الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللهم هذا توسلنا إليك بأعظم الوسائل، ورسولك الذي اصطفيت له أكمل الشمائل، حتى أكرمت من بها دعاك بالإجابه، فيرى البراقع من وجوه السعادة منجابه، وها نحن حظينا بمسك ختامهأن وأدرنا في حانات المسامع كؤوس مدامهأن راجين أن تفضيها علينا بالسعادة، وتمنحنا من سيب فضلك بالحسنى والزيادة، إذ عين منها مسك الختام، في هذا المقام، بين يدي صاحبه وحامل شعراته الكريمه، أحد الفايزين ببغيته الفخيمه، قائد المغرب، الصحابي المقرب، من ظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن سعد إذ حاز دوحة ووضع أصابعه على ختم النبوءة، ناصر الأيمان وفاتح البلدان، وشهيد الطعان، أحد أعلام الدين الذين تتجدد معالم فخرهم وإن تقادم، ضجيع مقامنا سيدنا أبو زمعة عبيد الله بن آدم، اللهم واخلع عليه جلابيب الرضوان، وأوله أضعاف ما يستحقه من الإحسان، وها نحن أمة رسولك لاجئين إليه في مقامه، فاجعل إجابتنا بمحض فضلك من توابع إ
كرامه
، فاللهم يا من إليه الالتجاء نسألك بسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم أن تحسن عاقبتنا. وأن لا تحرمنا من فضلك الثنأن وأن تمنحنا من فيوض رحمتك وغفرانك وتسبغ علينا أردية سترك تفضلاً وإحسانا وأن تنجح أعمالنأن وأن لا تخيب آمالنأن وأن تكسونا أفخر أكسية الهداية والتوفيق، وتيسر لنا من أبواب السعادة أقوم طريق. اللهم فيك الأمل، ومنك نسأل مواهب العلم والعمل، فاجعل ببركة هذا المقام جمعنا هذا سالماً من كدر الدنيا والآخره، وافتح علينا من بحر جودك الذي لا يدرك أحد زاخره، إنك أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال الإكرام. اللهم أجزل منح آلائك لآبائنأن وأول محاسن نعمائك جميع الغائبين والحاضرين من إخواننأن وجازعنا بفضلك بفضلك شيوخنا جزاءً أوفر، يعبق به على جميعهم في الدنيا والآخرة من رضوانك مسك أذفر، وأدم منتك التي لا تحصى على جميع المسلمين، في كل وقت وحين، واقرن بالسداد آراء الحكام، وكن الولي بمن قام بإحياء شعائر الإسلام، بجاه نبيك عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العاملين.
وعندما انتهيت من هاتيك العمال، مع ما اقترن بها من نجاح البلوغ إلى الآمال، والحمد لله على كل حال، أزمعنا على الخروج، من تلك المروج، فأمضيت ليلة رحيلنا عند الرجل الصالح البركة الفاضل الشيخ سيدي عمر العلاني، بلغه الله ممن السر إلى غاية الآماني، وقد اتخذ لنا تلك الليلة مبيتة رائقه، بالذكر والأحوال الفائقه، إلى أن تبلج علينا الصباح، فخرجنا لزيارة المقام البلوي بغاية الانشراح فزنا زيارة الوداع، ومعنا جم من أعيان تلك البقاع، وعند ذلك تممنا الزيارة وفصلت عن ذلك المكان بدموع مفضوضه، وكبد مرضوضه، أرى فرط مفارقته أشد المشقات، علي في تلك الأوقات، وقطعنا قاصدين الوطن القبلي، ونحن على يقين بالجد أمامنا ما يسلي:
كرامة
اتفق لي مع الشيخ العلاني أمر مهم وذلك أني لما أزمعت على الرحيل من القيروان انفتحت السماء كأفواه القرب فتوالت الأمطار هنالك أياماً عديدة، ومن عادتهم أنهم إذا توالت عليهم تلك المطر لا يخرجون للسفر، لأن أرضهم مزلقة وهناك بعض تكسير في وادي البوقال فلا يأمن المسافر أن يقع فيه، وكم غمر من مسافرين. وحيث عزمت على الرحيل والحالة ما ذكر تعرض غالب أهل البلد ومنعوني من الخروج في ذلك الوقت لكن لما أتممت خدمتي رأيت أن لا وجه إلى التأخر وتوكلت على الله في قصد السبيل، لكن ليلة السفر داخلتني بعض هواجس في الرحيل، والحالة ما ذكر، فاتفق لي لما توجهت إلى موادعة السيد نقيب الأشراف وجدت عنده الشيخ العلاني، فبينما كنا جالسين وأنا أفكر في سفر غد قال لي الشيخ على البديهة يا شيخ أنت لا تخف من وادي البوقال وإنما إذا وصلت أنزل من الكروسة وخذ فرساً واركبه وافطع الوادي على الفرس واترك الكروسة تخرج من الوادي وحدهأن وحين قال لي ذلك زادني الهاجس فتوقعت وقوع مكروه، وخرجت من هنالك على تلك الحالة ففي آخر العشي بينما كنت راجعاً لمحل نزولي اعترضني الشيخ فأعاد علي الدعوة إلى المبيتة التي دعاني لها من قبل فقلت له دعني لا آتيك أبداً فضحك وقال لي: لماذا والحال أن المبيتة عملتها لأجلك فقلت له لا يتأتى لك وأنت تقول لي إذا وصلت إلى الوادي أنزل وحيث إني أتكلف الخلاص بنفسي فلا يعنيكم مني شيء فقال لي ماذا تريد فقلت له أريد أن أقطع بكروستي وأكون في أمان بعنايتكم وإذا لم نر ذلك من رجال القيروان فلا يعنيكم من شيء فضحك وقال لي توجه واقطع الوادي بكروستك ولا سوء عليك وإنما إذ نزلتم الوادي قل بسم الله، فقلت له حينئذٍ نأتيك. ولكن لما خرجنا في الصباح في مشقات الخضخاض والزلق مع ما عندي من النوم نمت داخل الكروسة واستغرقت في النوم وما استيقظت إلا بتزلزل الكروسة من الوقوع في وسط الوادي انتبهت فسمعت خوض الدواب في الماء وسمعت صوت الشيخ مع الكرارسي ضاحكاً وهوة يقول له (انده) فتذكرت قوله سم باسم الله فسميت ولكن بقيت متحيراً من وجود الشيخ معنا مع أنه لم يركب معنا ولشدة ما عندي من النوم عاودني الهجوع فبقيت نائماً إلى الزوال فاستيقظت فإذا نحن تجاوزنا السواطير فتذكرت القصة فعملت أنها كرامة للشيخ، جزاه الله خيراً.
