الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تولى أمور الناس فانتعشت به
…
نفوس وحلت منه في كتف رغد
ولكنه لم يؤت في الملك مدة
…
سوى حِجَج لم تكمل الخمس في العد
ولما أتى الحكم المحتم لم يكن
…
لإرجاع محفوظ الوديعة من بد
مضى فبكت حتى المعالي تأسفاً
…
ومنه اشتكت فقدان واسطة العقد
فَعِيلَ إذا صبر وسالت مدامع
…
لَوَ أنَّ مسيل الدمع عن واجد يجدي
وأنّ جميل الظن في الله أنه
…
يسامحه والرب ذو الرفق بالعبد
كما دلنا طيب الثناء فإنه
…
دليل إلى حسن المصير له يهدي
وقلت استمع ما الله أجرى بخاطري
…
وأرخته: مأواك في جنة الخلد
12 المولى المشير محمد الصادق باشا باي
خلد الله بقاءه [1229 1299] هو المشير أبو الوفاء محمد الصادق بن حسين بن محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، يتصل بشرف والدته السابقة الذكر في ترجمة شقيقه المشير الثاني، وهو ثاني عشر ملوك آل بيته العظام، وخامس آبائه الذين تجملت بتاج ملكهم عروس الأيام. ولد في الثاني عشر رجب الأصب سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، وتربى في حجور عز دولتي جده وأبيه. وحصل من اعتناء والده به ما بلغه إلى الشأن النبيه، وقد تقدم إلى ولاية الأمحال أواسط شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف. وخرج في اول محلة فأوقع ببغاة عمدون حيث وجدهم متخبطين في أشراك بغيهم، فأوقع بهم. وظهر منه في تلك المحلة من حسن السعي والتدبير ما حمد به خبره حيث أنه بعد أن قهرهم استعمل معهم الرفق والحلم واصطنعهم للملكة.
ولازم السفر بالأمحال مدة دولة المقدس أخيه إلى أ، اشتد المرض بأخيه وكان هو مسافراً بالمحلة في باجة فأرسل إليه أخوه واستقدمه على جناح طائر فحضر مشهد جنازة أخيه. وقبل البيعة العامة من كافة رجال الدولة والأهالي صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من صفر الخير سنة ست وسبعين. ووفدت الوفود لبيعته وتهنئته فأقر سائر رجال دولة أخيه على مناصبهم ووردت إليه الخلعة العثمانية صحبة وزير البحر خير الدين ورئيس المجلس البلدي حسين فتقلد السيف الخاقاني صبيحة الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ست وسبعين وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبنية على عهد الأمان، وجمع لها خاصة العلماء والأعيان، فاستكملوا وضعها وأجملوا صنعها.
وخرج إلى مملكة الجزائر حين قدم إليها إمبراطور فرنسا نابليون الثالث لإحكام علاقة المجاورة التي بين المملكتين وكان ركوته من الحاضرة صبيحة السبت التاسع العشرين من صفر الخير سنة سبع وسبعين. ووصل إلى مرسى الجزائر بوصول الإمبراطور فأكرم نزله وأحسن تلقيه واستصحبه في سائر المشاهد والملاعب والطرادات التي هيئت له. وقلد كل منهما صاحبه نيشانه، وقضاها ثمانية أيام بديعة، لخص ما وقع فيها مستشار الخارجية حسين في رسالة مطبوعة.
ورجع ثامن ربيع الأول وجرى على قويم منهجه في حث رجال القانون على إنجاز عملهم فاستكمله ونظم المجالس القانونية وتزينت لذلك البلاد زينة لم يسبق لها نظير ليلة الأحد منتصف شوال سنة سبع وسبعين، وفي صبيحة الأحد كان مبدأ اجتماع المجالس فوضعت على الترتيب الآتي، وهي المجلس الأكبر، وله رئيسان، وهما: مصطفى صاحب الطابع، ومصطفى خزندار، وكاهيته خير الدين، والمجلس الاعتيادي، ورئيسه محمد خزندار، وكاهيته حسونة بن أحمد الحداد الأندلسي، ومجلس التحقيق، ورئيسه صاحب الطابع إسماعيل السني، وكاهيته الشيخ محمد الشاهد، ومجلس الجنايات، ورئيسه فرحات آغة الكاف، وكاهيته الشيخ صالح النيفر. وباشرت المجالس الحكم على مقتضى القانون وأظهرت الأمة حرية آرائها في الأحكام والعوائد واستمر حكم القوانين نحو ثلاث سنين إلا أدن المجلس الأكبر رأى توفير مداخيل الدولة بجعل مال الإعانة على ست مراتب أدناها ستة وثلاثون وأعلاها مائة وثمانية ريالات تعم أهل الحواضر والقرى وأغراب المملكة ويقع تعيين ذلك عليهم على حسب كسبهم، وصدر معروض المجلس الأكبر في ذلك بتاريخ عاشر شوال سنة ثمانين. ثم جعلت اثنين وسبعين ريالاً على عموم الأفراد. وصدرت بذلك أوامر الدولة. وحين انتشر هذا الخبر اختلف صنيع أهل المملكة فأما عقلاء الحواضر والأعراب فقد رفعوا شكاياتهم وتلطفوا في طلب التخفيف، وأما أجلاف الأعراب ولا سيما أهالي الجبال فإنهم تجمعوا وأشهروا السلاح ومنعوا الطرقات وتعمدوا البغي، وجمع كيدَهم أحذ أجلافهم وهو دعي أصله من ماجر يسمى علي بن غذاهم. فخرج لهم فرحات آغة الكاف بسرية قاصداً ناحيتهم فتلقته عروش ونيفة وقاتلوه إلى أن قتلوه. واشتطت حمقاهم فنادوا بطلب إبطال القوانين، وعند ذلك صدرت الأوامر العلية بإيقاف أحكام القوانين صبيحة الرابع والعشرين من القعدة الحرام، سنة ثمانين، ونن الغد صدرت الأوامر العلية في إسقاط ما زاد على الستة والثلاثين. ونودي بذلك في سائر أطراف المملكة في الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ثمانين ومائتين وألف، وخرجت المحال المنصورة، فتوجه إسماعيل السني صاحب الطابع إلى الجبل بمحلة مركبة من نحو خمسة آلاف من العسكر وباشر الأمور بلين وسكن حمق الأعراب بمواعيد الدولة وتأمينها وتفرقت كلمتهم ورجع عقلاؤهم على سفهائهم بعد وقوع أضرار كثيرة بالفلاحة ونهب بين الأعراب، وكاد سكون الفتنة أن يستتب. فرجع صاحب الطابع مريضاً من المحلة المذكورة وسافر عوضه للترؤس عليها وزير العمالة رستم.
