّحت
…
لكم الأبواب منها فاقربوا
وحسانُ الحور منها أقبلت
…
لتّحييكم وفيكم تخطب
برزت غلمانها يدعوننا
…
يا حجيجاً أكرموا من يركب
فترجلنا وأركبناهمُ للمطايا عزّ ما قد رغبوا
إنهم من حي من تهواهمُ
…
ولعينٍ ألفُ عين ترغب
فتسابقنا لأبارِ على
…
نستقي منها ومنها المشرب
ودخلنا الباب نبكي خشيةً
…
من ذنوب كثرت لا تحسب
فتنادينا: ظفرنا بالمنى
…
وإلى باب السلام اقتربوا
فولجناه وما منّا فتى
…
قابل الحجرة إلا يرهب
فترى القوم سكارى ما همُ
…
بسكارى إنما هم أرهبوا
من خطايا معضلاتٍ عظمت
…
حسبوا أنَّ بها تنقلب
علموا الذنب ولكن جهلوا
…
عفو خير الخلق عمن يذنب
وتوجهنا لوجه المصطفى
…
بدموع من عيون تسكب
فوجدنا قومه حفّوا به
…
فهو في حجرته محتجب
بستورٍ وشّحت من نوره
…
حجب الشمس علينا الكوكبُ
من وراء السّتر فيها نائم
…
لا تقولوا ميتاً لا تكذبوا
إنما الميت من عاش ولم
…
تكن الحسنى إليه تنسب
إنما من مات لا يشفع في
…
من جنى وهو شفيع مرغب
لكن الرسل الكرام انتقلوا
…
للعلا ما همْ إليه رغبوا
ورسول الله فينا طيّبٌ
…
وهو منا ناظر لا يحجب
يا رسول الله جد بالعفو ول
…
يبقَ مني في حماكم مقرب
بعد علمي أنّ ظهري مثقلٌ
…
بخطيئاتٍ وأني مذنب
وذمام الحب لولا أنني
…
واثق بالحلم ما أقترب
إنَّ ترباً خصَّ من بين الثرى
…
لخطى أقدامكم منتخب
لا أراه لخطى أقدامنا
…
كلّما تخطو جفانا الأدبُ
إنما حقَّ لذاك الترب أن
…
تشتفي منه عيون تسكب
بدموعٍ تخمد النار التي
…
في فؤادي حرها يلتهب
لبعادي من ديار أشرفت
…
ورسول الله فيها يصحب
كان لي فيها مقام سبقتْ
…
لي بها الحسنى ومن قبلي أبُ
لم يكن إذ ذاك من يمنعني
…
من حبيب بل ولا لي مآرب
غير ما أصبوا إلى روضته
…
أجتني من خير ما ينتخب
فمن القبر إلى منبره
…
روضةٌ تقصر عنها الرُّتب
بتُّ فيها ليلة ما مثلها
…
من شهور الدهر ألفُ تحسب
وتوجهت إلى محرابه
…
قمت أقضي بعض [ما قد] يجب
وانقضى ليلي به منفرداً
…
وصفا وقتي ممن يرقب
صبحوني عندما الفجر بدا
…
نوره فيها ونعم المصحب
لم يكنْ لي شغفٌ إلا بهم
…
منهمُ قومي ومنهم عرب
لا سوى حبهمُ عنديَ بل
…
أكرم القوم لديَّ العرب
إنهم لي سادة فيهم بدا
…
سيدُ الخلق ومنهم ينسب
وهو خير الأنبياء والرسل منْ
…
جاءت الدنيا له تختطب
فتولّى معرضاً عنها وما
…
ناله منها نصيبٌ يحسب
يا رسول الله أشكو فرقتي
…
فدوائي عنكم لا يصعب
يا رسول الله غوثاً إنما
…
مطلبي من غيركم لا يطلب
وكذا شوقي وأيم الله لا
…
ينقضي حتى تماطَ الحجُب
فإذا لم تستقم لي عودةٌ
…
عظم الكرب وبان العطب
يا بدوراً طال بعدي عنهمُ
…
ورجائي فيهم لا يعزب
قمت فيهم طول ليلي ساهراً
…
أرصد النجم متى ينقلب
يا لصحب بديار بعدت
…
وإلى خير رسولٍ قربوا
جاههم أرجوه عند المصطفى
…
لخلاصي جاههم لا يغلب
واسألوا الرضاءَ من طاعتهُ
…
بكتاب الله شرعاً تجب
ذلكم حمودة باشا الذي
…
ساد فينا منه جد وأب
فخرُ فحلٍ لعلي المرتضى
…
لحسين بن علي ينسب
طيبٌ من طيبٍ من طيب
…
وإذا ما طاب فهو الطيب
سيدٌ من سيدٍ من سيد
…
فانتهى فخراً إليه الحسب
ذهب خلص من تبر وهل
…
خالصات التبر إلا ذهب
هكذا المجد وإلاّ لا تقل
…
مثل ذاك المجد مجد يحسب
دونكم مولاي قولاً جامعاً
…
لمعالي المدح مما يعجب
باختصارِ اللفظ سهلُ نشرهِ
…
كلما حاولته لا يحجب
فخرهفي كلمٍ حررتها
…
بمقول صادق يستعذب
ذلك فخر القول لا ما أطنبوا
…
بالذي يغري إليه الكذب