وكان دخولي إلى أولى قرى الوطن القبلي التي هي الحمامات صبيحة يوم الخميس الثامن عشر من شهر صفر الخير فقضيت بين تلك بقية الشهر، ورأيت تلك الأيام من حسنات الدهر، إذ أن أهاليها أصحاب سكينة ولين، من العملة المساكين، لا يعنيهم غير الاشتغال بشواغلهم الزراعية، وغيرها من المهمات التي عندهم مرعيه، وأقربها إلى الحضرية نابل التي ضمت وادي السحير، الذي هو من المنازه المخصبة بكل خير، وهو وادي مرمل رحب الساحة، تحيط به البساتين التي تبيح لكل نازل ارتياحه، وبحيث إنه لو كان حول الحاضرة لكان من أعز المنازه إذ هو المنزه الذي طاب بحقيقة الهواء والماء مجازه، غير أنه لم يكن به سعد فجاء على بعد، ولذلك قلت فيه:[البيسط]
جئتك يا وادي السحير في السحر
…
بواكر السعد تهمي عنك كالمطرِ
أما بواكر نسمات الصبا فترى
…
مهب أعطارها في ربعك الخضرِ
على بساط فقام الأنس يزهر في
…
ميامنٍ وشمال موقف الشجر
لله ساحتك الغراء ما بسطت
…
فيها الرمال من الترصيع بالدرر
حاطت جوانبك الأغصان مائسة
…
بما به فجرت من يانع الثمر
وفي أجنتك اهتزت معاطفها
…
تحكي معاطف ذات الدل والحور
تغشي المعاطس طيباً من أزاهرها
…
إذ تزدهي بالصبا في ربعك النضر
تلقى سواجعها تبدي تراجعها
…
من لحنها فتوازي نغمة الوتر
عذراً لها تسامت من مياهك لا
…
من خمرة تدع الألباب في خور
ففي مياهك من لطف العذوبة ما
…
يبري الشجي فيغدو جامع الفكر
يا واد يا ليت شملي فيك منتظم
…
بأهل ودّي على ما ندري في السمر
إذ ذاك يسقي بكاسات الوداد وقد
…
فاقت فخامتها عن مائك النمر
نحيي بظلّك من إيناسنا شرفاً
…
منه الرصافة أحيت سالف العصر
إذ فيك روضة أنس لا نظير لها
…
فيما رأيت وما لاقيت من خبر
لم تحك منوبة السمحا علاك بما
…
أبدت بساتينها من رائق النظر
كلا ولا هاتك المرسى التي فرعت
…
بشاطئ البحر والصفصاف والحبر
كلا ولا حلق وادينا وإن بهرت
…
منه المحاسن في الآصال والبكر
نعم ولكنّ هاتيك الأماكن قد
…
عزت بشمّ تساموا في ذوي الخصر
لطف الحضارة أضحى من شمائلهم
…
وهم أسود شرى للدهر كالغرر
أعزة لا يزال السعد يتبعهم
…
ينيخ رحله في مغناهم النَّضر
دامت منازلهم تسمو بهم شرفاً
…
نلقى بهم بينهم إيناس ذي الوطر
وعند استقراري بالحمامات، تذكرت عهد الأحبة الذين كدت أن أتسلى عنهم بما كنت فيه من تلك المقامات، فهالني منهم تأخير المكاتيب، وإن كانت الطرق ممنوعة بما ذكرناه من توالي الشآبيبت، لكن على كل حال قد وصلني مكاتيب من غيرهم، فرأيتها من أعز ميرهم، وهي أني استفدت الإخوان على بعد الحال. وهنا ينبغي أن لا ننسى كثرة مكاتيب العالم النحرير، الفاضل البديع التحرير عالم الثبات والديانة. وحسن الأمانة والصيانة، أستاذي الشيخ سيدي الحاج أحمد الورتتاني، بلغه الله الأماني، كان أعقبني في الساحل لحل بعض العقد، التي أعجزني أمرها في هاتيكم البلد، وبسبب فيما بيننا من المسافة كنت أسترشده بعدة مكاتيب وهو يجيبني حفظه الله عن ذلك إجابة مشافهة. كما لا ننسى ما كان يمتن علي به جناب العزيز الرفيع العماد بين ذوي الألباب درة العقد الحسيني، صحصحي وقرة عيني، الدراكة البارع، والخلاصة الذي لأعلام المفاخر فارع، باذل العناية في التعلمات، المحصل على أعز الكمالات، الشهم الهمام المرفع شأنه سيدي محمد الناصر باي أبقاه الله ومما يحسن إيراده هنا ما كاتبني به بعض المكاتيب وهو أنه أسلم على يديه رجل نصراني كان بستانياً عنده حقق الله ثوابه آمين.