ثم أعاد رئيس البغاة علي بن غذاهم الكرة وأخذ يجمع إليه القبائل ورام الملك لنفسه وجعل له وزراء ينادونه الباي علي بن غذاهم وجعل طابعاً وكَتَبة، وأصدر أوامر نفذت بين البغاة. وسرى ذلك الداء من الجهة الغربية إلى الجهة القبلية من المملكة وخرج وزير الحرب أحمد زروق لجهة الساحل بمحلة مركبة من خمسة آلاف من العسكر، وحضر إبان خروج المحلة الاعتيادية إلى الجريد فخرج الأمير علي باي بمحلته مركبة هن خمسة عشر ألفاً وظهر الفساد في أكثر البلاد، وتوجه وزير العمالة رستم في طلب رئيس البغاة علي بن غذاهم وأخذ في أثره بمحلته المنصورة وقاتل جموعه الأعرابية بين راكب وراجل واستنجد محلة الأمير علي بادا فأدركته الأعراب بمكان يقال له تاجموت، وكان على أهبة لقتالهم فأمر الفرسان بملاقاتهم ريثما اصطفت المدافع ولما أقل سيل البغاة تأخرت فرسان المحلة وراء المدافع وتلقتهم المدافع فاغرة أفواهُها السود فأوقعت بهم حتى رجعوا على أعقابهم خاسرين بعد أن تركوا الأرض محمرة من دمائهم وقتلاهم ملقون على الأرض، وسارت الخيالة في أثرهم وحين رأى ذلك الشقي رئيس البغاة ما حل به وعلم أنه مأخوذ فر إلى خارج حدود المملكة، ودخل بين اللمامشة فقبض عليه قائدهم في الرابع عثر من شعبان الأكرم سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف بعد أن كسرت المحلة أنصاره، وسيق إلى محبسه الذي مات فيه بحلق الوادي.
وأما محلة وزير الحرب أحمد زروق فقد أتت على بغاة الساحل فنزلت بحلق المنجل وانضم إليها جلاص وأهل بلد القلعة الكبرى واقتربت المحلة من البلد المذكور حين بلغها تجمع بغاة الساحل تحت رئاسة أحد أشقيائهم الدهماني البوجي من بلد مساكن فهاجموا المحلة واعتضدت بمن انضم إليها يوم الجمعة أول جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وانتصرت جيوش المحلة ووقع القبض على الدهماني وكبراء أنصاره وقتل جميعهم وعند ذلك سكنت فتنة الساحل وانقاد العسكر من أهل الساحل للخدمة، ونزلت المحلة حول سوسة حيث إنها لم تتجاسر على العصيان ورجعت جلاص بعد أن هجم بعضهم على القيروان وكادوا أن يوقعوا بعاملها رشيد كاهية. ولما تمّ القبض على زعماء البغاة الأشقياء جالت يد أنصار الدولة في القبض على أعضاء الثورة ومن تشيع إليهم وهز عصا الشقاق ونال كل واحد منهم ما ناله من القتل والسجن أو الضرب واشتدت الوطأة على كثير من الأشقياء بطلب مغارم الثورة وضربت تلك المغارم على الأعراض وجربة وصفاقس وعموم بلدان الساحل عدا أهل سوسة والقلعة الكبرى لتقدم طاعتهم ورجعت محلة الأمير علي باي مصحوبة بمن قيدتهم من البغاة ودخلت الحاضرة يوم الخميس ثاني ذي الحجة الحرام سنة إحدى وثمانين.
وفي يوم السبت وزع جناب المشير نيشاناً جديداً خضه بمن باشروا هاته الحرب جعله على صنفين من ذهب وفضة، فقلد لأخيه أمير المحلة نيشاناً ذهباً أعطى منه لأصحاب الرتب العالية ثم وزع النيشان الفضة على سائر العساكر وهكذا صنع مع رجال محلة وزير الحرب ورجال محلة وزير العمالة التي تأخرت بجبل باجة للحراسة وكان قدومها يوم الخميس التاسع عشر من جمادى الثانية سنة أربع وثمانين ومائتين وألف. وأفاض المشير محاسن إنعامه على رجال دولته، وصنع نيشاناً جديداً مزججاً سماه عهد الأمالت وقلده رؤساء المحال وخاصة رجال الدولة وتدارك عموم الرعايا من البغاة وغيرهم بحلمه، ونهض لمباشرة الحكم بنفسه، وأمر بإصلاح الأبراج، وبنى قنطرة وادي الزرقاء على طريق الرحيات وأتمّ بناء قشلة القيروان التي كان ابتدأ بناءها المشير الأول، وفتح لها باباً ثانياً وكان تمام بنائها سنة ثلاث وثمانين، وحسن قشلة الطوبجية، ووقع استبدال مدافع سائر الأبراج من نوع النحاس بمدافع أخرى. واجتمع شمل العساكر وقام الأمير بعدله وإنصافه وأحسن الصنع مع الأهالي، وحفظ شارات الملك بما يلزم حتى منع تقبيل اليد لغير الملك.
وأصدر الإذن بذلك تاسع صفر الخير سنة ثلاث وثمانين، وأعمل يعملات حزمه غير أن تلك الثورة أعقبت تناقصاً عظيماً في الفلاحة بسبب الغارة وإفساد الزرع حتى عظم تناقص المكاسب، وقلت الدراهم في البلاد فاضطر الحال إلى تكثير الدراهم، وجلبت سكة جديدة من النحاس ذات قيمة نصف الريال والربع والثمن والخروبة ضربت في الخارج من نوع سكة البلاد، فاستكثر الصرافون قيمتها وأبخسوا ثمنها وغلت الأشياء من ذلك غلواً لم يعهد وبلغ صرف مائة الريال من الفضة أو الذهب إلى ثلاثمائة ريال من سكة النحاس المذكورة وبذلك بلغ سعر الويبة من القمح إلى خمسة وخمسين ريالاً، والمَطر الزيت إلى مائة وعشرة ريالات كل ذلك كان أوائل عام ثلاثة وثمانين فأسقط الأمير من قيمة السكة المذكورة نصفها في الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وثمانين. ثم في الخامس عشر منه أسقط من قيمتها نصف الباقي فصارت قيمة النصف الريال السابق ثُمناً وعلى نسبته ما دونه، وبذلك اعتدل الصرف وتنازلت الأسعار. غير أن مواسم الأمطار تخلفت أيضاً في تلك السنة وجاهر أهل جبل باجة بالخلاف أول عام أربعة وثمانين فخرج لهم وزير الحرب أحمد زروق في محلة من العسكر النظامي والطوبجية والخيالة وزواوة وحشد معه كلأ من الهمامة ودريد. ثم أدركهم أمير المحلة علي باي في منتصف جمادى االأولى، وسكن الفتنة بعد أن سد منافذ ظهورها وكز راجعاً فدخل إلى باردو المعمور في الثامن عشر من جمادى الثانية بعد أن تقدمه أخوه العادل باي بستة أيام. ورجعت محلة وزير العمالة رستم التي خرجت منذ الثورة السالفة وعند ذلك زال الخلاف، واجتمعت القلوب على الإسعاف، كير أنه في زمن الشتاء ظهر مرض الحمى وانتشر ذلك المرض في سائر الجهات، وتكاثرت الأموات تكاثراً وبائياً، واجتمع على الناس
كل من المجاعة والمرض في آخر عام أربعة وعام خمسة وثمانين. وامتلأت الطرقات بالأموات والأعراب السائلين المصابين بألم الجوع، وانتهبوا الخبز من الباعة واستغاث الناس في دفع الكروب التي اعترضت الأمة. وأعمل المشير غاية وسعه في جلب القمح من الممالك الأجنبية، وفتح فابريكة الخبز، ووزع في كل يوم آلاف الخبز على كل راغب. وتولى المارستان دفن الأموات الغرباء على كثرة أعدادهم وتكاثر ورودهم من سائر ضواحي البلاد بحيث أنه يقضي بياض النهار في قبول الأموات وتجهيزهم ودفنهم. ثم لما حضر إبان الزرع مع قلته في أول صائفة عام خمسة وثمانين أتى عليه الجراد المنتشر حتى اتخذه ذو الفاقة بدلاً عن النعمة، وجمعوه للبيع في الأسواق بعد طبخه في الأفران.