أما العصابة الأدبية فحين استيقظت لبعدهم كاتبتهم بما وجدت من بعدهم وهذا نص ما كاتبتهم به: [الكامل]
ما للوداد مقره في الأضلعِ
…
والآن طيب رقومه لم يطلعِ
هل عاد رسمه عافياً فذوى به
…
غصن اليراع ولم يقم في مربع
أم أن شخصه قد هوى بسلوه
…
في هوة ناءت بذاك المنزع
أم أن نسج عناكب النسيان قد
…
أغناه عن حلي النسيج الأبدع
تالله ما خلت التناءي دارساً
…
لمعالم الود القديم الأرفع
كلا ولا خلت الأحبّة كلهم
…
يتواطؤونا عن مزيد تمنع
صرفوا حبال الود عني وانثنوا
…
ولهم بهذا البعد فخر تولّع
حتى رأيت شهود قلبي فيهم
…
بمجرح الهجر الوخيم المرتع
ماكنت أحسب أن حق الود لا
…
يقضي هوى بالقرب بين الأربع
إذ هذه ليست بشيمة من بهم
…
نرعى من الإيناس أخضل ممرع
وهم الألى أرتضعوا أفاويق الوفا
…
ق من الرفاق ذي المقام الأرفع
أهل الوداد وأنس تونس من بهم
…
أبدت محاسن كل شهم أروع
دامت كواكب سعدهم من أفقها
…
تبدي ازدراء بالبدور اللمع
حيهلا بجمع الإخوان، الذين نتاءوا عن العيان، حين تقاصى بنا المكان، السادات الأعيان، المتطلعين غررا فغي جبهة الزمان، الألباء الحائزين في المعقول والمنقول قصبات السبق والإحسان، المجلين على مشاهير الإيمة في كل ميدان، انتقاء روحي ومن لم أزل أدير بذكري مكارمهم كؤوس غبوقي وصبوحي، شموس المعارف الكبرى، وأعلام العلوم الذين أعلى الله لهم في الخافقين ذكرأن أدباء العصر، وبدور ذلك المصر، والشبان الذين كشفوا عن محيا النجابة والبراعة لثاماً والخلان الذين تاج بهم جليسهم إذ نال بهم التثامأن أوتاد بيوت المفاخر، وبحور الفضائل والمكارم الزواخر، وأصدقائي وأخلائي، وأحبتي وأودائي الذين ألاقي صفاء صفاء مودتهم بالتبجيل، وأنى لي بتسمية خيارهم ولم بحتج النهار إلى دليل، إذ هم الإخوان الذين تفيأت معهم ظلال المفاخرة والعرفان، واتخذت كل شهم منهم شهم منهم سهماً أرمي به أكباد الأعادي، واعتضدت منهم بكل أروع أودع عنده نفائس ودادي.
أما بعد إهداء تحية تعبق على جميعهم بإحياء رميم الوداد، وتحرك ما سكن من الشوق في صميم الفؤاد، ترفعها إليهم أكف التكريم، في محافل التبجيل والتعظيم، وتسقيهم من سلسبيل المودة أعذب الكؤوس، فإن مكاتبهم رهين مودتهم من ألم النفوس، فيا للعجب العجاب، وللسادة الأخلاء الأحباب أدام الله حفظكم، وأجزل من العز حظكم، إذ لم أدر موجب تناسيهم الوداد، عند العباد، وعهدي أنه بذلك يزداد التضاعف، وبما أثمرت غراسته، في افئدتكم ما يدنو بكل قاطف، فتعمدتم الهجر والبخل بالكتاب، وأنتم من ذوي الألباب الخبيرين بألم الشوق، وإن شب عمره عندنا على الطوق، على أن رد السلام، واجب في شريعة الإسلام، وترك الحقوق، مؤذن بالعقوق، وأر أني لا أحتاج إلى إطناب هاتة المقالة بما تتحققونه من هاته الولاية أما إن نشرت بساط حقوق المودة، فلا أقدر أن أفي لكم بذكر ما أخللتم به من هاته المدة، على أنني على تراكم الأشغال قد تخيرت جهد لمقل عن الإخلال فأنا سائل عن جميع جموعكم أدام الله لها السلامة، وأنا والمنة لله، على ما يرضيكم من الاستقامة، إذ كادت فضائل القيروان المأمونة، أن تنسيني محاسن تونس المصونة، إذ لاقيت من برور أبنائهأن ما تأسس عليه شامخ بنائهأن ولا أظن أني وفيت حقهم لو أنصفت بما ذكرت في قصيدة رحلتي الواصلة إليكم، إذ وصفت لكم على أن الله قد امتن علي بختم شمائل المصفى في مقام صاحبه الجليل، وقد أتيت على القريب من نصفه دراية وأتممته رواية حين أدركني الرحيل، والله إني لم أنس واحداً من أحبتي في ذلك الحرم، فالحمد لله على تلك النعم، إلا أن الله جل جلاله، قضى على ل وصل بالفراق ومنع بمقتضى حكمته في هاته الدنيا بقاء التلاق، ولم يسعنا عند ذلك إلا اعتماد مفارقة تلك الروضة ففصلت عنها بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة، ففارقت ذلك البلد بعد أن صبرت على فراقكم وفراق أهلي، وأحلتني المقادير الآن بالوطن القبلي، نسأل الله سبحانه أن ينجح لنا الأعمال ويبلغنا بعد البعاد عنكم من القرب غاية الآمال، بمنه وكرمه والسلام، وكتب في الحمامات يوم 19 الجمعة من صفر سنة 1292 اثنتين وسبعين ومائتين وألف.