ثم تراجع الأمر ونقهت البلاد شيئاً فشيئاً بعناية الأمير وبذل وسعه في مساعدة ذوي الفاقة وتدارك المجاعة. ولم يزل بعد ذلك يرُمُّ ما تداعى من مباني المملكة، ويتدارك عليها ما بقي، وعندما أخذت المملكة مأخذها لي التراجع إلى كمالها الأول نهض لتدارك ما أبقته الست السنوات في التجهيزات العسكرية، وتدارك خطر المملكة من الديون التي تراكمت على الدولة مع ضعف الدخل في المملكة. وأقام جمعية لضبط ما ترتب على الدولة من الديون وموازنتها بالدخل فجعل كومسيوناً مركباً من الأهالي والأجانب الذين عينهم أرباب الديْن تحت رئاسة خير الدين، وأدخل لتصرفه جميع مداخل الدولة عدا المجبي وبعض مداخيل أخرى أبقاها لإقامة إدارة الدولة وكان انتصاب الكومسيون المالي في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ست وثمانين ومائتين وألف فضبطت المداخيل وانحصرت الديون في نحو مائتي مليون وتعين لازم فائدتها السنوية:12.932.925 من الريالات التونسية.
ثم أعمل الرأي في المجبي بالنظر لأحوال الرعية فجعلها خمسة وعشرين ريالاً، وترتفع بالتدريج بخمسة ريالات في كل سنة إلى أن تصل إلى الأربعين ريالاً فتستمر عليها. وكذلك جعل أعشار الفلاحة سبعة مكايل نصفها قمح ونصفها شعير وترتفع بزيادة ويبة في كل سنة إلى أن تصل إلى عشر مكايل أنصافاً بحيث يكون ارتقاء ذلك على حسب ترقي الفلاحة وجعل ذلك منضبطاً بقانون صدر بتاريخ السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ست وثمانين. ثم أسقط عن كافة من بقيت عليهم بقايا من الأعشار أو القوانين الثلثين منها مراعاة لفاقتهم مدة وجوبها، وأسقط النصف من قانون مراجع الوطن القبلي تنشيطاً للفلاحة وخفف قانون زيتونه وصيره ثمانية نواصر على كل عود، وأقام مجلساً لمحاسبة العمال في سائر الأعمال عما جالت فيه أيديهم من أموال الرعية. وأصدر الأمر العلي برفع ظلامة كل من صودر في شيء من المال أو الدؤاب أو الحبوب، فأقبلت الناس من كل فج وظهر للعيان ما جالت فيه أيدي العمال وانتزع جميعه منهم بدون مبالاة، واستعمل على الساحل مَحمد خزندار لضبط أحواله وضبط ديون أهله التي ارتكبوها في تلك السنوات وأعمال وجوه مع أرباب تلك الديون ففك بذلك أسر أهل الساحل قاطبة. كل هاته الأعمال أجراها في شهر شعبان ورمضان من سنة ست وثمانين استدراكاً لما بقي، فعالج المملكة معالجة الطبيب الحاذق وأعاد عليها شرخ الشباب.
ولما استتم ضبط أحوالها على الوجه الأكمل غير إدارة الدولة فجعل الوزارة الكبرى مركبة من وزارة المال ووزارة العمالة ووزارة الخارجية، ولها النظر على الحرب والبحر، وكان الوزير الأكبر مصطفى خزندار، ووزير الحرب رستم، ووزير البحر مَحمد خزندار، وجعل لمسمى الوزارة الكبرى أربعة أقسام القسم الأول لسياسة المملكة والقسم الثاني للواردين من المتوظفين، والقسم الثالث للنوازل الشخصية، والقسم الرابع لأمور الخارجية، وجميعها تحت رئاسة وزير مباشر. وفي كل قسم مستشار أول فكان الوزير المباشر خير الدين، ومستشار القسم الأول الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، ومستشار القسم الثاني حسين، ومستشار القسم الثالث الشيخ أحمد بن أبي الضياف، ومستشار القسم الرابع النصراني فليكس راف. وكان ذلك في منتصف شوال سنة سبع وثمانين.
وأرسل إلى الدولة العثمانية في طلب تجديد القزمان العالي الشأن في حفظ الإمارة وإجرائها على نسق الإمارات الممتازة في الدولة العلية لإحكام الوصلة وربط العلاقة بينه وبين الدولة وحفظ الأمن على البلاد فجددت له الدولة العثمانية فَرمانها العالي، وأرسلت له سيفاً مع النيشان المجيدي صحبة خير الدين، واحتفل لذلك موكب تلاوة الفرمان، ولبس النيشان صبيحة خاص شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وتزينت لذلك تونس وسائر بلدان لمملكة زينة لم يسبق لها نظير استمرت بقية شهر رمضان، وأكثر شهر شوال.
ولما وقعت الحرب للترك مع الروس فتح دار الباي بتونس وأذن بجمع إعانة تطوعية فصدر الأمر العلي بذلك سادس وجب سنة ثلاث وتسعين. ودفع هو ورجال دولته ما نشط الأهالي فأقبلت الأمة من كل فج، واجتمعت من ذلك إعانة كافية مالية بلغت إلى 59004.663.433.09 ريالات تونسية فضلاً أرسلها للدولة العثمانية، ثم جمع لها من الخيل والبغال التي تطوع بها الأعيان مقداراً معتبراً وأرسله إعانة دولة الإسلام.
وهو الذي أقام خزنة مكاتيب الدولة ورسومها وغير ذلك على وجه بديع يسهل معه تناول أي بطاقة من علائق الدولة في طرفة عين وقد حسن كثيراً من الأعمال، فغير نوع السكة التي كانت جلبت خلل الصرف، وضرب سكة من النحاس بقيمة لا تقبل التغيير ذات ثمن وخروبة ونصفها، فدارت السكة المذكورة صبيحة يوم الخميس الثالث عشر من جمادى الأولى لسنة تسع وثمانين.
وفتح دار السكة لقبول السكة القديمة بقيمتها وتعويضها بالسكة الجديدة وعند ذلك طبع كثيراً من سكة الفضة بقيمة أربعة ريالات وريالين وريال ونصف ريال، ثم لما تكاثر نوع السكة المذكورة في البلاد أراد الصرافون أن يعيدوا فتنة الصرف فتدارك الأمر وأسقط من النوع الذي قيمته أربعة ريالات ثلاثة أرباع الريال. وهكذا جرى الإسقاط في بقية الأنواع على تلك النسبة وصدر الأمر بذلك في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وتسعين.