فكاتبني مجيباً عن ذلك جناب الشيخ سيدي محمد بن الخوجة بما نصه: [الكامل]
ما للعتاب هفا بريح زعزعِ
…
ترك الجوانح منه ذاتَ تروّعَ
أو ما جزمت بأن ذكرك لم يزل
…
طول الليالي سمير هذي الأضلع
حاشا المودة أن يهد حصونها
…
ما جاء من هذا الأودّ الأبرع
فاثن العنان عن العتاب ولا تخلْ
…
أنّا سلونا أنت أنت المدعي
كيف السلو عن الحبيب وشخصه
…
ما أن يريم عن الفؤاد الموجع
إيه فقد أحييت عاطشَ أكبدٍ
…
بزلال نظم كان أعذب مشرع
فجرّته الراح الحلال فكلنا
…
مترنح الأعطاف حلف تولع
إيه أيها الأخ الثاوي بسويداء الفؤاد وإن نأى قراره، الذي ما إن قر لرهين أشواق وصريع بعاده قراره، كيف الصبر فإنه لا يطيب على الحبيب، وأنى للعين أن تسلو سلو المقصر عن إنسانها المبصر كلا والعيون الدعج والمباسم الفلج والقدود الميس والثغور اللعس وما بعدها من إليه لكل نفس ألمعية، ولا أزيد على الكلمة البيرمية:
أيحسم لي أم بالوفاء يليق، ساوي كلامك لذاك طريق هذا وإليك تحيات تناسب أريحية تلك الشمائل، وأطيب من زهرات الخمائل، من محب جمع الأشواق، لذيذ التلاق، ولا أطيل في بنان التشوق، فتخاله من التملق والتأنق، ونغدل عن عادة المترددين في الإطالة، إلى لدعاء بجمع الشمل على أحسم حاله، حتى تجلو العين بإثمد لقياكم قذاهأن وترتع النفس في رياض مناهأن هذا وإني كاتبت جنابكم جواباً عن مكتوبكم الكريم، المتلقى بغاية المسرة والتعظيم، الوارد علي منذ أسابيع وكان جوابي تلوه بقليل أيام كما تطلع على تاريخه إذا اتصل بكم، وهو الآن بالقيروان وإن أرسلته مع الطريق الذي جاء بكتابك وقد بسطنا فيه القول، وخلطنا الجد بالهزل، وأطلنا فيه مجاد الكلام، كما هو المطلوب في مخاطبة الإخوان الكرام ومن جملة فصوله وقد وصلت الخميس للمرأة التي حركت بحسن مدحك فراشها ساكن أشواقها وأقمت قيامة خلق باقهأن هذا وقد اطلعنا على القصيدة الفريدة، المزرية بشعر أبي عبيدة، الضابرة في الإبداع بسهم مصيب، الحائزة من البلاغة المعلى والرقيب. وتلاها غلينا الأخ السيد محمد جعيط هي وتقريظها والمكتوب البديع كما تتلى المناشير فكل أثنى عليها غاية الثناء من غير نكير، والسلام من أخيكم محمد بن الوجة.
وقد أجبنه عن ذلك بما نصه: [الكامل]
إيه أعد ذكرى أولي الأحلامِ
…
وأدرْ بمدحهمُ كؤوس مدامِ
واستحمل النسمات في تضخيمها
…
من عابق التبجيل طيب سلام
كي تكنسي لطفاً إذا ما أهديت
…
لمحمد ابن مشايخ الإسلام
حياك الله أيها المجلي في حلبة البراعة، النحرير الذي لم ينزع الألباء فيما تحكوه انتزاعه، الجهبذ الذي لم يطلع الفضل من غير أفقه، وقطرت اللطافة على يخرج من نطقه، العالم الوحيد، صاحب الرأي السديد، اليلمعي الفهامة، الذي لم يخك أحد نثره ولا نظامه، مالك أزمة الفصاحة والبلاغة، وإمام أيمة أهل النباغة، المتطلع على حداثة سنه في سائر الفنون، المستخرج بشص ذكائه فرائد جوهرها المكنون، أخي وصديقي، وهداية طريقي، عضدي الذي بإيناسه استنصر على جيوش الأشواق، وأجد بمخاطبته لذة التلاق، على طول الفراق، المر المذاق، سندي عمادي، وخلاصة أهل ودادي، الفاضل الزكي المدرس أخونا الشيخ سيدي محمد بن الخوجة، أدام الله صدور أهل وده بخالص موتده مثلوجه، وسيول آدابه في سائر الأقطار ثجوجة، ما دامت الليالي والأيام، وتناسقت جواهر البديع بغاية الانتظام.