وقد أقام كثيراً من المجالس والقوانين لضبط فروع الإدارات وتحسينها، فأقام مجلس النظافة تحت رئاسة رئيس المجلس البلدي الشريف محمد العربي زروق للاعتناء بتنظيف البلاد ورفع المزابل في كل يوم على مقتضى قانون تألف من تسعة عشر فصلاً صدر بتاريخ الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين، ووظف على كل محل قدراً معيناً يدفع بعد كل ثلاثة أشهر بعد أن وظف أداء الخروبة على قيمة كراء الأملاك من الديار وغيرها من الرباعات كخروبة الأكرية. وأصدر بذلك قانوناً مؤرخاً بالتاسع والعشرين من ربيع الأول سنة تسعين، ذلك بعد أن عمم تضريس البلاد من غالب جهاتها وأزال أوحالها، وحسنها تحسيناً يشهد له بغاية حبه لها، وخرج بالتحسين إلى ما حول الحاضرة فحسن طريق باردو من باب الخضراء وباب سيدي عبد السلام وباب سعدون وباب حومة العلوج وباب سيدي عبد الله الشريف وضرس جميع تلك المسالك وحفها بالشجر عن اليمين وعن الشمال وسوى البطحاء التي أمام باردو وزانها بالفوارة الضخمة وجدد باب باردو، وكذلك مهد طريق حمام الأنف من باب عليوة بعد أن بنى هو ذلك الباب. وأدار على مقبرة الزلاج سوراً لحمايتها من الدواب. وجعل قشلة العطارين سجناً مقسماً إلى فروع كثيرة لمجرمي الأهالي والأجانب، وجعل له حفظة لتنظيفه، وأجرى عليه مونة كافية بعد أن كانت المساجين يسجنون في دهليز من العذاب وربما مات من تطول إقامته فيه، وجعل له قانوناً يشتمل على أربعة وعشرين فصلاً مؤرخاً بالتاسع عضو من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين. وأقام مجلساً للتحفظ ركبه من الأهالي والأجانب الأطباء وغيرهم للنظر في الواردات البحرية وصحة أهلها يجري عمله على مقتضى قانون مؤلف من عشرين فصلاً بتاريخ الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين.
وأقام في هذا التاريخ مجلساً مختلطاً أعضاؤه مركبون من سائر الدول التي لها رعايا كثيرة في البلاد تحت رئاسة أحد الأهالي للحكم في النوازل المالية التي بين الأجانب والأهالي. وأول رئيس انتسب عليه حسونة بن أحمد الوزير الأندلسي أمين الشواشية.
وضبط سياسة الدولة مع سائر الدول الأورباوبة التي لها رعايا بتونس بمعاهدات يجري التعامل بمقتضاها فكان الاتفاق المنعقد مع دولة إنكلترا مؤلفاً من سبعة عشر شرطاً بتاريخ يوم السبت السادس والعشرين من ربيع الثاني سنة ثمانين، ثم حرره باثنين وأربعين شرطاً بتاريخ يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وتسعين. والاتفاق الواقع مع دولة إيطاليا يتألف من ستة وعشرين شرطاً. وأكد الاتفاق الذي كان عقده أخوه مع دولة النمسا المتركب من عشرين شرطاً المؤرخ بغرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين، وبذلك أتم سياج السياسة الخارجية.
وضبط الفلاحة في داخلية المملكة بقانون يحتوي على ثلاثة وسبعين فصلاً في ضبط أحكامها ومصالحها بتاريخ الخامس والعشرين من صفر سنة إحدى وتسعين.
وضبط خدمة العمال والمتعينين للأعراب وغيرهم بقوانين تجري عليها إدارة خدمة العمال ومقدار ما يأخذه المتعينون من المجرمين ب التشديد على من يتجاسر على أخذ شيء زائد فكان قانون خدمة العمال مؤلفاً من عشرة فصول وقانون خدمة المتعينين من تسعة عشر فصلاً وكلاهما بتاريخ أوائل ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين.
وأسقط قانون زيتون الوطن القبلي وصيره عُشْراً شرعياً على الزيت لما رأى من ضعف الزيتون المذكور عن أداء القانون في الرابع والعشرين من شوال سنة تسعين وبذلك تضاعف أمن المملكة واستكمل فخرها حتى أمنت فيها السبل واطمأن أهاليها عموماً فكان هو المجدد للدولة وله فخر تجديدها.
ولم يكفه هذا التجديد، الجاري على مناهج الرأي السديد، بل ترقى في حفظ أمن البلاد وتحسين إدارة الدولة فأقام مجلساً شورياً تحت رئاسة الوزير الأكبر للنظر في مهمات نوازل الدولة الداخلية والخارجية. فكان أول اجتماعه صبيحة يوم الاثنين الثامن عشر من رجب الأصب سنة ست وتسعين بسراية حلق الوادي، ورئيسه الوزير الأكبر الحالي وأعضاؤه وزير الورى مَحمد خزندار الوزير السابق، ووزير الشورى الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، ووزير الشورى حسين المكلف بالمعارف العمومية والنافعة، ووزير البحر أحمد زروق، ووزير الحرب سليم، ومستشار الوزارة الخارجية الشيخ محمد البكوش، ومستشار القسم الثاني محمد المرابط، وكاهية باش كاتب الشيخ محمود بوخريص، والمدرس الشيخ مصطفى رضوان رئيس كتاب الكومسيون. ثم ضمّ إليهم رئيس المجلس البلدي الشريف محمد الربي زروق، ورئيس جمعية الأوقاف المدرس الشيخ محمد بيرم، وعند سفر، وليها عوضه رئيس كتاب القسم الثاني الشيخ يوسف بن أحمد جعيط، فكان لجميعهم تعاون على مصالح البلاد+ وذلك من أعظم مآثر هذا الأمير الفائز بالسبق على سائر الأمجاد.
أما اعتناؤه بالعلوم وأربابها لقذف الروح في جسد المملكة فحديثه في هذا الباب طويل الذيل ونقتصر منه على الأمهات، فنقول: إنه بإثر استوائه على كرسي المملكة أمر بإرجاع جميع أرباب خطة العدالة إلى خطتهم التي كانوا عزلوا منها، وكذلك أرجع سائر المؤذنين بعد أن كانوا عزلوا أيضاً اقتصاداً في العدول والمؤذنين فنال بذلك من الدعاء الصالح ما لا حد له.
ثم لما رئب المجالس وكان من مقتضياتها أن الحجج لا تمضي لديها بدون ختم شرعي أذن جميع أرباب الخطط الشرعية من القضاة والمفتين بوضع أختام بعد أن كان الختم خاصاً بالقاضيين لا غير.
ثم لما انقضت السنون التي أتت على المملكة وأهلها بما تناقصت به جميع المداخيل ولم يبق لبيت المال دخل يقوم برواتب المدرسين بجامع الزيتونة وحدث بعض فتور في العلم أمر بجمع المدرسين وأهل المجلس الشرعي بجامع الزيتونة، واستنهض همتهم العلمية وعين لأهل الرتبة الأولى ثلاثة ريالات يومياً تخرج مرا الدولة زيادة على ما لهم في بيت المال. وجعل لأهل الرتبة الثانية ريالاً يومياً زيادة على ما لهم من وقف المدرسين. وأبرز بذلك منشوراً قرىء بجامع الزيتونة بمحضر جميع العلماء في كرة رجب الأصب سنة سبع وثمانين ومائتين وألف. وعين أربعة من رجالي الدولة لتفقد أحوال الجامع وتقريرها لدى الدولة، وهم: الشيخ محمد العزيز بوعتور باش كاتب، وحسين مستشار القسم الثاني من الوزارة الكبرى، والشيخ أحمد بن أبي الضياف، والشيخ محمد البكوش.