أما بعد فقد شرفني كتابك، وراقني وأذاقني معسول البلاغة خطابك، فلله تلك السبع أبيات التي أنستني بها السبع المعلقات الشهيرة، إذ هفا ريحها على ذوي الفكرة بألطف من الشمائل العطيرة، فحركت مني ما سكن، وتداركت ما أصاب البدن، تناغث أجنتها علي بهاتيك البلايل، وكسرت جفن أعينها فلاقيت ما تفعله الدعج الذوابل:[الوافر]
لما وعيونها الدعج اللواتي
…
أقامت للهدى العذري عذرا
لقد غطت على بصري وسمعي
…
بملثوم حوى حبباً ودراً
فهبت علي من إيناسكم بذلك النسيم، وأذكرتني بقسمها العظيم، ما كنا نلاقي من طيب النعيم، وحين يجمع الله بيننا على الحالة المرضية لا محالة بهاتيك الألية، التي لا تخفى على مثلك من ذوي النفوس الألمعية، وأما كتابك لأول فما فزت منه بالوصال، على ما اشتمل عليه من نفائس المقال، ولقد كنا نترقبه رقبة الأعياد، حتى أيسنا أن نحظى منه بذل الإيراد، والآن رأيت من إيماض برقه ما تضاعف في شوقي إليه، ووددت التطوف حواليه، كي نرتاح بجده وهزله، ونفوز بنفائس غزله، ونرى ما وصفته به قصة المرأة عند تحريكها على أن جنابك لاقى منها ما ألصقته غرة بسرجهأن وإن بلغني فإني سأجول مع أخوتك في ذلك الميدان وأركض في مخلوع العنان، والله يديم عزكم وحفظكم والسلام، وكتب غرة ربيع الأنوار سنة 1292 اثنتين وتسعين ومائتين وألف.
وقد ظهرت بمكتوبه المشار إليه في أثناء هذا المكتوب بعد الإياب وهذا نصه: أخي الفذ الوحيد في الكمالات التي شأوها بعيد عن أعين إخواني، متعلق خاطري وملهج لساني، الواحد الذي بذ الجموع، في معقول ومسموع، الندس المتوقد ذكاؤه، الثابت في أفق المعالي سناؤه، الأخ الذي ألهج بثنائه وابتهج بإخائه الشيخ سيدي محمد السنوسي حرس الله ساحته.
أما بعد بث ويل الأشواق، الذي لا يتحمل استقصاؤه كاهل الأوراق، ولا يبرد غلته إلا لذيذ التلاق، ضمن تحيات أبهج من محيا وسيم، وأعذب من طعم تسنيم، يحاكي سواد نقسهأن في بياض طرسهأن مقلة حوراء تترك القلب سقيماً ولا أزيد سيدي في وصف هاته التحية، والمحركة لتلك الأريحية، وإن كانت إطالة لكلام ربما تعلل بها للفؤاد، الذي أدفنه البعاد، فربما حصل بعض سلوان، من بطائق الإخوان، إذ ير بها آثار حبيبه، فتقوم رقيتها مقام طبيبه، ولا عن مرتبة الشهود، لا يحتاج لشهود، والمكاتبات، إنما هي تعللات، والأشباح فارقت أرواحهأن كيف تجد في البطائق حياتها واسترواحهأن ولا أطيل فربما يستريب الضمير، فيخالها من التأنقات في التعبير، فلنعج إلا الدعاء لك بالسلامة وبلوغ المراد حتى يتصل بروحه جسم هاته البلاد عقدا وأما نازلة المرأة التي حملت عباءها الثقيل، المرجو فيها لك الثواب الجزيل، فقد طوقت أخاك بالقيام فيها أي امتنان، وأقررت عين العجوز إذ تنوسيت في تسريح بإحسان لكن حركت ساكن اشتياقها وأقمت قيامة خان باقهأن حتى اعتقدت أن الخمسين التي وصلتها من صداقهأن ربما كانت شركاً يقتاد بها شارد حسن أخلاقهأن وهي ترغب غاية الرغبة، أن يتمم سيدي اتصال الصحبة، وهي تنش جنابكم هل الأمير يرى ذلي فيشفع لي، وتأمل في جنابكم أن يتكفل قاضي القضاة بتخليص البقية على يد أحد أعوانه بحسب ما قدر في كل شهر إلى تمام الأجل ومكانتكم منه تسوغ الاقتراح عليه في تكليف أحد أمناء أعوانه في تخليص ذلك ولذلك العون أجره عقداً وأما تبليغ السلام من جميع الإخوان فقد وفيت به ولكن عجبت من إغفالك لشيخين عظيمين الحشايشي وذلك الشيخ الشهير. والسلام من أخيكم المرتجي محمد بن الخوجة. وكتب أواسط صفر الخير.
وكاتبني أيضاً الشيخ سيدي محمد جعيط ما نصه: [الكامل]
جاءت من اللّسن الأديب الأبرع
…
حسناء ترفل في حلي ترفّع
جرت ذيول التيه لما أشرقت
…
منها شموس نسجُ حبر أبرع
جاءت وقد ناقت نفوس ذوي النهى
…
لورود منهلك الشهي الأبدع
وأتت ولا عجبٌ بأغرب عتبها
…
ياما أجلّ عتابها في مسمعي
فالعتب من طرف الحبيب محبب
…
في شرعة لعشاق بعد تمنع
وقد أدعت أن الثنا ليَ دارس
…
بمعالم الود القديم الأرفع
ورأت نزوح الكتب بين ذوي الوفا
…
بين البعاد شهيدها إذ تدعي
كلا لعمري إن شاهد ما ادعت
…
هجر بدا عندي لودي المودع
هل بعد تحقيق الحقائق عندكم
…
لودادنا لمقره في الأضلع
يوريك تركي للبطائق سلوةً
…
حاشا علاك سلوك هذا المهيع
بل إن لي عين اليقين بأنكم
…
رمتم مطارحة الحبيب الأشجع
فأريته فتانة الألباب سا
…
فرة الحجاب على وداد ممرع
وبها سررت كما تسر نفوسنا
…
فوراً بيوم ظهور ذاك المطلع
وطفقت أنظر في لطيف جمالها
…
حتى أزالتْ أختها للبرقع
تلك الفريدة قد أتى في طيها
…
سحر البين في الطريف المودع
نظمت فضائل سادة سادوا العلا
…
من كل شهم ماجد متورع
أصحابِ خلق الخير في غزواته
…
حفّت معالمهم بنورٍ أسطع
بمدحكم لكم الجزا والفوز في ال
…
دارين والرجعى بأربح ما سعى
لا زال يكلؤكَ الإله بحفظه
…
وبعونه وهو المجيب إذا دعي
حتى تعود لهذه الخضرا على
…
عجل فأنت ربيع هات الأربع
سيد إنسان عين الدهر، ومن استولى على ملك البلاغة بالباع والقهر، فهو غرة تاج المفاخر، ومصداق كم ترك الأول للآخر، ومن بز في حذق البيان على الفحول، وتحلى بحليتي المعقول والمنقول العلامة النحرير، والناقد البصير، والفاضل الذي لا يفي بمحاسنه التعبير، بدر المعارف، فأني لي أن أصرح باسمه معرفأن وأفضل من حاز التليد والطارف، فلا غرو إن لم أطل ذيل الكلام فالذي ملأ الكون من مفاخره كفى، حرس الله سناه، وأظفره بمناه.
أما بعد فإن ودي الأصم مكما تعلم لا يعارض ساطع برهان الوداد، تروح الكتب حين البعاد، وتحقيق الحقائق، بعد مسودات البطائق، ولله در من قال: المودة بانت محاملها وتصح دلائلها بمظنات الفؤاد، لا بمزرورات المواد، وأني لي أن أسلو على الصديق الأوفى، والحبيب الأصفى، والقرين الذي أقتطف منه أدبا ولطفأن وكيف يقع السلو والنسيان، بمغيبك على العيان، ومقرك في سويداء الجلجلان، ودلائل المودة قاطعة البرهان، ومآثر السيادة ساطعة للعيان، فإني لأذكر سيدي كلما طلعت الشمس، أو هب ريح في صباح وأمس أو نجم النجم أو عرض الغيث، أو لمع البرق أو ذكر الليث، أو ضحك الروض حين ما بشر بقدوم شباب الزمان، مثل ما هنا يوم قدومك إن شاء الله على زمرة الأهل والإخوان، فأين للشمس محياه، وللريح رياه، وللنجم علاه، وللغيث ما أسداه، وللبرق سناه، لليث حماه، وللروض سجاياه، ففي كل صالحة ذكراه، وفي كل حال أراه، فكيف أنساه، وأشده شوقاه، عسى الله أن يجمعنا وإياه، إنه مجيب الدوات ومانح العنايات ودمتم في حفظ وأمان، ويبلغك سلام شيخي الجميع سيدي محمد النجار والشيخ سيدي عمر بن الشيخ والسلام، من أخيكم محمد جعيط في 27 صفر الخير سنة 1292.
وكاتبني أيضاً الشيخ سيدي عمر بن أبي الضياف بما نصه.
أدام الله عافية أخينا الأبرع الجليل، الجهبذ الدراكة الحميل، حامل لواء الآداب، الآتي من بديع أساليبه بالعذب المستطاب، ذي الفكر الشفاف، الفرد المعدود بالآلاف، الذي سارت بأحاديث فضله الركبان، وتضمخت بعبير نظامه ونثاره عرصات البلدان، وكيف وهو الناظم الذي كؤوس نظامه تزري بالشمول، الناثر المزرية فرائده بالماس المصقول، الماجد الذي كرمت منه الأجناس وطابت الأصول، تاج المفرق وفضيلة المغرب على المشرق وإكليل العصر ومن أجليت له عرائس الأدب بدون قهر، العالم الكامل، الجامع لشتات الفضائل والفواضل الحبر الحلاحل، وبحر الداب الذي ليس له ساحل، أخي وعضدي والصارم الذي تصول به يدي، أخص بلك علم الأعلام وواحد الآحاد والحجة البينة على قولهم إخوان الوداد من إخوان الولاد، من لم أزل أدير في رياض أمداحه قداحي وكؤوسي، أبي عبد الله سيدي محمد السنوسي، أسبغ الله عليه ملابس إقباله وعرفه عوارف السعد في بكر الزمان وآله.
أما بعد إهداء سلام ألطف من النسيم مسراه، وأذكى مسراه، وأذكى من العنبر شميم رياه، فقد اتصل بنا كتابكم الكريم، المرصع بذلك الدر النظيم، المصحوب بجيوش العتب، لسائر الأحبة عن بخلهم بالكتب، القصيدة الفريدة التي نظمتموها في مدح صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من رجال القيروان، المزرية بعقود الجمان، فهنيئاً لكم بامتداحكم لذلك الجناب الرحب، بإحراز السعادة وأعلاه الكعب، هذا وإني إن رمت أن أقرر ما عندي من الخلوص الذي تألق نوره، وثبت في صحف الإخلاص مسطوره، تضاق عنها واسع القرطاس، وأني لي بعد الرمل والأنفاس، ولو رمت أن أعارض عتابك بجيوش أشواقي الجرارة لعجزتم عن الدفاع، وأخذتم في الاسترجاع، كما نشكركم أن شرفتمونا بإرسال السلام في جوابكم، الموجه لخاصة أحبابكم من جر على الخضراء ذيول التيه والفخر، وبلغ في الاعتلاء إلى أن اقتعد الجوزاء وانتعل البدر، البحر الزاخر، والدر الفاخر، من لم تزل مودته على منوال الصفا منسوجه، الشيخ سيدي محمد بن الخوجه، كما تعرفت منه أن بدركم حل بهالة نابل، ورائد محبتكم قد تمتع بتلك العيون الدعج والجفون الذوابل، فكأني سيدي إذا طابت بها داره، وأماط بها تعبت به أسفاره، وواصل برياضها الصبوح بالغبوق، وأنشد لسان حاله تروع الليالي ثم بعد تروق.