وأبطل وظيفة الحسبة التي كانت تجتمع لنظرها جميع أوقاف المملكة لصرف فواضلها لأرباب الخطط الشرعية فوزع مهمات أوقاف المملكة على المشايخ أهل المجلس الشرير كل واحد يقوم بشعائر الأوقاف التي لنظره ويستقل بفاضله واستمروا على ذلك أكثر من ثلاث سنين غير أن دخل الأوقاف ضعف وتناقصت جراية الدولة عن المدرسين، فاستدرك الحالة بقانون علمي مؤلف من سبعة وستين فصلاً مؤرخ بالثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وتسعين، قد اجتمع على تأليفه أعيان علماء العصر، فكان أكمل أنموذج يجري عليه نظام التعليم بجامع الزيتونة مع تعيين مائة كتاب وستة عشر كتاباً منتخبة من ثلاثة وعشرين فناً تدرّس بجامع الزيتونة. وحفظ نظارة العلم بمستشار من الدولة، وأول من تقلد هاته النظارة حسين المكلف بالمعارف العمومية وجعل له نائبين من أعيان المدرسين يباشران النظر على أعمال الجامع كل يوم. وعين الامتحان العام لسائر طبقات التلامذة في شهر ماية الأعجمي من كل سنة، وقرىء منشور ذلك بجامع الزيتونة أول المحرم من سنة اثنتين وتسعين، فتكاثرت الدروس والمدرسون، وأقبل الطلبة على العلم حتى بلغ عدد الدروس التي أقرئت بجامع الزيتونة في سنة أربع وتسعين إلى أحد وعشرين ألف درس ومائتين ودرسين من الكتب التي اقتضاها الترتيب. وبلغ الآن عدد المتصدرين للإقراء تطوعاً إلى ثمانية وخمسين عالماً زيادة على الذين يستحقون الجرايات المعينة وفد منح المتأهلين للإقراء بإجازة الامتحان التقديم لخطة العدالة على مقتضى الإلحاق الصادر بتاريخ الثاني والعشرين من صفر الخير سنة سبع وتسعين، وأصدر بذلك منشوراً قرىء بجامع الزيتونة بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء الثالث والعشرين من الشهر المذكور ترغيباً في العلم، وقد بلغ عدد التلامذة بالجامع الأعظم إلى أكثر من سبعمائة تلميذ، وحسبك بذلك مزية لهاته الدولة.
وقد جمع جميع أوقاف الحاضرة وسائر بلدان المملكة لنظارة جمعية تجعل من تحت تصرفها وكلاء يقومون بلوازم شعائر الأوقاف، وما يفضل من ذلك يدخل لإدارة الجمعية تدفع منه مرتباً للمشايخ أهل المجلس الشرعي بالحاضرة قدره ثمانية آلاف ريال في السنة لكل واحد من شيخي الإسلام وستة آلاف لكل واحد من بقية الشيوخ وثماني عشرة مائة ريال لكل واحد من قضاة حواضر المملكة و 1440 ريالاً لكل واحد من مفتيي بلدان المملكة، و 1080 لبقية قضاة البلدان، ويدفع منه من مرتب المدرسين المقدار المعين على الدولة. وأصدر بذلك ترتيب أعمال الجمعية المشتمل على أربعة وعشرين فصلاً المؤرخ بالمحرم الحرام سنة إحدى وتسعين فأخذت الجمعية في ضبط الأوقاف ومداخيلها وأموال ما عوض منها مما جرى تأمينه تحت يد أفراد معتبرين البالغ قدر ذلك إلى ما يقرب من الثلاثة الملايين لتستخلص منه ما يمكن خلاصه وتعاوض به أوقافاً واجتمعت الأوقاف أحسن اجتماع بلغت به مداخيلها من ثمن الغلال والأكرية والإنزالات إلى 01.678.016 ريالات فضة في سنة خمس وتسكين وبذلك وقع استدراك ما أتى عليه الخراب من الموقوف والموقوف عليه في الحاضرة وسائر بلدان المملكة. وأقيمت شعائر جميعها بإجراء لوازمهما مع مرتبات أربابها السنوية البالغ لازم ذلك إلى ما يقرب هن الستمائة ألف ريال فضة. وأصلحت جميع جوامع الخطب بالحاضرة، وفتح باب جامع القصبة من السور في رمضان المعظم سنة إحدى وتسعين فانتفع به عموم المسلمين. وأحييت المساجد والزوايا حتى بلغ الآن عدد القائم من مساجد الحاضرة إلى مائتين وخمسين مسجداً أغلبها وقع فيه إصلاح له بال فضلاً عما أعيد أصل بنائه منها وأصلحت جميع المدارس وأحييت كثير من الأوقاف بعد أن لم تكن منتفعاً بها.
ووقع مثل ذلك في أغلب الزوايا والمكاتب وأصلح سور الحاضرة من عدة جهات وسور صفاقس، كذلك سور بنزرت وسور القيروان، وتجدد سقف جامعها الأعظم الذي هو من وضع الصحابة. وهكذا عمّ الإصلاح سائر جهات المملكة وأصلح أيضاً كثيراً من الأبراج. وأعيد بناء برج حمة قابس بحيث إن نحو ربع المدخول في هاته السنين صرف في الإصلاحات المهمة لإحياء الأوقاف زيادة على إجراء الشعائر على وجهها على مقتضى نصوص المحبسين. ثم إن فاضل الدخل أجريت منه المرتبات المعتبرة الكافية لجميع أهل الخطط الشرعية والمدرسين بالحاضرة وبلدان المملكة البالغة إلى 234.325 ريالاً فضة في كل سنة تدفع لهم مشاهرة على حسب اختلاف القدر المعين لهم وما يفضل تقام به مصالح عمومية في البلاد، كل ذلك من البر الذي حسناته في صحيفة هذا الأمير أبقاه الله.
وقد عين قشلة طريق سيدي المرجاني فجعلها مكتباً عاماً أوقف عليه أوقافاً لها بال وأجراه على نظام المكاتب الجديدة لتعليم أبناء الأهالي العلوم الدينية واللغوية واللغات الأجنبية والمعارف الإفرنجية من الرياضات وغيرها وجعل لذلك قانوناً اجتمع على ترتيبه أعيان علماء العصر فكان مؤلفاً من اثنين وثمانين فصلاً صدر بتاريخ خامس ذي الحجة الحرام سنة إحدى وتسعين ففتح المكتب المذكور بعد إتقان تقسيمه وتحسينه وأجرى به مونة الطعام لعموم التلاميذ والكسوة والفراش للمقيمين به خاصة وأقام به معلمين من علماء الحاضرة والترك والإفرنج وظهرت منه نشأة بارعة وحضر بنفسه في موكب امتحانهم السنوي.
وأوقف كتباً كثيرة ملأت ست خزائن جعلها بصدر جامع الزيتونة أواسط سنة إحدى وتسعين. وأعاد ترتيب تلك الخزنة بتحرير أسماء كتبها البالغة نحو عشر آلاف مجلد ووضع أعداداً متوالية على تلك المجلدات بعد تحرير قيمتها التي لم تزل اليد جائلة في إتمامها.
وقد جمع جميع كتب المدارس والجوامع الأُخَر وضمّ إليها كتباً أخرى وجعلها مكتبة عامة بالمحل الذي بناه أبو عبد الله الحفصي بجامع الزيتونة عند صحن الجنائز وخضه بالمطالعة والنسخ هنالك من غير إخراج كتاب إلى خارج المكتبة فكانت المكتبة المذكورة تشتمل على أكثر من ثلاثة آلاف مجلد تحتوي على عشرين فناً من خط اليد الجميل وليس فيها من الكتب المطبوعة أو الرديئة الخط إلاّ ما ندر، وقد عمّ بها النفع للغرباء والمحتاجين بالمطالعة والنسخ اليومي فيها. وجعل بها ثلاثة قيمين تستمر إقامتهم سائر اليوم كله وأجرى عليهم الجرايات الكافية على مقتضى قانون رسمه نجي صدر أزمة المكتبة يحتوي على ستة عشر فصلاً بتاريخ الثاني عشر من ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين.