[الطويل]
فما شئت من روض أريض ومنظر
…
نضير ومن ظل هناك ظليل
وكأني به إذا طال له المقيل، وكيف وإلى نابل يشتاق كل نبيل، فليكن سيدي بهاته النعمة التي جاد بها الدهر متعتيأن لا زال طائر أفراخه واقفاً على تلك الأغصان والربى، والسلام العاطر رياه، الرائق محياه، من مخلص الود عمر بن أبي الضياف.
وكاتبني الفاضل الذكي السيد محمد الحشايشي بطالعتها أبيات وهذا نصها: [الخفيف]
قم خليلي مبكراً للجنان
…
وأطلب الخير من وجوه حسانِ
طاب وقت الربيع فاغتنم الصَّف
…
وَوبادر إليه فالعمر فانِ
طيب عيشس اللبيب بالذوق والأن
…
س وخلّ موافق ودنان
واجتل الكأس بين ورد وآسٍ
…
وشقيق بدا كخدّ الغواني
واغتنم فرصة الربيع وواصل
…
بنت فكر أتت من القيروان
تسلب العقل والفؤاد بوجه
…
وبطوف در منضد وجمان
إن تدر كأسها تر القوم صرعى
…
من سلافٍ رحيق تلك المعاني
كيف لا وهو نظم تلك المعالي
…
اوحد العصر شمس هذا الزمان
ولما كان ثالث ربيع الأنور وفدت إلى الحاضرة التونسية آيبا يحدوني الشوق إلى بلادي، التي كنت عنها غائباً فرجعت راضياً من قومي وأنا أفضل عن الأمس يومي:
[البسيط]
وما أصاحبُ من قوم فأذكرهمْ
…
إلا يزيدهمُ حباً أليّ همُ
وبذلك انتظم شملي بإخواني، الذين ارتضعت معهم أفاويق الأخلاق التونسية في سري وإعلاني، فاتصلت منا الأجسام، وحظي كلنا بغاية المرام، تبين لنا أن أيام السفر إلى تلك الجهات، قد أفادتنا يمن تلك الزيارات، ومعرفة أولئك المخلوقات وعرفنا به فضل الحاضرة عما سواها.
ولكن تبلغ نفسي بذلك إلى غاية مناها فإني إنما لي الأمل في الخروج إلى غير هذا العمل فيا ليت القدر يساعف بقطع الممالك الأوربية، والنظر في عوائد التمدنات التي لم نبلغ منها غلى نيل مزيه، والأمل في الله أن ييسر لنا السفر إلى جزيرة العرب للحصول على حج بيت الله الحرام، والفوز بزيارة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، تكون تل خاتمة الأسفار، وإنما يعنيني أن أقيم في بلادي بين هاته الديار، التي هي في نظري من أعز الأمصار، نسأل الله أن يحيطها بسياج الأمن المحيط، وأن يرقيها في مدارج الحضرية ويعز فيها محل خليط. وحين استقر بي القرار في بلادي، وبلغ بذلك إلى غاية مرادي، راسلت جناب أستاذي وعمدتي وملاذي، العلامة النحرير، الفاضل الشيخ سيدي سالم بو حاجب حيث إنه مقيم بقرنة من عمل إيطاليا في بعض مهمات الدولة وأعلمته بإيابي وأرسلت له بعض تحف ذلك السفر وكاتبته بما نصه:[لكامل]
عوجي بقلبي يا نسيمات الصَّبا
…
لأفوز من حمل التحية بالحبا
إن كنت مثلي بالفؤاد عليلة
…
ووددتِ أن تلقى بذاك ماربا
فاستورف الأظلال في بلد على
…
زهر الخمائل أن تفتح في الربى
واستورف التضميخ كم بأريجه
…
تبيح من يلقاك مسكاً مطيبا
واستقص ما أن نلت منه بغاية
…
تلقى من الآمال أمراً معجبا
وابد اللطافة والظرافة عندما
…
تهدي سلامي للهمام محببا
علمِ العلوم أبي النجاة المرتضى
…
بمفاخرٍ ومكارمٍ لن تحسبا
فهو الذي أرواحنا تاقت له
…
فتطايرت تبغي إليه المذهبا
ترجو بذاك لقيَّ مجدك سالما
…
في رغد عيش بالممالك أخصبا
حيتك عوار الصدر يا أبا الروح، وضاحكتك ثغور السعود كلما تغو وتروح، وضمتك بأريج الاشتياق شذايا مودتنا التي لا تزال بحمد الله من أدواحنا تفوح، فهذا اشتياقي قد تناثرت أزهاره من طول الفراق، فهل من سبيل إلى التلاق، فإن البين أتى على أفئدتنا فطارت في أثركم، حيث لم ترض بما نتلقاه من محاسن خبركم، وأنى للنفس أن تكتفي بذلك ممن لم تستطع مزاياها أن تجلو كمالاته بحلاها ولا سبيل إلى تسلي العين عن إنسانها فإنك أدام الله عزك عين إنسان الكمالات وإنسان عينهأن أسير نفوس أبنائك على طول بنيهأن داركة المعقول والمنقول، لخبير بأغوار الفروع والأصول، كشاق دقائق العلوم، ومجلي خفيات الفهوم، إمام أيمة المعارف، المتخلي من مفاخره في أعز المطارف، محيي النفوس بدماثة الأخلاق وراض النفوس ثالث السعدين، المستظهر بمكارمه على القمرين النيرين، العالم العلامة، والحبر الفهامة، المبرز في مضمار كل مناضل، الهمام النحرير الفاضل، من له حاجب وليس له حاجب والدي الشيخ سيدي سالم بو حاجب أدام الله له الحفظ والأمن والسلامة، في الظعن والإقامة.
أما بعد التشرف بلثم تلك الراحة، لغير مباشرة لثمها لا أجد الأمنية من الاستراحة، فإن عبد مودتك في دروسك ينهي إلى جنابك تحيات عديدة، وأن لا أمل له إلا رجاء بطلعتكم السعيدة. هذا وإني أعلم جنابكم بأني ألخ ما تضمنه وقد كاتبني أبقاه الله تعالى ببا يملأ القلب سرورأن ويرصع تاج الآداب منظوماً ومنثورأن فرأيت أن أجعل هاته المكاتبة العزيزة لرحلتي خاتمة، وهي ليس لشيء من منشئها كاتمة، فلين هاته الرحلة أن تمت بهذا الختم الحسن، حيث أحرزت مثل هاته المكاتبة التي هي من أعظم المنن، وهذا نصه: الفاضل لكي اللوذعي، والبارع الأديب اليلمعي، المحيي من بيت مجده العلمي العلمي ما تنوسي، منزلة أعز أبنائي الشيخ سيدي محمد النسوسي، أدام الله خفظه، وأزل من سائر العرفان حظه، حتى لا تزال ترى شوارد الأدب، تنسل إلى وكر فكره الثاقب من كل حدب.
أما بعد التحية، الملائمة للوصلة الروحية، فقد شرفني كريم كتابك، وشنفني النظم والنثر من نفائس آدابك، فبعد قض ختمة العاطر، والاكتحال بمداده الذي هو جلاء النواظر، حمدت الله تعالى على نعمة العافية المستدامة، ثم على رجوعكم من السفر المرغوس بكل نجح وسلامة، ولو لم يكن من ذلك سوى الزورة القيروانية الكاملة للمخلصين أمثالكم ببلوغ كل أمنية، لكان غنماً كافيأن ومن مشاق السفر شافياً مع ما أشرتم إليه من تنبهكم للمقاصد التي تقصد من السفر، الذي هو كما قيل تهذيب وظفر، من توسيع دائرة العرفان، بمخالطة صنوف الإنسان، مشاهدة الاختلاف الواقع في عادات البلدان، وبالجملة فتوسيع ظفر المكان بمثابة طول الحياة الحاصل من سعة ظرف الزمان، وإطلاق عنان القلم في هذا المجال، ربما يخرج البطاقة عن مطابقة الحال، وقد نعمت نعم الله بالك، ونفى بلبالك، قريحتي الجامدة، وفكرتي التي هي لعدم المحركات خامدة، بالقصيدتين البديعتين، بل الخريدتين الرائعتين، فلقدت منهما منوالي الجد ولهزل كل برد قشيب، وحزت بهما منم أعلام البراعة المعلى والرقيب، ولما أعدت النظر في النونية وما بها من فنون الفتون، ذكرت قسم الله سبحانه بالقلم والنون، ولم يسع الفكر بعد استكشاف كنوناتهأن إلا أتن يسجد شكراً لله في محاريب حواجب نوناتهأن أما السحير النابليه بل السحرية البادلية، فحسبي أن أتمثل فيها بما قلته في مثلها:[السريع]
يا بنية الألباب ما نابل
…
منشأك الأصلي بل بابل
كما أني لما أعدت النظر في مكتوبكم المذكور، وما احتوى عليه من جيد المنظوم والمنثور، عاودني الطرب ممزوجاً بالخجل، وصرت من نسبة تزكية النفس إليكم على وجل، واستشعرت حينئذ النفس، شاة الابن لأبيه وبالعكس، فأحجمت عن جوابكم تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح، ثم استرجعت أن آخذ في هذه الجزئية بقول سمير الرابح، من راقب الناس إلخ فعند ذلك أخذت القلم عاجلأن وجاريتكم في ذلك الميدان وإن كنت راجلأن فقلت:[الكامل]
ما نسمة سحرية هبت صبا
…
فنشقت منها عرف أيام الصِّبا
أو عرجت نحو الجنوب فأحدثت
…
بين المضاجع والجنوب تجنبا
وأتى الجنوب بنقل ريّا أرضنا
…
أشهى وأنعش للفؤاد من الصِّبا
قد ضم الأردان منها الرند وال
…
نسرين لما صافحت تلك الربُّى
وروت حديث أحبتي مستجمعاً
…
والنفس تفهمه بلحن معربا
والبحر حاول لأن يكون مترجما
…
بجميع ألسنة اعتناء بالنبا
فتزاحمتْ في الشعر أنفس موجه
…
وغدا بذلك مبهماً مستعصبا
وإذا وكالاتُ المقالات تكدرت
…
بالمنطق الحاليّ أصفى مشرباً
بأرق طبعاً من رقيم موجز
…
أبدى به مهديه ودّاً مطنبا
قد حمّل الآداب أمضى ما على
…
فرض افتراض البربري ابنٌ ابا
در نظيم منه منظوم حكى
…
حسن التناسق فيه ثغرا أشنبا
يروي صدى الصادي إلى مغناه إذ
…
ويثيب ماس رويه المستعذبا
ألف وباء قبلها علمتني
…
كيف اصطناع السحر من ألف وبا
وكأن منشيه رأى ترك التزا
…
م الوزن في مهدي لجواهر أنسبا
فغدا يجود بأجودِ المنثور من
…
غير اهتبالٍ أن يقدركم حبا
قلم جرى بمجال نظم ملجما
…
ثم انبرى طلق العنان فلا كبا
هذا وكم قد أخصبت أنواره
…
من روض فضل طالما قد أجدبا