ووضح ترتيباً قانونياً لتنظيم ديوان الشريعة المطهرة اجتمع على تأليفه شيوخ المجلس الشرعي وتألف من ستين فصلاً أصدره بتاريخ صرفي ثلاثين من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين. وتعينت به مراسم خطة القضاء ورسوم خطة الإفتاء والأعمال التي يجري عليها الوكلاء والأعوان والخصماء. وجعل يومئذ طابعاً يخص ديوان الشريعة لختم حجج الأحكام الشرعية زيادة على ما كان عينه من كون سائر حجج العدالة لا يصح كتبها إلا بالرقاع المختومة بالختم المسمى بالتانبر منذ ذي الحجة الحرام سنة أربع وثمانين.
ووضع قانوناً لضبط حجج الإشهاد يجري عليه عمل الشهود في الحاضرة وسائر بلدان المملكة، وجعل لجميعهم دفاتر لا تشذ عنها شهادة، كل ذلك بعد إحصاء سائر الشهود، وتعيين الاقتصار على عددهم الموجود، إلى أن يتناقصوا بما دون الحاجة. وعين العدد المحتاج إليه في كل جهة فضبط بالقانون المذكور كيفية تحمل الشهادة وأدائها وقد تألف من ستة عشر فصلاً أصدره بتاريخ موفي ذي القعدة الحرام سنة إحدى وتسعين كل ذلك اعتناء بالمعارف وأربابها ومحافظة على الحقوق الشرعية فكان هو الذي أسس هاته الأساسات المحكمة البناء.
وزاد اعتناؤه بحفظ الصحة فعين قشلة البشامقية وجعلها مستشفى نقل إليه مرضى المارستان وأقام به أطباء ومرافق وتحسينات مع الاعتناء بالنظافة وأفرز فيه قسماً للنساء خاصة وأقام به حفظة وقيمين وأحضر له آلات جراحية غريبة حتى كان في غاية التنظيم في تفان الوضع الجاري على أحد وأربعين فصلاً من قانونه المؤرخ بيوم الأحد السادس والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين. وحضر بنفسه يوم فتحه صبيحة يوم الاثنين الثامن عشر من صفر السنة المذكورة في موكب حضره جميع رجال الدولة، وباشر سائر الغرباء المرضى هنالك فرداً فرداً فخلّد بذلك ذكراً جميلاً وجرت إقامة جميع لوازم المستشفى بدخل وقف المارستان على أكمل نظام، وأتقن إحكام.
وأما اعتناؤه بالأشياء التحسينية التي خلّدها في المملكة فمن أعظمها فتح دار المطبعة ونشر صحيفة الرائد لتعليم أهل المملكة أحوال الدول وما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية تمديناً لهم. وكان ابتداء نشره أواخر عام سبعة وسبعين.
وواصل بين المملكة التونسية وسائر ممالك الدنيا بسلك البرق الذي يبلغ به الخبر في طرفة عين ومد سكة الحديد بين تونس وحلق الوادي وباردو، وأوصلها بعد ذلك من تونس إلى أطراف الحدود الغربية وأصدر الأمر العلي بذلك في اليوم الثاني عشر من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين على اتفاق تألف من ثمانية وعشرين شرطاً تصل به السكة المذكورة مق حاضرة تونس إلى جندوبة خاصة على أن يجري عمل السكة على نحو ما تحرر في التسعة والأربعين فصلاً التي عينتها الدولة، وجرى ذلك على الوجه أية تم مع شوكة تسمى الباتينيون ثم منح لشركة عنابة وقالمه مد السكة من محطتها بدخلة جندوبة إلى طريق الجزائر على ستة شروط تحررت بتاريخ الثالث والعشرين من المحرم الحرام سنة خمس وتسعين. وقد ابتدأ سير الأقطار صبيحة يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة ست وركب في ذلك القطار الأمير وسائر رجال الدولة وتلقته أعراب تلك الجهات بالملاعب والسرور وعاد مسروراً بسرورهم.
وقد أجرى نور الغاز الهوائي في الأنابيب لإيقاد البلاد وتنويرها بهذا النور الساطع وكان ابتداء جريانه أواسط ربيع الثاني سنة إحدى وتسعين بعد أن عمم سائر حومات البلاد بساقيات ماء زغوان وأجراه في سائر منازلها ومنازهها.
وأقام الخزنة الضخمة البناء التي عند باب سيدي عبد الله الشريف مجتمعاً للماء الوارد من المنبع المذكور. وأقام فوقها الفوارة الضخمة الدائمة الانهمال، وعمّ سقيها بساتين منوبة ومنازه حلق الوادي وبساتينه. وكان وصول الماء المذكور إلى الحاضرة سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف.
وقد وسع كثيراً من المناهج بواسطة مراسم المجلس البلدي، ومن أعظمها طريق البحيرة المقسم والنهجان الموصلان إلى محطتي سكة الحديد وذلك بعد هدم سائر الأبنية القديمة التي كانت أمام باب البحر. وهدم فندق الغلة القديم، وسوى هنالك مركزاً لكراريس الكراء سنة اثنتين وتسعين. وأقام الجنينة التي أمام باب البحر والجنينة التي جعلها في القصبة مع تسوية بطحائها وسائر منافذ طرقها المتسعة وتمهيد الطريق الواصلة من باب البنات إلى باب سويقة بعد أن كان مهدها من باب السويقة إلى باب الجزيرة خطأ واحداً في غاية الاتساع والاستواء بالضرس، وهدم ما تداعى من السور المحيط بالمدينة حيث لم يكن به نفع مع وجود السور الخارجي وبقي خرابه كلأ على البلاد فأزاله ووسع بمحله الطرق وسواها بحيث أزال باب قرطاجنة وباب السويقة وباب البنات وما بينهما من السرور، وأزال باب سيدي علي الزواوي وباب الجزيرة حيث أن جميعها في وسط البلاد وعلى البلاد السور الخارجي الضخم الأبواب، وأعاد بناء باب الخضراء وحسن مسالكه سنة اثنتين وتسعين. وقد عين جرايات كافية للالتزام بإصلاح ذلك على الوجه الحسن وبموجب القيام بمصاريف تلك الطرقات وظف أداء على الكراريس والكراريط بحيث أن كروسة المالك تودي خمسة ريالات وكروسة الكراء تؤدي أربعة ريالات والكرطون.
يؤدي ريالين جميع ذلك مشاهرة يستوي فيها الأهالي والأجانب وأصدر بذلك قانوناً مؤلفاً من أحد عشر فصلاً مؤرخاً بالثاني عشر من ربيع الأول سنة ست وتسعين.
وأما أبنيته الفائقة فأولها بناؤه لدار باردو المعمور ثم بنى الأبنية الفائقة في قصر البرطال الذي حول باردو وسماه القصر السعيد فأبدع إحكام بنائه ونضد فرشه، وسكنه أواخر سنة ست وثمانين ورضع جبهته بعد ذلك بسراية فاخرة سماها مقر السعادة، فكان من أعظم أبنية البلاد، وكذلك أبنيته التي شادها بحلق الوادي فقد شيد به السراية وأحدث بيت البحر من أضخم البناء وأروقِه وأحيا جامعه وأقامه أكمل إقامة بعد تجديده، ومن ذلك تحسينه لبناء جامع باردو وفتح بابه الضخم وبناء سوق القصبة والعلو الباذخ الذي قبالته على دار المولى حمودة باشا المرادي التي عاوضها حمودة باشا الحسيني في غرة شوال سنة تسع عشرة. وجدد بناءها على الوجه الأتقن، وبنى حولها سوق الباي المشهور فكان هذا العلو الصادقي كالتاج على جبهة ذات الجمال وتسمى اليوم بسراية المملكة. وبنى زاوية الشيخ سيدي محرز بن خلف البناء العظيم وشيد قبابها الهائلة البديعة النقش بعد أن جدد بابه الخارجي سنة تسع وسبعين وجدد قبة زاوية الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي وأحضر لها عملة نقش حَديدة فأتى بها أغرب صنع وقع في البلاد وأتم تجديدها سنة خمس وتسعين في أعلى شاهد على دقة مصنوعات البلاد وعلو همة صاحبها فمن علم منه هاته المآثر الجمة والمفاخر المهمة، صح له أن يلقبه "بفاتح عصر التمدن في البلاد التونسية". فقد باشر الحكم بنفسه بإنصاف وتحر فيه وتثبت مع كمال فطنة واستحضار النوازل وما سبق فيها، وشدة التحري في قتل النفس بحيث إنه لا يأمر بالقتل إلا بعد حكم الشرع العزيز، ولربما بذل من عنده الفداء إلا إذا تشدد أولياء المقتول في طلب الاقتصاص، وبالجملة فإنه فارس المحكمة ولذلك جميع أصحاب النوازلط يترصدون بنوازلهم يوم حكمه الفصل، وله أعظم حزم في الذب عن حقوق المملكة والاعتناء بحفظ الدين يليق بعراقة مجده وغيرته على مملكة آبائه وأجداده.
وله شغف بحب الأولياء وتعظيم الأشراف والعلماء واعتبار أعيان المملكة حتى خلد بذلك أعظم مودة له في نفوس جميع الأهالي.
ومع ذلك قد حصل بعناية الله على تحسين حال المملكة وتقديم أهلها إلى مسالك التمدن حتى أصبح في خفض عيش وحسن تمتع ببلوغ الآمال. يسكن القصر السعيد حول باردو وأغلب السنة عدا زمن الحر في المصيف فإنه يسكن في سراية حلق الوادي وبيت البحر. وقد خرج أواخر عام ثلاثة وتسعين في زمن الثاء إلى حمام الأنف وأحدث به هالك أبنية.
وأقامت العساكر النظامية حول أبنيته في أخبيتهم مدة تلك الإقامة، ولما ورد وارد إقبال رأس العام وهو مقيم في تلك المنازه هنيت جنابه بقصيدة سميتها "مورد الهناء المعين. بعام أربعة وتسعين" فقلت:[الكامل]
عام انتزاه الصادق المنصور
…
وافى ببشر ليس بالمحصور
فأتى إليه وخلفه الأعوام سا
…
عية لمعهد فضله المشكور
كل لعزه وافد كي يلتقي
…
بجمال طلعته ممر عصور
لكن هذا العام جلى بينها
…
فأتى كإخوته ممر عصور
وسترتقي من بعده الأعوام في
…
درج اقتباله في أجل حبور
إذ أنه الملك الذي أحيا لنا
…
ربْع المعارف بعد محض دثور
إذ أنه الملك الذي أسدى لنا
…
نعماً تريه سعادة المقدور
إذ أنه الملك الذي أيامه
…
قد أطلعتْ في الفق خيرَ بدر
إذ أنه الملك الذي قد ضُمِّختْ
…
أخبار دولته بطيب عطور
إذ أنه الملك الذي قد سددت
…
أعماله فأباد كل فجور
إذ أنه الشهم المشير المرتضى
…
مجري سيوب الفضل مثل بحور
الصادق العَلَم الحسينيُّ الذي
…
به تونسٌ حيطت بأعظم سور
فهو المسَهِّد جفن عدل آمن
…
به كان حفظ الغافل المغرور
حاط المحاكم والشعائر والمعا
…
رف والزروع بغير ما منشور
فغدا براحة مأمن الأهلين في
…
نِعَمِ الهناء يجر ذيل فخُور
وارتاح راحة حازم ما سيم غي
…
ر حراس صارم رأيه المشهور
يفْري مضاءُ غُرابِه الدُّهْمَ التي
…
هالت بصعب مبْهَم منكور
فالتاج للأمن المحيط بمنزه
…
يزهو بفاضل ذيله المجرور
وسعى له بحلي تهان جملة ال
…
أعيان زاهية بيمن خُيور
فكان يوم وصوله عيد الهنا
…
وكأن وفده مجمع المحشور
فأتى إلى إكرامه الحيوان مِنْ
…
نَعَم ووحش شارد وطيور
والكل بين مضرج ومعفر
…
ومجندل ومعقر منحور
فلحومها كانت قِرَى لجيوشه
…
وحديثُها يرويه كل شكور
كرمٌ جزيل قد أعِّدَ لوافدٍ
…
أو نازلٍ بجواره مبرور
فالناس من طرب وحسن تنزه
…
خلعوا عذارا واجتلوا بسرور
يدعون ربَّهُم ببُقيا مجده
…
شمساً تنبرُهم بكل بكور
ولذا أتى العام الجديد مهنئاً
…
برخي عيش رائق
وافى إليه غداة حل منازهاً
…
حيطت بجيش بالعلا مذكور
فليَهْنَ هذا العام إذ ألفاه في
…
حمام أنف شامخ معمُور
فأتى إليه مهنئاً يبغي به
…
طهراً وتوشيحاً بكل فخور
ليكون بين يدي علاه مطهراً
…
من ماء عدل كماله المشهور
إذ أنه الملك الذي أجرى لنا
…
ينبوعُ عدلٍ ساكب موفور
فاعْجَبْ إلى الأيام حيث تلطفت
…
لعلاه في إهداء عام بشور
فغدا بذلك منبئاً بمديد عُمْ
…
ر بالسعادة والهنا مأثور
وله بذا فخر على الأعوام إذ
…
قد جاء يرفل في ثياب حبور
فمتى تحاول وصفه أرخ وقل:
…
عام انتزاه الصادق المصنور
وقد قرظ هاته القصيدة أمام أيمة البراعة والإنشاء الجهبذ النحرير الفاصل الشيخ محمد الباجي المسعودي رئيس كتبة القسم الثاني من الوزارة بقوله: [الكامل]
زارت تجرر ذيلها الديجُوري
…
فانجاب صبح الوصل للمهجور
وأتت تذكر عهْدَ أُنسي بالمَهَا
…
وزمانَ لهوِي بالظِبا والحور
مياسة الأعطاف تحسب أنها
…
نشوى براح من كؤوس مدير
تشدو بلحن "الموْصِلي" و "معبد"
…
و"مُخارِق" في نغمة المأخور
فتعيد ميْت الصد حياً مثل ما
…
أحيا "السنوسي" النظم بعد دثور
جر اليراع فضم أشتات العلا
…
نصباً لناظرها لنفخ الصور
وسما لتخليد المآثر والحِلى
…
للغابرين وشُهَّدٍ وحضور
وتقلدت منه البلاد نفائساً
…
وفرائداً ب (الرائد) المشهور
تُزرى بأزهار الرياض، وحسنُها
…
في عين كل محقق وبصير
أمحمَّدُ وابن الذين علاهُم
…
في القطر مثل "يلملم" و"ثبير"
شرفتني بفريدة أبدعتها
…
"عام انتزاه الصادق المنصور"
فظَللْتمن طرب أميل كأنني
…
نشوان ماء الكرمة المعصور
وكأنَّ ما نتلوه من أبياتها
…
نظُم "الفرزدق" أو نِظامُ "جرير"
فنظمت مايرجو المحب قبوله
…
من كاسد للعجز والتقصير
داعٍ لكم بسعادة أبدية
…
وإعانة ومبرة وسرور
وقرظها أيضاً الدراكة النحرير الماجد الشاعر الفاضل المدرس الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن الخوجة بقوله: [الكامل]
زارت تجر مطارفاً من نور
…
ولها الفخار على الحسان الحور
بدوية الأعراق إلا أنها
…
حضرية في لطفها المشكور
قسماً بمُحْكم نسجها لو أنها
…
في العُرب قام بها لسان فخور
قسماً بطرف حديثها إني بها
…
لما أتيحت مع ألذ سمير
ملكت قلوب مطالعيها بحسنها
…
فاستوْصِهَا بفؤادي المأسور
حلت بها شتى المحاسن مثل ما
…
حلت بوصف وليها المشهور
ذاك الذي جمع الفضائل بعد ما
…
كانت طرائق في بني المعمور
ذاك "السنوسي" الذي ملك العلا
…
وعلا على كرسيها كأمير
إن قلت كل الصيد في جوف الفَرا
…
فهي الفضائل في حمى المذكور
قُسُّ الفصاحة حِلْفُ كل فضيلة
…
مبدي البدائع وهو غير فخور
منح المعارف للنهي لكنه
…
راعى التلطف فاكتنى بمدير
فذٌّ على سن الحداثة قد سما
…
وحوى من العلياء كل عسير
ما السن يُلحِق بالصغير نقيصة
…
ولقد يكون الشيخ غير كبير
مهلاً أبا عبد الإله فإنني
…
في حصْر فضلك منتم لقصور
وإليك من جهد المقل وليدة
…
جاءت لتخدم ستَّها بسُطُورِ
وقرظها الأديب المحقق النحرير الماجد الزكي الشيخ محمد بن حمودة بن أحمد جعيط وكتب قبله قوله: [الخفيف]
أيها الخل إن أبكار فكري
…
عطِشت لارتياد ورد القرين
إذ أريتم فتانة الطرف لطفاً
…
فأتوا"مورد الهناء المعين"
وهذا نص تقريظه:
جاءت مسربلة ثياب سرور
…
وتذيع نشْر ثنائها المعطور
باكورة العام الجديد تطلعت
…
وتقلدت عقد الهنا بنُحور
برزت ومنْهلَّ السرور تبثه
…
فانهلت الأمطار مثل بحور
وأدارت الراح الحلال على الورى
…
في كأس جوهر لفظها المسطور
في لطف "أندلس" وحسن جزالة
…
تُزري بأبكار "العراق" الحور
لا غرو أن شمخت بأنفٍ وهي في
…
"حمام أنف" شامخ معمور
وكِناسها البيت الحسينيُّ الذي
…
شمخت دعائم مجده المشهور
ومديرها الفذ "السنوس مَحمدٌّ"
…
حاوي على المنظوم والمنثور
ذاك الذي اقتنص المعارف عندما
…
قد خاض يم العلم خوض بصير
فغدا يرصع تاج دهر فاغتدى
…
يسمو بدر نفائس التحرير
ويفيض ينبوع القريض بمقْول
…
يزري بشعر "فرزدق" و"جرير"
فلذا أراك فريدة من لفظها
…
ينهلّ موردُ للهنا كبحور
لله موقع لطفها في أذن مَن
…
قد كان بالأغراض خير خبير
لما سطت حسناً عليَّ جعلتها
…
وسطى لتاج الرائد المبرور
فبراعة استهلال مطلعيه قد
…
جاءت بأن العامَ عامُ سرور
نشروا لمطوي الثنا كل الورى
…
لجميل لطف الرائد خبير
عهدي به يرعى الهشيم فريثما
…
وافيت جاء بلؤلؤ منثور
وغدا يثير عزائم الإسلام للن
…
هج القويم بوعظه المسطور
وروته فرسان الطِّراد وزينو
…
أن الذي أنشاه خيرُ سمير
وهو المجلي لا يقاس بفارس
…
رام النزال بمسلك مهجور
دم أيها الخل الصديق مرفعاً
…
واللطف حاط بكم إحاطة سور
تبدي البدائع والإله يُمِدّكم
…
بالعون منه على ممر دهور
ولو أردنا ذكر جميع مفاخير هذا الأمير، ومدائحه الأدبية التي تزري بطيب العيير، وتفاصيل مآثره ونتائج أعماله، التي بلغ بها إلى غاية آماله، لضاق بنا غرض الكتاب، دون البلوغ إلى غاية الآراب. ولكن دلالة الآثار تغني البصير عن تفاصيل الأخبار، وفيما ذكرناه عنوان، على ما له من المزية وعلو الشان.
وقد استوزر هذا الأمير في الوزارة الكبرى أولاً وزير ابن عمه وأخيه مصطفى خزندار وهو من مماليك المشير أحمد باشا باي، وقد صاهره بأخته واستوزره مدة دولته، فأقام على تلك الخطة إلى أن تجاوز فيها الثلاثين سنة وتأخر عنها في موفي الثلاثين من شعبان سنة تسعين. توفي قبل زوال يوع الجمعة السادس والعشرين من رجب الأصب سنة خمس وتسعين.
وكان تأخيره بولاية صهره خير الدين، وهو أيضاً من مماليك المشير المذكور وعلى عهده ولي أمير لواء على الخيالة وترقى في الخطط وسافر إلى باريس في محاسبة محمود بن عياد، وأقام هنالك عدة سنين وأنتج حسابه معه لدى المجالس هنالك ك27.238.337. ريالات تونسية وتمّ له الحكم بتاريخ رجب الأصب سنة ثلاث وسبعين وولي في وزارة البحر، وتقدم في رئاسات المجالس وألف "كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك". وجوت على يده الإصلاحات التي كانت من مبدأ ولايته وزيراً مباشراً إلى أن استعفي من خطة الوزارة الكبرى.
وتقدم لها عوضة محمد خزندار صبيحة السبت الحادي عشر من رجب الأصب سنة أربع وتسعين وهو من مماليك المقدس حسين باشا باي وولي وظيفة خزندار على عهده وباشر القيادات المهمة مثل الأعراض والساحل وارتقى في الخطط وتحنك بالتجارب وباشر الحكم في القسم الثاني من الوزارة وباشر الوزارة الكبرى إلى أن استعفى فأقام على وزارة الشورى.
وقدم الأمير للوزارة الكبرى ابن تربيته مصطفى بن إسماعيل آغا صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من شعبان الأكرم سنة خمس وتسعين وذلك بعد أن رقاه في خدمته إلى رتبة أمير لواء العسة المنصورة في قصره، ثم رقاه في الخطط وولاه قيادة الوطن القبلي وخطة صاحب الطابع ووزارة البحر واستعمله على الساحل وصار وزير الشورى وباشر الحكم في القسم الثاني من الوزارة مدة وزارة من قبله.